نَبِيُّ الرَّحْمَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رحمته صلي الله عليه وسلم بأمته
رحمته صلي الله عليه وسلم بأهل بيته
رحمته صلي الله عليه وسلم مع من خالفه في العقيدة
رحمته صلي الله عليه وسلم بالحيوان
رحمته صلي الله عليه وسلم بالجاهل والمخطيء والعاصي
الحمدلله رب العالمين والصلاة واللسلام علي أشرف المرسلين أما بعد
قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ، نَحْنُ نَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَسَارَعَتْ فِيهِ الْأَحْدَاثُ، وَتَزَايَدَتْ فِيهِ ضُغُوطُ الْحَيَاةِ، وَأَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي حَاجَةٍ إِلَى كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَقَلْبٍ رَحِيمٍ، وَيَدٍ تَمْسَحُ دَمْعَةً، وَنَفْسٍ تَعْفُو وَتَصْفَحُ
وَفِي زَمَنٍ أَصْبَحَتْ فِيهِ كَلِمَةٌ تُكْتَبُ عَلَى شَاشَةِ هَاتِفٍ قَدْ تَجْرَحُ قَلْبًا، وَصُورَةٌ تُنْشَرُ قَدْ تَهْدِمُ سُمْعَةَ إِنْسَانٍ، وَتَعْلِيقٌ سَاخِرٌ قَدْ يَكْسِرُ نَفْسَ شَابٍّ أَوْ طِفْلٍ فَمَا أَحْوَجَنَا الْيَوْمَ إِلَى هَدْيِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ نَتَعَلَّمُ مِنْهُ كَيْفَ نَرْحَمُ، وَكَيْفَ نَعْفُو، وَكَيْفَ نَحْفَظُ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ، وَكَيْفَ نَجْعَلُ الرَّحْمَةَ خُلُقًا نَحْيَا بِهِ فِي بُيُوتِنَا وَمُجْتَمَعِنَا فَقَدْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ قَالَ سُبْحَانَهُ :"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الْأَنْبِيَاءِ: 107).
فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَاشِفَةً عَنْ حَقِيقَةِ الرِّسَالَةِ مُحَمَّدِيَّةِ الجَوْهَرِ، وَمُبَيِّنَةً أَنَّ الرَّحْمَةَ لَمْ تَكُنْ خُلُقًا عَارِضًا فِي شَخْصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا خَصْلَةً تَظْهَرُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهَا ثُمَّ تَغِيبُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ رُوحَ رِسَالَتِهِ، وَغَايَةَ بِعْثَتِهِ، وَأَثَرًا مُمْتَدًّا فِي كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ هَدْيٍ وَتَشْرِيعٍ.
وَقَدْ جَاءَتْ رَحْمَتُهُ ﷺ أَوْسَعَ مِنْ أَنْ تَحُدَّهَا دَائِرَةٌ أَوْ يُقَيِّدَهَا انْتِمَاءٌ؛ فَلَمْ تَكُنْ رَحْمَةً لِفِئَةٍ دُونَ أُخْرَى، وَلَا لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، بَلْ كَانَتْ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، شَمِلَتِ الْمُؤْمِنَ وَالْمُخَالِفَ، وَالْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ، وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ، وَامْتَدَّتْ حَتَّى إِلَى الْحَيَوَانِ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَكَانَ ﷺ رَحْمَته تَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، يَرِقُّ لِلضَّعِيفِ، وَيُوَاسِي الْحَزِينَ، وَيَعْطِفُ عَلَى الْمُحْتَاجِ، وَيَصْفَحُ عَمَّنْ أَسَاءَ، وَيَحْرِصُ عَلَى هِدَايَةِ مَنْ خَالَفَهُ، حَتَّى غَدَتِ الرَّحْمَةُ فِي سِيرَتِهِ مَنْهَجًا أَصِيلًا لَا مَوْقِفًا اسْتِثْنَائِيًّا.
وَلَمْ تَقِفْ رَحْمَتُهُ ﷺ عِنْدَ حُدُودِ الْمَشَاعِرِ وَالْعَوَاطِفِ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى مَنْهَجِ حَيَاةٍ مُتَكَامِلٍ تَجَلَّى فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَفِي عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، وَفِي بَيْتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، وَفِي حَالِ السِّلْمِ وَالْحَرْبِ، وَفِي تَعَامُلِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَمُخَالِفِيهِ، فَكَانَ يُعَلِّمُ الرَّحْمَةَ قَوْلًا، وَيُجَسِّدُهَا فِعْلًا، وَيَغْرِسُهَا فِي النُّفُوسِ خُلُقًا وَسُلُوكًا.
فَتَعَالَوْا بِنَا نَنْهَلْ مِنْ مَعِينِ رَحْمَتِهِ، وَنَتَأَمَّلْ فِي جَمَالِ شَمَائِلِهِ، وَنَتَعَلَّمْ كَيْفَ كَانَ ﷺ رَحِيمًا بِالْجَمِيعِ!
رحمته صلي الله عليه وسلم بأمته
عباد الله:" كَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ رَحْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَتُهُ بِأُمَّتِهِ حِرْصُهُ عَلَى هِدَايَتِهَا وَنَجَاتِهَا، حَتَّى بَلَغَ مِنْ شَفَقَتِهِ عَلَيْهَا أَنْ بَكَى مِنْ أَجْلِهَا فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَتَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي "(إِبْرَاهِيمَ: 36).
وَقَوْلَ عِيسَى :"إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ"(الْمَائِدَةِ: 118).
فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ اللَّهُمَّ أُمّتي أُمّتي وبَكَى فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمّدٍ فَقُلْ إنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمّتِكَ وَلا نَسُوءكَ"(مُسْلِمٌ)
فَأَيُّ رَحْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ؟! نَبِيٌّ يَحْمِلُ هَمَّ أُمَّتِهِ، وَيَبْكِي مِنْ أَجْلِهَا، وَيَرْجُو لَهَا رَحْمَةَ رَبِّهَا
رَحْمَتُهُ بِالْأَطْفَالِ وَالضُّعَفَاءِ:
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ، وَإِذَا كَانَتْ رَحْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ظَهَرَتْ فِي تَعْلِيمِ الْجَاهِلِ وَتَقْوِيمِ الْمُخْطِئِ، فَقَدْ شَمِلَتِ الضُّعَفَاءَ وَالْمُحْتَاجِينَ، فَكَانَ يَرَى ضَعْفَ الْإِنْسَانِ سَبَبًا لِلرِّعَايَةِ وَالْإِعَانَةِ وَحِفْظِ الْكَرَامَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَر" (الضُّحَى: 9-10)
وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَاعِي أَحْوَالَ الضُّعَفَاءِ حَتَّى فِي الْعِبَادَةِ، فَقَالَ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ،وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
فَهَكَذَا كَانَ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ يَرَى الضَّعِيفَ فَيُعِينُهُ، وَالْمُحْتَاجَ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، وَالْيَتِيمَ فَيَحْفَظُ كَرَامَتَهُ، وَالْمَسْكِينَ فَيُكْرِمُهُ؛ فَالرَّحْمَةُ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ نَقُولُهَا، بَلْ مَوَاقِفُ نَقِفُهَا، وَحُقُوقٌ نَحْفَظُهَا، وَكَرَامَاتٌ نَصُونُهَا
وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ، عَلَى عُلُوِّ مَكَانَتِهِ وَعَظِيمِ شَأْنِهِ، قَرِيبًا مِنَ الصِّغَارِ، يَمْلَأُ قُلُوبَهُمْ أُنْسًا وَمَحَبَّةً، وَيُعَامِلُهُمْ بِعَطْفٍ يَفِيضُ رَحْمَةً وَحَنَانًا، فَكَانَ يَحْمِلُ الْأَطْفَالَ وَيُقَبِّلُهُمْ وَيُدَاعِبُهُمْ، وَيَخُصُّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِعِنَايَةٍ ظَاهِرَةٍ، فَيُلَاطِفُهُمَا أَمَامَ أَصْحَابِهِ دُونَ أَنْ يَرَى فِي ذَلِكَ مَا يُنْقِصُ مِنْ هَيْبَتِهِ أَوْ مَكَانَتِهِ، وَحِينَ اسْتَنْكَرَ الْبَعْضُ تَقْبِيلَهُ لِلصِّبْيَانِ، بَيَّنَ ﷺ أَنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ الَّتِي تَمْنَحُ الْقَلْبَ إِنْسَانِيَّتَهُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» [متفق عليه].
وَكَانَ ﷺ يُرَاعِي أَحْوَالَ الصِّغَارِ حَتَّى فِي أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ؛ فَكَانَ إِذَا سَمِعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ خَفَّفَ فِيهَا، مُرَاعَاةً لِمَشَاعِرِ أُمِّهِ وَشَفَقَةً عَلَيْهَا، فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ، أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» [متفق عليه].
وَمِنْ جَمِيلِ رَحْمَتِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَلْتَفِتُ إِلَى الْأَطْفَالِ فِي الطَّرِيقِ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيُلَاطِفُهُمْ، وَيَمْنَحُهُمْ مِنْ وَقْتِهِ وَاهْتِمَامِهِ مَا يُشْعِرُهُمْ بِقِيمَتِهِمْ وَمَكَانَتِهِمْ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ"(البخاري).
وَمِنْ رَحْمَتِهِ ﷺ؛ رَحْمَتُهُ بِالنِّسَاءِ وأهل بيته:
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ:"
وَإِذَا كَانَتْ رَحْمَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَمِلَتِ الضَّعِيفَ وَالْمُحْتَاجَ، فَقَدْ كَانَ أَهْلُ بَيْتِهِ أَوْلَى النَّاسِ بِرَحْمَتِهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي "(التِّرْمِذِيُّ).
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ"(الْبُخَارِيُّ).
فَهَكَذَا كَانَتْ رَحْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُلُوكًا يُعَاشُ، وَخُلُقًا يَظْهَرُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ فِي الْمُجْتَمَعِ؛ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ رَحْمَةَ النَّبِيِّ إِلَى النَّاسِ، فَلْيَبْدَأْ بِأَهْلِ بَيْتِهِ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَرَحْمَةٍ بِالْأَوْلَادِ، وَبِرٍّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَتَجَاوُزٍ عَنِ الْهَفَوَاتِ فَالرَّحْمَةُ الَّتِي لَا نَرَاهَا فِي بُيُوتِنَا، لَنْ نَنْجَحَ فِي نَشْرِهَا فِي مُجْتَمَعِنَا..
جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِرِسَالَةٍ رَفَعَتْ عَنِ الْمَرْأَةِ صُوَرًا مِنَ الظُّلْمِ وَالِامْتِهَانِ، وَأَكَّدَتْ كَرَامَتَهَا وَحُقُوقَهَا، وَجَعَلَتِ الْإِحْسَانَ إِلَيْهَا مِنْ دَلَائِلِ حُسْنِ الْخُلُقِ، فَقَالَ ﷺ:"اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"(متفق عليه).
وَقَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي"(ابن ماجه).
وَكَانَ ﷺ قُدْوَةً فِي حُسْنِ مُعَاشَرَةِ زَوْجَاتِهِ، رَفِيقًا بِهِنَّ، يَسْتَمِعُ إِلَيْهِنَّ وَيُكْرِمُهُنَّ، كَمَا رَفَعَ مَكَانَةَ الْأُمِّ وَأَكَّدَ عَظِيمَ حَقِّهَا، فَقَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ أَحَقِّ النَّاسِ بِحُسْنِ صُحْبَتِهِ:"أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ"(مسلم).
كَمَا حَفِظَ ﷺ لِلْمَرْأَةِ مَكَانَتَهَا الِاجْتِمَاعِيَّةَ وَالْإِنْسَانِيَّةَ، فَأَقَرَّ لَهَا حُقُوقَهَا، وَحَثَّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ وَرِعَايَتِهِنَّ، وَجَعَلَ الْقِيَامَ عَلَيْهِنَّ بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الْأَجْرِ، فَقَالَ ﷺ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهَكَذَا، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ"(مسلم).
رحمته صلي الله عليه وسلم بالحيوان
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ:"
وَلَمْ تَقِفْ رَحْمَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ، بَلْ امْتَدَّتْ إِلَى الْحَيَوَانِ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ،وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ"( مُسْلِمٌ).
فَقَدِ امْتَدَّتْ رَحْمَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِتَشْمَلَ كُلَّ كَائِنٍ حَيٍّ يَدُبُّ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ، فَجَاءَتْ أَحَادِيثُهُ الشَّرِيفَةُ تَنْهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَإِيذَائِهِ أَشَدَّ النَّهْيِ، حَتَّى أَخْبَرَ ﷺ «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ؛ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» [متفق عليه]، فِي حِينِ أَخْبَرَ أَنَّ رَجُلًا سَقَى كَلْبًا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ مِنَ الْعَطَشِ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» [متفق عليه].
وَرَأَى صلى الله عليه وسلم جَمَلًا حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَمَسَحَ عَلَيْهِ،وَقَالَ لِصَاحِبِهِ أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ "(أَبُو دَاوُدَ ).
عِبَادَ اللَّهِ، إِذَا كَانَتْ هَذِهِ رَحْمَةُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَيَوَانِ، فَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ رَحْمَتُنَا بِالْإِنْسَانِ؟ فَلْنَرْحَمْ فِي بُيُوتِنَا وَمُعَامَلَاتِنَا، وَلْنَرْحَمِ الضَّعِيفَ وَالْمُحْتَاجَ وَالْمَرِيضَ، وَلْنَحْذَرْ مِنْ كَلِمَةٍ تَكْسِرُ قَلْبًا، أَوْ تُؤْذِي نَفْسًا، أَوْ تُهينُ إِنْسَانًاوَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ "(التِّرْمِذِيُّ).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ، :"إِنَّ رَحْمَةَ نَبِيِّنَا صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ قِصَصًا نَسْمَعُهَا، بَلْ مَنْهَجٌ نَحْيَا بِهِ؛
فَلْنَرْحَمِ الْجَاهِلَ فَنُعَلِّمَهُ، وَالْمُخْطِئَ فَنُصْلِحَهُ، وَالضَّعِيفَ
فَنُعِينَهُ، وَالْمُحْتَاجَ فَنَحْفَظَ كَرَامَتَهُ، وَأَهْلَنَا فَنُحْسِنَ إِلَيْهِمْ،
وَمَنْ خَالَفَنَا فَنَعْدِلَ مَعَهُ، وَالْحَيَوَانَ فَنَرْفُقَ بِهِ فَهَذِهِ هِيَ
الرَّحْمَةُ الَّتِي عَلَّمَنَا إِيَّاهَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ؛ رَحْمَةٌ لَا تُقِرُّ خَطَأً، وَلَا تَقْبَلُ ظُلْمًا، وَلَا تَهْدِرُ
كَرَامَةً، بَلْ تُصْلِحُ، وَتَعْفُو، وَتَرْفُقُ، وَتَحْفَظُ الْحُقُوقَ؛ رَحْمَةٌ
تَبْنِي الْإِنْسَانَ، وَتُصْلِحُ الْبَيْتَ، وَتَجْمَعُ الْقُلُوبَ، وَتَبْنِي مُجْتَمَعًا
آمِنًا
رحمته صلي الله عليه وسلم بالجاهل والمخطيء والعاصي
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ :"
وَلَمْ تَكُنْ رَحْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ فَقَطْ بَلْ ظَهَرَتْ فِي كُلِّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِمْ فَرَحِمَ الْجَاهِلَ فَعَلَّمَهُ، وَرَحِمَ الْمُخْطِئَ فَقَوَّمَهُ، وَرَحِمَ الضَّعِيفَ فَأَعَانَهُ وَمِنْ أَجْمَلِ مَوَاقِفِهِ فِي ذَلِكَ مَا حَدَثَ مَعَ أَعْرَابِيٍّ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَهَمَّ الصَّحَابَةُ بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهُ، وَلَا تُزْرِمُوهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَىْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِىَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلاة، وَقِرَاءَةِ الْقُرآنِ ثُمَّ أَمَرَ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى مَوْضِعِ بَوْلِهِ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ" (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
فَلَمْ يُقَابِلْ جَهْلَهُ بِالْعُنْفِ، وَلَا خَطَأَهُ بِالتَّشْهِيرِ، بَلْ جَمَعَ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالتَّعْلِيمِ، وَبَيْنَ الرِّفْقِ وَتَقْوِيمِ السُّلُوكِ وَهَذَا مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ؛ فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ نُرِيدُ أَنْ نُعَلِّمَهُ فَنَجْرَحُهُ، وَكَمْ مِنْ مُخْطِئٍ نُرِيدُ أَنْ نُصْلِحَهُ فَنَفْضَحُهُ، وَكَمْ مِنْ شَابٍّ أَخْطَأَ فِي تَصَرُّفٍ فَجَعَلْنَا مِنْ خَطَئِهِ مَادَّةً لِلسُّخْرِيَةِ وَالتَّشْهِيرِ عَلَى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ فَالرَّحْمَةُ لَا تَعْنِي أَنْ نُقِرَّ الْخَطَأَ، وَلَكِنْ تَعْنِي أَنْ نُصَحِّحَ الْخَطَأَ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَكْسِرَ صَاحِبَهُ..
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفَرِّقُ دَائِمًا بَيْنَ الذَّنْبِ وَصَاحِبِهِ، فَيَمْقُتُ الْمَعْصِيَةَ وَيَرْحَمُ الْمُذْنِبَ، وَيَسْعَى إِلَى تَقْوِيمِهِ لَا إِلَى فَضْحِهِ وَتَحْطِيمِهِ، فَكَانَ أُسْلُوبُهُ فِي التَّرْبِيَةِ قَائِمًا عَلَى السِّتْرِ وَالتَّلَطُّفِ، لَا عَلَى التَّشهِيرِ وَالتَّجْرِيحِ، حَتَّى قَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَالُوا لِرَجُلٍ ارْتَكَبَ ذَنْبًا: أَخْزَاكَ اللَّهُ! فَقَالَ: "لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ" مُؤَسِّسًا بِذَلِكَ مَنْهَجًا نَبَوِيًّا فِي الْإِصْلَاحِ يَقُومُ عَلَى مُعَالَجَةِ الْخَطَأِ، مَعَ حِفْظِ كَرَامَةِ الْمُخْطِئِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا! قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: هَلَكَتْ دَوْسٌ! فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ"( البخاري).
وعن أبي امامة قال :"إنَّ فَتًى شابًّا أتى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ، ائْذَنْ لي بالزِّنا، فأقبَلَ القَومُ عليه فزَجَروه وقالوا: مَهْ، مَهْ! فقال: ادْنُهْ، فدَنا منه قَريبًا، قال: فجَلَسَ، قال: أتُحِبُّه لأُمِّكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لأُمَّهاتِهم، قال: أفتُحِبُّه لابنتِكَ؟ قال: لا واللهِ، يا رسولَ اللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لبَناتِهم، قال: أفتُحِبُّه لأُختِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لأَخَواتِهم، قال: أفتُحِبُّه لعَمَّتِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لعَمَّاتِهم، قال: أفتُحِبُّه لخالتِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لخالاتِهم، قال: فوَضَعَ يدَه عليه وقال: اللَّهُمَّ اغفِرْ ذَنبَه، وطَهِّرْ قَلبَه، وحَصِّنْ فَرْجَه، قال: فلمْ يَكُنْ بعدَ ذلك الفَتى يَلتفِتُ إلى شيءٍ"(أحمد واللفظ له،والطبراني).
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ:"
وَلَمْ تَقِفْ رَحْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مَنْ أَحَبَّهُ وَوَافَقَهُ، بَلْ شَمِلَتْ حَتَّى مَنْ خَالَفَهُ وَآذَاهُ؛ فَلَمْ تَكُنْ رَحْمَتُهُ ضَعْفًا، بَلْ كَانَتْ رَحْمَةَ الْقَادِرِ عَلَى الْعَفْوِ وَمِنْ أَعْظَمِ مَوَاقِفِهِ فِي ذَلِكَ مَا حَدَثَ لَهُ فِي الطَّائِفِ، حِينَ آذَاهُ أَهْلُهَا وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْجِبَالِ أَنْ يُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ،فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
تَأَمَّلُوا هَذَا الْمَوْقِفَ أُوذِيَ فَعَفَا، وَقَدَرَ فَرَحِمَ، وَنَظَرَ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ بِعَيْنِ الْهُدَى وَالْأَمَلِ، لَا بِعَيْنِ الْحِقْدِ وَالِانْتِقَامِ؛ وَكَذَلِكَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ، حِينَ دَخَلَهَا مُنْتَصِرًا، فَعَفَا وَصَفَحَ فَهُنَا نَتَعَلَّمُ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَعْنِي الضَّعْفَ، وَلَا قَبُولَ الظُّلْمِ، بَلْ تَعْنِي أَنْ نَضْبِطَ قُدْرَتَنَا بِالْعَدْلِ، وَأَنْ نَجْعَلَ لِلْعَفْوِ مَوْضِعَهُ، وَلِلصَّفْحِ مَكَانَهُ.