️الْإِحْسَانُ إِلَى الْمُحْتَاجِينَ.. بَيْنَ صِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ وَجَمَالِ السُّلُوكِ
الْإِحْسَانُ غَايَةٌ مِنْ غَايَاتِ الْعُبُودِيَّةِ.
اللَّهَ اللَّهَ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْمُحْتَاجِينَ.
إِيَّاكَ وَجَرْحَ مَشَاعِرِ النَّاسِ عِنْدَ تَقْدِيمِ الصَّدَقَاتِ إليهم.
الحَمْدُ للهِ الكَريمِ المَنَّانِ، ذِي
العَطَاءِ والإِحْسَانِ، خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعْبدُوهُ، وَأَجْزَلَ عَلَيْهِمْ النِّعَمَ
لِيَشْكُرُوهُ، وأَناَرَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِالقُرْآنِ، فَسُبْحانَهُ مِنْ إِلَهٍ
عَظِيمِ الشَّأنِ، وَلَهُ الحَمْدُ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ والْقُرْآنِ، وَلَا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الواحِدُ الدَيَّانُ، تَعَالَى بِمَجْدِهِ، وَتَقَدَّسَ بِكِبْرِيَّائِهِ،
وَهُوَ الكَريمُ الرَّحْمَنُ، الحمدُ للهِ القائلِ في محكمِ التنزيلِ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ
صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُـزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ التوبة 103، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، الْقَائِلُ: « إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ
فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»
(رَوَاهُ مسلم). فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ،
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَطْهَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ
الدِّينِ.. أَمَّا بَعْدُ… فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الْأَخْيَارُ بِتَقْوَى
الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ،
وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]
عِبَادَ اللهِ، إنَّ ((الْإِحْسَانُ إِلَى
الْمُحْتَاجِينَ.. بَيْنَ صِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ وَجَمَالِ السُّلُوكِ)) هُوَ عُنْوَانُ
وَزَارَتِنَا وَخُطْبَتِنَا.
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي
هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ الْإِحْسَانِ
إِلَى الْمُحْتَاجِينَ.. بَيْنَ صِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ وَجَمَالِ السُّلُوكِ وَخَاصَّةً
وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مَا تَمُرُّ بِهِ الْبِلَادُ وَالْعِبَادُ مِنْ
جَرَّاءِ هَذِهِ الْحَرْوبِ فِي الْمِنْطَقَةِ، وَالَّتِي بِسَبَبِهَا تَوَقَّفَتِ
الْأَعْمَالُ، وَضَاقَتِ الْأَرْزَاقُ ، وَاتَّسَعَتْ دَائِرَةُ الْفَقْرِ ، وَارْتَفَعَتِ
الْأَسْعَارُ، وَكَثُرَ الْجَشَعُ وَالطَّمَعُ عِنْدَ الْكَثِيرِينَ مِنَ النَّاسِ؛
فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى مُسَاعَدَةِ الْمُحْتَاجِينَ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ !فَمَا
جَاعَ فَقِيرٌ وَرَبُّ الْكَعْبَةِ إِلَّا بِشُحِّ غَنِيٍّ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ
إِلَّا بِاللَّهِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ فِي حَاجَةٍ إِلَى تَصْحِيحِ السُّلُوكِيَّاتِ
الْخَاطِئَةِ فِي تَقْدِيمِ الْمُسَاعَدَاتِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ، وَمِنْهَا: التَّشْهِيرُ
بِالْمُحْتَاجِ، أَوِ الْمَنُّ عَلَيْهِ، أَوْ إِيذَاءُ مَشَاعِرِهِ؛ وَخَاصَّةً وَأَنَّ
الْإِحْسَانَ الْحَقِيقِيَّ يَكُونُ بِحِفْظِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، لَا بِجَرْحِ
مَشَاعِرِ النَّاسِ فَمَا أَحْرَى أَنْ يَقِفَ الْأَغْنِيَاءُ بِجَانِبِ الْفُقَرَاءِ،
وَأَنْ يَمُدُّوا إِلَيْهِمْ يَدَ الرَّحْمَةِ وَالْمَعُونَةِ وَالْعَطْفِ وَالْإِحْسَانِ،وَمَا
أَجْمَلَ الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَتَمَاسَكُ وَتَتَكَاتَفُ، لِتَصِلَ بِأَيْدِي
أَبْنَائِهَا وَسَوَاعِدِهِمْ، وَتَعَاوُنِهِمْ، إِلَى بَرِّ الْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ
الطَّيِّبَةِ. وَخَاصَّةً أَنَّ أَوَّلَ الْمُسْتَفِيدِينَ مِنَ الْإِحْسَانِ هُمُ
الْمُحْسِنُونَ أَنْفُسُهُمْ، يَجْنُونَ ثَمَرَاتِهِ عَاجِلًا فِي نُفُوسِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ
وَضَمَائِرِهِمْ؛ فَيَجِدُونَ الِانْشِرَاحَ وَالسَّكِينَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ.
أَعْطِ الْفَقِيرَ وَلَا تَمْنُنْ بِعَطِيَّةٍ****فَالْمَنُّ
يَهْدِمُ فِي الْقُلُوبِ بُنْيَانَا
وَاسْتُرْ عَلَى مَنْ قَدْ أَتَاكَ بِحَاجَةٍ***فَالسَّتْرُ
أَكْرَمُ مَا يَكُونُ عَطَايَا
وَامْسَحْ دُمُوعَ الْمُعْدَمِينَ بِرَحْمَةٍ****وَاجْعَلْ
لَهُمْ مِنْ بَذْلِكَ الْخَيْرِ عَوْنَا
وَابْذُلْ، فَإِنَّ الْمَالَ يَبْقَى أَثَرُهُ****وَالْبِرُّ
يَزْهُو فِي الْحَيَاةِ جَنَانَا
وَتَرَاحَمُوا، فَبِرَحْمَةِ الْإِنْسَانِ
لِلْإِنْسَانِ**** يَحْيَا الْمُجْتَمَعُ رَيْحَانَا
♦️❖ أولًا:الْإِحْسَانُ غَايَةٌ مِنْ غَايَاتِ
الْعُبُودِيَّةِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: الْإِحْسَانُ مَقَامٌ
إِيمَانِيٌّ رَفِيعٌ، وَقِيمَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَغَايَةٌ مِنْ غَايَاتِ
الْعُبُودِيَّةِ، وَمَنْهَجُ حَيَاةٍ يُزَكِّي النَّفْوسَ، وَيَرْتَقِي بِالْفَرْدِ
إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَيُقَوِّي رَوَابِطَ الْمُجْتَمَعِ، وَيُشِيعُ فِيهِ
الرَّحْمَةَ وَالتَّكَافُلَ وَالسَّلَامَ فَدِينُنَا دِينُ التَّكَافُلِ، دِينُ التَّرَاحُمِ،
دِينُ الرَّحْمَةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالْأُلْفَةِ، دِينُ التَّعَاوُنِ؛ كَمَا قَالَ
رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (الْمَائِدَةِ: ٢)وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ،
مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ
كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ.
فَشَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ تَرَابُطَ الْمُسْلِمِينَ بِالْبُنْيَانِ
الْقَوِيِّ الشَّامِخِ، الَّذِي لَا تَهُزُّهُ الزَّلَازِلُ وَالْعَوَاصِفُ،وَقَالَ
ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ
وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ
تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَالْإِحْسَانُ
صِفَةٌ نَبِيلَةٌ، وَخَصْلَةٌ جَلِيلَةٌ، يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَيُحِبُّ أَهْلَهَا،
إِنَّهَا الْإِحْسَانُ، يَا أَهْلَ الْإِحْسَان ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٥]. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ
الْإِحْسَانَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ».وَالْإِحْسَانُ رُتْبَةٌ فِي الدِّينِ فَوْقَ رُتْبَةِ
الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، قَالَ ﷺ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِحْسَانِ: «أَنْ
تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْإِحْسَانُ خُلُقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْلَاقِ الدِّينِ، وَمَبْدَأٌ
كَرِيمٌ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ، وَشِيمَةُ الْأَبْرَارِ الْمُحْسِنِينَ مِنَ
النَّاسِ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، سَهْلَةٌ
وَمَيْسُورَةٌ، أَمَرَ بِهَا الدِّينُ، وَتَخَلَّقَ بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ تَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ النَّفْسِ، وَعَظَمَةِ
الْقَلْبِ، وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَوَعْيِ الرُّوحِ، وَنُبْلِ
الْإِنْسَانِيَّةِ، وَأَصَالَةِ الْمَعْدِنِ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا
مُحْسِنٌ، مُتَّصِفٌ بِالْإِحْسَانِ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِالْإِحْسَانِ، قَالَ جَلَّ
وَعَلَا:﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (الْقَصَصِ: ٧٧) وَاللَّهُ جَلَّ
وَعَلَا أَتْقَنَ الْخَلْقَ وَأَحْكَمَهُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا:﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ
شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾السَّجْدَةِ: ٧) جَلَّ وَعَلَا﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ﴾ (غَافِرٍ: ٦٤) وَقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَتَنَوَّعَ
أَرْزَاقُ الْعِبَادِ وَتَخْتَلِفَ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ مِنْ حَيْثُ الْغِنَى
وَالْفَقْرِ؛ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ
بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. وَالْمُسْلِمُ إِنِ اغْتَنَى شَكَرَ، وَإِنِ افْتَقَرَ
صَبَرَ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ
إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ. وَالْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ، وَتَقْدِيمُ الْخِدْمَةِ لَهُمْ
بِمَا يُسْتَطَاعُ، دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ ؛ فَالْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ، وَأَحَبُّ
الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ
مِنْ تَمَامِ الْإِحْسَانِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ
نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾. فَسَبَبُ دُخُولِهِمْ سَقَرَ هُوَ تَرْكُهُمُ الصَّلَاةَ،
وَتَرْكُهُمُ الْإِحْسَانَ إِلَى الْخَلْقِ بِإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ. وَإِنَّ مِنْ
شَعائِرِ الإِسْلَامِ العَظيمَةِ إِطْعامَ الطَّعَامِ، والْإِحْسانَ إِلَى الأَرامِلِ
والْأَيْتَامِ، والتَّوْسِيعَ عَلَيْهِمْ؛ طَلَبًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ المَلِكِ العَلّامِ؛
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ
كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَالقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا
يُفْطِرُ»، [رَوَاهُ البُخاريُّ وَمُسْلِمٌ].
وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْفُقَرَاءِ
أَنْ جَعَلَ لَهُمْ حَقًّا ثَابِتًا وَاجِبًا فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ، وَهُوَ
مَا يُخْرِجُونَهُ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ قالَ ربُّنَا (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ
حَقٌّ مَّعْلُومٌ* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) والإِحْسَانُ يَجْعَلُكَ فِي دَائِرَةِ
الرَّحْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَكُلَّمَا أَحْسَنْتَ ازْدَدْتَ قُرْبًا مِنْهَا، قَالَ
تَعَالَى: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (الأَعْرَافِ:
٥٦)قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: «مِفْتَاحُ حُصُولِ الرَّحْمَةِ الإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ
الْخَالِقِ، وَالسَّعْيُ فِي نَفْعِ عَبِيدِهِ».فَالْإِحْسَانُ شِعارُ المُسْلِمِينَ،
وَدِثارُ الأَخْيَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَشَأْنُ المُوَفَّقِينِ المُسَدَّدِينَ، كَمْ
فَرَّجَ اللَّهُ بِهَ مِنْ هُمُومٍ، وَكَمْ أَزالَ اللَّهُ بِهَ مِنْ غُمُومٍ، إِنَّهَا
الرَّحْمَةُ، إِذَا أَسْكَنَها اللَّهُ فِي قَلْبِكَ فَتْحَ بِهَا أَبْوابَ الخَيْرِ
فِي وَجْهِكَ، وَسَدَّدَكَ وَأَلْهَمَكَ، وَأَرْشَدَكَ وَكُنْتَ مِنَ المُحْسِنِينَ،
هذه قِصَّةٌ عَظِيمَةٌ إِذَا تَأَمَّلَهَا المُسْلِمُ وَجَدَ فِيهَا عِبْرَةً وَفائِدَةً
كَبيرَةً، حَاصِلُ هَذِهِ القِصَّةِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ عَاصِيَّةً باغيةً بَعِيدَةً
عَن اللَّهِ جل وعلا، خَرَجَتْ ذَاتَ يَوْمٍ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ
إِذْ رَأَتْ ذَلِكَ الكَلْبَ الذِي اكْتَوَى بِالظَمَأِ والعَطَشِ، رَأَتْ كَلْبًا
مُعَذَّبًا، قَدْ أَنْهَكَهُ العَطَشُ والظَّمَأُ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَى بِئْرٍ ذَاتِ
مَاءٍ، لَا يَدْرِي كَيْفَ يَشْرَبُ، يَلْعَقُ الثَّرَى مِنْ شِدَّةِ الظَّمَأِ، فَلَمَّا
رَأَتْهُ تِلْكَ المَرْأَةُ العَاصِيَّةُ أَشْفَقَتْ عَلَيْهِ وَرَحِمَتْهُ، فَنَزَلَتْ
إِلَى البِئْرِ وَمَلَأَتْ خُفَّهَا مِنْ المَاءِ، ثُمَّ سَقَتْ ذَلِكَ الكَلْبَ، وَأَطْفَأَتْ
ظَمَأَهُ وَعَطَشَهُ، فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَى رَحْمَتِهَا بِهَذَا المَخْلوقِ، فَشَكَرَ
لَهَا مَعْرُوفَهَا، فَغَفَرَ ذُنُوبَهَا، بِشَرْبَةِ مَاءٍ غُفِرَتْ ذُنُوبُهَا، وَبِشَرْبَةِ
مَاءٍ سُتِرَتْ عُيُوبُهَا، وَبِشَرْبَةِ مَاءٍ رَضِيَّ عَنْهَا رَبُّهَا، إِنَّهَا
الرَّحْمَةُ التِي أَسْكَنَهَا اللَّهُ القُلوبَ، إِنَّهَا الرَّحْمَةُ التِي يَرْحَمُ
اللَّهَ بِهَا الرُّحَماءَ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَبْوابَ البَرَكَاتِ وَالخَيْرَاتِ مِنْ
السَّمَاءِ، بُعِثَ بِهَا سَيِّدُ الأَوَّلِينَ والْآخَرِينَ؛ كَمَا قَالَ رَبُّنا
فِي كِتابِهِ المُبينِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
إِذَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ بِالْكِلَابِ*****تَغْفِرُ
الْخَطَايَا لِلْبَغَايَا
فَكَيْفَ تَصْنَعُ الرَّحْمَةُ****بِمَنْ
وَحَّدَ بِرَبِّ الْبَرَايَا
وَمِنْ أَجْمَلِ صُوَرِ الإِحْسَانِ وَأَحَبِّهَا
إِلَى الرَّحْمَنِ وَأَقْرَبِهَا إِلَى العَيَانِ أَنْ تَتَجَسَّدَ فِي إِنْسَانٍ،
وَهَذَا فِي لَفْتَةٍ قُرْآنِيَّةٍ رَائِعَةٍ فِي سُورَةِ يُوسُفَ؛ حَيْثُ قَالَ جَلَّ
وَعَلَا: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي
أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا
تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
﴾ [يُوسُف: ٣٦]. فَيُوسُفُ، وَهُوَ فِي ضِيقِ السِّجْنِ وَظُلْمِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِ
الْقَرَارِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّ عَنْ دَعْوَتِهِ وَتَجْسِيدِ الإِحْسَانِ
فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، حَتَّى أَصْبَحَ رَأْيَ الْعَيْنِ مِنْ قِبَلِ أَصْحَابِ السِّجْنِ
وَالسَّجَّانِ؛ بَلْ وَصَلَ وَوَاصَلَ الْحَالُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ وَنَيْلِ
الْمَنْصِبِ وَالْقِيَادَةِ وَالْحُكْمِ، فَلَمْ يَقْطَعْ دَعْوَتَهُ، وَلَمْ يُغَيِّرْهُ
تَغَيُّرُ الْأَيَّامِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا، لَمَّا رَأَى يُوسُفُ إِخْوَتَهُ:
﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
﴾. رُؤْيَا مُشْتَرَكَةٌ، سَوَاءٌ مَعَ كَثْرَةِ الْمُعَاشَرَةِ لِلسُّجَنَاءِ أَوْ
قِلَّتِهَا مَعَ الإِخْوَةِ الْفُقَرَاءِ.فَسُبْحَانَ مَنْ رَبَّى أَنْبِيَاءَهُ عَلَى
الْإِحْسَانِ، وَجَعَلَ الْإِحْسَانَ خُلُقًا لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ؛
فَمَنْ أَحْسَنَ فِي الضِّيقِ، أَحْسَنَ فِي السَّعَةِ، وَمَنْ حَفِظَ كَرَامَةَ الْمُحْتَاجِ
وَهُوَ ضَعِيفٌ، حَفِظَ كَرَامَةَ مَنْ ظَلَمَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ. فَاللَّهَ
اللَّهَ فِي الإِحْسَانِ ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الْبِرِّ، اللَّهَ اللَّهَ فِي إِخْرَاجِ
الزَّكَواتِ وَالصَّدَقَاتِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي التَّكَافُلِ وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاوُنِ،
قَالَ جَلَّ وَعَلَا:﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ،
وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ (آلِ عِمْرَانَ)
♦️♦️❖ ثَانِيًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي الْإِحْسَانِ
إِلَى الْمُحْتَاجِينَ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ لِلْفَقْرِ
لَوْعَتَهُ، وَلِلْعَوَزِ حُرْقَتَهُ، وَكَمْ هِيَ مُرَّةٌ تِلْكَ الآلَامُ وَالحَسَرَاتُ
التِي يَشْعُرُ بِهَا ذَلِكَ الفَقِيرُ المُعْدَمُ، حِينَ يَرْمِي بِطَرَفِهِ صَوْبَ
بَيْتِهِ المُتَواضِعِ المَمْلُوءِ بِالرَّعِيَّةِ وَالعِيَّالِ، وَهُمْ جِيَّاعٌ لَا
يَجِدُونَ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُمْ، وَمَرْضَى لَا يَجِدُونَ مَنْ يُعالِجُهُمْ، كَمْ
مِنْ مَدِينٍ أَرْهَقَ ظَهْرَهُ ثِقَلَ الدَّينِ، وَنَاءَ جَسَدَهُ عَنْ تَحَمُّلِ
هَذَا الهَمِّ المُؤَرِّقِ، كَمْ مِنْ فَقِيرٍ ضَاقَتْ بِهِ الدُّنْيَا وَانْسَدَّتْ
فِي وَجْهِهِ أَبْوابُ الرِّزْقِ، لَوْلَا بَقيَّةٌ بَاقيَةٌ مِنْ الأَمَلِ والرَّجاءِ
فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ. لذا رَغَّبَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ فِي بَذْلِ الْمَعْرُوفِ
وَالصَّدَقَةِ لِلْمُحْتَاجِينَ، وَوَعَدَ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْرَ الْجَزِيلَ، وَالْعَاقِبَةَ
الْحَمِيدَةَ قَالَ جَلَّ وَعَلَا:﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
﴾ [الْحَجِّ: ٧٧ قَالَ جَلَّ وَعَلَا (( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
[البقرة: ١٩٥)وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ أَهْلِ الْبِرِّ:﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ
عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ الْإِنْسَانِ: ٨ .وَقَالَ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنْفِقْ يَا بِلَالُ،
وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا)).فعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَّ اللَّهُ
عَنْهُ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم قَالَ(قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ). [رواه البخاري)
وَعَنْ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ
صَدَقَةٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ
نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يُعِينُ
ذَا الحَاجَةِ المَلْهوفَ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يَأْمُرُ
بِالمَعْرُوفِ أَوْ الخَيْرِ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «يُمْسِكُ
عَنْ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ»، [مُتَّفَقٌ عَلَيْهُ] وفِي الحَديثِ الذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي
صَحِيحَيهِمَا، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عُمَرَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُسْلِمُ
أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ
كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ
عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ
اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». وَزَادَ فِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: «وَمَن يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ
فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي
عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيه».هَذَا إِشارَةٌ إِلَى أَنَّ
الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ؛ فَجَزاءُ التَّفْريجِ فِي الدُّنْيَا تَفْريجٌ فِي
الآخِرَةِ، وَلَا مُسَاواةَ – يَا عِبادُ اللَّهِ – بَيْنَ كُرَبِ الدُّنْيَا وَكُرَبِ
يَوْمِ القِيَّامَةِ؛ فَإِنَّ شَدَائِدَ الآخِرَةِ وَأَهْوالَهَا جَسيمَةٌ عَظيمَةٌ،
فَكَانَ ادِّخَارُ اللَّهِ تَعَالَى جَزاءَ تَفْريجِ الكَرَبِ الدُّنْيَوِيَّةَ مِنْ
لِيُفَرِّجَ بِهَا عَنْ عِبادِهِ كُرُباتِهِمْ يَوْمَ القِيَّامَةِ، حِينَ يَكونُ الإِنْسانُ
أَحْوَجَ مَا يَكونُ إِلَى فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ
مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ، وَإِنَّ أَعْظَمِ مَا يُرْجَى لِتَفْريجِ الكُرْبَةِ، وَرَفْعِ
الشِّدَّةِ فِي العاجِلَةِ، والْفَوْزِ والنَّجاةِ مِنْ أَهْوالِ يَوْمِ القِيَّامَةِ:
القِيَامُ بِحُقُوقِ عِبادِ اللَّهِ؛ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ دُروبِ الإِحْسَانِ؛
تَأَسِيًّا بِهَذَا النَّبيِّ الكَريمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذِي قَالَتْ
لَهُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ خَديجَةُ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا ذَكَرَ لَهَا مَا
وَقَعَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارٍ حِرَاءٍ، حِينَ جَاءَهُ جِبْريلُ
عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالوَحْيِ، قَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «كَلَّا، أبْشِرْ،
فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ،
وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ»، [مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ]. وَفِي هَذِهِ الإِعانَةِ وَالإِكْسَابِ لِلْمَعْدُومِ تَفْريجٌ لِلْكَرْبِ
عَنْ المَكْروبِ، وَرَفْعُ كَابُوسِ المِحْنَةِ عَنْ كَاهِلِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ
صَنائِعِ المَعْرُوفِ التِي قَالَ فِيهَا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «صَنائِعُ
المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ، والآفَاتِ والهَلَكَاتِ، وأهلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنيَا
هُمْ أَهلُ المَعرُوفِ في الآخِرَةِ»؛ [أَخْرَجَهُ الحاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِإِسْنَادٍ
صَحيحٍ] وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَالتَّعَاطُفِ،
كَانَ كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ لَا يُمْسِكُ شَيْئًا، كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ
أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، فَالرَّسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ – أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ،
كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ
غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَسْلِمُوا،
فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ» فَلَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا
ﷺ أَعْظَمَ النَّاسِ إِنْفَاقًا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ، وَكَانَ يُنْفِقُ إِنْفَاقَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ، وَهَكَذَا كَانَ
صَحَابَتُهُ الْكِرَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، كَانُوا أَسْرَعَ النَّاسِ إِلَى
الْإِنْفَاقِ، وَكَانُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي أَعْمَالِهِمْ.
فَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي
مَالًا، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ، إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا. قَالَ:
فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قُلْتُ: مِثْلَهُ.
وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَبْقَيْتَ
لِأَهْلِكَ؟ فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قُلْتُ: لَا أَسْبِقُهُ
إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا». فَانْظُرُوا، عِبَادَ اللَّهِ، إِلَى هِمَمِ هَؤُلَاءِ الْكِرَامِ،
وَإِلَى سَبْقِهِمْ فِي الْخَيْرِ، وَإِلَى صِدْقِهِمْ فِي الْبَذْلِ وَالْإِنْفَاقِ،
وَإِلَى إِخْلَاصِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَمَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ عِنْدَهُمْ نَقْصًا
فِي الْمَالِ، بَلْ كَانَتْ تِجَارَةً مَعَ اللَّهِ، وَذُخْرًا لِيَوْمٍ لَا يَنْفَعُ
فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. فَإِيَّاكَ وَالْبُخْلَ، فَالْبُخْلُ لَيْسَ مَطْلُوبًا
وَلَا مَرْغُوبًا، لِذَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَقَالَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ،
وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ
الرِّجَالِ».فَلِمَاذَا الْبُخْلُ وَالشُّحُّ، عِبَادَ اللَّهِ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُبْغِضُ الْبَخِيلَ فِي حَيَاتِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ
بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ
فَفَجَرُوا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَالصَّدَقَةُ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى
اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا
جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ، وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى
اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:أَحَبُّ
النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ
سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ
دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَئِنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا فِي مَسْجِدِ
الْمَدِينَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ
وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ؛ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثَبِّتَهَا لَهُ، ثَبَّتَ اللَّهُ
قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ».رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ)) وَالصَّدَقَةُ تَنْمِيَةٌ
وَزِيَادَةٌ لِلْأَمْوَالِ، وَتَنْمِيَةٌ لِلْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَسَدٌّ لِحَاجَاتِ
الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَسَبِيلٌ لِجَلْبِ السَّعَادَةِ إِلَى نُفُوسِهِمْ،
وَرَسْمُ الِابْتِسَامَةِ عَلَى شِفَاهِهِمْ، وَوَسِيلَةٌ لِتَحْقِيقِ التَّكَافُلِ
الِاجْتِمَاعِيِّ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ الْوَاحِدِ، وَطَرِيقٌ إِلَى انْتِشَارِ
الرَّحْمَةِ وَالتَّآخِي وَالْمَوَدَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالصَّدَقَةُ تَدْفَعُ،
بِفَضْلِ اللَّهِ، النِّقَمَ وَالْمَكَارِهَ وَالْأَسْقَامَ وَالْأَوْبِئَةَ الَّتِي
انْتَشَرَتْ فِي زَمَنِنَا. الصَّدَقَةُ شِعَارُ الْمُتَّقِينَ، وَلِوَاءُ الصَّالِحِينَ
الْمُصْلِحِينَ، زَكَاةٌ لِلنُّفُوسِ، وَنَمَاءٌ فِي الْمَالِ، وَطُهْرَةٌ لِلْبَدَنِ،
وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، بِهَا تُدْفَعُ عَنِ الْأُمَّةِ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا،
وَتُطَهَّرُ الْقُلُوبُ مِنْ أَدْرَانِ التَّعَلُّقِ بِهَذِهِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا
وَمُلَذَّاتِهَا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣ وَالصَّدَقَةُ تَزِيدُ فِي الْمَالِ، وَتُطَهِّرُهُ،
وَتُطْفِئُ غَضَبَ اللَّهِ، وَتَمْحُو الْخَطِيئَةَ وَتُذْهِبُ نَارَهَا، وَهِيَ وِقَايَةٌ
لِصَاحِبِهَا مِنَ النَّارِ، وَدَوَاءٌ لِلْأَمْرَاضِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ،
وَيَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْبَلَاءَ عَنْ صَاحِبِهَا، وَيُخْلِفُهُ خَيْرًا مِنْهَا،
وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ مَا يَبْقَى لِصَاحِبِهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَالْمُتَصَدِّقُ فِي
ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُدْعَى صَاحِبُهَا مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ،
وَتُوجِبُ لِصَاحِبِهَا الْجَنَّةَ .فَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ الْأَنْمَارِيِّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ،
وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا
ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا
فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ)) في
حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ،
فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ
أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾، قَالَ
أَبُو الدَّحْدَاحِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُرِيدُ
مِنَّا الْقَرْضَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ. قَالَ: أَرِنِي يَدَكَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَتَنَاوَلَ يَدَهُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي
حَائِطِي. قَالَ: وَحَائِطُهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، وَأُمُّ الدَّحْدَاحِ فِيهِ
وَعِيَالُهَا. قَالَ: فَجَاءَ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَنَادَاهَا: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ!
فَقَالَتْ: لَبَّيْكَ. فَقَالَ: اخْرُجِي، فَقَدْ أَقْرَضْتُهُ رَبِّي.)رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ
وَكَيْفَ لَا؟ وَالصَّدَقَةُ تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ فِي ظِلِّ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ
لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، يَوْمَ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الرُّؤُوسِ، وَيُلْجِمُ الْعَرَقُ
النَّاسَ إِلْجَامًا.فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ
ﷺ قَالَ:سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي
ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ...» وَذَكَرَ مِنْهُمْ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ
أَخْفَى، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.وَكَيْفَ
لَا؟ وَالصَّدَقَةُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا
ﷺ:اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ،
فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ،وَعَنْ عَدِيِّ
بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ
اللَّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا
يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ،
وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا
النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
تَذَكَّرْ وُقُوفَكَ يَوْمَ الْعَرْضِ عُرْيَانَا****مُسْتَوْحِشًا
قَلِقَ الْأَحْشَاءِ حَيْرَانَا
النَّارُ تَلْهَبُ مِنْ غَيْظٍ وَمِنْ حَنَقٍ****عَلَى
الْعُصَاةِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ غَضْبَانَا
اقْرَأْ كِتَابَكَ يَا عَبْدُ عَلَى مَهَلٍ****فَهَلْ
تَرَى فِيهِ حَرْفًا غَيْرَ مَا كَانَا
فَلَمَّا قَرَأْتَ وَلَمْ تُنْكِرْ قِرَاءَتَهُ****وَأَقْرَرْتَ
إِقْرَارَ مَنْ عَرَفَ الْأَشْيَاءَ عِرْفَانَا
نَادَى الْجَلِيلُ: خُذُوهُ يَا مَلَائِكَتِي****وَامْضُوا
بِعَبْدٍ عَصَى لِلنَّارِ عَطْشَانَا
وَاعْلَمُوا، عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّ أَعْظَمَ
أَمَانِيِّ الْعَبْدِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ أَجَلَهُ كَيْ يَتَصَدَّقَ
وَيَبْذُلَ الْخَيْرَ، قَالَ تَعَالَى:﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ
أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ
قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا
إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ:
١٠-١١. فأَيْنَ الْمُتَّاجِرُونَ بِالْبَذْلِ وَالْإِنْفَاقِ؟ أَيْنَ الْمُتَّاجِرُونَ
بِدَفْعِ الزَّكَاةِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ يَتَّجِرُونَ فِي هَذَا كُلِّهِ مَعَ اللَّهِ؟
وَهَلْ يَخْسَرُ تَاجِرٌ يَتَّجِرُ تِجَارَةً مَعَ الْوَاسِعِ الْعَلِيمِ، الْقَائِلِ:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضَاعِفُ
لِمَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦١))
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ
اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ للهِ
وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، ……… أَمَّا بَعْدُ
♦️❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: إِيَّاكَ وَجَرْحَ
مَشَاعِرِ النَّاسِ عِنْدَ تَقْدِيمِ الصَّدَقَاتِ إليهم.
أَيُّهَا السَّادَةُ: الْمُحْسِنُ لَا يَجْمَعُ
بَيْنَ الْعَطَاءِ وَالْأَذَى، وَلَا بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْمَنِّ؛ بَلْ يَبْذُلُ
وَهُوَ يَحْفَظُ كَرَامَةَ الْمُحْتَاجِ، وَيَصُونُ مَشَاعِرَهُ، وَيَتَلَطَّفُ فِي
قَضَاءِ حَاجَتِهِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تُضْعِفُ الْجَسَدَ، وَلَكِنَّهَا لَا
تُسْقِطُ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ.وَمِنْ كَمَالِ الْإِحْسَانِ أَنْ تُعْطِيَ الْمُحْتَاجَ
وَأَنْتَ تُشْعِرُهُ أَنَّكَ تُكْرِمُهُ، لَا أَنَّكَ تَمُنُّ عَلَيْهِ، وَأَنْ تَجْعَلَ
عَطَاءَكَ سِتْرًا لَهُ لَا سَبَبًا لِانْكِسَارِهِ، وَأَنْ تَحْفَظَ سِرَّهُ وَحَاجَتَهُ،
فَلَا تُخْبِرَ النَّاسَ بِمَا أَعْطَيْتَهُ، وَلَا تُشْعِرَهُ أَنَّكَ أَفْضَلُ مِنْهُ.
واِعْلَمْ أَيُّهَا الْمُبَارَكُ أَنَّ الإِحْسَانَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الْعَطَاءِ وَالإِنْفَاقِ،
فَكَمْ مِنْ عَظِيمِ الْعَطَايَا لَيْسَ لَهَا قَبُولٌ عِنْدَ اللهِ؛ وَلِذَا حَذَّرَ
اللهُ مِنْ قَضِيَّةٍ تَدْخُلُ عَلَى الْمُعْطِي وَتَسْرِي فِي جَسَدِهِ كَسَرَيَانِ
الْمَاءِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ
بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ
بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٤]. فَيُصْبِحُ الإِحْسَانُ سَيِّئَةً
لَيْسَ لِذَاتِهِ؛ وَلَكِنْ بِمَا قَامَ فِي قَلْبِ الْمُعْطِي مِنَ الْمَنِّ فِي الْعَطِيَّةِ
وَأَذِيَّةِ الْمُعْطَى؛ وَهُنَا نَفْهَمُ دِقَّةَ الإِحْسَانِ، فَقَلِيلُ الْعَطَاءِ
مَعَ صِدْقِ الْمُعْطِي يَرْفَعُ اللهُ ذِكْرَ الْمُعْطِي، وَيَشْكُرُ لَهُ عَمَلَهُ،
وَيَغْفِرُ لَهُ ذَنْبَهُ.فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ
عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».فَالْمُرَائِي
أَحَبَّ نَفْسَهُ وَآذَى النَّاسَ؛ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَصَاحِبُ الْغُصْنِ أَحَبَّ
النَّاسَ جَمِيعًا وَأَبْعَدَ عَنْهُمُ الأَذَى؛ فَأَحَبَّهُ اللهُ وَأَبْعَدَ عَنْهُ
أَذَى الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا. وَإِنَّ مِنْ أَخْطَرِ صُوَرِ الْأَذَى أَنْ تُقَدِّمَ
صَدَقَتَكَ لِلْفَقِيرِ، ثُمَّ تَجْرَحَ كَرَامَتَهُ بِصُورَةٍ أَوْ مَقْطَعٍ أَوْ
كَلِمَةٍ!يَا مَنْ تُحْسِنُ إِلَى الْفُقَرَاءِ، إِيَّاكَ أَنْ تَجْعَلَ حَاجَةَ الْمُحْتَاجِ
مَادَّةً لِلتَّصْوِيرِ وَالنَّشْرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْعَلَ دُمُوعَهُ وَانْكِسَارَهُ
مَشْهَدًا يَرَاهُ النَّاسُ، فَهُوَ فَقِيرٌ فِي الْمَالِ، وَلَيْسَ فَقِيرًا فِي الْكَرَامَةِ،
وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى عَطَائِكَ، وَلَيْسَ مُحْتَاجًا إِلَى أَنْ تَفْضَحَهُ أَمَامَ
النَّاسِ. وَرُبَّ صُورَةٍ التُقِطَتْ فِي لَحْظَةِ الْعَطَاءِ، وَرُبَّ مَقْطَعٍ نُشِرَ
فِي لَحَظَاتٍ، ثُمَّ دَارَ فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ، فَخَرَجَتْ حَاجَةُ الْفَقِيرِ
مِنْ بَيْتِهِ، وَدَخَلَتْ إِلَى هَوَاتِفِ النَّاسِ، وَبَقِيَ أَثَرُهَا الرَّقْمِيُّ،
وَرُبَّمَا لَمْ يَسْتَطِعْ صَاحِبُهَا أَنْ يَمْحُوَهُ أَبَدًا!أَيُّ إِحْسَانٍ هَذَا
الَّذِي يُطْعِمُ الْجَائِعَ، ثُمَّ يَكْشِفُ سِتْرَهُ؟! وَأَيُّ صَدَقَةٍ هَذِهِ الَّتِي
تَسُدُّ حَاجَتَهُ، ثُمَّ تَكْسِرُ خَاطِرَهُ؟! إِنَّ الْإِحْسَانَ الْحَقَّ أَنْ تُعْطِيَ
وَأَنْتَ تَسْتُرُ، وَأَنْ تُنْفِقَ وَأَنْتَ تَحْفَظُ كَرَامَةَ مَنْ أَعْطَيْتَهُ،
وَأَنْ تَجْبُرَ خَاطِرَهُ، لَا أَنْ تَجْعَلَ مِنْ حَاجَتِهِ شَاهِدًا عَلَى فَضْلِكَ
عَلَيْهِ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا:﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ الْبَقَرَةِ: ٢٧١.فَاخْفِ صَدَقَتَكَ، وَاسْتُرْ فَقْرَ أَخِيكَ،
وَاحْفَظْ كَرَامَتَهُ، فَرُبَّمَا كَانَتْ صَدَقَةٌ خَفِيَّةٌ لَا يَعْلَمُ بِهَا
أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَطَاءٍ مَلَأَتْهُ الْكَمِيرَا وَالْعَيْنُ وَأَلْسِنَةُ
النَّاسِ.فَالْمُحْسِنُ الْحَقُّ لَا يَنْظُرُ إِلَى قَدْرِ مَا أَعْطَى، وَلَكِنْ
يَنْظُرُ إِلَى كَيْفَ أَعْطَى، وَلَا يَطْلُبُ بِإِحْسَانِهِ إِلَّا رِضَا اللَّهِ
جَلَّ وَعَلَا، وَأَنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ جَابِرًا لِلْخَاطِرِ، حَافِظًا لِلْكَرَامَةِ،
دَافِعًا لِلْحَاجَةِ، خَالِيًا مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى. فَاحْذَرْ، عِبَادَ اللَّهِ،
أَنْ تُدْخِلَ عَلَى فَقِيرٍ فَرَحَةً بِعَطَائِكَ، ثُمَّ تُتْبِعَهَا بِكَلِمَةٍ تَكْسِرُ
قَلْبَهُ، أَوْ نَظْرَةٍ تُهِينُهُ، أَوْ مَنٍّ تُذَكِّرُهُ فِيهِ بِفَضْلِكَ عَلَيْهِ؛
فَإِنَّ الْإِحْسَانَ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْعَطَاءُ وَحُسْنُ
الْعَطَاءِ، وَبَذْلُ الْمَالِ وَحِفْظُ الْكَرَامَةِ. فَمَنِ اتَّصَفَ بِالْإِحْسَانِ،
كَانَ فِي مَعِيَّةِ الرَّحْمَنِ، يُسَدِّدُهُ وَيُرْشِدُهُ وَيُعِينُهُ عَلَى كُلِّ
أُمُورِهِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُنِيلُهُ كَرِيمَ الْعَطَايَا فِي الْآخِرَةِ: ﴿
هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾. فَمَا جَزَاءُ مَنْ أَحْسَنَ فِي
الدُّنْيَا إِلَّا أَنْ يُحْسِنَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾.
وَأَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ
قُلُوبَهُمْ*****فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ
حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ،
وَشَرِّ الْفَاسِدِينَ، وَحَقْدِ الْحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ
الْمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الْخَائِنِينَ. @إشارة عرض
أقل