الاستقامة: حقيقتها، وفضائلها، وسبلها، وثمراتها .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد .
حديثنا اليوم عن منزلةٍ عظيمةٍ من منازل
الدين، ومقامٍ شريفٍ من مقامات السائرين إلى رب العالمين، إنها الخصلة الجامعة التي
لا يكمل إيمان عبدٍ إلا بها، ولا يصلح عمله إلا بتحقيقها، ألا وهي خُلُقُ "الاستقامة".
الاستقامة التي هي روح تحيا به الأحوال، وزكاة تربو عليها الأعمال، فلا زكاء للعمل
ولا صحة للحال بدونها. وصاحبها هو الشجاع البطل الفائز في الدارين، كما قال السري السقطي
رحمه الله: «خمس من كن فيه فهو شجاع بطل: استقامة على أمر الله ليس فيها روغان، واجتهاد
ليس معه سهو، وتيقظ ليس معه غفلة، ومراقبة الله في السر والجهر ليس معها رياء، ومراقبة
الموت بالتأهب» <الحلية، أبو نعيم الأصفهاني، 10/117>.
فإلى هذه المنزلة الشريفة ننطلق في رحاب
هذه المحاضرة ، سائلين الله أن يرزقنا وإياكم الاستقامة على دينه، والثبات على أمره
حتى نلقاه.
العنصر الأول: تحديد معنى الاستقامة لغةً
واصطلاحًا وبيان حقيقتها
إن تحديد معنى الاستقامة هو المدخل الأساسي
لفهم حقيقتها ومقاماتها. وقد تنوعت عبارات العلماء في تعريفها، مع اتفاقها على أصلٍ
واحدٍ يجمع شتاتها.
أولاً: الاستقامة في اللغة العربية
الاستقامة لغةً: مصدر الفعل "اسْتَقَامَ"
على وزن "اسْتَفْعَلَ"، وهو مأخوذ من مادة (ق و م) التي تدل في أصلها على
معنيين: أحدهما: جماعة من الناس، والآخر: الانتصاب أو العزم. وإلى هذا المعنى الثاني
ترجع دلالة الاستقامة على الاعتدال؛ تقول العرب: "قام الشيء" و"استقام"
أي: اعتدل واستوى. ويُقال: "استقام له الأمر" أي: اعتدل وانتظم. <انظر:
نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، مجموعة من المؤلفين، 2/303>.
فالاستقامة في أصلها اللغوي تدل على نفي
الاعوجاج والميل، فهي السير على خطٍ مستقيمٍ لا انحراف فيه ولا أمت.
ثانيًا: الاستقامة في الاصطلاح الشرعي
أما عن معناها الاصطلاحي، فقد وردت عن العلماء
تعاريف جامعة مانعة، نذكر منها لبيان أبعاد هذه الكلمة:
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله
: «الاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعويج عنه يمنة ولا
يسرة، ويشمل ذلك: فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك».
<جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، ص 193، تحقيق: ماهر الفحل، دار ابن كثير>.
وقال الإمام النووي رحمه الله الاستقامة
: «هي لزوم طاعة الله تعالى، وهي من جوامع الكَلِمِ، وهي نظام الأمور».
وقال القرطبي رحمه الله: «الاستقامة: الاستمرار
في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال». <تفسير القرطبي، 9/94>.
وسئل عنها أبو بكر الصديق رضي الله عنه
فقال: "أن لا تشرك بالله شيئاً".
وعن الأسود بن هلال، عن أبي بكر الصديق
رضي الله عنه أنه قال في قول الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: 30] وقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ) [الأنعام: 82]: "حملتموها على غير وجه المحمل، ثم استقاموا ولم يلتفتوا
إلى إله غيره، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي بشرك". <الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
الاستقامة والثبات - ملف علمي، ملتقى الخطباء>
• وقد فسرها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله
عنه: تفسيراً عملياً بليغاً بقوله: "الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا
تروغَ روغان الثعالب". أي الثبات على الجادة من غير تلوّنٍ أو التواء.
وقال عثمان رضي الله عنه: "استقاموا:
أخلصوا العمل". <الاستقامة والثبات - ملف علمي، ملتقى الخطباء>
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:رضي
الله عنه: "استقاموا: "أدوا الفرائض". الاستقامة والثبات - ملف
علمي، ملتقى الخطباء>
حقيقة الاستقامة كما بَيَّنَها النبي صلى
الله عليه وسلم:
لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً
حسياً يوضح حقيقة الاستقامة غاية الوضوح، فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه، أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: «ضرب الله تعالى مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جَنَبَتَيِ الصراط
سُورَان، فيهما أبواب مُفتَّحة، وعلى الأبواب سُتُور مُرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ
يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعاً ولا تَعُوجوا، وداعٍ يدعو من فوق الصراط،
فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تَفْتَحْهُ، فإنك إنْ
تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم
الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله في قلب
كل مسلم». <رواه الترمذي (2859) والنسائي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3887)>.
فهذا الحديث النبوي العظيم يبين لنا أن
حقيقة الاستقامة تتمثل في أمرين اثنين:
1. السير على الطريق المستقيم الذي هو الإسلام.
2. مواصلة السير عليه وعدم التوقف أو الانحراف
عنه حتى تلقى الله تعالى، وذلك بلزوم حدود الله ومجانبة محارمه.
وبهذا يتبين لنا أن الاستقامة ليست مجرد
عملٍ واحدٍ، بل هي منهج حياةٍ كاملٌ يشمل استقامة القلب بالتوحيد واليقين، واستقامة
اللسان بالصدق والذكر، واستقامة الجوارح بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
العنصر الثاني: منزلة الاستقامة وأهميتها
في دين الله تعالى
للاستقامة منزلة رفيعة في شريعتنا الغراء،
وتتجلى أهميتها من وجوهٍ متعددةٍ تُثبِتُ أنها أصل الأصول وقاعدة البناء الإيماني:
أولاً: الاستقامة غاية العبودية ومدارها
إن العبودية التي هي الغاية من خلق الثقلين،
كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات،
رقم: 56]، ولا تتحقق على وجه الكمال إلا بالاستقامة والثبات عليها حتى الممات. ولهذا
جاء الأمر الإلهي واضحاً بتحديد مدة هذه العبودية: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ
ٱلۡيَقِينُ﴾ [الحجر، رقم: 99]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ
ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران،
رقم: 102].
ثانيًا: الله تعالى أمر بها جميع الأنبياء
والمرسلين
ومما يزيد هذه المنزلة شرفاً وعلواً أن
الله تعالى أمر بها خيرة خلقه من الأنبياء والمرسلين، الذين اصطفاهم على العالمين.
مما يدل على أن الاستقامة ليست درجةً كماليةً بل هي فرضٌ لازمٌ وأصلٌ متعين.
فقد قال سبحانه آمراً موسى وهارون عليهما
السلام: ﴿قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ
ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يونس، رقم: 89].
وخاطب الله بها النبي المصطفى محمداً صلى
الله عليه وسلم في آيات متعددة، قال تعالى: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ
مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [هود، رقم: 112]، وقال
أيضاً: ﴿فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ
وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ﴾ [الشورى، رقم: 15].
وهذا يبين أن طريق الاستقامة ليس موصوفاً
بحسب الأهواء والعادات، بل هو أمرٌ ربانيٌّ لا بد من الالتزام به كما أُمِرنا دون زيادة
ولا نقصان.
ثالثًا: هي كلمة جامعة لجميع مقامات الدين
يكفي الاستقامة شرفاً أنها الجواب الجامع
المانع الذي أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم من سأله عن أمرٍ واحدٍ يجمع له الخير
كله. فعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه أنه قال: «قلت: يا رسول الله، قل لي
في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم»». <رواه
مسلم (38)>.
قال العلماء: "قل آمنت بالله"
أي جدد إيمانك قولاً باللسان، وتصديقاً بالجنان، "ثم استقم" أي اثبت على
ذلك الإيمان، وداوم على مقتضياته من الأعمال الصالحة. فهي كلمة جمعت أصول الدين وفروعه،
وحوت معاني الإيمان والإسلام والإحسان كلها.
«ومن المعلوم عن هذا الصحابي الجليل سفيان
بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه أنه كان يحب المختصرات الموجزات، فقد روى عنه الطبراني
وغيره أنه قال: قلت لنبي الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، قل لي قولاً أنتفع
به وأقلل لعلي أعقله؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" فعاوده
مراراً يسأله عن ذلك، يقول نبي الله صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب". أما
حديثه الآخر فهو أساس باب الاستقامة.
رابعًا: هي البرهان العملي على صدق الإيمان
ليست الاستقامة مجرد دعوى باللسان، بل هي
دليل عملي وبرهان واقعي على صدق التمسك بالدين. يقول الله عز وجل: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ
أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ﴾ [العنكبوت، رقم:
2]، ثم يقسم سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ
ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ [العنكبوت، رقم: 3]. فالاستقامة
عند الفتن والابتلاءات، وفي السراء والضراء، هي التي تكشف معادن الرجال، وتبين الصادق
من الكاذب، ولهذا ذم الله من يعبد الله على حرف، فقال: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ
ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ
فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ
ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [الحج، رقم: 11].
خامسًا: عدم التسوية بين أهل الاستقامة
وأهل الاعوجاج
من الأدلة القاطعة على عظم منزلتها أن الله
سبحانه لم يسوِّ في كتابه بين أهلها وبين غيرهم من أهل الزيغ والانحراف، بل جعل بينهم
من الفروق والتباين ما يظهر به فضل الاستقامة. قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا
عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾
[الملك، رقم: 22]، وقال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا
لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ
بِخَارِجٖ مِّنۡهَا﴾ [الأنعام، رقم: 122]. وهذا دليل على أن ثمرة الاستقامة نور وبصيرة
في الدنيا، وهداية إلى صراط الله القويم.
العنصر الثالث: الحث على الاستقامة من الكتاب
والسنة والآثار الواردة في فضلها
لقد تواترت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة
في الحض على لزوم الاستقامة والثبات عليها، وبيان الأجر العظيم المترتب عليها، ونحن
نذكر طرفاً منها:
أولاً: الآيات القرآنية الواردة في الاستقامة
الآية الأولى: نزول الملائكة بالبشرى والولاية.
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ
رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا
تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ
* نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ
فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلٗا مِّنۡ
غَفُورٖ رَّحِيمٖ﴾ [فصلت، رقم: 30 – 32].
وهذه الآية من أعظم الآيات في فضل الاستقامة،
فقد تكفل الله لأهلها بأن تتنزل عليهم الملائكة عند الموت وفي القبر وعند البعث، تبشرهم
بالأمن من الخوف والحزن، وتبلغهم البشرى بالجنة، بل وتعلن ولايتها لهم في الحياة الدنيا
بالتثبيت والتأييد، وفي الآخرة بالشفاعة والإكرام. وقد أورد الماوردي رحمه الله في
تفسير قوله: ﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ﴾ خمسة أوجه: أنها استقامة على التوحيد، أو على الطاعة،
أو على إخلاص العمل للموت، أو في الأفعال كالأقوال، أو في السر كالجهر. ثم احتمل وجهاً
سادساً جامعاً: «أن الاستقامة أن يجمع بين فعل الطاعات واجتناب المعاصي؛ لأن التكليف
يشتمل على أمر بطاعة يبعث على الرغبة، ونهي عن معصية يدعو إلى الرهبة». <النكت والعيون:
تفسير الماوردي، 5/179، 180>.
الآية الثانية: الأمر الإلهي الصريح للنبي
وأمته.
قال تعالى: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ
وَمَن تَابَ مَعَكَۚ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [هود،
رقم: 112]. يقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيرها: «قوله: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ﴾ الخطاب
للنبي ﷺ ولغيره. والاستقامة: الاستمرار في جهة
واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال؛ فاستقم على امتثال أمر الله ﴿وَمَن تَابَ
مَعَكَ﴾ أي: استقم أنت وهم؛ يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك، ومن بعده ممن اتبعه
من أمته. قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله ﷺ آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه،
ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! قال: «شيبتني هود وأخواتها»».
<تفسير القرطبي، 9/94>.
وهذا يبين أن الاستقامة على كمالها كما
أمر الله درجة عالية شاقة على النفوس، تحتاج إلى مجاهدة وصبر ومصابرة، ولهذا قال ابن
عباس: إنها أشد آية، لأنها تتطلب دوام المراقبة والالتزام دون فتور.
الآية الثالثة: سعة الرزق وبركته.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى
ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا * لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ﴾ [الجن، رقم:
16 – 17]. يقول القرطبي رحمه الله في تفسيرها: «قيل: المراد الخلق كلهم ﴿وَأَلَّوِ
ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ﴾ أي: طريقة الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين،
﴿لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا﴾ أي: كثيراً، ﴿لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم
كيف شكرهم فيه على تلك النعم». <تفسير القرطبي، 19/17>.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"أينما كان الماء كان المال". ففي الآية دلالة على أن الاستقامة سبب من أسباب
سعة الأرزاق وبركتها، وليست كما يظن البعض أن الاستقامة سبب للفقر! بل العكس هو الصحيح.
ثانيًا: الأحاديث النبوية الشريفة في الاستقامة
الحديث الأول: أمر الأمة بالاستقامة مع
الاعتراف بالعجز عن كمالها.
عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله
ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير
أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». <صحيح؛ رواه ابن ماجة (277) وغيره،
وانظر: صحيح الجامع (952)>.
في هذا الحديث توجيه نبوي كريم بأمر الأمة
بالاستقامة، وفيه إشعار بأن الكمال لله وحده، وأن العبد مهما اجتهد فلن يبلغ كنه الاستقامة
المطلوبة، ولهذا قال "ولن تحصوا" أي لن تبلغوا حقيقتها ولن تحيطوا بكل أطرافها،
ولكن المطلوب هو بذل الوسع والمقاربة والسداد.
الحديث الثاني: قرن الاستقامة بحسن الخلق.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:
إن معاذ بن جبل أراد سفراً فقال: يا رسول الله، أوصني؟ قال: «اعبد الله لا تشرك به
شيئاً». قال: يا رسول الله، زدني. قال: «إذا أسأت فأحسن». قال: يا رسول الله، زد. قال:
«استقم ولتحسن خلقك». <صحيح؛ رواه الحاكم (4/244) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي،
وانظر: الصحيحة (1228)>.
فجمع النبي صلى الله عليه وسلم له بين أصل
الدين وهو التوحيد، وثمرته وهي الاستقامة، وزين ذلك بحسن الخلق الذي هو من أثقل ما
يوضع في الميزان.
الحديث الثالث: توضيح صراط الله المستقيم.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا
رسول الله ﷺ خطاً ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خط خطوطاً
عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم
قرأ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ [الأنعام، 153]. واللفظ الآخر: «هذه سبيل الله
مستقيماً». <صحيح؛ رواه أحمد (4142) وغيره، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح>.
في هذا الحديث بيان واضح أن طريق الاستقامة
واحد لا يتعدد، وكل ما عداه سبل ضلال على رأسها شياطين تدعو إليها.
العنصر الرابع: أصل الاستقامة وطريقها وأهم
وسائل تحصيلها
اعلم -وفقك الله- أن الاستقامة كما تقدم
طريق النجاة، وقد أوضح المحققون من العلماء أن أصلها استقامة القلب، وأن الطريق إليها
يمر عبر مجاهدة النفس وحراسة الخواطر وصدق التأهب للقاء الله.
أولاً: أصل الاستقامة استقامة القلب
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله مبيناً هذا
الأصل العظيم: «أصل الاستقامة: استقامة القلب على التوحيد، وقد فسر أبو بكر رضي الله
عنه الاستقامة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ﴾
بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلب على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومهابته
ومحبته وإرادته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها
على طاعته؛ فإن القلب هو ملك الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الملك استقامت جنوده
ورعاياه. وأعظم ما يُراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنه ترجمان (أي:
المعبر) القلب والمعبر عنه». <جامع العلوم والحكم، ص 193، 194>.
وشاهد هذا من السنة ما رواه أبو سعيد الخدري
رضي الله عنه مرفوعاً: «إذا أصبح ابن آدم فإن أعضاءه تكفّر (أي: تذل وتخضع) اللسان
تقول: اتّق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا». <حسن؛ رواه الترمذي
(2407) وغيره>. فمن استقام لسانه عن الكذب والغيبة والنميمة والفحش، كان ذلك دليلاً
على استقامة قلبه.
ثانيًا: الطريق العملي إلى الاستقامة (قاعدة
ابن القيم)
ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله قاعدة عظيمة
في طريق يوصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال، وتتألف من شيئين أساسيين:
الشيء الأول: حراسة الخواطر وحفظها.
فإن أصل الفساد كله من قبل الخواطر يجيء؛
لأنها بذر الشيطان في أرض القلب، فإذا تُركت نمت حتى تصير إرادات ثم عزائم ثم أفعالاً.
ولا ريب أن دفع الخواطر في مهدها أيسر من دفعها بعد استحكامها. وقد ذكر الإمام ابن
القيم عدة أسباب لحفظ الخواطر، منها:
1. العلم الجازم باطلاع الرب تعالى ونظره إلى
قلبك وعلمه بتفصيل خواطرك.
2. الحياء من الله أن يطلع على قلبك وفيه تلك
الخواطر الرديئة.
3. الخوف من سقوط المنزلة عند الله بتلك الخواطر.
4. أن تعلم أن هذه الخواطر الرديئة لا تجتمع
مع خواطر الإيمان ودواعي المحبة، بل تضادها.
5. أن تعلم أنها بحر من الخيال لا ساحل له،
يغرق فيه القلب ويضيع.
الشيء الثاني: صدق التأهب للقاء الله.
وهذا أصل عظيم، فإن من استعد للقاء الله
انقطع قلبه عن الدنيا ومطالبها، واشتعلت همته بمحبة الله ومرضاته. فصدق التأهب للقاء
الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية، من التوبة والإنابة والمحبة
والرجاء والخشية والتوكل وسائر أعمال القلوب. يقول رحمه الله: «والمقصود أن صدق التأهب
للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى
الله... فمفتاح ذلك كله: صدق التأهب والاستعداد للقاء الله». <طريق الهجرتين وباب
السعادتين، ابن القيم، ص 188-190، باختصار>.
العنصر الخامس: الوسائل المعينة على الاستقامة
والثبات حتى الممات
إن من رحمة الله بنا أن جعل للاستقامة أسباباً
ووسائل تعين عليها، فمن أخذ بها وُفِّق بإذن الله. ويمكننا أن نلخص أهم هذه الوسائل
في:
أولاً: دوام اللجوء إلى الله بالدعاء والافتقار
إليه
إن الثبات على الاستقامة هبة من الله، والقلوب
بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولهذا كان الهداة المهديون يكثرون من
سؤال الله الثبات. قال تعالى آمراً: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ [الفاتحة،
رقم: 6]. وقال عن الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ
هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران،
رقم: 8]. وكان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة
على الرشد»، وكان يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك».
«ولما كان من طبيعة الإنسان أنه قد يقصر
في فعل المأمور، أو اجتناب المحظور، وهذا خروج عن الاستقامة، أرشده الشرع إلى ما يعيده
لطريق الاستقامة، فقال تعالى مشيراً إلى ذلك: {فاستقيموا إليه واستغفروه} [فصلت:
6]، فأشار إلى أنه لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، وأن ذلك التقصير يجبر بالاستغفار
المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة.
ثانيًا: الاشتغال بكثرة الطاعات والعبادات
فالطاعات غذاء القلوب وقوتها، وهي أكبر
معين على الثبات. قال الله تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ
لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا * وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ
أَجۡرًا عَظِيمٗا * وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾ [النساء، رقم: 66 –
68]. ففعل الموعظة سبب للهداية إلى الصراط المستقيم والثبات عليه. ومن أعظم هذه الطاعات
المحافظة على الصلوات جماعة، ولزوم الأذكار، وقراءة القرآن بتدبر.
ثالثًا: مصاحبة الأخيار والرفقة الصالحة
إن للصحبة أثراً عظيماً في الثبات على الاستقامة
أو الانحراف عنها. قال الله تعالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم
بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ﴾
[الكهف، رقم: 28]. يقول سفيان الثوري رحمه الله: "لربما لقيت الأخ من إخواني،
فأقيم شهراً عاقلاً بلقائه". ويقول الفضيل رحمه الله: "نظر المؤمن إلى المؤمن
يجلو القلب". فالرفقة الصالحة تعين على الطاعة، وتذكر بالله، وتشد من أزر صاحبها
إذا فتر.
« أما الجليس السيء فعلى العكس من ذلك تماماً،
قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}
[الزخرف: 67].
رابعًا: مجاهدة النفس على الدوام والمداومة
على العمل وإن قلّ
إن من أعظم ما يعين على الاستقامة هو المداومة
على العمل الصالح ولو كان يسيراً، وعدم الانقطاع عنه. "فمن الكرامة: أن تستمر
في محافظتك على صلاة الجماعة... ومن الكرامة: أن تلزم وِرْدَك من القرآن... ومن الكرامة:
أن تداوم على الأذكار والأوراد المشروعة في أوقاتها" . وقد قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ».
فالمداومة هي عين الاستقامة.
« وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سددوا
وقاربوا) <رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد 11/294، ح(6463، 6464)، ومسلم،
كتاب صفات المنافقين، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله 4/2171 ح (2817)>، فالسداد:
الوصول إلى حقيقة الاستقامة، أو هو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد. وقوله:
(قاربوا) أي: اجتهدوا في الوصول إلى السداد، فإن اجتهدتم ولم تصيبوا فلا يفوتكم القرب
منه. فهما مرتبتان يطالب العبد بهما: السداد، وهي الاستقامة، فإن لم يقدر عليها فالمقاربة،
وما سواهما تفريط وإضافة، والمؤمن ينبغي عليه أن لا يفارق هاتين المرتبتين.
ومن وسائل الثبات على الاستقامة أيضاً:
محاسبة النفس، قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا
الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18]. قال ابن كثير رحمه الله: أي حاسبوا أنفسكم
قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم
على ربكم. فالمحاسبة تحفظ المسلم من الميل عن طريق الاستقامة.
ومنها: طلب العلم الشرعي، والمقصود به علم
الكتاب والسنة، لأنه الوسيلة لمعرفة الله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
<الاستقامة، علي بن عبدالعزيز الراجحي>
ومنها: حفظ الجوارح عن المحرمات، وأهمها:
اللسان فيحفظه عن الكذب والغيبة والنميمة وغيرها، ويحفظ بصره عن المحرمات، وليكن نصب
عينيه قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان
عنه مسئولاً} [الإسراء: 36]. وقوله عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). <متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان
1/308، ح(6475)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار 1/68، ح (47، 48).
ومنها: معرفة خطوات الشيطان للحذر منها،
قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه
يأمر بالفحشاء والمنكر} [النور: 21]. <الاستقامة، علي بن عبدالعزيز الراجحي>
العنصر السادس: ثمرات الاستقامة العاجلة
والآجلة
من تأمل النصوص الشرعية علم أن للاستقامة
ثمرات يانعة في الدنيا والآخرة، تملأ قلب المؤمن سعادة وطمأنينة، وتضمن له الفوز عند
الله. ومن هذه الثمرات:
أولاً: الحياة الطيبة في الدنيا
إن من أعظم ثمرات الاستقامة في الدنيا الفوز
بالحياة الطيبة التي وعد الله بها المؤمنين العاملين الصالحات. قال الله عز وجل: ﴿مَنۡ
عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ
طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل،
رقم: 97]. فالحياة الطيبة هي سعادة الروح، وصفاء النفس، وسكينة القلب، وطمأنينة البال،
وهي ثمرة الإيمان والعمل الصالح والاستقامة على شرع الله.
ثانيًا: الأمن من الخوف والحزن
وعد الله أهل الاستقامة بأنهم لا خوف عليهم
ولا هم يحزنون. قال الله تعالى في موضعين: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ
ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [الأحقاف، رقم:
13]، وكذلك في سورة فصلت. قال المفسرون: لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة،
ولا حزن على ما فاتهم من أمور الدنيا، فهم في طمأنينة وأمن دائم.
ثالثًا: نزول الملائكة بالبشرى عند الموت
وفي القبر
وهذه من أجلِّ الثمرات، كما في آية فصلت
السابقة. قال وكيع رحمه الله: "البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر،
وعند البعث". فعند الاحتضار تتنزل الملائكة على العبد المستقيم لتثبيته وتبشيره
بالجنة، قائلين له: لا تخف مما أنت مقدم عليه، ولا تحزن على ما تخلفه وراءك.
رابعًا: الفوز بالجنة دار النعيم المقيم
الاستقامة هي الطريق الموصل إلى رضوان الله
وجنته. قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ
تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ
بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت، 30]. وقال في سورة الأحقاف: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ
أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأحقاف،
14]. فالجنة هي الغاية العظمى التي يسعى إليها السالكون، والاستقامة هي السبيل المضمون
بإذن الله للوصول إليها.
ومن ثمراتها أيضاً: حب الناس واحترامهم
وتقديرهم للمسلم، سواء كان صغيراً أو كبيراً على ما يظهر عليه من حرص على الطاعة، والخلق
الفاضل.
خامسًا: ثبوت القدم على صراط القيامة
قال الإمام ابن القيم رحمه الله موضحاً
هذا المعنى: «من هُدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم... هُدي هناك إلى الصراط
المستقيم الموصل إلى جنته... وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله
لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره
على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط...». <التفسير القيم، ابن القيم، ص
109>. وهذا من العدل الإلهي، أن من ثبت هنا يثبت هناك، ومن تعثر هنا ففي الآخرة
أشد تعثراً.
العنصر السابع: صور من استقامة السلف الصالح
لما عرف السلف الصالح فضل الاستقامة، وعلموا
الطريق إليها، ضربوا أروع الأمثلة في الثبات على دين الله، ودون التاريخ لنا من سيرهم
ما يبعث الهمم ويهز القلوب. ومن تلك المواقف الخالدة:
ثبات الإمام عبد الله بن عون رحمه الله
عن خارجة بن مصعب قال: «صحبت عبد الله بن
عون أربعاً وعشرين سنة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة!!». <سير أعلام النبلاء،
الذهبي، 6/366>. انظروا إلى هذه المداومة العظيمة على الاستقامة، والمراقبة الدائمة
لله في جميع الأحوال طيلة هذه السنين، حتى إن صاحبه لا يعلم أنه أذنب، وهذا من فرط
اجتهاده وحرصه.
مراقبة الإمام يحيى بن سعيد القطان رحمه
الله
وقال بندار: «اختلفت إلى يحيى بن سعيد أكثر
من عشرين سنة، ما أظنه عصى الله قط، لم يكن في الدنيا في شيء». <سير أعلام النبلاء،
الذهبي، 9/178>. وهذا الإمام الكبير في الحديث، لم تشغله علوم الدنيا ورواياتها
عن الاستقامة ومراقبة الله، بل كان علماً في العلم والعمل معاً.
حال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله
وهذا الإمام الجليل يقول عن نفسه، وهو الصادق
في ذلك بإذن الله: «ما تكلمت كلمة، ولا فعلت فعلاً، إلا وأعددت له جواباً بين يدي الله
تعالى». <طبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة، 9/212>. أي أنه كان يستحضر سؤال الله
له عن كل صغيرة وكبيرة، فيزن كلامه وفعاله بميزان الشرع قبل أن يُقْدِم عليها. هذه
هي الاستقامة الحقيقية؛ إنها ثمرة العقيدة الصحيحة، والإيمان الحي، والضمير الصاحي،
والقلب اليقظ.
العنصر الثامن: النتيجة والفصل بين الأمرين:
الاستقامة قبل الندامة
عباد الله: بعد هذا العرض الموجز، نصل إلى
النتيجة الحاسمة التي يجب أن تستقر في القلوب، وهي أن "الاستقامة قبل الندامة".
فكم من مفرطٍ ومضيعٍ لأيام عمره في الشهوات والشبهات، سيعض على يديه ندماً يوم لا ينفع
الندم! لقد قص الله علينا في كتابه أحوال أهل النار وندمهم، فقال: ﴿وَيَوۡمَ يَعَضُّ
ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا
* يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا﴾ [الفرقان، رقم: 27،
28]. وقال سبحانه: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ﴾ [سبأ، رقم:
33]. وقال جل شأنه: ﴿أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ
ٱللَّهِ﴾ [الزمر، رقم: 56].
ولكن هيهات هيهات! فلا ينفع الندم يومئذ،
فقد فات وقت العمل. فبادروا -يا عباد الله- إلى الاستقامة قبل فوات الأوان، وقبل أن
يقول أحدكم: ﴿رَبِّ ٱرۡجِعُونِ * لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ
إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾
[المؤمنون، رقم: 99، 100].
️ الثبات على الاستقامة.
- إن الأهم من الاستقامة هو الثبات عليها
حتى الموت؛ "وإنما الأعمال بالخواتيم" (متفق عليه)، وما الجدوى أن يعيش المرء
على الاستقامة جانباً من عمره ثم يموت حين يموت وقد فرط في استقامته وزاغ ومال عنها؟!
يحدثنا أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل ليعمل الزمن
الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار..." (مسلم). ويرويه ابن
مسعود بصيغة أكثر توضيحاً وتفصيلاً فيقول: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
الصادق المصدوق، فقال: "...فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة
حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها..."
(متفق عليه).
الخاتمة .
· نختم هذا المحاضره المباركة عن منزلة الاستقامة
بما ينبغي أن تستقر عليه القلوب، وتنعقد عليه العزائم، وتصح به النيات.
أيها الإخوة المؤمنون، عباد الله الصادقون، السائرون في دروب هذه الحياة
الفانية إلى الدار الآخرة الباقية، اسمعوا وعوا، وتدبروا وانتفعوا.
إن حديثنا عن الاستقامة هو إعادة تأسيس للعهد مع الله، وتجديد للبيعة مع
الرسول صلى الله عليه وسلم، وإحياء لمعاني العبودية الخالصة التي خُلقنا من أجلها.
فالاستقامة -يا عباد الله- ليست محطةً نصل إليها ثم نستريح، بل هي رحلة عمر كامل، وسير
دائم إلى الله، لا ينقطع حتى نلقاه سبحانه. إنها الإصرار على الحق، والثبات على الدين،
والمداومة على الطاعة، ومجانبة الهوى، ومخالفة الشيطان، وصحبة الأخيار، والاستعداد
الدائم للقاء الواحد القهار.
لقد رأيتم كيف أن الله جلا في علاه جعل
الاستقامة روح الأعمال، وزكاة الأحوال، وطريق النجاة يوم تَهِيلُ القبورُ ما في صدورها.
ورأيتم كيف أن أهل الاستقامة هم الشجعان البواسل، الفائزون في الدارين، الذين تتنزل
عليهم الملائكة بالبشرى والأمان، وكيف أن المفرطين النادمين سيعضون أصابع الندم، ويذرفون
دموع الحسرة حين لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. فاختاروا لأنفسكم
-رحمكم الله-، وكونوا من أهل الاستقامة قبل الندامة، وكونوا من السابقين بالخيرات،
ولا تكونوا من الغافلين المفرطين، الذين تشاغلوا بالدنيا حتى فاجأهم الموت، فندموا
حيث لا ينفع الندم.
ألا وإن أعظم الكرامة هي لزوم الاستقامة.
وإن أعظم الخسران هو ترك الاستقامة بعد معرفتها. فالزموا -عباد الله- طريق ربكم، واحفظوا
حدود الله، وراقبوه في السر والعلن، وأحسنوا فيما بقي من أعماركم، يُحسن الله لكم فيما
بقي من أقداركم. واجعلوا نصب أعينكم قول ربكم: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۚ﴾، وقول
نبيكم صلى الله عليه وسلم: «قُلۡ ءَامَنتُ بِٱللَّهِ ثُمَّ ٱسۡتَقِمۡ». جعلنا الله
وإياكم من أهل الاستقامة، وثبتنا على دينه حتى نلقاه، ورزقنا حسن الخاتمة، وبشرنا بروح
وريحان وجنة نعيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدعاء
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك،
اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة
على الرشد، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك. اللهم اجعلنا من عبادك المستقيمين
على شرعك، الثابتين على دينك حتى نلقاك. اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا
من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم بصرنا بالحق وارزقنا اتباعه، وبصرنا بالباطل وارزقنا
اجتنابه. اللهم أحينا على الإسلام، وأمتنا على الإيمان، واحشرنا في زمرة سيد الأنام
محمد صلى الله عليه وسلم.
اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام،
يا من بيده ملكوت السماوات والأرض، يا من يصرف القلوب كيف يشاء، ويا من له الخلق والأمر
كله، نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا، وبوجهك الكريم، أن تجعلنا من عبادك المستقيمين
على شرعك، الثابتين على دينك، المداومين على طاعتك حتى نلقاك وأنت راض عنا.
اللهم ارزقنا استقامة القلب على توحيدك
ومعرفتك، واستقامة اللسان على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واستقامة الجوارح على فعل أوامرك
واجتناب نواهيك.
اللهم إنا نسألك الاستقامة في جميع أحوالنا،
في السر والعلن، في الغضب والرضى، في الفقر والغنى، في الصحة والمرض، وفي الحياة والممات.
اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة
على الرشد، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك. اللهم أعنا على حراسة خواطرنا، واحفظ
قلوبنا من شواغل الدنيا وملهياتها، واملأ قلوبنا من محبتك وخشيتك وإجلالك وتعظيمك.
اللهم اجعلنا ممن صدق في التأهب للقائك،
فانقطع قلبه عن الدنيا وزينتها، واشتاقت روحه إلى رحمتك وجنتك. اللهم هب لنا من خشيتك
ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به
علينا مصائب الدنيا.
اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب
لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم يا وهاب، هب لنا استقامة لا اعوجاج بعدها،
وهداية لا ضلال بعدها، وتوبة نصوحاً لا ذنب بعدها.
اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة، ونسألك عند
الموت بشرى الملائكة، وفي القبر نوراً وسعة، وعلى الصراط ثباتاً وسرعة، وفي الجنة درجات
عالية، إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من
قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها،
وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم أحينا على الإسلام والاستقامة، وأمتنا
على الإيمان وحسن الخاتمة، واحشرنا في زمرة سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم
صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء
الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين،
الأحياء منهم والميتين. اللهم اغفر لموتانا، واشفِ مرضانا، وفك أسرانا، وانصر إخواننا
المستضعفين في كل مكان. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، واجمع كلمتهم على الحق،
ووحد صفوفهم على الهدى.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب
العالمين.