وَمَاأَرْسَلْنَاكَ إِلَّارَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ أَتَحَدَّثُ
إِلَيْكُمْ الْيَوْمَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ فِي دِينِ اللَّهِ
وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِمَ لَا وَهُوَ حَدِيثٌ عَنْ رَحْمَةِ
النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى ﷺ
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من
نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به
والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) النساء 1
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته
ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل عمران 102
فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
مِنْ حَدِيثِ أبي موسى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام
يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه
النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» 179
حِجَابُهُ النُّورُ نُورٌ عَلَى نُورٍ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ
مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ
مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ
عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
ثُمَّ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ
رَحْمَةَ الرَّسُولِ ﷺ شَمِلَتِ الْأُمَّةَ كُلَّهَا فَكَانَ
حَرِيصًا عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَنَجَاتِهِمْ مِنَ النَّارِ
(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا
غليظ القلب لانفضوا من حولك) آل عمران 159
(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما
عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) التوبة 128
فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عِزَّ وَجَلَّ فِي
إِبْرَاهِيمَ (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس) إبراهيم 36 وَقَالَ عِيسَى (إن تعذبهم
فإنهم عبادك) المائدة 118 فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ «اللهم أمتي أمتي» وَبَكَى فَقَالَ
اللَّهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ
فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ
يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ «إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك» 202
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ ثُمَّ
انْظُرُوا إِلَى رَحْمَتِهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ مَعَ زَوْجَاتِهِ وَمَعَ
النِّسَاءِ عُمُومًا فَقَدْ كَانَ خَيْرَ النَّاسِ لِأَهْلِهِ وَأَرْحَمَهُمْ بِهِمْ
فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
مِنْ حَدِيثِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ «كان يكون
في مهنة أهله تعني خدمة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» 676
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ
الْوَدَاعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فاتقوا الله في النساء
فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» 1218
ثُمَّ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ
رَحْمَتَهُ ﷺ كَانَتْ تَجْلِي فِي تَعْلِيمِ الْجَاهِلِينَ
وَالرِّفْقِ بِالشَّبَابِ الَّذِينَ غَلَبَتْهُمُ الشَّهْوَةُ أَوْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ
فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ فِي
الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ
فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَهْ مَهْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا تزرموه دعوه» فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ «إن هذه المساجد
لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن»
221
وَمِنْ رَحْمَتِهِ مَعَ الشَّبَابِ مَا رَوَاهُ
الأَئِمَّةُ فِي سُنَنِهِمْ مِمَّا ثَبَتَ فِي رَحْمَةِ التَّعْلِيمِ أَنَّ شَابًّا
أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الزِّنَا فَقَرَّبَهُ
وَأَخَذَ يُحَاوِرُهُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَيَقُولُ أَتُرُضَاهُ لِأُمِّكَ لِأُخْتِكَ
حَتَّى دَعَا لَهُ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ فَخَرَجَ الشَّابُّ وَلَيْسَ شَيْءٌ
أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الزِّنَا
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ وَلَمْ
تَقِفْ رَحْمَتُهُ ﷺ عِنْدَ الْكِبَارِ بَلْ شَمِلَتِ الأَطْفَالَ
وَالصِّبْيَانَ فَقَدْ كَانَ يَرْقُّ لَهُمْ وَيُدَاعِبُهُمْ وَيَحْمِلُهُمْ فِي صَلَاتِهِ
وَخُطْبَتِهِ
فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ
بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا فَقَالَ الأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ
مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ «من لا يرحم لا يرحم»
5997
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ
بِنْتَ زَيْنَبَ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا 516
وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الأَثَرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَعْثُرَانِ فَنَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ أَكْمَلَ خُطْبَتَهُ أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الخطبة الثانية
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ أَتَحَدَّثُ
إِلَيْكُمْ الْيَوْمَ فِي خُطْبَتِنَا الثَّانِيَةِ عَنْ جَانِبٍ آخَرَ مِنْ رَحْمَةِ
النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي تَجَاوَزَتِ الأَقَارِبَ وَالأَصْحَابَ
لِتَشْمَلَ الأَعْدَاءَ وَالْحَيَوَانَاتِ
ثُمَّ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ
رَحْمَةَ الرَّسُولِ ﷺ بَلَغَتْ أَعْدَاءَهُ الَّذِينَ نَاصَبُوهُ
الْحَرْبَ وَسَعَوْا فِي قَتْلِهِ فَقَدْ كَانَ يُقَابِلُ الإِسَاءَةَ بِالإِحْسَانِ
وَالْقَسْوَةَ بِالرَّحْمَةِ
فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ
ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ
مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ
مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ فَقَالَ
عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ تُنْعِمْ
تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ
فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ فَقَالَ مَا
قُلْتُ لَكَ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ مَا عِنْدَكَ يَا
ثُمَامَةُ فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أطلقوا ثمامة» فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ
قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ يَا مُحَمَّدُ
وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ
أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ 4372
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ وَلَمْ
تَقِفْ هَذِهِ الرَّحْمَةُ الْعَظِيمَةُ عِنْدَ الْبَشَرِ فَحَسْبُ بَلْ تَعَدَّتْ
ذَلِكَ إِلَى الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَشْتَكِي
فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه
العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل
لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه
بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ
لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا فَقَالَ «في كل كبد رطبة أجر» 2363
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ أَهْلُ
السُّنَنِ وَالصِّحَاحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ
فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ
النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَنَ فَقَالَ مَنْ
رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك
الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه»
ثُمَّ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ
الْوَاجِبَ عَلَيْنَا أَنْ نَتَأَسَّى بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَحْمَتِهِ مَعَ أَهْلِنَا وَأَوْلَادِنَا
وَإِخْوَانِنَا وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ
(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء
107
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ اللَّهُمَّ
ارْحَمْنَا فَإِنَّكَ بِنَا رَاحِمٌ وَلَا تُعَذِّبْنَا فَإِنَّكَ عَلَيْنَا قَادِرٌ
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
أَجْمَعِينَ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ