نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ
وما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعالَـمِينَ
اولا : نبي الرحمة في ذكرى مولده
ثانيا : وما ارسلناك الا رحمة
ثالثا : من مظاهر رحمته صلي الله عليه وسلم
بأمته
رابعا : رحمته صلى الله عليه وسلم بالأعداء
وبالكفَّار حرباً وسلماً
خامسا: رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان
إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ
ونَسْتَهْدِيهِ ونَسْتَغْفِرُهُ ونَشْكُرُهُ ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا
ومِنْ سَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ومَن يُضْلِلْ فَلا
هادِيَ لَه وهو علي كل شيء قدير
وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ
لا شَرِيكَ لَهُ ولا مَثِيلَ لَهُ، ولا نِدَّ ولا ضِدَّ لَه، أَيَّنَ الأَيْنَ فَلا
أَيْنَ ولا مَكانَ ولا جِهَةَ لَه، وكَيَّفَ الكَيْفَ فَلا كَيْفَ ولا شَكْلَ ولا صُورَةَ
ولا أَعْضاءَ لَه
( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ
لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ
فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) الشورى
وأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وحَبِيبَنا وعَظِيمَنا
وقائِدَنا وقُرَّةَ أَعْيُنِنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ
عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى كُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَه الحكيم الخبير
صَلَواتُ اللهِ البَرِّ الرَّحِيمِ والْمَلائِكَةِ
الْمُقَرَّبِينَ والنَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ ما سَبَّحَ
للهِ مِنْ شيء عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ خاتـَمِ النَّبِيِّينَ وسَيِّدِ
الْمُرْسَلِينَ وإِمامِ الْمُتَّقِينَ وحَبِيبِ رَبِّ العالَـمِين، هو البشير النذير
سيدى أَبَا الْقَاسِمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ
فَاحَت بعاطر ذكرك الْأَيَّام وتفاخرت بجهادك
الْأعْلَام
وَاَللّهِ قَدْ حَيَّاك فِى قُرْآنَه فاهنأ
فَأَنْت السَّيِّد الْمِقْدَام
صلي الله عَلَيْكَ يَا سَيِّدِي يَا عَلَمَ
الهُدَى يَا أَبا الزَّهْراءِ يَا أَبا القاسِمِ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللّه
مَا هَبْتُ النسائم وَمَا نَاحَت عَلَى
آلَائِك الحمائم
أَمّا بَعْدُ
فنحن اليوم مع رجل الساعة، ونبي الملحمة،
وصاحب المقام المحمود، وهذا المقام المحمود هو الذي يغبطه عليه كل نبي في أرض المحشر،
قال تعالي : {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء:79].
اولا : نبي الرحمة في ذكرى مولده
يا أكرم الخلق جئنا صوب ذكراك والقلب بالحب
والإخلاص ناجاك
نهوى مدينتك الزهراء يدفعنا وجد وشوق وتحنان
لرؤياك
كان اسمها يثرب من قبل هجرتكم فأصبحت طيبة
من بعد رؤياك
قد أصبحت طيبة لما سكنت بها وروضة من جنان
الخلد تهواك
تعطرت أرضها لما خطوت بها وصار مسكاً ثراها
عند مثواك
من أرض طيبة نور عمّ عالمنا يا عالم الإسلام
بشراك
إنا نحبك عن بعد وعن كثب وما نسيناك يوماً
أو سلوناك
ان ذكرى ميلاد الحبيب المصطفي صلى الله
عليه وسلم كانت وستبقى إخبارا وإنذارا، فهي اليوم إنذار من الله تعالى لكل من تسول
له نفسه بان يعتدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو انه يحكم بغير شرع الله.
فَأَحْلَمُ النّاسِ محمَّد، وأَشْجَعُ النّاسِ
محمَّد، وأَعْدَلُ النّاسِ محمَّد، وأَعَفُّ النّاسِ محمَّدٌ وأَسْخَى النّاسِ محمَّد،
وأَجْوَدُ الناسِ محمَّدٌ وأَعْقَلُ الناسِ محمَّد، وأَشَدُّ النّاسِ حَياءً محمدٌ
صلى الله عليه وسلم
فسيدنا مُحَمَّدٌ تَحِنُّ إِلَيْهِ القُلُوب ...
سيدنا محمَّدٌ تَطِيبُ بِهِ النُّفُوس ...
سيدنا محمَّدٌ تَقَرُّ بِهِ العُيُون ...
سيدنا محمَّدٌ دُمُوعُ العاشِقِينَ تَسِيلُ
لِذِكْرِهِ ... كَيْفَ لا ... كَيْفَ لا تَشْتاقُ إِلى مَنْ بَكَى الجَمَلُ عِنْدَ
رُؤْيَتِهِ وشَكَى إِلَيْهِ ثِقَلَ أَحْمالِهِ ...
كَيْفَ لا تَشْتاقُ إِلى مَنْ حَنَّ الجِذْعُ
اليابِسُ لِفِراقِه كَيْفَ لا تَشْتاقُ إِلى مَنْ أَنَّ الجِذْعُ أَنِينَ الصَّبِيِّ
حِينَ مَسَحَ عليه بيده صلى الله عليه وسلم
ثانيا : وما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً
لِّلْعالَـمِينَ
إِخْوَةَ الإِيـمانِ إننا سنأخذ جانبا واحدا
فقط من جوانب الشخصية المحمدية الشريف الشمائل انه جانب الرحمة فمن سمات الكمال التي
تحلّى بها – صلى الله عليه وسلم – خُلُقُ الرحمة والرأفة بالغير ، كيف لا ؟
وهو المبعوث رحمة للعالمين نعم بعث الله
محمداً صلى الله عليه وسلم بالرحمة وأماناً للخلق ﴿ وما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً
لِّلْعالَـمِينَ (١٠٧)﴾ سورة الأنبياء .
ذكر أهل التفسير بأنهم جميع العالم جنهم
وانسهم المؤمن منهم والكافر فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأما كافرهم فإنه دفع به
عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة السابقة من العذاب والمسخ والخسف والقذف
فهو أمان للخلق من العذاب إلى نفخة الصور،
ويَشْمَلُ الْمَلَائِكَةَ كَمَا فِي الشِّفَاءِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ
تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
- هَلْ أَصَابَك مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ كُنْت أَخْشَى الْعَاقِبَةَ
فَأَمِنْت لِثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ
ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير: 20] كتاب: بريقة محمودية وتفسير الطبري
لقد وهبه الله قلباً رحيماً ، يرقّ للضعيف
، ويحنّ على المسكين ، ويعطف على الخلق أجمعين ، حتى صارت الرحمة له سجيّة ، فشملت
الصغير والكبير ، والقريب والبعيد ، والمؤمن والكافر ، فنال بذلك رحمة الله تعالى قال
الله تعالى في محكم آياته (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) }التوبة: 128{
وفي المستدرك للحاكم وسنن الدارمي عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ»
فَالْمَعْنَى مَا أَنَا إلَّا ذُو رَحْمَةٍ
لِلْعَالَمِينَ أَهْدَاهَا اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمْ فَمَنْ قَبِلَ هِدَايَتَهُ أَفْلَحَ
وَنَجَا وَمَنْ أَبَى خَابَ وَخَسِرَ.
وروى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ
لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» لِأَنَّهُ غُشِيَ بِالرَّحْمَةِ وَاسْتَنَارَ
قَلْبُهُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ رَحْمَةً وَمَفْزَعًا وَمَأْمَنًا
وهل ترون في الخلق أرقى خلقاً، وأعز نفساً،
وأجمل سيرة، وأنقى سريرة، وأهدى طريقة، وأشرف مجداً، وأرأف قلباً، وأندى راحة، وأسد
رأياً، وأحلم فؤاداً، وأعظم ناصحاً من محمد صلي الله عليه وسلم.
سيدي يا رسول الله
زانتك في الخلق العظيم شمائل …يُغرى بهن
ويولع الكرماء
وإذا عفوت فقادرٌ ومقدّرٌ …لا يستهين بعفوك
الجهلاء
وإذا رحمت فأنت أم أو أبٌ …هذان في الدنيا
هما الرحماء.....
ثالثاً : من مظاهر رحمته صلي الله عليه
وسلم بأمته
............
لقد تجلت رحمة المصطفى صلى الله عليه وسلم
في جوانب كثيرة من حياته؛ حتى لقد أصبحت سمة بارزة لا يحول دونها ريبة أو قتر في كل
شأن من شئونه، فهو عطوف رحيم، أرسله إلى البشرية رحمان رحيم، وأشرب لحمه وبل عروقه
إملاج حليمة السعدية له، فكان له من اسمها الحلم والسعادة
أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد
الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله:
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي
وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم:36] وتلا قول عيسى عليه السلام:
{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118] فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وقال:
اللهم أمتي أمتي! وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد- وربك أعلم- فسله:
ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال
الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك} الله أكبر! ما أعظم
المصطفى صلى الله عليه وسلم! وما أرحمه بأمته!
*ومن تلك المواقف والمظاهر والصور رحمته
بالأطفال*
فكان صلى الله عليه وسلم يعطف على الأطفال
ويرقّ لهم ، حتى كان كالوالد لهم ، يقبّلهم ويضمّهم ، ويلاعبهم ويحنّكهم بالتمر ،كما
فعل بعبدالله بن الزبير عند ولادته
.
وروى البخاري عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ»
البخاري
وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّة
وهو حامل أمامة بنت زينب ، فكان إذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها.
وكان إذا دخل في الصلاة فسمع بكاء الصبيّ
، أسرع في أدائها وخفّفها ، فعَنْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ
أَبِيهِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ
الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» البخاري
وعن أنس رضي الله عنه قال: ما رأيت أحداً
كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم
العمير والنغير:
روي الامام احمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً. وَكَانَ لِي
أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ. قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: كَانَ فَطِيماً. قَالَ:
فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللّهِ فَرَآهُ قَالَ: «أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»
قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِهِ )) وفي يوم من الأيام رأى النبي صلى الله عليه وسلم عميراً
يبكي فقال: " ما يبكيك يا عمير ؟ " فقال: يارسول الله لقد مات النغير. فجلس
النبي صلى الله عليه وسلم ساعة يلاعبه، فمر الصحابة فوجدوا النبي يلاعب عميراً، فنظر
إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " مات النغير فأردت أن ألاعب العمير".
*ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم أيضا
رحمته بالنساء
*
لما كانت طبيعة النساء الضعف وقلة التحمل
، كانت العناية بهنّ أعظم ، والرفق بهنّ أكثر ، وقد تجلّى ذلك في خلقه وسيرته على أكمل
وجه ، فحثّ صلى الله عليه وسلم على رعاية البنات والإحسان إليهنّ روي البخاري عن عَائِشَةَ،
زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: جَاءَتْنِي
امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ
وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ،
فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: «مَنْ
يَلِي مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ شَيْئًا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا
مِنَ النَّارِ»
بل إنه شدّد في الوصية بحق الزوجة والاهتمام
بشؤونها فقال كما في سنن الترمذي « أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا
هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلاَّ
أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ .
*من مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم رحمته
بالضعفاء عموماً
*
إخوة الإسلام انه سيد الرحماء سيدنا محمد
الذي قال فيما روى سنن الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ،
ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، الرَّحِمُ شُجْنَةٌ
مِنَ الرَّحْمَنِ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ»:
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
اما اليتامى والأرامل ، فقد حثّ الناس على
كفالة اليتيم ، وكان يقول كما عند البخاري: « أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ
هَكَذَا » . وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى
وجعل الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد
في سبيل الله ، وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل ، واعتبر وجود الضعفاء في الأمة ، والعطف
عليهم سبباً من أسباب النصر على الأعداء ، فقال صلى الله عليه وسلم : فيما رواه البخاري
« هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ»
*ومن صور رحمته صلى الله عليه وسلم بالخدم
والعبيد ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، ويسمي أَبُو
مَسْعُودٍ الْبَدْرِىُّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي
صَوْتًا: «اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ»،
فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ
لَلَفَحَتْكَ النَّارُ»، أَوْ «لَمَسَّتْكَ النَّارُ»
فكان صلى الله عليه وسلم يهتمّ بأمر الضعفاء
والخدم ، الذين هم مظنّة وقوع الظلم عليهم ، والاستيلاء على حقوقهم ، وكان يقول في
شأن الخدم كما في البخاري « نَعَمْ ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ
أَيْدِيكُمْ ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا
يَأْكُلُ ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ، وَلاَ يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا
يَغْلِبُهُ ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ
*ومن رحمة المصطفى صلى الله عليه وسلم بأمته
؛ التخفيف في العبادة*
نعم
تخفيف في العبادة ورحمة في الشرع حتى بلغت رحمته تعليم الجاهل، وتوجيه الغافل،
ومناغاة العيال والصبيان فقد روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ
قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ ، إِنِّى وَاللَّهِ لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ
، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا . قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ – صلى الله عليه
وسلم – قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِى مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ، ثُمَّ قَالَ « يَا
أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ
فَلْيُوجِزْ ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ »
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: احتلمت
في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشْفَقْتُ إنْ أغْتَسِلَت أن أهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ
ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَروا ذَلِكَ لرسولِ الله صلى الله عليه
وسلم فقال: يا عمرو صَلَّيْتَ بأصْحَابِكَ وَأنْتَ جُنُبٌ ؟ فأخْبَرْتُهُ بالَّذِي
مَنَعَنِي مِنَ الاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ الله يقولُ: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا
أنْفُسَكُمْ إنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾. فَضَحِكَ رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم وَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً ». رواه أبو داود.
*ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم رحمته
بأهل المعاصي والتائبين
*
فقد روى البخاري في صحيحه أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
– رضى الله عنه – قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه
وسلم – إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ . قَالَ « مَا
لَكَ » . قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
– صلى الله عليه وسلم – « هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا » . قَالَ لاَ . قَالَ
« فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ» . قَالَ لاَ . فَقَالَ
« فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا » . قَالَ لاَ . قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ
– صلى الله عليه وسلم – ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِىَ النَّبِيُّ – صلى الله
عليه وسلم – بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ – وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ – قَالَ « أَيْنَ السَّائِلُ»
. فَقَالَ أَنَا . قَالَ « خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ » . فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى
أَفْقَرَ مِنِّى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَ اللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا – يُرِيدُ
الْحَرَّتَيْنِ – أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ
– صلى الله عليه وسلم – حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ « أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ »
اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين . وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
أيها المسلمون
رابعا : رحمته صلى الله عليه وسلم رحمته
بالأعداء وبالكفَّار حرباً وسلماً
*
كما تجلّت رحمته صلى الله عليه وسلم أيضاً
في ذلك الموقف العظيم ، يوم فتح مكة وتمكين الله تعالى له ، حينما أعلنها صريحةً واضحةً
لمن قال اليوم يوم الملحمة فقال صلى الله عليه وسلم ( اليوم يوم المرحمة ) ، وأصدر
عفوه العام عن قريش التي لم تدّخر وسعاً في إلحاق الأذى بالمسلمين ، فقابل الإساءة
بالإحسان ، والأذيّة بحسن المعاملة.
نبي الرحمة مع وهب بن عمير
روى ابن إسحاق بسند جيد أن عمير بن وهب
جلس مع صفوان بن أمية بعد غزوة بدر في حجر إسماعيل في بيت الله الحرام، فتذاكرا ما
كان في بدر، وتذكرا هزيمتهم المنكرة في بدر، فقال عمير لـصفوان: والله لولا دين علي،
وعيال عندي أخشى عليهم الضيعة بعدي؛ لركبت إلى محمد لأقتله؛ وكان ابن وهب بن عمير أسيراً
في المدينة بعد غزوة بدر، فالتقطها صفوان وقال: دينك علي، وعيالك عيالي، أواسيهم بمالي،
ولا أمنع شيئاً عنهم، واركب إلى محمد فاقتله، فقال له: فاكتم هذا الخبر، ولا تخبر به
أحداً، وتعاهدا على ذلك، وعاد عمير بن وهب إلى بيته؛ فشحذ سيفه، وأغرقه في السم، وانطلق
إلى المدينة ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما وصل إلى باب المسجد النبوي أناخ
راحلته، وشد سيفه، وانطلق، فرآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو صاحب الفراسة وصاحب
الفطنة والذكاء، فقال عمر رضي الله عنه: هذا عدو الله عمير بن وهب ، والله ما جاء إلا
لشر؛ فلببه عمر بثيابه -خنقه-، وجره بثيابه حتى أوقفه بين يدي النبي صلى الله عليه
وسلم، وظل عمر ممسكاً بمجامع ثوبه حتى قال النبي لـعمر: أرسله يا عمر -اتركه- فوقف
عمير بن وهب بين يدي الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ فقال له النبي: ما الذي جاء بك يا
عمير ؟ قال: ولدي أسير عندكم، وجئت إليكم لتحسنوا إلي في فدائه، فقال له النبي: فما
بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف؛ وهل أغنت عنا شيئاً يوم بدر؟ فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم: اصدقني يا عمير ما الذي جاء بك؟ قال: ما جئت إلا لهذا، فقال
الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: بل جلست مع صفوان في حجر إسماعيل ، وذكرتما بدراً، وقلت
لـصفوان: لولا دين علي، وعيالٌ أخشى عليهم الضيعة بعدي؛ لركبت إلى محمد لأقتله. فقال
لك صفوان : دينك علي، وعيالك عيالي، أواسيهم بمالي، ولا أمنع شيئاً عنهم، واركب إلى
محمدٍ فاقتله، وتعاهدتما على الكتمان، فشحذت سيفك، وأغرقته في السم، وأتيت إلى هنا
لتقتلني، لكن الله حائل بينك وبين ذلك، فقال: أشهد أنك رسول الله، والله لا يعلم بهذا
الخبر أحد إلا أنا وصفوان ؛ فأحمد الله الذي ساقني هذا المساق، وإني أشهد أن لا إله
إلا الله، وأنك رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذوا أخاكم وعلموه القرآن .
وعن مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ،
عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّرَهُ عَلَى
سَرِيَّةٍ، فَخَرَجْتُ فِيهَا فَقَالَ: " إِنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ
بِالنَّارِ "، فَلَمَّا وَلَّيْتُ نَادَانِي، فَقَالَ: " إِنْ أَخَذْتُمُوهُ
فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ، إِلَّا رَبُّ النَّارِ " مسند
احمد
خامساً: رحمته صلى الله عليه وسلم بالبهائم *
فقد شملت رحمته صلى الله عليه وسلم البهائم
التي لا تعقل ، فكان يحثّ الناس على الرفق بها ، وعدم تحميلها ما لا تطيق
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم (
دَخَلَ حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَإِذَا فِيهِ نَاضِحٌ لَهُ فَلَمَّا رَأَى
النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ
-صلى الله عليه وسلم- فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ وَسَرَاتَهُ فَسَكَنَ فَقَالَ « مَنْ رَبُّ
هَذَا الْجَمَلِ ». فَجَاءَ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ أَنَا. فَقَالَ « أَلاَ
تَتَّقِى اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ
شَكَاكَ إِلَىَّ وَزَعَمَ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ » رواه أحمد وأبو داوود .
عَنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " ارْكَبُوا هَذِهِ الدَّوَابَّ
سَالِمَةً، وَايْتَدِعُوهَا سَالِمَةً، وَلَا
تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ " احمد
يعني: اتركوها وخففوا عنها إذا لم تحتاجوا
لركوبها، ولا تتخذوها كراسي، بل استعملوها فقط لما سخرت من أجله.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: " إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ
دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ , فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ
لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ
, وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ " السنن الكبرى
للبيهقي
هذا وصلوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية،
وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، اللهم صلِّ وسلم
على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.