recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. الشيخ / محمد سيد حسين عبد الواحد.

 وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.


​العُنْصُرُ الأَوَّلُ: خَصَائِصُ النَّبِيِّ المَاحِي وَالعَاقِبِ وَأَسْبَابُ تَفْضِيلِهِ وَتَقْدِيمِهِ.

​العُنْصُرُ الثَّانِي: عَالَمِيَّةُ الرَّسَالَةِ وَشُمُولُ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ.

​العُنْصُرُ الثَّالِثُ: صِفَاتُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ مِنْ سُورَةِ الأَعْرَافِ.

​العُنْصُرُ الرَّابِعُ: رَفْعُ الإِصْرِ وَالأَغْلَالَ وَالتَّيْسِيرُ عَلَى الأُمَمِ المَاضِيَةِ بِبَرَكَةِ البِعْثَةِ.

​المَوْضُوعُ:وكأنك تلقيه على المنبر.

​أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:

قَبْلَ أُسْبُوعٍ انْقَضَى، كُنَّا نَتَكَلَّمُ عَنْ تَكْرِيمِ الكَرِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلنَّبِيِّ الكَرِيمِ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ. اختَصَّهُ اللهُ تَعَالَى وَأَوْلَاهُ وَأَعْطَاهُ مَا لَمْ يُعْطِ غَيْرَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِكُلِّ نَبِيٍّ فَضِيلَةً، وَاخْتَصَّ اللهُ تَعَالَى كُلَّ نَبِيٍّ بِخَصِيصَةٍ وَعَطِيَّةٍ، إِلَّا سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَاهُ مَا لَمْ يُعْطِ غَيْرَهُ، وَرَفَعَهُ فَوْقَ الجَمِيعِ دَرَجَاتٍ...

​وَالسَّبَبُ:

أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ النَّبِيُّ المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِهِ الكُفْرَ، وَيُقِيمُ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولَ النَّاسُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ...

​وَأَنَّهُ النَّبِيُّ العَاقِبُ، وَالعَاقِبُ هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي لَا يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ نَبِيٌّ: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}.

​ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ لِلنَّاسِ كَافَّةً؛ شَاهِدًا، وَمُبَشِّرًا، وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ تَعَالَى بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَقَدْ كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً...

​هَذِهِ فِيما أَرَى هِيَ بَعْضُ أَسْبَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّفْضِيلِ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ...

​ثُمَّ يَأْتِي التَّكْرِيمُ الأَوْسَعُ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، حِينَ يُخَاطِبُهُ العَلِيمُ الحَكِيمُ بِقَوْلِهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

​{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا} أُسْلُوبٌ يُعْرَفُ فِي لُغَةِ العَرَبِ بِأَنَّهُ (حَصْرٌ وَقَصْرٌ)، وَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُبْعَثْ إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ رَحْمَةً، وَمَا اصْطَفَاهُ اللهُ تَعَالَى وَمَا اجْتَبَاهُ إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَجْعَلَهُ رَحْمَةً لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ...

​بُعِثَ رَسُولُ اللهِ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا...

بُعِثَ رَسُولُ اللهِ دَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا...

بُعِثَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَادِيًا وَمُعَلِّمًا كَرِيمًا...

لَكِنْ تَبْقَى (الرَّحْمَةُ) هِيَ الغَايَةَ الأَسْمَى مِنْ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

الدَّلِيلُ:

أُسْلُوبُ الحَصْرِ وَالقَصْرِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ الآيَةُ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

​لَمْ يُبْعَثْ رَسُولُ اللهِ لَنَا وَحْدَنَا، وَإِنَّمَا هُوَ المَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ...

هَذِهِ الآيَةُ هِيَ دَلِيلٌ عَلَى عَالَمِيَّةِ الرِّسَالَةِ، وَعَلَى عَالَمِيَّةِ الرَّحْمَةِ وَشُمُولِهَا؛ فَلَمْ يُبْعَثْ لَنَا وَحْدَنَا، وَلَمْ يُرْسَلْ لَنَا وَحْدَنَا، إِنَّمَا بُعِثَ إِلَى كُلِّ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، وَإِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ.

​الإِنْسُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ رَحْمَةِ رَسُولِ اللهِ،

وَالجِنُّ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ رَحْمَةِ رَسُولِ اللهِ،

وَالبَهَائِمُ لَهَا نَصِيبٌ،

وَالطُّيُورُ لَهَا نَصِيبٌ،

حَتَّى إِبْلِيسُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ، بُعِثَ رَسُولُ اللهِ وَلِلشَّيْطَانِ مِنْ رَحْمَتِهِ نَصِيبٌ.

​الدَّلِيلُ:

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وَالعَالَمِينَ هُمْ جَمِيعُ الخَلَائِقِ؛ قَوِيُّهُمْ وَضَعِيفُهُمْ، مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ...

​دَلِيلٌ آخَرُ:

رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ القَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ، يَعْنِي ظِئْرَهُ، فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ».

قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ المِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

​أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:

لَنْ نَتَكَلَّمَ اليَوْمَ عَنْ رَحْمَتِهِ بِأَصْحَابِهِ المُؤْمِنِينَ؛ أَمْثَالِ عَمَّارٍ وَبِلَالٍ، وَقَدْ كَانَ أَرْحَمَ النَّاسِ بِهِمْ. لَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْ رَحْمَتِهِ بِأَعْدَائِهِ؛ كَأَبِي سُفْيَانَ وَعِكْرِمَةَ وَصَفْوَانَ، وَقَدْ كَانَ يُشْفِقُ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ الإِشْفَاقِ، وَإِنَّمَا نَتَحَدَّثُ عَنْ بِعْثَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَالَّتِي جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، أُولَئِكَ الَّذِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ التَّوْرَاةُ ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الإِنْجِيلُ...

​وَفِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ حَدِيثٌ عَنْ نَبِيِّ آخِرِ الزَّمَانِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ...

​وَفِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ نَعْتٌ وَوَصْفٌ دَقِيقٌ لِلنَّبِيِّ الأُمِّيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

​فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النَّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

​السُّوَرُ الكَرِيمَاتُ وَالآيَاتُ البَيِّنَاتُ الَّتِي تَحَدَّثَتْ عَنْ صِفَةِ النَّبِيِّ الخَاتَمِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ كَثِيرَةٌ؛ (سُورَةُ البَقَرَةِ، وَسُورَةُ الأَنْعَامِ، وَسُورَةُ الأَعْرَافِ، وَسُورَةُ الفَتْحِ، وَسُورَةُ الصَّفِّ).

​حَسْبُنَا اليَوْمَ أَنْ نَتَكَلَّمَ فَقَطْ عَنْ آيَةِ الأَعْرَافِ...

نَرَى كَيْفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَصَفَ زَوَايَا دَعْوَتِهِ، وَرَسَمَ حُدُودَ رِسَالَتِهِ، وَأَكَّدَ عَلَى طَبِيعَةِ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: {.. النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..}.

​وَصَفَتِ الآيَةُ خَمْسَ سِمَاتٍ لِلنَّبِيِّ الأُمِّيِّ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ...

أَوَّلُهَا: أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يُحِلُّ الطَّيِّبَاتِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ يُحَرِّمُ الخَبَائِثَ، وَأَمَّا خَامِسُهَا: فَهُوَ أَنَّهُ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.

​أَمَّا المَعْرُوفُ الأَكْبَرُ الَّذِي يَأْمُرُهُمْ بِهِ: فَهُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ الوَاحِدِ الأَحَدِ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.

​وَأَمَّا المُنْكَرُ الأَكْبَرُ الَّذِي يَنْهَاهُمْ عَنْهُ: فَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالَى، ثُمَّ نَهَاهُمْ بَعْدُ عَنْ مَسَاوِئِ الأَخْلَاقِ وَالأَعْمَالِ...

​فَأَوَّلُ وَثَانِي الصِّفَاتِ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ}.

​وَأَمَّا الطَّيِّبَاتُ الَّتِي أَحَلَّهَا رَسُولُ اللهِ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الكِتَابِ: فَهِيَ الَّتِي عَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي زَمَنٍ مِنَ الأَزْمَانِ فَحَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ؛ (حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الإِبِلَ وَالنَّعَامَ)، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشَّحْمَ مِنْ (البَقَرِ وَالغَنَمِ).

​وَهَذَا هُوَ المُشَارُ إِلَيْهِ فِي الآيَةِ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِك جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.

​رُفِعَتْ عَنْهُمْ هَذِهِ العُقُوبَةُ، وَأُحِلَّتْ لَهُمْ هَذِهِ الطَّيِّبَاتُ بَعْدَ أَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ بِبَرَكَةِ بِعْثَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ}.

​وَأَمَّا الخَبَائِثُ الَّتِي حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ: فَهِيَ الخَبَائِثُ الَّتِي اسْتَحَلُّوهَا؛ كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ المَسْفُوحِ، وَلَحْمِ الخِنْزِيرِ، وَالخَمْرِ، وَالرِّبَا، وَالفَوَاحِشِ.

فَهَذِهِ الخَبَائِثُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ وَمُنِعُوا مِنْهَا بِبَرَكَةِ بِعْثَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...

​وَأَمَّا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ...

​فَالْمَعْنَى -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ بِعْثَةَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَاءَتْ بِشَرِيعَةٍ رَفَعَتِ الحَرَجَ، وَوَسَّعَتْ وَيَسَّرَتْ، وَخَفَّفَتِ التَّشْدِيدَ وَالتَّضْيِيقَ الَّذِي عَاقَبَ اللهُ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ...

​لِيُعْلِنَ الحَكِيمُ العَلِيمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ مَلَامِحِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنَّهَا بِكَامِلِ تَفَاصِيلِهَا رَحْمَةٌ؛ رَحْمَةٌ لِلإِنْسَانِ، وَرَحْمَةٌ لِلْجَانِّ، وَرَحْمَةٌ لِلطَّيْرِ، وَرَحْمَةٌ لِلأَنْعَامِ، رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَرَحْمَةٌ لِغَيْرِ المُؤْمِنِ.

​{وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.

​نَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ الكَرِيمِ أَنْ يُسْعِدَنَا فِي الدُّنْيَا بِهَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ، وَفِي الآخِرَةِ بِصُحْبَتِهِ وَشَفَاعَتِهِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَمَوْلَاهُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

​الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

​بَقِيَ لَنَا فِي خِتَامِ الحَدِيثِ عَنْ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ أَنْ نَقُولَ: مَاذَا لَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ بِالنَّبِيِّ الخَاتَمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

​قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ، فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الكِتَابِ الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ".

​أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:

إِنَّ العَظَمَةَ فِي الإِسْلَامِ تَتَجَلَّى فِي احْتِوَائِهِ لِكُلِّ مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَتَتَجَلَّى فِي تَكْرِيمِهِ لِكُلِّ مَنْ سَبَقَ لَهُ الإِيمَانُ بِالرُّسُلِ الأُوَلِ وَآمَنَ بِالنَّبِيِّ الخَاتَمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}

​لَمْ يَطْلُبِ الإِسْلَامُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أَنْ يَتَبَرَّؤُوا مِنْ أَنْبِيَائِهِمُ السَّابِقِينَ، بَلْ جَعَلَ الإِيمَانَ بِآدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى وَمُوسَى عَلَيْهِمْ جَمِيعًا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ السَّلَامِ شَرْطًا لَا يَصِحُّ إِيمَانُ المُسْلِمِ إِلَّا بِهِ..

وَلِذَلِكَ جَاءَتِ البِشَارَةُ الإِلَهِيَّةُ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِالنَّبِيِّ الخَاتَمِ أَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ؛ أَجْرًا عَلَى إِيمَانِهِ بِرَسُولِهِ الأَوَّلِ، وَأَجْرًا عَلَى اتِّبَاعِهِ لِسَيِّدِ المُرْسَلِينَ.

​عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَحَدُ كِبَارِ عُلَمَاءِ اليَهُودِ فِي المَدِينَةِ، لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ وَنَظَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ إِلَى وَجْهِهِ الشَّرِيفِ، قَالَ:

«فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ!»؛

فَأَسْلَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ..

وَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَـٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}.

ف​مَا أَوْسَعَ رَحْمَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ!

وَمَا أَسْعَدَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَبِرُسُلِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ!

​أَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَمْلَأَ قُلُوبَنَا بِرَحْمَتِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ.

 

·

google-playkhamsatmostaqltradent