الإحسان إلى المحتاجين بين صدق العبودية وجمال السلوك..
العنصر الأول: منزلة الإحسان إلى المحتاجين
فى الإسلام:
عباد الله: إن الإسلام دين التكافل والرحمة،
جاء ليبني مجتمعاً يتداعى أفراده كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى, وإن من أعظم القربات وأجلّ الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى ربه في
هذه الحياة: مساعدة المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، وكفالة الفقراء والمساكين, فلقد عَظّمَ
الحق سبحانه وتعالى شأن الصدقة وإعانة الضعفاء، وجعل ذلك سبباً لنيل رحمته ومعيته،
فقال جل وعلا: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ
أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:
245]. وقال سبحانه مبنياً جزاء المحسنين: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274]. وتشير الآيات إلى العطاء للآخرين،
وتقديم الخير لهم في صورته للإنسان الذي أمامك، وفي حقيقته أنه لله، ومن كان يعطي ربه
الكريم، فليتصور كم تكون مكافأته؟!!!.
كما حثنا الله - عز وجل- على الإحسان والتعاون
والتشارك في الخير والبر فقال تعالي:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا
تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}( المائدة: 2)؛ يقول الطاهر بن عاشور:
” أي: ليعن بعضكم بعضا على البر والتقوى . وفائدة التعاون تيسير العمل ، وتوفير المصالح
، وإظهار الاتحاد والتناصر.
ولقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
أروع الأمثلة في فعل الخير والأعمال التطوعية قبل البعثة وبعدها ؛ ونحن نعلم قول السيدة
خديجة فيه لما نزل عليه الوحي وجاء يرجف فؤاده قالت رضي الله عنها له كما فى الصحيحين:"
كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ؛ وَتَحْمِلُ
الْكَلَّ؛ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ؛ وَتَقْرِي الضَّيْفَ؛ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ
الْحَقِّ".
وقد ربى الرسول - صلى الله عليه وسلم –
أصحابه على أعمال البر والخير والعون والمساعدة؛ حتى أصبح حق أحدهم ملكاً للجميع؛ ففى
صحيح مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:" بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ
مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ
لَهُ قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ (أي زيادة ما
يركب على ظهره من الدواب) فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ؛ وَمَنْ كَانَ
لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ ".
وفى الصحيحين عَنْ أَبي هُريرة رَضِي اللهُ
عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ سُلاَمَى
(أي المفاصل والأعضاء) مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ
الشَّمْسُ؛ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ
فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ , وَالْكَلِمَةُ
الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ،
وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ".
أيها المسلمون: ما أجمل أن يسعى الإنسان
في قضاء حوائج المسلمين وتفريج كروبهم وتقديم يد العون لهم؛ ففى الصحيحين عن عَبْدِ
اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا
يُسْلِمُهُ ( أي لا يتركه مع من يؤذيه)؛ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ
فِي حَاجَتِهِ؛ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً
مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ".
وفى صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ
كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ
الْقِيَامَةِ؛ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ؛ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛
وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ". قال
الإمام النووي: " فيه فضل قضاء حوائج المسلمين بما تيسر من علم أو مال أو معاونة
أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك.
وروي الطبراني فى المعجم الكبير عن أبي
أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ
تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ
الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ», والمقصود بالمصرع: هو مكان الموت، فيقي الله من
يحسن إلى الناس بقضاء حوائجهم من الموت في مكان سيء أو هيئة سيئة أو ميتة سيئة.
كل هذه النصوص وغيرها الكثير الهدف منها
جعل المسلمين جميعاً يشعرون بروح الجماعة الواحدة المرتبطة ببعضها البعض مادياً ومعنوياً؛
فهم كالفرد الواحد وكالجسد الواحد؛ ففى صحيح مسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ
فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى
مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".
وقال الحسن البصري: " لأن أقضي حاجة
لأخ أحب إليَّ من أن أصلي ألف ركعة، ولأن أقضي حاجة لأخ أحب إليَّ من أن أعتكف شهرين".
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لأن
أعول أهل بيت من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله أحب إليَّ من حجة، وَلَطَبَقٌ
بدرهم أهديه إلى أخ لي في الله أحب إليَّ من دينار أنفقه في سبيل الله".
فما أعظم هذا الدين الذي جعل مساعدة المحتاجين
الناس بهذه المنزلة العظيمة، بل وحتى مساعدة الحيوانات، ولتسمع الدنيا كلها من المنظمات
الحقوقية وحقوق الحيوان ما ذكره النبي صليى الله عليه وسلم فى شأن من ساعد حيوانا,
ففى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا
رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ
الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا» والبغي: هي المرأة الزانية.
ومع هذا، غفر الله لها بهذه المساعدة لهذا الحيوان، فكيف بمساعدة الصالحين لإخوانهم
وأخواتهم؟ لا شك أن ثوابه أعظم.!!
العنصر الثاني: نماذج وصور مشرقة فى مساعدة
المحتاجين:
أيها المسلمون: تعالوا معنا في هذا العنصر
لنتعايش مع هذه الصور المشرقة للأعمال التطوعية ودورها في نشر التعاون والتراحم والتكافل
الاجتماعي بين أفراد المجتمع ومن هذه الصور:
أولا: مساعدة ذي القرنين ببناء السد: قال تعالى:{ قَالُوا يَا
ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ
لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي
فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا
* آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا
حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا
أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } (الكهف : 94 – 97)؛ فيأجوج، ومأجوج
من ذرية آدم ، وخلق من خلق الله تعالي، ولكنهم أهل شر وفساد؛ وهم أكثر أهل النار؛ وقد
حال الله بينهم وبين الإفساد في الأرض، والإفساد علي الخلق بسد ذي القرنين؛ فإذا جاء
وعد الله جعل هذا السد الذي عجزوا عن نقبه، والصعود عليه دكا فيخرجون من كل حدب ويعيثون
في الأرض فسادا فيهرب الناس منهم ، وتكون نهايتهم بأن يجأر الناس إلى الله تعالي بالشكوى
فيستجيب الله تعالي لهم ويميتهم جميعا . لذا كان بناء السد نعمة عظمي للبشرية وسبباً
من أسباب الهناء والعيش علي الأرض. والشاهد قوله: { فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا
} أي أجرا عظيما – أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مال يعطونه إياه حتى يجعل بينهم وبينه
سداً . فقال لهم ذو القرنين – بعفة وقصد فعل الخير التطوعي – { مَا مَكَّنِّي فِيهِ
رَبِّي خَيْرٌ }أي: ما أعطانيه الله من الملك والتمكين خير لي من المال الذي تجمعونه
لي ، ولكن أعينوني وساعدوني بقوة – بعملكم ، وبآلات البناء – أجعل بينكم وبينهم ردما
، ثم قال لهم آتوني زبر الحديد – والزبر جمع زبرة وهي القطعة من الحديد؛ ثم جاء بالنحاس
فأذابه في النار فصبه على الحديد فجعله سداً منيعاً؛ {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ
وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} أي: ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد ولا قدروا
على نقبه من أسفله.
ثانياً: مساعدة موسي عليه السلام فى سقي
أغنام ابنتا الرجل الصالح: قال تعالي: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ
أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ
قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا
شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي
لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ }. لما وصل موسي عليه السلام ماء مدين
وجد عددا كبيراً من الناس يسقون مواشيهم ، ووجد من دونهم امرأتين تحبسان أغنامهما عن
الماء حتى يفرغ الناس ، فسألهما { مَا خَطْبُكُمَا } ماشأنكما؟ {قَالَتَا لَا نَسْقِي
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} أي ينصرف الناس عن الماء؛ والسبب
هو العجز عن السقي معهم؛ وأبونا شيخ كبير عالي
السن لا يقدر أن يأتي ويسقي ؛ فلما سمع موسي كلامهما رحمهما وسقي لهما أغنامهما، ولما
فرغ من السقي تولي إلى الظل وجلس ونادي ربه قائلا { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ
إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } أي خير كنت أنا محتاج إليه؛ فكان عمله التطوعي باب خير
حيث تزوج ابنة الرجل الصالح وأكل طعاما حلالا بإجارة شريفة.
ثالثا: أبو بكر الصديق رضي الله عنه يضربَ أروعَ الأمثلةِ
في قضاءِ حوائجِ الناسِ، فما وَجَد طريقاً علِم أنَّ فيها خيرًا وأجرًا إلاَّ سلَكها
ومشَى فيها.... فقد كان يتعهدُ امرأةً عمياءَ في المدينةِ يقضِي لها حاجاتِهَا سرًّا
إبانَ خلافتِه للمسلمين، وكان يحلبُ لأهلِ الحيِّ أغنامَهُم، فلمَّا استخلفَ وصارَ
أميرَ المؤمنين قالت جاريةٌ منهم -يعني مِن نساءِ الحيِّ- بعد أنْ صارَ أبو بكرٍ خليفةً:
الآن لا يحلبُهَا. تقولُ: لقد صارَ قائدَ الدولةِ وأميرَ المؤمنين، يسيرُ الجيوشَ ويتحملُ
المسئولياتِ، هل يلتفتُ إلى غنمِنَا ويحلبُهَا؟ الآن لا يحلبُهَا، فسمعَ بذلك أبو بكرٍ
رضي اللهُ عنه فقالَ: بلى، وإنِّي لأرجُو ألَّا يغيرنِي ما دخلتُ فيهِ عن شيءٍ كنتُ
أفعلُهُ.( التبصرة لابن الجوزي وجامع العلوم والحكم لابن رجب).
وحينما وجَّهَ النبيُّ – صلَّى الله عليه
وسلَّم – إلى أصحابِه بعضَ الأسئلةِ عن أفعالِ الخيرِ التطوعية اليوميَّة، كان أبو
بكرٍ الصديق هو المجيب، ففى صحيح مسلم قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: " مَن
أصبحَ مِنكُم اليومَ صائمًا؟ “، قال أبو بَكرٍ: أنا، قال: ” فمَن تَبِع مِنكم اليومَ
جنازةً؟”، قال أبو بكرٍ: أنا، قال: ” فمَن أَطْعَم منكم اليومَ مِسكينًا؟ “، قال أبو
بكر: أنا، قال: ” فمَن عادَ مِنكم اليومَ مريضًا؟”، قال أبو بكر: أَنا، فقال رسولُ
الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ” ما اجْتمَعْنَ في امرئٍ إلاَّ دخَل الجَنَّةَ ".
كما كان أبو بكر رضي الله عنه له السبق؛
عندما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته أن يتصدقوا تطوعاً، ففى سنن الترمذي
عن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ
عِنْدِي مَالًا، فَقُلْتُ: اليَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا،
قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ:
وَسَلَّمَ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ
مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ
لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا.
رابعاً: عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضربَ أروعَ الأمثلةِ
في قضاءِ حوائجِ الناسِ، فقد كان رضي اللهُ عنه يسعَى لخدمةِ العجزةِ والأراملِ والمقعدين
وقضاءِ حوائجِهِم تطوعًا، فقد روى أبو نُعيمٍ في «حليةِ الأولياء» أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ
رضي اللهُ تعالى عنه خرجَ في سوادِ الليلِ فرآهُ طلحةُ، فذهبَ عمرُ فدخلَ بيتًا ثم
دخلَ آخرَ، فلمَّا أصبحَ طلحةُ ذهبَ إلى ذلك البيتِ فإذا بعجوزٍ عمياءَ مقعدةٍ، فقالَ
لهَا: ما بالُ هذا الرجلِ يأتيكِ؟ قالت: إنَّه يتعاهدُنِي منذُ كذا وكذا يأتينِي بما
يصلحُنِي، ويخرجُ عني الأذَى، فقالَ طلحةُ: ثكلتْكَ أمكَ يا طلحة، أعثراتُ عمرَ تتبعُ؟!
خامساً: عثمان بن عفان رضي الله عنه يضربَ أروعَ الأمثلةِ
في قضاءِ حوائجِ الناسِ، فقد كان رضي اللهُ عنه يسعى إلى الجنة عن طريق التراحم والتكافل
والعمل التطوعي؛ ” فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال من يشتري بئر رومة يوسع بها على
المسلمين وله الجنة ؟ فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من يهودي بأمر النبي صلى
الله عليه وسلم؛ وكان اليهودي يبيع ماءها . وفي الحديث : " أن عثمان رضي الله
عنه اشترى منه نصفها باثني عشر ألفا ؛ ثم قال لليهودي اختر إما أن تأخذها يوما وآخذها
يوما وإما أن تنصب لك عليها دلوا وأنصب عليها دلوا ؛ فاختار يوما ويوما ؛ فكان الناس
يستقون منها في يوم عثمان لليومين ؛ فقال اليهودي: أفسدت عليَّ بئري فاشتر باقيها ؛
فاشتراه بثمانية آلاف".
تخيلوا يا عباد الله أنه لا يوجد بئر ولا
ماء للمسلمين غير هذه ؛ وكان عثمان رضي الله عنه قادرا على احتكارها وحده؛ ولكنه مثالٌ
للتراحم والتعاون والتكافل؛ وفعل الخير التطوعي لإنقاذ البلاد والعباد من المحن التي
حلت بهم؛ وتخيلوا لو أن هذه البئر في أيدي أحد المحتكرين الجشعين وحده في هذا الزمان؛
ماذا كان يفعل بالمسلمين ؟!!
العنصر الثالث: مراعاة شعور المحتاجين والحفاظ
على كرامتهم:
عباد الله: إن للبذل والعطاء أدباً وسلوكاً
يجب أن نتفطن لها؛ فالمحتاج صاحب قلب رقيق ونفس أبية، والمال مال الله والعباد عباده،
والواجب على المعطي أن يستشعر أنه يضع الصدقة في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير،
فلا يُمِنَّ ولا يؤذِ. قال الله جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا
صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى}[البقرة: 264]، وقال سبحانه: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ
وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}[البقرة:
263].
ومن مراعاة شعور المحتاجين:
أولا: السرية والتكتم: أن تكون العطية سراً
قدر الإمكان، حتى لا تجرح حياء الفقير أمام الناس. ولهذا كان أحد السبعة الذين يظلهم
الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى
لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ».
ثانيا: الاحترام والرفق: ألا ينظر المعطي
إلى الفقير نظر استعلاء، بل ينظر إليه بمنظور الامتنان؛ لأن الفقير أتاح للمؤمن فرصة
ليزكي ماله ويكسب ثواب ربه.
ثالثاً: تفقد المُتَعَفِّفْ: أن نبحث عن
متعففي الناس الذين لا يسألون الناس الحافاً، كما قال الله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ
أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ
إِلْحَافًا} [البقرة: 273].
عباد الله: اعلموا أن الأحسان إلى المحتاجين
لا يقتصر على بذل المال فحسب؛ بل إن مجالات المساعدة واسعة وشاملة؛ فمن لم يجد مالاً
فكلمتة الطيبة، أو بجهده وبدنه، أو بجاهه وشفاعته الحسنة، أو بنقل حاجة الضعيف إلى
من يستطيع قضاءها, ففى الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ
صَدَقَةٌ»، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: *«يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ
نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ»، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ
المَلْهُوفَ».
.اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي
لأحسنها إلا أنت..
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا..