الْإِحْسَانُ إِلَى الْمُحْتَاجِينَ.. بَيْنَ صِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ وَجَمَالِ السُّلُوكِ
الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي امْتَنَّ عَلَى
عِبَادِهِ بِالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ، وَكَرَّمَ الْإِنْسَانَ وَرَفَعَ لَهُ الْمِقْدَارَ،
وَاصْطَفَى مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الْأَبْرَارَ؛ فَوَفَّقَهُمْ لِلطَّاعَاتِ،
وَصَرَفَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ، وَأَعَدَّ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ. أَحْمَدُهُ
سُبْحَانَهُ؛ فَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالْقِفَارَ وَالْبِحَارَ،
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّحَابِ الْأَمْطَارَ، يَعْلَمُ عَدَدَ وَرَقِ الْأَشْجَارِ، وَمَثَاقِيلَ
الْبِحَارِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا
نِدَّ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا كُفْءَ لَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
يَا مَنْ يَرَى مَدَّ الْبَعُوضِ جَنَاحَهَا
... فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ الْأَلْيَلِ
وَيَرَى نِيَاطَ عُرُوقِهَا فِي نَحْرِهَا
... وَالْمُخَّ فِي تِلْكَ الْعِظَامِ النُّحَّلِ
اُمْنُنْ عَلَيْنَا بِتَوْبَةٍ تَمْحُو
بِهَا ... مَا كَانَ مِنَّا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا
عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ، وَخِيَرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَمِينُهُ
عَلَى وَحْيِهِ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَحُجَّةً عَلَى النَّاسِ
أَجْمَعِينَ. فَصَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ مِنَ
الْأَبْرَارِ، وَصَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ أَكْرَمُ مُرْسَلٍ
... لِلْعَالَمِينَ وَخَيْرُ مَنْ وَطِئَ الثَّرَى
هَذَا الَّذِي ظَهَرَتْ مَعَاجِزُهُ فَقُلْ
... مَا شِئْتَ عَنْهُ مُحَدِّثًا وَمُخْبِرَا
مِنْ كَفِّهِ نَبَعَ الزُّلَالُ وَعَادَ
مِنْ ... بَيْنِ الْأَصَابِعِ سَائِلًا مُتَفَجِّرَا
وَكَذَا عَيْنُ قَتَادَةَ قَدْ رَدَّهَا
... بَعْدَ الْعَمَى فَرَأَى بِهَا وَتَبَصَّرَا
وَأَتَى لِأَخْمَصِهِ الْبَعِيرُ مُقْبِلًا
... وَشَكَا إِلَيْهِ وَقَدْ أَطَالَ وَأَكْثَرَا
أَمَّا بَعْدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُمْ
وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَهِيَ حِصْنُ الْمُؤْمِنِ الْحَصِينُ، وَسَبِيلُ
الْفَوْزِ يَوْمَ الدِّينِ، يَقُولُ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
[آل عمران: ١٠٢].
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
يَقُولُ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ
كِتَابِهِ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ
مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. إِنَّ الْقِيَامَ
بِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَحُسْنَ الصُّحْبَةِ مَعَهُمْ، وَإِدْخَالَ السُّرُورِ
إِلَى قُلُوبِهِمْ، لَمِنْ فَضَائِلِ الدِّينِ، وَمِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي حَثَّ
عَلَيْهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَأَوْصَى بِهَا الرَّسُولُ الْأَمِينُ ﷺ، وَهِيَ مِنْ شِيَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْعَى الْإِنْسَانُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَفْرِيجِ
كُرُوبِهِمْ، وَتَقْدِيمِ يَدِ الْعَوْنِ لَهُمْ! وَلَكِنَّ هَذَا الْإِحْسَانَ لَا
يَكْتَمِلُ أَجْرُهُ، وَلَا يَصِحُّ جَوْهَرُهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ نَقِيًّا مِنَ
الْمَنِّ وَالْأَذَى، بَعِيدًا عَنِ التَّشْهِيرِ وَتَجْرِيحِ الْمَشَاعِرِ. فَالْمَوْلَى
عَزَّ وَجَلَّ فَضَّلَ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ فَضَّلَ بَيْنَهُمْ فِي
الشَّرَفِ وَالْجَاهِ، وَفَضَّلَ بَيْنَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ، وَسَخَّرَ
بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ لِكَيْ تَعْمُرَ الْأَرْضُ وَيُكْمِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ يَقُولُ
عَزَّ وَجَلَّ مُؤَكِّدًا عَلَى ذَلِكَ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ
قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ
فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ
خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وَلِلهِ فِي قِسْمَتِهِ حِكَمٌ بَالِغَةٌ؛
فَقَدْ جَعَلَ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ شَكْوَى الْفَقِيرِ ابْتِلَاءً لِلْغَنِيِّ،
وَفِي انْكِسَارِ الضَّعِيفِ امْتِحَانًا لِلْقَوِيِّ، وَفِي تَوَجُّعِ الْمَرِيضِ
عِبْرَةً وَحِكْمَةً لِلصَّحِيحِ. وَمِنْ أَجْلِ هَذَا كُلِّهِ، حَثَّنَا الْمَوْلَى
عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى كُلِّ مُحْتَاجٍ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ؛
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً
مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ،
وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي
عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ،
فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ
بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ
بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى
رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ
أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ
لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ،
أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ
جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ
فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ
سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ
مَلَأَ اللهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي
حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا لَهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ،
وَإِنَّ سُوءَ الْخُلُقِ لَيُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ»
[رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ]. وَيَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «لَأَنْ
أَقْضِيَ حَاجَةً لِأَخٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَلَأَنْ
أَقْضِيَ حَاجَةً لِأَخٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَيْنِ».
النَّاسُ لِلنَّاسِ مَا دَامَ الْوَفَاءُ
بِهِمْ ... وَالْعُسْرُ وَالْيُسْرُ أَوْقَاتٌ وَسَاعَاتُ
وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَا بَيْنَ الْوَرَى
رَجُلٌ ... تُقْضَى عَلَى يَدِهِ لِلنَّاسِ حَاجَاتُ
لَا تَمْنَعَنَّ يَدَ الْمَعْرُوفِ عَنْ
أَحَدٍ ... مَا دُمْتَ تَقْدِرُ فَالْأَيَّامُ تَارَاتُ
وَاشْكُرْ فَضِيلَةَ صُنْعِ اللهِ إِذْ
جُعِلَتْ ... إِلَيْكَ لَا لَكَ عِنْدَ النَّاسِ حَاجَاتُ
قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ مَكَارِمُهُمْ
... وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْوَاتُ
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الْإِحْسَانَ الْحَقِيقِيَّ يَنْبُعُ
مِنْ عِفَّةِ الْمُنْفِقِ وَاحْتِرَامِهِ لِكَرَامَةِ الْآخَرِينَ، دُونَ أَنْ يَبْتَغِيَ
عَرَضًا دُنْيَوِيًّا أَوْ شُهْرَةً؛ فَهَا هُوَ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ يَقُصُّ
عَلَيْنَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ عَنْ ذَلِكَ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ:
﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا
* قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ
قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا
* فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٤
- ٩٧]. إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ
تَعَالَى، وَلَكِنَّهُمْ أَهْلُ شَرٍّ وَفَسَادٍ، وَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ.
وَقَدْ حَالَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ وَالْبَطْشِ بِالْخَلْقِ
بِسَدِّ ذِي الْقَرْنَيْنِ؛ فَبِنَاءُ هَذَا السَّدِّ كَانَ نِعْمَةً عُظْمَى لِلْبَشَرِيَّةِ
وَسَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْهَنَاءِ وَالْعَيْشِ عَلَى الْأَرْضِ. وَمَعَ ذَلِك، حِينَ
قَالُوا لَهُ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ -أَيْ: أَجْرًا عَظِيمًا وَمَالًا وَفِيرًا-
فَأَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا لَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ مَالًا يُعْطُونَهُ إِيَّاهُ حَتَّى
يَقُومَ بِبِنَاءِ السَّدِّ، قَالَ لَهُمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِعِفَّةٍ، قَاصِدًا وَجْهَ
الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ، وَحُبًّا فِي فِعْلِ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ: ﴿مَا مَكَّنِّي
فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾؛ فَمَا أَعْطَانِي الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْمُلْكِ وَالتَّمْكِينِ
خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ الَّذِي سَتَجْمَعُونَهُ لِي، مُسْتَشْعِرًا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ،
وَحُبًّا فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ. أُولَئِكَ أُنَاسٌ يَفْعَلُونَ الْخَيْرَ
وَيَقْضُونَ حَوَائِجَ النَّاسِ، وَلِسَانُ حَالِهِمْ يَقُولُ: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ
جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩].
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
فِي خِلَافَةِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ
الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لَمَّا أَصَابَ النَّاسَ الْقَحْطُ وَاشْتَدَّ بِالْمُسْلِمِينَ
الْفَقْرُ وَالْجُوعُ، جَاءُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ أَبِي بَكْرٍ وَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ
رَسُولِ اللهِ، إِنَّ السَّمَاءَ لَمْ تُمْطِرْ، وَالْأَرْضَ لَمْ تُنْبِتْ، وَقَدْ
تَوَقَّعَ النَّاسُ الْهَلَاكَ، فَمَا نَصْنَعُ؟ فَقَالَ: «انْصَرِفُوا وَاصْبِرُوا،
فَإِنِّي أَرْجُو اللهَ أَلَّا تُمْسُوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ». فَلَمَّا
أَصْبَحُوا إِذَا بِسَيِّدِنَا عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ حَضَرَتْ
تِجَارَتُهُ مِنَ الشَّامِ، فَخَرَجُوا يَتَلَّقَّوْنَهَا، فَإِذَا هِيَ أَلْفُ بَعِيرٍ
مُحَمَّلَةً بُرًّا وَزَيْتًا وَدَقِيقًا وَزَبِيبًا، فَأَنَاخَتْ بِبَابِ عُثْمَانَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَجَاءَهُ تُجَّارُ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: «مَا تُرِيدُونَ
مِنِّي؟»، قَالُوا: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ؛ بَلَغَنَا الَّذِي وَصَلَ إِلَيْكَ،
وَإِنَّكَ تَعْلَمُ ضَرُورَةَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَبِعْنَا إِيَّاهُ. فَقَالَ لَهُمْ:
«كَمْ تُرَبِّحُونَنِي عَلَى شِرَائِي؟»، قَالُوا: نُرِبِّحُكَ الدِّرْهَمَ دِرْهَمَيْنِ،
قَالَ: «أُعْطِيتُ زِيَادَةً عَلَى هَذَا!»، قَالُوا: نَزِيدُكَ الدِّرْهَمَ أَرْبَعَةً،
قَالَ: «أُعْطِيتُ زِيَادَةً عَلَى هَذَا!»، قَالُوا: نَزِيدُكَ الدِّرْهَمَ خَمْسَةً،
قَالَ: «أُعْطِيتُ زِيَادَةً عَلَى هَذَا!»، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا
بَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ تُجَّارٌ غَيْرُنَا، وَمَا سَبَقَنَا إِلَيْكَ أَحَدٌ، فَمَنْ
ذَا الَّذِي أَعْطَاكَ زِيَادَةً؟! قَالَ: «إِنَّ اللهَ أَعْطَانِي بِكُلِّ دِرْهَمٍ
عَشْرًا، فَهَلْ عِنْدَكُمْ زِيَادَةٌ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّي أُشْهِدُ
اللهَ أَنِّي جَعَلْتُ مَا حَمَلَتْ هَذِهِ الْإِبِلُ صَدَقَةً لِلهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ
وَفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ».
سَيِّدُنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ سَمَحَتْ لَهُ الْفُرْصَةُ أَنْ يَسْتَغِلَّ حَاجَةَ النَّاسِ، وَمَعَ
ذَلِكَ رَغِبَ فِي الْإِحْسَانِ وَالتَّرَاحُمِ، وَرَغِبَ فِي جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ
وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
وَمَا زِلْنَا مَعَ ذِي النُّورَيْنِ الَّذِي
يَسْعَى إِلَى الْجَنَّةِ عَنْ طَرِيقِ الْإِحْسَانِ وَالتَّرَاحُمِ؛ فَحِينَمَا قَالَ
الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى ﷺ: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيُوَسِّعُ
بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ الْجَنَّةُ؟»، وَكَانَتْ تَحْتَ يَدِ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ
يُغَالِي فِي ثَمَنِ مَائِهَا، فَأَتَاهُ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
وَسَاوَمَهُ عَلَيْهَا، فَأَبَى أَنْ يَبِيعَهَا كُلَّهَا، فَاشْتَرَى نِصْفَهَا بِاثْنَيْ
عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَجَعَلَهَا لِلْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ لِسَيِّدِنَا عُثْمَانَ
يَوْمٌ وَلِهَذَا الْيَهُودِيِّ يَوْمٌ، فَكَانَ إِذَا جَاءَ يَوْمُ سَيِّدِنَا عُثْمَانَ
اسْتَقَى الْمُسْلِمُونَ مَا يَكْفِيهِمْ لِيَوْمَيْنِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْيَهُودِيُّ
قَالَ لِسَيِّدِنَا عُثْمَانَ: أَفْسَدْتَ عَلَيَّ بِئْرِي، فَاشْتَرِ النِّصْفَ الْآخَرَ،
فَاشْتَرَاهُ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ بِثَمَانِيَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَجَعَلَ الْبِئْرَ
كُلَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
وَانْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمَوْقِفِ الْجَمِيلِ
النَّبِيلِ لِلصِّدِّيقِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، الَّذِي ضَرَبَ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ
فِي الْإِحْسَانِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ وَفِعْلِ الْخَيْرِ؛ يُرْوَى أَنَّهُ
لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَصْبَحَ غَادِيًا إِلَى السُّوقِ،
وَكَانَ يَحْلُبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ قَبْلَ الْخِلَافَةِ، فَلَمَّا بُوِيعَ قَالَتْ
جَارِيَةٌ مِنَ الْحَيِّ: الْآنَ لَا يَحْلُبُ لَنَا! فَقَالَ لَهُمْ: «بَلَى وَاللهِ
لَأَحْلُبَنَّهَا لَكُمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُو اللهَ أَلَّا يُغَيِّرَنِي مَا دَخَلْتُ
فِيهِ».
وَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ الَّذِي كَانَ يَسْعَى لِخِدْمَةِ الْعَجَائِزِ وَالْأَرَامِلِ وَالْمُقْعَدِينَ
فِي خَفَاءٍ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَرَجَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ فَرَآهُ طَلْحَةُ، فَذَهَبَ عُمَرُ
فَدَخَلَ بَيْتًا ثُمَّ دَخَلَ آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ سَيِّدُنَا طَلْحَةُ ذَهَبَ
إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ فَإِذَا بِعَجُوزٍ عَمْيَاءَ مُقْعَدَةٍ، فَقَالَ لَهَا: مَا
بَالُ هَذَا الرَّجُلِ يَأْتِيكِ فِي الْمَسَاءِ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ يَتَعَهَّدُنِي
مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، يَأْتِينِي بِمَا يُصْلِحُنِي وَيُخْرِجُ عَنِّي الْأَذَى. فَقَالَ
طَلْحَةُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا طَلْحَةُ، أَعَثَرَاتِ عُمَرَ تَتَّبِعُ؟!
مَعَاشِرَ الْمُنْفِقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ:
إِنَّ صِدْقَ الْعُبُودِيَّةِ يَتَجَلَّى فِي جَمَالِ السُّلُوكِ؛ فَالْمُحْسِنُ الْحَقِيقِيُّ
هُوَ الَّذِي يَدْفَعُ الْمَالَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ الْمَمْنُونُ، وَيُقَدِّمُ الْخَيْرَ
وَهُوَ يُشْهِدُ اللهَ أَنَّهُ الْمَغْنُومُ. يَقُولُ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى ﷺ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ
فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا
خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ الْجَلِيلِ: «يَا ابْنَ آدَمَ، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَأَحْسِنُوا كَمَا أَحْسَنَ
اللهُ إِلَيْكُمْ لِتَفُوزُوا بِرِضَا رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَلْنَتَّقِ اللهَ فِي
إِخْوَانِنَا، وَلْنَبْسُطْ لَهُمْ وُجُوهَنَا قَبْلَ أَيْدِينَا، وَلْنُطَهِّرْ صَدَقَاتِنَا
مِنْ شَوَائِبِ الرِّيَاءِ وَكِبْرِيَاءِ الْعَطَاءِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلهِ عَالِمِ الْخَفِيَّاتِ،
الْمُنْعِمِ عَلَى عِبَادِهِ بِالْخَيْرَاتِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا
مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ بِالرَّحْمَاتِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الْفَضْلِ
وَالْمَكْرُمَاتِ. أَمَّا بَعْدُ؛
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
يَقُولُ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ
كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ
وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ
صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. فَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الْفَقِيرِ أَلَمُ الْحَاجَةِ
وَقَسْوَةُ الْمَنِّ، فَقَدْ جُمِعَ عَلَيْهِ الْمَوْتَانِ! وَلِذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى
فِيمَا يُعَلِّمُنَا أَدَبَ الْعَطَاءِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ
صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. نَعَمْ.. كَلِمَةٌ
طَيِّبَةٌ تَرُدُّ بِهَا السَّائِلَ بِرِفْقٍ، وَتَسْتُرُ بِهَا أَلَمَهُ بِصِدْقٍ،
خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ مِنْ آلَافٍ تُدْفَعُ مَعَهَا نَظْرَةُ اسْتِخْفَافٍ، أَوْ كَلِمَةُ
اسْتِعْلَاءٍ، أَوْ إِذْلَالٌ لِلْمُحْتَاجِ، أَوْ تَصْوِيرٌ وَتَشْهِيرٌ يُفْرِغُ
الْعَمَلَ مِنْ رُوحِهِ وَيُؤْذِي نَفْسِيَّةَ الْمُحْتَاجِ.
فَهَنِيئًا لِلَّذِينَ يَسَّرَ اللهُ لَهُمْ
خِدْمَةَ النَّاسِ وَالسَّعْيَ فِي مَصَالِحِهِمُ الْعَامَّةِ بِأَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ؛
فَهَذِهِ الْحَاجَاتُ الَّتِي تُوَجَّهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْخَلْقِ نِعَمٌ قَدْ أَنْعَمَ
اللهُ بِهَا عَلَيْهِمْ، وَشُكْرُ النِّعَمِ يَسْتَوْجِبُ أَنْ يَبْذُلُوا كُلَّ جُهْدٍ
فِي قَضَاءِ هَذِهِ الْحَاجَاتِ. يَقُولُ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى ﷺ: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ
السُّوءِ وَالْآفَاتِ وَالْهَلَكَاتِ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ
الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّ أَوَّلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا أَهْلُ الْمَعْرُوفِ»
[رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ]. وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ
لِلهِ عِبَادًا يَسْتَرِيحُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، أُولَئِكَ
الْآمِنُونَ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ». فَاعْلَمْ تَمَامَ الْعِلْمِ أَيُّهَا
الْمُسْلِمُ أَنَّ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَمَا يُسَخِّرُكَ لِقَضَاءِ حَوَائِجِ
النَّاسِ، وَتَفْرِيجِ كُرُوبِهِمْ وَهُمُومِهِمْ، وَكَشْفِ غُمُومِهِمْ، فَإِنَّهُ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدِ اصْطَفَاكَ مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ وَفَضَّلَكَ عَلَى غَيْرِكَ؛
فَلِمَاذَا تَحْرِمُ نَفْسَكَ مِنْ أَجْرٍ أَنْتَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يُكَلِّفُكَ
شَيْئًا؟! وَلَا بُدَّ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ جَمِيعًا أَنَّ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ
عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَهُ اللهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ؛
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عِنْدَ اللهِ خَزَائِنُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ،
مَفَاتِيحُهَا الرِّجَالُ؛ فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ
مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ مِغْلَاقًا
لِلْخَيْرِ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]. وَمَنْ مَشَى بَيْنَ النَّاسِ جَابِرًا لِلْخَوَاطِرِ،
أَدْرَكَهُ اللهُ فِي جَوْفِ الْمَخَاطِرِ.