التنمروالسخرية جريمة قديمة لها عواقبها الوخيمة
تاريخ التنمر والسخرية تاريخ قديم أزلي
الفرق بين التنمر والسخرية والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر
حكم التنمر والسخرية بالأدلة من القرأن
والسنة
صور من التنمر وعلاج الظاهرةِ والقضاء عليها
السخرية ليست خفة ظل (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد فياعباد الله:"
أما بعد فياجماعة الإسلام : يقول الله تعالي:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"(الحجرات11).
حدبثنا إليكم اليوم عن التنمروالسخرية وإن شئت فقل"البلطجةواستعراض القوة"وإن شئت فقل عن "قلةالأدب والسفالةوالوقاحة"
ويُعرّفُ التنمُّرُ بأنَّهُ: شكلٌ مِن أشكالِ الإيذاءِ والمضايقةِ المُتعمّدةِ مِن فردٍ أو مجموعةٍ لشخصٍ مَا باستخدامِ الكلماتِ اللفظيّةِ البذيئةِ بشكلٍ متكررٍ، أو التسبّبِ بالإيذاءِ الجسدِي، أو النفسِي، أو الاجتماعِي، باستغلالِ قوتِهِم وسلطتِهِم، وضعفِ الضحيّةِ وعدمِ قدرتِهَا على إيقافِهِم. ويكونُ التنمُّرُ غالبًا بينَ الأطفالِ.
تاريخ التنمر والسخرية تاريخ قديم أزلي
عباد الله:" ظاهرةُ التنمُّرِ قديمةٌ كانت بداية آفة التنمر لما أمر الله الملائكة بالسجود لادم فسجدوا إلا ابليس قال :" ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ"(الآعراف/12)
، فكان أن تنمر إبليس علي آدم بمادة الخلق وهما الطين والنار ، دفعه الكبر الي عصيان من لا يجب أن نعصاه وهو الله ،
يتكرر هذا السلوك من التنمر الاستعلائي في مواقف أخري تحدث عنها القران في سورة الكهف مثلا عندما قال أحدهما لصاحبه وهو يحاوره :" أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا"(الكهف/34).، تنمر بالمال والأولاد ،
ولما قال النمرود : أنا أحيي وأميت ، تعالي النمروذ علي ربه الذي أتاه الملك ، وكما حدث من قارون الذي خرج علي قومه في زينته ، وقد أتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة قال : "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ"(القصص/78).، فخسف الله به وبداره الأرض ...
عباد الله :" وظاهرةُ التنمُّرِ قديمةٌ متجددةٌ عبرَ العصورِ والقرونِ، مِن لدن آدمَ عليهِ السلامُ إلى يومِنَا هذَا، فهذا قابيلُ تنمَّرَ على أخيهِ هابيلَ فحسدَهُ، وتوعدَهُ بالقتلِ -كما قصَّ علينَا القرآنُ الكريمُ- فقتلَهُ.:"قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"(المائدة/27).
وفي ذلك يقولُ صلي الله عليه وسلم : "لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ"(متفق عليه) .
كذلك تنمَّرَ إخوةُ يوسفَ عليهِ فتنكّرُوا لهُ بعدمَا رأَوا حبَّ أبيهِ لهُ، وعزمُوا على التخلصِ منهُ. قالَ تعالَى:"إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ"(يوسف 8 ، 9).
كذلك تنمَّرَ المنافقونَ – في عهدِ الرسولِ صلي الله عليه وسلم باللمزِ مِن المتصدقينَ المقلينَ منهُم والمكثرين. فعن أبي مسعودٍ قال: لمَّا نزلتْ آيةُ الصدقةِ كُنَّا نتحاملُ على ظهورِنَا، فجاءَ عبدُالرحمنِ بنُ عوفٍ فتصدّقَ بشيءٍ كثيرٍ، فقالُوا: مُرائِي. وجاءَ رجلٌ اسمُهُ ( أبو عقيل ) فتصدَّقَ بصاعٍ، فقالوا: إنَّ اللهَ لغنيٌّ عن صدقةِ هذا الصعلوكِ. فنزلتْ:"الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"(التوبة: 79).
قالَ ابنُ كثيرٍ:” وهذه أيضًا مِن صفاتِ المنافقين: لا يسلمُ أحدٌ مِن عيبِهِم ولمزِهِم في جميعِ الأحوالِ، حتى ولا المتصدقونَ يسلمونَ منهم، إنْ جاءَ أحدٌ منهُم بمالٍ جزيلٍ قالُوا: "هذا مراءٍ، وإنْ جاءَ بشيءٍ يسيرٍ قالوا: إنَّ اللهَ لغنيٌ عن صدقةِ هذا الصعلوكِ " (تفسير ابن كثير).
الفرق بين التنمر والسخرية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
عباد الله:" السخرية والتنمر تعني الاستهزاء بالناس
وإذيتهم قولاً أو فعلاً بغير حق،
بينما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هو واجب شرعي وأخلاقي لنشر الخير ومنع الأذى بالحكمة والموعظة الحسنة.
السخرية والتنمرالتعريف: سخرية الإنسان
من غيره أو إزعاجه وإيذاؤه عمداً.
الهدف: إهانة الشخص أو إضحاك الآخرين عليه
أو السيطرة عليه.
الأسلوب: الاستهزاء، والسب، والضرب، والإقصاء.
الحكم: محرم ومرفوض أخلاقياً ودينياً لما
فيه من ظلم وإيذاء للنفوس.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرالتعريف:
دعوة الناس إلى الخير وأفعال الصلاح ومنعهم من الشر والفساد.
الهدف: إصلاح المجتمع، وحفظ الحقوق، ونشر
الفضيلة والأمان.
الأسلوب: بالحكمة، والموعظة الحسنة، والرفق،
دون تجريح أو فظاظة.
الحكم: واجب شرعي واجتماعي بضوابط تمنع
الضرر ولا تقابل الخطأ بخطأ مثله.
الفرق بين التنمر والسخرية :
كلمة " التنمر" نالت اهتماما كبيرا،واستخدمها
الكثيرون في كتاباتهم،وهي تعني:
"التشبه بالنمر في وحشيته القاتلة،وعنفه الشديد،وشراسته المدمرة،يقال:" تنمر فلان: غضب، وساء خلقه..
وكلها تدور في فلك: السلوك الخشن،والإزعاج،والمضايقات،والتنكيد،والتكدير،
والعنف المفرط،والتعدي غير المبرر.
والتنمر: هو سلوك عدواني،غير مرغوب فيه،يشمل
أنماطا مختلفة من العدوان على الآخرين،على سبيل المثال:
استخدام القوة البدنية.
التهديد بكشف معلومات جارحة عن المعتدى
عليه…
نشر الشائعات عن الآخرين…
الاحتقار،والتقليل من الآخر…
النبذ،والإبعاد….
والدين الإسلامي و كل دين سماوي_ينبذ العنف،
ويشجب التعدى، وينهى عن الفحشاء، ويستقبح كل سلوك غير سوي، والتنمر: أسلوب هجومي مؤذ،
ومحبط،ومدمر،وكل معاملة فظة، لذا يجب على كل التربويين، وعلماء النفس أن يقدموا نصائحهم،
وتوجيهاتهم للقضاء على هذه الظاهرة اللعينة.
أما السخرية فهي ترادف: الاستهزاء،والتهكم،والتهاون,والازدراء،وعدم الاحترام، والتقليل من الآخر،باللفظ،أو،التقليد،أو الإيماءة.
يقال في اللغة:
–
سخر: منه سخرًا، وسخرية: هزيء به.
ويهدف هذا الأسلوب إلى السيطرة على الشخص”
المسخور به”, والاستهانة بشخصه، والتقليل من شأنه، بغرض السيطرة عليه، ومن خلال هذا
الطرح نخرج بنتيجة، مفادها:
– أن “التنمر” كلمة عامة، شاملة، تندرج تحتها كل أنواع العنف: اللفظي، والبدني, والسخرية جزء من ” التنمر” فالسخرية: تشمل كل ما هو يتصادم مع الاحترام، والتجلة، والتوقير، والتقدير، فهي سلاح هجومي أدواته “الألفاظ ” “والعبارات” التي تتهكم، وتقلل من الشخص، وتزدريه أمام عارفيه، وقد نهي القرآن الكريم، والسنة النبوية، أيضا،عن السخرية،
حكم التنمر والسخرية وعواقبه الوخيمة
التنمر حرام حرمه الإسلام بكل صوره وأشكاله وهناك أدلة علي ذلك كثيرة
الأدلة من القرآن والسنة النبوية
الأدلة من القرآن الكريم: قوله تعالى:"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ".
قوله تعالى:"وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً"(الأحزاب58).
قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ..."(الحجرات11).
ان السخرية من أخلاق الكافرين والمجرمين والمنافقين ، قال تبارك وتعالي عن الكافرين : "زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ"(البقرة/٢١٢) ،
كما أن السخرية من أخلاق المجرمين ، قال تعالي:" إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ "(المطففين/٢٩-٣٠) ،
قضت إرادة الله أن ينقلب الحال يوم القيامة ، فيصبح الساخر مسخورا منه ، والمستهزئ مستهزئا به ، والضاحك مضحوكا منه ، قال تعالي : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ"(المطففين ٣٤ - ٣٦).
كما قال تعالي عن المنافقين : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ"(البقرة /١٤)،
الأدلة من السنة النبوية: حديث:"بحسبِ امرئٍ منَ الشرِّ أنْ يحقرَ أخاهُ المسلمَ». حديث: "هل تُنصرونَ وتُرزقونَ إلا بضعفائِكم».
حديث: «المسلمُ من سلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ».
حديث: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ».
فقال : بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ. (مسلم). أي: يكفي المرءَ من الشر تحقيرُه مسلمًا؛ يعني: لو لم يكن له شرٌّ سوى تحقيرِه مسلماً لكفاه في استدخاله النار.
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ المِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ. (الترمذي وحسنه، وصححه الألباني). ورُوي أنّ عيسي عليه السلام مر علي جيفة فقال الحواريون: ما أنتن ريح الكلب. فقال عليه السلام: ما أشد بياض أسنانه. حتي لا يقع في السخرية والاستهزاء حتي بالحيوان.
وعن أبي ذر قال: إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. قُلْتُ: عَلَى حَالِ سَاعَتِي مِنَ الْكِبَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَى حَالِ سَاعَتِكَ مِنَ الْكِبَرِ. (متفق عليه).
وعنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا: تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ - أي لغيرته علي قِلْتِها وكثرة ماء البحر - . قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا. (أبو داود وصححه الألباني). أي ما يسرني أني أحاكيه وأقلده بمثل فعله أو قوله علي وجه التنقيص، ولو أُعطيت علي ذلك كذا وكذا من الدنيا.
وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ، قَالَتْ: بِنْتُ يَهُودِيٍّ، فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ»؟ فَقَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ: إِنِّي بِنْتُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ :وَإِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟ ثُمَّ قَالَ: اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ. (الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ). أي اتقي الله بترك هذا الكلام الذي فيه تنقيص للغير وإيذاء له.
عواقب التنمر الوخيمة
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾
بكرة الظالم اللي أخد أموال الناس بالباطل - واللي ظلم نفسه بالسيئات - واللي ظلم أولاده بعدم الطاعة - واللي ظلم زوجته بعدم إعطائها حقوقها - واللي ظلم أخوه بعدم إعطائه حقه - واللي ظلم أولاد أخيه بعدم إعطائهم حقوقهم - كل هذا ستسأل عنه يوم القيامة - وسيوفي منك مهما كان الأمر٠
* لذلك يقول نبينا صلى الله عليه وسلم : إن الله ليملي للظالم حتي إذا أخذه لن يفلته - وقرأ قول الله تعالي :
﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
رجل صفع عثمان بن عفان -رضي الله عنه -
بعد موته على خده!
عن محمد بن سيرين قال :
كنت أطوف بالكعبة، وإذا رجل يقول: اللهم
اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي.فقلت: يا عبد الله، ما سمعت أحدا يقول ما تقول.
قال : كنت أعطيت لله عهدا إن قدرت أن ألطم
وجه عثمان إلا لطمته، فلما قُتل وُضع على سريره في البيت والناس يجيئون يصلون عليه،
فدخلت كأني أصلي عليه، فوجدت خلوة، فرفعت الثوب عن وجهه، ولحيته، ولطمته، وقد يبست
يميني.
قال ابن سيرين : فرأيتها يابسة كأنها عود.
صور التنمر والسخرية:"
عباد الله:" إن السخرية وهي استعلاء وتنمر وتكبر وعنصرية بالمال والجاه والحسب والنسب ، وربما بالعلم ، وأحيانا بالشكل والصحة ، تتعارض مع أهم ما جاء به الإسلام الذي جعل الناس جميعا متساووين كأسنان المشط ، لا فرق بين غني وفقير ، ولا بين أبيض وأسود ، ولا بين عربي وأعجمي إلا بالتقوي والعمل الصالح ، فكل الناس لآدم وآدم من تراب ...
صورٍ وأشكالٍ، منهَا ما يأتي:
التنمُّرُ الجسدِيُّ: وهو تعرّضُ الشخصِ باستخدامِ القوةِ الجسديةِ ضدَّ الآخرِ، كالضربِ، أو الدفعِ، أو العرقلةِ.
التنمُّرُ العاطفِيُّ أو النفسِيُّ: ويقومُ على استفزازِ الشخصِ بالشتائِمِ المؤذيةِ والألفاظِ والتعليقاتِ الساخرةِ.
التنمُّرُ الاجتماعِيُّ: ويتمثّلُ بالإساءةِ للشخصِ مِن خلالِ نشرِ الإشاعاتِ عنهُ، والتحريضِ ضدَّهُ.
التنمُّرُ العنصرِيُّ: ويهدفُ إلى السخريةِ، والاستهزاءِ بشخصٍ ما بسببِ انتمائِهِ لعرقٍ أو دِينٍ أو سُلالةٍ ما.
التنمُّرُ الإلكترونِيُّ: ويهدفُ إلى الإساءةِ لشخصٍ ما باستخدامِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعِيِّ، بنشرِ معلوماتٍ غيرِ صحيحةٍ عن الضحيّةِ، ومشاركةِ الصورِ ومقاطعِ الفيديُو الخاصةِ بهِ، وتشويهِ صورتِهِ.
التنمُّرُ اللفظِيُّ: ويشملُ التنمُّرَ الذي يُصدِرُهُ الأفرادُ شفهيًّا، مثل: التشهيرُ بالألقابِ، أو التهديدُ بالضربِ، أو السخريةُ والشتمُ بالألفاظِ الدنيئةِ، أو التعليقاتُ ذاتُ الطابعِ الجنسِي.
وقد جمعَ اللهُ معظمَ صفاتِ التنمُّرِ في قولِهِ تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"(الحجرات: 11). .
يقولُ ابنُ كثيرٍ" الآيةُ تنهَى عن الاستهزاءِ بالآخرينَ أو إهانتِهِم، كما تنهَى الآيةُ عن لمزِ الناسِ، بأنْ نقولَ لهُم ما يُهينُهُم، أو يُحقّرُهُم ويصغّرُهُم، وتنهَى أيضًا عن التنابزِ بالألقابِ، فلا يجوزُ مناداةُ الأشخاصِ بأسماءٍ، أو صفاتٍ سيئةٍ يكرهونَ سماعَهَا".( تفسير ابن كثير ).
فهذه الصفاتُ كُلُّها تربطُهَا علةٌ واحدةٌ، وهي استحقارُ الآخرينَ والتنمُّرُ بهِم والتنقيصُ مِن شأنِهِم وقدرِهِم.
علاج ظاهرةِ التنمُّرِ والقضاء عليها ومواجهِتِها بعدة وسائل منهَا:
توعيةُ الأبناءِ بحرمةِ التنمُّرِ: يجبُ على الأهلِ القيامُ بدورِهِم بتربيةِ أبنائِهِم على الأخلاقِ الإسلاميةِ الحسنةِ الطيبةِ، والبعدِ عن الأخلاقِ السيئةِ، والحذرِ مِن التقصيرِ في ذلك، وأنّهُم محاسبونَ على عدمِ تربيةِ أبنائِهِم على القيمِ والأخلاقِ الإسلاميةِ، قالَ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.( التحريم: 6)،
وقالَ رسولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم : " كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ علَى بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ". (البخاري).
ومنها: الاهتمامُ بتعليمِ الأبناءِ طرقِ مواجهةِ التنمُّرِ: حتى يتمكنُوا مِن الدفاعِ عن أنفسِهِم ضدَّ التنمُّرِ ومواجهةِ الأشخاصِ المتنمّرينَ، بطرقٍ شرعيةٍ دونَ إساءةٍ أو سبٍّ أو تجريحٍ، وهذا ما بيّنَهُ الرسولُ ﷺ للسيدةِ عائشةَ رضي اللهُ عنها حينمَا تنمَّرَ عليهِ اليهودُ، فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا عَائِشَةُ «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» قَالَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ». (مسلم).
ومنها: التحذيرُ والبعدُ عن سيءِ الأخلاقِ: فقد نهانَا الرسولُ ﷺ عن جميعِ الصفاتِ التي تُؤدِّي إلى التنمُّرِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».(البخاري).
ومنها: تنشئةُ الأفرادِ على المساواةِ: وعدمِ التفرقةِ العنصريةِ بينَ الأفرادِ؛ لأنَّ ذلك مِن أفعالِ الجاهليةِ، فعَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». (متفق عليه). يقولُ الإمامُ ابنُ حجرٍ:" فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الرَّقِيقِ وَتَعْيِيرِهِمْ بِمَنْ وَلَدَهُمْ، وَالْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَيَلْتَحِقُ بِالرَّقِيقِ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَغَيْرِهِ. وَفِيهِ عَدَمُ التَّرَفُّعِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالِاحْتِقَارِ لَهُ." (فتح الباري).
ومنها: الحثُّ على سلامةِ اليدِ واللسانِ: فعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». (متفق عليه). يقول ابنُ رجبٍ: " يقتضِي حصرُ المسلمِ فيمَن سلمَ المسلمونَ مِن لسانِهِ ويدِهِ، والمرادُ بذلك المسلمُ الكاملُ الإسلام، فمَن لم يسلمْ المسلمونَ مِن لسانِهِ ويدِهِ فإنَّهُ ينتفِي عنه كمالُ الإسلامِ الواجب، فإنَّ سلامةَ المسلمينَ مِن لسانِ العبدِ ويدهِ واجبةٌ، فإنَّ أذَى المسلمِ حرامٌ باللسانِ وباليدِ، فأذَى اليدِ: الفعلُ، وأذَى اللسانِ: القولُ." (فتح الباري لابن رجب).
يقولِ الإمامِ الشافعِيِّ رضي اللهُ عنهُ في السلامةِ مِن ظاهرةِ التنمُّرِ:
إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليمًا مِن الأذَى
وَدينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ
فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً
فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى
ودَافعْ ولكنْ بالتي هِيَ أحسَنُ
وهكذا بالأخلاقِ الحسنةِ واتباعِ أوامرِ القرآنِ والسنةِ، نقضِى على التنمُّرِ والسخريةِ، ويعيشُ الجميعُ في محبةٍ وإخاءٍ.
الخطبة الثانية
الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد فياعباد الله
السخرية ليست خفة ظل (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).
من الظواهر الاجتماعية المنهي عنها شرعًا - والتي يعدها الكثير بأنها من خفة ظل، أو (خفة دم ) كما يقولون – السخرية من الآخرين ، وذلك على سبيل الضحك والمزاح والاحتقار والتسلية على شخص أو زميل به صفة خِلقِية أو خُلُقية ، وهذه مفاهيم خاطئة يجب أن تصحح، لأن الإسلام نهانا عن السخرية من الآخرين. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الحجرات: 11).
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن النكت وهي قصص مكذوبة يقصد بها إضحاك الآخرين داخلة في الكذب المنهي عنه؛ فكثير من الناس يؤلف نكت مكذوبة على رجالٍ معينين أو صاحب مهنة؛ سخرية منهم أو احتقارًا وانتقاصًا لهم ويُضحِكَ الآخرين؛ كأن يقول: ( واحد صعيدي فعل كذا كذا…….)؛ ثم يتمايل الجميع من الضحك؛ يظنون أن هذا مباح!! وحسبك أن الله توعدهم هو ورسوله ﷺ بالويل! فعن معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه قال ؛ قال رسول الله ﷺ:” ويلٌ للذي يحدِّثُ بالحديثِ لِيُضحِكَ بهِ القومَ فيكذِبَ ، ويلٌ لهُ ، ويلٌ له” ( أبوداود والترمذي وحسنه).
وليس معنى ذلك أن الإسلام يدعوك إلى العبوس والكآبة والحزن؛ كلا ؛ إن الإسلام أباح المزاح شريطة أن يقول حقا؛ وكان ﷺ يمزح مع أصحابه ويداعبهم ولا يقول إلا حقا؛ وشواهد ذلك كثيرة. فعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْمِلْنِي، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ» قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ»!؟ (الترمذي وحسنه). فكان قوله ﷺ مداعبة للرجل ومزاحًا معه، وهو حق لا باطل فيه .
وروى الترمذي عن الحسن قال: أتت عجوز إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان ، إن الجنة لا تدخلها عجوز . قال: فَوَلَّتْ تبكي ، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} ( الواقعة: 35 ؛ 36 ). وهنا يتساءل الصحابة عن ذلك مخافة وقوعهم في الكذب؟! فقالوا يا رسول الله: إنك تداعبنا؟! قال”: نعم، غير أني لا أقول إلا حقًا” (الترمذي وقال: حسن صحيح).
وهكذا أقر الإسلام الـمِزَاح البريء الذي يُوجِد الأنس ويؤلف بين القلوب، ولم يكن سببًا في جرح المشاعر أو الانتقاص من الكرامة. أما التنمر، فهو لون من ألوان العدوان والإيذاء، يتخذ صورة الـمِزَاح في الظاهر، بينما حقيقته السخرية والإهانة والإذلال، ولذلك كان محرمًا شرعًا. وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: " الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَاوعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا. (البخاري). وقال أيضاً: رُبَّ أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ. (مسلم). وعند الترمذي وحسنه: كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ – أي ثوبين باليين – لاَ يُؤْبَهُ لَهُ.
ولما ضحك البعض من دقة ساق ابن مسعود قالَ : والَّذي نَفسي بيدِهِ، لَهُما أثقلُ في الميزانِ مِن أُحُدٍ. (أحمد بسند حسن) وقال : إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَقَالَ اقْرَءُوا: "فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا". (متفق عليه). وَكَانَ النَّبِيُّ يُحِبُّ زَاهِر بْن حَرَام، وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا. فَأَتَاهُ النَّبِيُّ وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ لَا يُبْصِرُهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: أَرْسِلْ، مَنْ هَذَا؟ فَعَرَفَ النَّبِيَّ ، فَجَعَلَ لَا يَأْلُو حَتَّى أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِبَطْنِ النَّبِيِّ حِينَ عَرَفَهُ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا تَجِدُنِي كَاسِدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَ بِكَاسِدٍ - أَوْ قَالَ - عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ. (أبو يعلي في مسنده). وقال : وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ. (مسلم). يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ". (مسلم).
فكل كلمة تحمل احتقارًا للناس أو انتقاصًا لهم هي مخالفة لهدي الإسلام، وإن ألبسها صاحبها ثوب الـمِزَاح أو الدعابة.