recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة التنمروأثره في حياة المسلم

التنمروأثره في حياة المسلم 


 الحمد لله حمدا يليق بكماله وجلاله وجماله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وإليه المصير ، سبحانه وتعالى هو القائل في كتابه الحكيم : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسي ان يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسي أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ، الحجرات ، ١١ ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، اللهم أسألك بنور أنوار اللهم ، وسر أسرار اللهم ، وحق وحقيقة اللهم ، وأسالك بكمال وجلال وجمال اللهم أن تصلي وتسلم وتبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلي يوم الدين ، فاتقوا الله عباد الله ، قال تعالي : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ، واعلموا أنما الحياة الدنيا هي دار ممر ، وأن الآخرة هي دار مقر ومستقر ، فخذوا عباد الله من ممركم لمقركم ، وتأهبوا لحسابكم وعرضكم علي ربكم ، سبحانك اللهم سبحانك ، لا نحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت علي نفسك ، أما بعد :

 فان خطبة الجمعة اليوم في عموم مساجد جمهورية مصر العربية كما أعلنت وزارة الأوقاف المصرية عن : التنمر وأثره في حياة المسلم ، فإن التنمر غير موجود باللفظ في القرآن الكريم ، لكن القران الكريم عالج هذه الظاهرة علاجا شاملا وكذلك السنة الشريفة ، والتنمر هو سلوك عدواني متكرر لفظي أو جسدي أو ايحائي ، الهدف منه الحط من الآخرين وتحقيرهم ، ربما يدفعهم الي ذلك ما جاء في الآية الكريمة قال تعالي :  كلا أن الإنسان ليطغي أن رآه استغني ، فإن التنمر والسخرية والطعن واللعن والكيد والتنابز بالتقارب والهمز واللمز والاستعلاء والعنصرية كلها تخرج من مشكاة واحدة وهي التكبر ، وذلك لأن التكبر هو الأصل ، وهو في المصطلح : غمض الناس وبطر الحق ، أي أن تدير ظهرك لمن حولك ، والاستعلاء علي الحق ، ولذلك فإن التنمر واحدة من فروع كثيرة لشجرة التكبر والاستعلاء ، تؤدي مع بقية فروع هذه الشجرة الخبيثة إلي الكراهية والتباغض والشحناء والعداوة ، وربما تؤدي إلي الرغبة في الرد والانتقام ، والأخطر من ذلك أنه يترك تأثيرا سلبيا علي الجانب المتنمر عليه ، فيصاب بالاحباط ، وعدم الثقة في النفس ، واعتزال الآخرين ، وربما يصاب بالاكتئاب ، ربما يدفعه ذلك إذا لم يجد من يدعمه إلي الانتحار ، فيقوض ذلك أركان المجتمع  ، ولذلك يجب الحديث عن آفة التنمر وأخواتها علي النحو التالي :

 الأول : كانت بداية آفة التنمر لما أمر الله الملائكة بالسجود لادم فسجدوا إلا ابليس قال :  أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ، فكان أن تنمر إبليس علي آدم بمادة الخلق وهما الطين والنار ، دفعه الكبر الي عصيان من لا يجب أن نعصاه وهو الله ، يتكرر هذا السلوك من التنمر الاستعلائي في مواقف أخري تحدث عنها القران في سورة الكهف مثلا عندما قال أحدهما لصاحبه وهو يحاوره : أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ، تنمر بالمال والأولاد ، ولما قال النمرود : أنا أحيي وأميت ، تعالي النمروذ علي ربه الذي أتاه الملك ، وكما حدث من قارون الذي خرج علي قومه في زينته ، وقد أتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة قال : إنما اوتيته علي علم عندي ، فخسف الله به وبداره الأرض ...

 الثاني : ان السخرية من أخلاق الكافرين والمجرمين والمنافقين ، قال تبارك وتعالي عن الكافرين : زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا ، والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ، البقرة ، ٢١٢ ،

 كما أن السخرية من أخلاق المجرمين ، قال تعالي : إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون المطففين ، ٢٩-٣٠ ، كما قال تعالي عن المنافقين : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا الي شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ، البقرة ، الآية ١٤ ، قضت إرادة الله أن ينقلب الحال يوم القيامة ، فيصبح الساخر مسخورا منه ، والمستهزئ مستهزئا به ، والضاحك مضحوكا منه ، قال تعالي : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ، المطففين ٣٤ - ٣٦ .... 

 الثالث : إن السخرية وهي استعلاء وتنمر وتكبر وعنصرية بالمال والجاه والحسب والنسب ، وربما بالعلم ، وأحيانا بالشكل والصحة ، تتعارض مع أهم ما جاء به الإسلام الذي جعل الناس جميعا متساووين كأسنان المشط ، لا فرق بين غني وفقير ، ولا بين أبيض وأسود ، ولا بين عربي وأعجمي إلا بالتقوي والعمل الصالح ، فكل الناس لآدم وآدم من تراب ...

 الرابع : أن الله قضي ولا رادا لحكمه أن كل من يسخر من غيره رجلا او إمرأة لنقص أو عيب أو فقر أو مرض إنما هو أقل شأنا في الآخرة عند الله ، واقل خيرا في الدنيا عند الناس من الذي يسخر منه ، لما قال الله تبارك وتعالى: عسي أن يكونوا خيرا منهم ، أو عسي أن يكن خيرا منهن ، فإن عسي في حكم الله تفيد التأكيد ، معني ذلك أنك إذا سخرت من غيرك فإنك توصم نفسك بالهوان والصغار  ...

 الخامس : أن السخرية من الغير لعلة أو سبب هو اعتراض علي ما قضي الله به علي عباده في الدنيا ، فالحق قسم بين عباده معيشتهم في الحياة الدنيا ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، فأدي ذلك إلي أن يتخذ بعضهم بعضا سخريا ، ولو ابتعدوا عن الظاهر والشكل لتأكدوا أن رحمة الله تعالى خير من أشياء دنيوية جعلتهم يظنون أنهم هم الأعلي والأفضل والأقوي ، قال تعالي : ورحمة ربك خير مما يجمعون ، الزخرف ، من الآية ٣٢ ، والأخطر في هذه الأيام ما يحدث بين الفرق الإسلامية من التعالي والاستكبار ، فكل حزب بما لديهم فرحون ، يكفرون بعضهم بعضا ، يظنون أنهم ناجون وغيرهم هالكون ، يتألهون مع الله ، وقد جاء في الحديث أن رجلا قال والله لن يغفر الله لفلان ، فقال الله : من الذي يتألي علي أن أغفر أؤلا اغفر ، قد غفرت لفلان وأحبطت عملك ، رواه مسلم  ...

 السادس : لقد أخفي الله عباده في عباده ، وجعل أولياءه تحت قبة سمائه لا يعرفهم أحد غيره ، فإذا أذيت احدا من أوليائه بقول أو فعل أو همز أو غمز أو لمز أو طعن ، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا ، جاء في الحديث : من عادي لي وليا فقد أذنته بالحرب ، فقد يكون أمامك فقيرا وهو عند الله غني ، قد تحسبه ضعيفا وهو عند الله قوي ، قد تظنه هينا وهو عند رب الناس ذو شأن وبأس ، تأمل الحديث الصحيح : رب عبد أشعث أغبر مدفوع علي الأبواب لو أقسم على الله لأبره ، رواه مسلم ، فأنت مأمور بأن تمسك عليك لسانك ، لا تسخر به من مؤمن مهما هان شأنه ، فقد يكون عظيما عند الله ، وتذكر قول البارئ الجليل تبارك وتعالى : وقولوا للناس حسنا ، البقرة ، ٨٣ ...


google-playkhamsatmostaqltradent