الإحسان إلى المحتاجين في ضوء الكتاب والسنة
مفهوم الإحسان، ولماذا الحديث عنه؟
السند الشرعي على الإحسان.
ثمرات وفوائد الإحسان
روائع من قصص السلف في العطاء
أدب العطاء وحفظ كرامة الإنسان و كن محسنا .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على البشير النذير السراج المنير الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره
العظيم، أما بعد:
فإن الإحسان إلى ذوي الحاجة وسد خلتهم يمثل
ذروة السنام السلوكي في الإسلام، وتطبيقاً محكماً لفرض الكفاية التكافلي الذي تلتئم
به بنية المجتمع المسلم، ولم يقف الشارع الحكيم بالعطاء عند حدود سد الرمق المادي،
بل جعله مؤشراً لسلامة اليقين وتزكية النفس من رذيلة الشح المطاع؛ امتثالاً لقوله تعالى:
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.ومِن رَحِم هذه القيمة
الإيمانية، تبرز تساؤلات مفصلية:
ما هو المفهوم الشرعي الدقيق للإحسان؟ وما
مكانته العالية في ديننا؟ وكيف فاضت نصوص الكتاب والسنة بالأمر بالبذل والتحذير من
الشح؟ ثم ما هي الفوائد التي تعود على العبد المحسن في بدنه وماله وآخرته؟ وكيف سطر
لنا التاريخ الإسلامي أروع القصص في عطاء السلف؟
وكيف نحقق أدب العطاء ونحفظ كرامة المحتاج ونتجنب المنّ والأذى؟
هذا ما نحاول الإجابة عليه بمشيئة الله
تعالى من خلال المسائل التالية:
المسألة الأولى: مفهوم الإحسان، ولماذا الحديث عنه؟
الإحسان لغة: هو فعل الخير وإتقانه وتجويده.
واصطلاحا: الإتيان بالمطلوب شرعا على وجه
حسن، وله معان
:
الأول: الإحسان مع الخالق وهو عبادة الله
كأنك تراه، ويكون باتقان العبادة ومراقبة الخالق في السر والعلن.
والثاني: الإحسان إلى الخلق وهو بذل المنافع
وفعل المعروف، ويكون بإعانة المحتاج، وطيب القول، وكف الأذى، ومعاملة الجميع بلطف ورحمة
وسخاء.
والثالث : الإحسان إلى النفس، ويكون بالتمسك
بالخيرات وفعل الطاعات
..
والإحسان ضد الإساءة، وهو فعل ما هو حسن
وجميل، وترك ما هو سيء وقبيح.
فحقيقة الإحسان : أن تعبد الله كأنك تراه،
فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأن تبذل ما تستطيعه من النفع والخير للبلاد والعباد، فالإحسان
إلى المحتاجين ليس تفضلاً ماديًا عابرًا، بل هو سياج المجتمع، وعماد التكافل، وقمة
درجات الإيمان؛ فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه،
ومن مقتضيات هذه الرؤية أن ترى عباد الله بعين الرحمة والشفقة والمواساة.
أما عن لماذا الحديث عن الإحسان ؟
لأن الإحسان صفة من صفات الله عز وجل؛ فهو سبحانه المحسنُ في خلقه، المحسن إلى مخلوقاته. بيده الخير كله، وله ينسب الفضل كله، هو الذي خلق الخلق فأحسنه وجمّله وأبدعه على غير مثال سابق؛ قال سبحانه وتعالى عن نفسه: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴾ [السجدة: 7].
وقال سبحانه: ﴿ اللَّهُ الَّذِي
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ ﴾ [غافر: 64].
وقال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ
مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ
خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ
عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ
اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 12 - 14].
فهو المحسن المنعم على عباده؛ فقد أنعم
سبحانه على العباد وأحسن إليهم بنعم لا تعد ولا تحصى، ومن أعظم أنواع الإحسان والبر
أن يحسن سبحانه إلى من أساء، ويعفو عمن ظلم، ويغفر لمن أذنب، ويتوب على من تاب إليه،
ويقبل عذر من اعتذر إليه. ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو
عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الشورى: 25].
فأيُّ إحسان إلا إحسانه، وأي إنعام إلا
إنعامه، وأي كرم إلا كرمه، وأي جود إلا جوده، وأي فضل إلا فضله، وأي لطف إلا لطفه،
وأي عطاء إلا عطاؤه، وأي بِرٍّ إلا بره... ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
﴾. ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾.
خَلقَ الإنسانَ في أحسن تقويم وصوّره فأحسن
صورته، وامتدّ إليه إحسانُه وهو نطفة في ظلمات ثلاث، وعَمَّه بإحسانه طفلاً، وأنبته
نباتاً حسناً، ورباه بنعمه وأحسن مثواه، وأحسن إليه شاباً يافعاً وعاقلاً راشداً، وشيخاً
مسناً، ووصى الإنسان بوالديه إحساناً، وأمره الله تعالى بالإحسان مع كل شيء وإلى كل
شيء، وفي كل شيء، ورتب عليه عظيم الأجر، وبديع القدر، ووافر الإكرام.
وقد ندب الله المحسنُ الكريم عباده إلى
هذه الشيم الفاضلة، والأفعال الحميدة، وهو أولى بها منهم وأحق.
دعاك إلى الإحسان لأنه أحسن إليك، فقال
سبحانه: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ
مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77].
فالأوْلَى أن يقابَل الإحسانُ بالإحسان
رغم أن البون شاسع، والفرق كبير بين إحسان وإحسان، فماذا يساوي إحسان المخلوق إلى جانب
إحسان الخالق؟ بل إن إحسان المخلوق ما هو إلا من إحسان الخالق إليه ولطفه به أن هداه
لذاك، فهو المحسن الغفور الودود.
المسألة الثانية: السند الشرعي على الإحسان.
الإحسان مقام رفيع؛ فهو غاية مراد الطالبين،
ومنتهى قصد السالكين؛ فهو خلق جميل، ودليل على النبل، واعتراف بالفضل، وعرفان للجميل،
وقيام بالواجب، واحترام للمنعم. ينبئ عن الصفاء، وينطق بالوفاء، ويترجم عن السخاء؛
بالإحسان يشُترى الحب، ويُخطب الودّ، وتكسب النفوس، ويُهيمن على القلوب، وتستعبد الأفئدة.
وقد تضافرت أدلة الكتاب والسنة في أمر المؤمنين
بالبذل وسد حاجات المعوزين والإحسان إليهم،
فمن القرآن الكريم مايلي
:
1. يقول الله تعالى في وصف عباد الله الأبرار:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:
8].
2. ويقول سبحانه مبيناً عظم أجر التكافل:
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ
لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261].
3. ويقول جل جلاله محذراً من البخل: ﴿هَا أَنتُمْ
هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن
يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾
[محمد: 38].
4. ويقول سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ
وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: 26]. وقرن
الله تعالى الإحسان بالعدل فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ [النحل: 90].
5. وقد أمر الله تعالى بالإحسان أمراً جازماً في كتابه؛ فقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا
اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ
وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 36].
ومن السنة النبوية الشريفة مايلي :
1. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ،
كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ»
(متفق عليه).
2. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن
رسول الله ﷺ قال لها: «انْفِحِي أَوْ انْضَحِي أَوْ
انْفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِي اللَّهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِي اللَّهُ
عَلَيْكِ» (متفق عليه).
3. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أَيُّما مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا
ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّما مُسْلِمٍ
أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّما
مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ»
(رواه أبو داود والترمذي).
4. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ،
فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ» (رواه البزار).
5. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى
الله؟ فقال: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ
إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً،
أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا» (رواه الطبراني).
المسألة الثالثة: ثمرات وفوائد الإحسان :
لا شك أن المستفيد الأول من الإحسان هو
المُحسِن نفسه قبل المحتاج، إليهم يعود النفع في العاجل والآجل. قال الله سبحانه :
﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ [الإسراء:
7]، وللإحسان فوائد جليلة وعاجلة تعود على المنفق في دنياه وآخرته منها مايلي:
1. نيل محبة الله ومعيته :
قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ
مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]، وقال جل وعلا: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا
الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].
وقال ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً
مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ،
وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (رواه مسلم).
ويُروى عن الإمام ابن المبارك أنه خرج حاجاً
مع طائفة من أصحابه، وفي الطريق رأى جارية صغيرة خرجت من خربة وأخذت طائراً ميتاً مستقذراً
لتطبخه! فذهب إليها وسألها عن حالها، فقالت: "أنا وأخي هنا ليس لنا قوت إلا ما
يُلقى في هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام". فبكى ابن المبارك والتمس
نفقة الحج التي معه، ودفعها كلها إلى تلك الجارية وقال لخادمه: "اترك معنا ما
نرجع به، فإعانة هؤلاء أفضل من حجنا هذا العام"، فرجع ولم يحج، فرأى أهل مرو في
منامهم أن حجهم قُبل ببركة إحسان ابن المبارك للمحتاجين.
2. الوقاية من الخوف والحزن، والنجاة من ميتة السوء:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:
262].
وقال ﷺ: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ
السُّوءِ، وَالآفَاتِ، وَالْهَلَكَاتِ» (رواه الحاكم).
وقال: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ
الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» (رواه الترمذي).
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله
ﷺ: «بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ
لَا يَتَخَطَّى الصَّدَقَةَ» (رواه البيهقي).
ويُذكر في عهد عبد الله بن الزبير رضي الله
عنهما، أن رجلاً صالحاً خرج في سفر وكان كثير الصدقة والإحسان للمساكين. وفي مسيره
انخسفت به الأرض وسقط في بئر عميقة وظن أهله أنه مات. ولكن ببركة إحسانه، كان هناك
مسكين يطعمه كل يوم، فدعا هذا المسكين له بظهر الغيب. فشاء الله أن تمر قافلة بجانب
البئر، فسمعوا أنيناً، فأنزلوا حبالهم واستخرجوه حياً معافى، فكان يقول: "والله
ما نزل إليّ في البئر إلا دعوات المساكين تحرسني من الهلاك وميتة السوء".
3. بركة المال، وإخلاف الرزق، ومضاعفة الأجور:
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ
فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39]. وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ
اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276].
وقال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ
اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245].
فالإحسان سبيل إلى زيادة الفضل والخير والإكرام من الرحيم الرحمان؛ قال سبحانه: ﴿ وَسَنَزِيدُ
الْمُحْسِنِينَ ﴾.
وقال ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»
(رواه مسلم)، وفي الحديث القدسي: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ
أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (متفق عليه). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ
كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا
بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ،
حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (متفق عليه).
وقد خرج الإمام الشافعي رحمه الله في سفر،
وكان معه صرة تبلغ نحو عشرة آلاف دينار، فلما وصل مكة وجد ناساً من أهل الحاجة والفقر
الشديد، فجلس في مكانه ولم يبرح حتى فرّق الصرة كلها على المحتاجين، ولم يبقَ معه درهم
واحد. فلما دخل مكة، لم تمضِ أيام حتى جاءه رجل من وجهاء اليمن قد سمع بفضله، فأهداه
بيتاً عظيمًا ومالاً وفيرًا يبلغ أضعاف ما أنفقه، فكان الشافعي يقول: "تصدقنا
بمال فنفد، فأخلفه الله ببركة المحتاجين أضعافاً".
4. شفاء الأمراض وتطهير النفوس وتليين القلوب
القاسية:
قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103].
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
وقال ﷺ: «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ»
(حسن لغيره). وعن أبي هريرة أن رجلاً شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال له: «إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ
قَلْبِكَ، فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» (رواه أحمد).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول
الله ﷺ: «حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ،
وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَأَعِدُّوا لِلْبَلَاءِ الدُّعَاءَ» (رواه الطبراني).
وجاء رجل إلى الإمام ابن المبارك يشكو قرحةً
خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وعالجها بأنواع العلاج ولم ينتفع. فقال له ابن المبارك:
"اذهب فانظر موضعاً يحتاج الناس فيه إلى الماء، فاحفر هناك بئراً، فإني أرجو أن
ينبع هناك عين ويمسك الدم عن قرحتك". ففعل الرجل وحفر بئراً للمارين والمحتاجين،
فشفاه الله عز وجل وعادت ركبته صحيحة كأن لم يكن بها بأس.
5. النجاة من غضب الله ومحو الخطايا والذنوب
والسيئات:
قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ
فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ
ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[البقرة: 271].
وقال سبحانه: ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ
لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا
هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 112].
وقال ﷺ: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ
كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (رواه الترمذي). وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ
الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» (رواه الطبراني).
ويُروى في كتب السير، أن رجلاً أسرف على
نفسه بالذنوب والمعاصي في زمن مضى، فضاق به الحال وندم، ولكنه خشي ألا يتقبل الله توبته
لعظم جرمه. فرأى يوماً امرأة مسكينة معها صبية صغار يبكون من شدة الجوع والبرد، وليس
لديهم ملجأ ولا طعام، فدخل بيته وأخرج خماراً ثبيتاً وطعاماً وفيراً كان يدخره لنفسه،
ودفعه إليها سراً لوجه الله تائباً مستغفراً. فنام ليلته تلك فرأى في منامه قائلًا
يقول له: "يا عبد الله، رفعت صدقتك الخفية غضب ربك عنك، ومُحيت خطايا السنين كما
يمحو الماء أثر النار، فأقبل على ربك معافى"، فاستيقظ وقد انشرح صدره وعاش بقية
حياته عابداً طائعاً ببركة إغاثة الملهوف.
6- تحصيل العلم، وصلاح الذرية، ودخول الجنة:
الإحسان سبب في تحصيل العلم ومما يؤكد ذلك
قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 22].
كما أنه سبب في صلاح الذرية حيث قال تعالى
حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا
وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ
وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأنعام: 84].
والإحسان طريق إلى الجنة؛ حيث قال سبحانه: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]. وقال عز وجل: ﴿ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: 85].
المسألة الرابعة: روائع من قصص السلف في العطاء:
إن التاريخ الإسلامي يزخر بصفحات تجسد التكافل
بأرقى صوره، ومن عيون هذه الأخبار مايلي:
* سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه:
أصاب الناس قحطٌ في خلافة أبي بكر، فقدمت
لعثمان قافلة تضم ألف بعير محملة بالخيرات. فجاءه التجار يطلبون شراءها بأرباح مضاعفة،
فكان يقول: "زادني غيركم.. إن الله زادني، بكل درهم عشرة دراهم"، ثم جعل
القافلة كلها صدقة للمساكين وفقراء المدينة.
* سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
كان إذا اشتد عجبُه بشيء من ماله قربه لربه،
وكان يوزع السكر على المساكين، فقيل له في ذلك، فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿لَن تَنَالُوا
الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، والله يعلم أني أحب
السكر.
* أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
جاءها مائة ألف درهم فقسمتها وهي صائمة
في يوم واحد ولم تترك لنفسها درهماً، فقالت لها خادمتها: لو اشتريت لنا بدرهم لحماً
تفطرين عليه؟ فقالت عائشة: "لو ذكّرتِني لَفعلتُ"، فقد أنستها لذة العطاء
حاجة نفسها.
المسألة الخامسة: أدب العطاء وحفظ كرامة الإنسان:
مما لا ريب فيه أن قيمة الإحسان لا تكمن
فقط في كمية العطاء، بل في كيفية العطاء. إن الإسلام يريد منا إعانة المحتاج مع حفظ
كرامته وصون ماء وجهه من الذل والانكسار. إن العطاء المصحوب بالمنّ والأذى والتباهي
أو التصوير والابتزاز هو عطاء ميت يحبط الأجر؛ يقول الله سبحانه: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ
وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾
[البقرة: 263].
ويقول جل وعلا محذراً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264].
وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ»، وذكر منهم: «وَالْمَنَّانُ» وهو الذي يمنّ بعطائه ويؤذي الفقراء (رواه مسلم).
وكان من دأب السلف الصالح أن يقدّموا الصدقة
بخفية شديدة، كـ علي بن الحسين (زين العابدين) الذي كان يحمل جُرُب الدقيق على ظهره
في الليل المظلم، ويوصلها إلى بيوت فقراء المدينة وهم نيام، فلما مات وغسّلوه، وجدوا
على ظهره آثاراً سوداء من حَمْل تلك الأحمال وعلموا أنه هو من كان يعيلهم سراً.
فليكن شعارنا دوماً الإخلاص والستر: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9].
المسألة السادسة: كن محسنا .
إنّ مِن أجلّ نعم الله تعالى على العبد:
أن يوَفقَ مع القيام بحق الله تعالى إلى القيام بحقوق عباد الله، من الإحسان إليهم،
والسعي في مصالحهم، وبذل المعروف لهم...
فلقد أنعم الله على أناس فاختصهم بقضاء
حوائج عباده، والسعي في مصالحهم، جعلهم مفاتيح للخير، مغاليق للشر. عن ابن عمر رضي
الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «إن لله أقواما يختصهم بالنعم لمنافع العباد،
ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم». أخرجه الطبراني .
فإذا هيأ الله لك أسباب الخير، وأقدرك الله
على نفع إخوانك بمالك أو بجاهك أو ببدنك أو بكلمتك أو بما تستطيعه، فلا تتردد، كن محسنا
لتحمد في الدنيا والآخرة، وما أجمل أن يبقى لك في الناس ذكر حسن حتى بعد موتك. قال
تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
﴾ [الشعراء: 84] أي ثناء وذكرا حسنا فيمن يأتي بعدي إلى يوم القيامة.
كن محسنا، فإنك اليوم قادر وغداً عاجز،
وأنت اليوم قوي وغداً ضعيف، فما دمت ذا مقدرة، وما دمت على استطاعة في نفع العباد فأحسن
إليهم.
أحسن إلى والديك: ببرهما وطاعتهما في المعروف،
بإيصال الخير إليهما، وكف الأذى عنهما. بالدعاء والاستغفار لهما في حياتهما وبعد موتهما.
أحسن إليهما في نظرة العين، ونبرة الصوت وابتسامة الوجه... احفَظ فيهما وصية ربك سبحانه:
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ [العنكبوت: 8].
روى مسلم في صحيحه عن عَبْد اللَّهِ بْن
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي
الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: «فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟». قَالَ: نَعَمْ،
بَلْ كِلاَهُمَا. قَالَ: «فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ؟». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
«فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا».
أحسن إلى الأقارب، والأصحاب، إلى الجار
والمحتاج... قال سبحانه: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى
وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ
مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: 36، 37].
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ
الْخُزَاعِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ».
أحسن إلى أقاربك: ببرّهم، وصلتهم، ورحمتهم،
والعطف عليهم، وفعل ما يحمد فعله معهم، وترك ما يسيء إليهم..
أحسن إلى الجار: باحترامه وتوقيره، ببذل
الخير له، وكف الأذى عنه..
أحسن إلى أصحابك: بحبهم ونصحهم، والأخذ
بأيدهم إلى كل خير، ومنعهم من كل شر...
أحسن إلى الخادم: بصون كرامته، واحترام
شخصيته. بإعطائه أجره قبل أن يجف عرقه، وعدم إلزامه ما لا يلزمه، وعدم تكليفه ما لا
يطيق...
أحسن إلى اليتامى: بالمحافظة على أموالهم،
وحماية حقوقهم، وتربيتهم وتأديبهم، والتبسم في وجوههم، والإنفاق عليهم...
أحسن إلى المساكين: بسدّ جوعتهم، وستر عورتهم،
والحث على إطعامهم، وعدم المساس بكرامتهم...
أحسن إلى ابن السبيل: بقضاء حاجته، وصيانة
كرامته، وإرشاده إن استرشد، وهدايته إن ضل...
أحسن إلى المحتاج: بإدخال السرور عليه،
بسد حاجته، وتنفيس كربته...
أحسن إلى الناس كلهم: بحسن معاملتهم، بالوفاء
والصّدق والعدل، بأمرهم بالمعروف إن تركوه، ونهيهم عن المنكر إن فعلوه، بإرشاد ضالهم،
وتعليم جاهلهم، والاعتراف بحقوقهم، بعدم ارتكاب ما يضرهم، أو فعل ما يؤذيهم. عامِلهم
بما تحبّ أن يعاملوك به.
أحسن حتى ولو أساء الناس إليك؛ فمن أساء
إليك من الناس فقابل إساءته بالإحسان إليه. مَن قطعك فصِلْهُ.. ومن ظلمك فاعفُ عنه..
ومن حرَمك فامنحه.. ومن هجرك فبادره بالسلام.. ولا يستوي عند الله ولا عند الخلق فعلُ
الحسنات والطاعات التي يحبها الله، وفعل السيئات والمعاصي التي يُبغِضها الله، كما
لا يستوي الإحسان إلى الخلق ولا الإساءة إليهم..
فالاحسان لب الإيمان، وروح الإسلام، وكمال
الشريعة، وهو يدخل في سائر الأقوال والأفعال والأحوال، وأعظم درجات الإحسانِ: الإحسانُ
مع الله جل وعلا، ثم إحسان المرء مع نفسه وأهله وسائر المخلوقات، حتى يشمل البهائم
والعجماوات، ففي صحيح مسلم عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: « إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا
الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ » فهل من المعقول
لمن يحسن في الذبح ألا يحسن في الحياة؟! حقا إنه مثال لا يخطر على البال.
فأنت مأمور بالإحسان في كل صغيرة وفي كل
كبيرة؛ في كل قول وفي كل فعل، في كل أخذ وفي كل عطاء.
أنت مأمور بالإحسان في فعل الواجبات؛ بأن
تؤدِّيَها على وجه الكمال في واجباتها، وتجتهدَ في مستحبّاتها.
وأنت مأمور بالإحسان في ترك المحرّمات،
بالانتهاء عن ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿ وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ
﴾ [الأنعام:120].
وأنت مأمور بالإحسان في معاملتك لكلِّ مخلوق؛
من إنسان أو حيوان.. فعلينا أن تحسن في كل شيء، وليكن شعارنا "وأحسن كما أحسن
الله إليك".. أن تحسن في عبادتك، أن تحسن في معاملتك، وأن تحسن إلى من هو في حاجة
إلى إحسانك.. قال تعالى: ﴿ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ
عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: 34،35].
وفي الختام نسأل الله تعالى أن بجعلنا من
المحسنين المتقين، وأن يكف حاجة المحتاجين، ويقض الدين عن المدينين، ويرحم ضعفاء المسلمين،
وأن يبارك للمنفقين في أموالهم ويخلف عليهم خيراً، ويجعل ما قدموه حجاباً لهم من النار..
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا
من الراشدين. اللهم احفظ مصر قيادة وشعباً واجعلها في أمانك وضمانك وكفالتك واحة للأمن
والأمان والاستقرار
.
اللهم آمين يارب العالمين
الدكتور / عبد القادر سليم