أبوذرالغفاري زعيم
المعارضة ومحامي الفقراء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنعيش اليوم مع صحابي جليل من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم لقب بزعيم المعارضة ومحامي الفقراء .
نعم، يُعتبر أبو ذر الغفاري رضي الله عنه رمزاً وزعيماً للمعارضة في عصره، خاصةً كـ "عدو الثروات" ومدافع عن الفقراء ، حيث كان يواجه الظلم ويطالب بتطبيق العدالة والمساواة، وينتقد تكديس الأموال، ويُعرف بمواقفه الصارمة تجاه الأغنياء، مما جعله صوتاً قوياً للمظلومين ومزعجاً للسلطة في زمنه، حتى نُفي بسبب مواقفه.
هو أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري نسبة
إلى بني غفار بطن من كنانة، من السابقين إلى الإسلام، قدم على النبي صلى الله عليه
وسلم مكة فأسلم، وهو رابع أربعة، أسلم قبله ثلاثة فقط. فلما أسلم قال له النبي صلى
الله عليه وسلم: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. فقال للنبي صلى الله عليه
وسلم: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين أظهرهم. فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى
صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فثار إليه جمع من مشركي
قريش فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس بن عبد المطلب فأكب عليه وقال: ويلكم ألستم
تسمعون أنه من غفار، وأنهم على طريقكم إلى الشام للتجارة، فأنقذه منهم، ثم عاد من
الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب عليه العباس وأنقذه منهم، ثم انصرف إلى بلاد
قومه فأقام بها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ومضت بدر وأحد ولم
تتهيأ له الهجرة إلا بعد ذلك.
وكان محل عناية واحترام رسول الله صلى الله عليه
وسلم، بحيث يكرمه إذا حضر ويفتقده إذا غاب،
وكان على جانب عظيم من الزهد والتقلل من الدنيا،
فقد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أقربكم مني مجلساً يوم
القيامة من خرج من الدنيا كهيأته يوم تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلا
وقد نشب فيها بشيء غيري"( والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، و أحمد في
المسند مع انقطاع).
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر. رواه أبو داود وغيره. وأخرج الحاكم في المستدرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يرحم الله أبا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده. وكانت وفاته سنة 31هـ بالربذة وهي موضع على عدة أميال من المدينة المنورة، وصلى عليه عبد الله بن مسعود.
لماذا يُعتبر زعيم المعارضة؟
مناهضة الظلم: كان صوتاً قوياً يرفض
الظلم، ويُعد رمزاً للتحرر من قهر السلطة.
نقد الثراء: اعترض بشدة على اكتناز
الأموال وتراكم الثروات، وطالب بتوزيعها على الفقراء، واشتهر بـ "محامي
الفقراء".
مواجهة السلطة: كان يواجه الخلفاء
والسلطات بجرأة حول قضايا العدالة، وكتب معاوية لـ عثمان يشكو من "إفساد أبي
ذر للناس" في الشام.
الزهد والورع: كان مثالاً للزهد الشديد
في الدنيا، مما جعله لا يهتم بالمال أو السلطة، بل يركز على الحق والعدل.
مواقف بارزة:
مع الخليفة عثمان: اختلف مع عثمان حول
قضية توزيع المال على الأغنياء، وواجهه بشدة، مما أدى إلى نقله إلى الربذة حيث
توفي وحيداً.
مقولته الشهيرة: قال: "بشّر
الكانزين بمكاوٍ من نار يوم القيامة"، معارضاً ما كان يراه تكديساً للمال في
أيدي الأغنياء.
باختصار، كان أبو ذر الغفاري بمثابة الضمير الحي الذي لا يخشى المواجهة، مدافعاً عن مبادئ العدل والمساواة، وهو ما رسّخ مكانته كزعيم معارض فريد في التاريخ الإسلامي المبكر.
" أبو ذر الغفاري - زعيم المعارضة وعدو
الثروات
"
أقبل على مكة نشوان مغتبطا.صحيح أن وعثاء السفر وفيح الصحراء قد وقذاه بالضنى والألم، بيد أن الغاية التي يسعى اليها، أنسته جراحه، وأفاضت على روحه الحبور والبشور.ودخلها متنكرا، كأنه واحد من أولئك الذين يقصدونها ليطوّفوا بآلهة الكعبة العظام.أو كأنه عابر سبيل ضل طريقه، أو طال به السفر والارتحال فأوى اليها يستريح ويتزوّد.فلو علم أهل مكة أنه جاء يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم، ويستمع اليه لفتكوا به.وهو لا يرى بأسا في أن يفتكوا به، ولكن بعد أن يقابل الرجل الي قطع الفيافي ليراه، وبعد أن يؤمن به، ان اقتنع بصدقه واطمأن لدعوته.
ولقد مضى يتسمّع الأنباء من بعيد، وكلما سمع قوما يتحدثون عن محمد اقترب منهم في حذر، حتى جمع من نثارات الحديث هنا وهناك ما دله على محمد، وعلى المكان الذي يستطيع أن يراه فيه.
في صبيحة يوم ذهب الى هناك، فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم جالاسا وحده، فاقترب منه وقال: نعمت صباحا يا أخا العرب.
فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام يا أخاه.قال أبو ذر: أنشدني مما تقول.فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام: ما هو بشعر فأنشدك، ولكنه قرآن كريم.
قال أبو ذر: اقرأ عليّ.فقرأ عليه الرسول، وأبو ذر يصغي.ولم يمضي من الوقت غير قليل حتى هتف أبو ذر: " أشهد أن لا اله الا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " وسأله النبي: ممن أنت يا أخا العرب.
؟ فأجابه أبو ذر: من غفار.وتألقت ابتسامة على فم الرسول صلى الله عليه وسلم، واكتسى وجهه الدهشة والعجب.
وضحك أبو ذر كذلك، فهو يعرف سر العجب الذي كسا وجه الرسول عليه السلام حين علم أن هذا الذي يجهر بالاسلام أمامه انما هو رجل من غفار.
!! فغفار هذه قبيلة لا يدرك لها شأو في قطع الطريق.!! وأهلها مضرب الأمثال في السطو غير المشروع.انهم حلفاء الليل والظلام، والويل لمن يسلمه الليل الى واحد من قبيلة غفار.أفيجيء منهم اليوم، والاسلام لا يزال دينا غصّا مستخفيا، واحد ليسلم.
! يقول أبو ذر وهو يروي القصة بنفسه: ".
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره ويصوّبه تعجبا، لما كان من غفار، ثم قال: ان الله يهدي من يشاء.ولقد كان أبو ذر رضي الله عنه أحد الذين شاء لهم الهدى، وأراد بهم الخير.وانه لذو بصر بالحق، فقد روي عنه أنه أحد الذين شاء الله لهم الهدى، وأراد بهم الخير.وانه لذو بصر بالحق، فقد روي عنه أنه أحد الذين كلنوا يتألهون في الجاهلية، أي يتمرّدون على عبادة الأصنام، ويذهبون الى الايمان باله خالق عظيم، وهكذا ما كاد يسمع بظهور نبي يسفّه عبادة الأصناك وعبّادها، ويدعو الى عبادة الله الواحد القهار، حتى حث اليه الخطى، وشدّ الرحال.
أسلم أبو ذر من فوره.وأول من صرخ بالاسلام في البيت الحرام
وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس.اذن، هو قد أسلم في الأيام الأولى، بل الساعات الأولى للاسلام، وكان اسلامه مبكرا.وحين أسلم كان الرسول يهمس بالدعوة همساً.يهمس بها الى نفسه، والى الخمسة الذين آمنوا معه، ولم يكن أمام أبي ذر الا أن يحمل ايمانه بين جنبيه، ويتسلل به مغادرا مكة، وعائدا الى قومه.
ولكن أبا ذر، جندب بن جنادة، يحمل طبيعة فوارة جيّاشة.
لقد خلق ليتمرّد على الباطل أنى يكون.وها هو ذا يرى الباطل بعينيه.حجارة مرصوصة، ميلاد عابديها أقدم من ميلادها، تنحني أمامها الجباه والعقول، ويناديها الناس: لبيك.
وصحيح أنه رأى الرسول يؤثر لهمس في أيامه تلك.ولكن لا بدّ من صيحة يصيحها هذا الثائر الجليل قبل أن يرحل.
لقد توجه الى الرسول عليه الصلاة والسلام فور اسلامه بهذا السؤال: يا رسول الله، بم تأمرني؟ فأجابه الرسول: ترجع الى قومك حتى يبلغك أمري.
فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد.ألم أقل لكم.
تلك طبيعة متمرّدة جيّاشة، أفي اللحظة التي يكشف فيها أبو ذر عالما جديدا بأسره يتمثل في الرسول الذي آمن به، وفي الدعوة التي سمع بتباشيرها على لسانه.
أفي هذه اللحظة يراد له أن يرجع الى أهله صامتا؟ هذا أمر فوق طاقته.
أبوذريضرب في البيت الحرام والعباس ينقذه بحيلة
هنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته:"أشهد أن لا اله الا الله.وأشهد أن محمدا رسول الله".
كانت هذه الصيحة أول صيحة بالاسلام تحدّت كبرياء قريش وقرعت أسماعها.
صاحها رجل غريب ليس له في مكّة حسب ولا نسب ولا حمى.
ولقد لقي ما لم يكن يغيب عن فطنته أنه ملاقيه. فقد أحاط به المشركون وضربوه حتى صرعوه.
وترامى النبأ الى العباس عم النبي، فجاء يسعى، وما استطاع أن ينقذه من بين أنيابهم الا بالحيلة لذكية، قال لهم: " يا معشر قريش، أنتم تجار، وطريقكم على غفار،، وهذا رجل من رجالها، ان يحرّض قومه عليكم، يقطعوا على قوافلكم الطريق ".
فثابوا الى رشدهم وتركوه، ولكن أبا ذر، وقد ذاق حلاوة الأذى في سبيل الله، لا يريد أن يغادر مكة حتى يظفر من طيباته بمزيد.
وهكذا لا يكاد في اليوم الثاني وربما في نفس اليوم، يلقى امرأتين تطوفان بالصنمين (أساف، واثلة) ودعوانهما، حتى يقف عليهما ويسفه الصنمين تسفيها مهينا.
فتصرخ المرأتان، ويهرول الرجال كالجراد، ثم لا يفتون يضربونه حتى يفقد وعيه.
وحين يفيق يصرخ مرة أخرى بأنه " يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله " ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد، وقدرته الباهرة على مواجهة الباطل.
الرسول بأمر أباذربالرجوع إلي قومه فوقته لم يأت بعد
بيد أن وقته لم يأت بعد، فيعيد عليه الرسول صلي الله عليه وسلم أمره بالعودة الى قومه، حتى اذا سمع بظهور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث دلوه.
ويعود أبو ذر الى عشيرته وقومه، فيحدثههم عن النبي الذي ظهر يدعو الى عبادة الله وحده ويهدي لمكارم الأخلاق، ويدخل قومه في الاسلام، واحدا اثر واحد.
ولا يمتفي بقبيلته غفار، بل ينتقل الى قبيلة أسلم فيوقد فيها مصابيحه
وتتابع الأيام رحلتها في موكب الزمن، ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة، ويستقر بها والمسلمون معه.
أبوذر يأتي بقبيلتي غفار وأسلم إلي المدينة بعد الهجرة
وذات يوم تستقبل مشارفها صفوفا طويلة من المشاة والركبان، أثارت أقدامهم النقع.
ولولا تكبيراتهم الصادعة، لحبسهم الرائي جيشا مغيراً من جيوش الشرك.
اقترب الموكب اللجب.ودخل المدينة.ويمم وجهه شطر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومقامه.لقد كان الموكب قبيلتي غفار وأسلم، جاء بهما ابو ذر مسلمين جميعا رجالا ونساءا.شيوخا وشبابا، وأطفالا.
وكان من حق الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزداد عجبا ودهشة.
فبالأمس البعيد عجب كثيرا حين رأى أمامه رجلا واحدا من غفار يعلن اسلامه وايمانه، وقال معبّرا عن دهشته: " ان الله يهدي من يشاء " !!
أما اليوم فان قبيلة غفار بأجمعها تجيئه مسلمة.
وقد قطعت في الاسلام بضع سنين منذ هداها الله على يد أبي ذر، وتجيء معها قبيلة أسلم.
ان عمالقة السطو وحلفاء الشيطان، قد أصبحوا عمالقة في الخير وحلفاء للحق.
أليس الله يهدي من يشاء حقا؟؟
لقد ألقى الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوههم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانا وودا.ونظر الى قبيلة غفار وقال: " غفار غفر الله لها " ثم الى قبيلة أسلم فقال: " وأسلم سالمها الله ".
وأبو ذر هذا الداعية الرائع.القوي الشكيمة، العزيز المنال.ألا يختصه الرسول عليه الصلاة والسلام بتحية؟؟أجل.ولسوف يكون جزاؤه موفورا، وتحيته مباركة.
ولسوف يحمل صدره، ويحمل تاريخه، أرفع الأوسمة وأكثرها جلالا وعزة.
ولسوف تفنى القرون والأجيال، والناس يرددون رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في أبي ذر: " ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الصحراء أصدق لهجة من أبي ذر ".
ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد، وقدرته اباهرة على مواجهة الباطل.
بيد أن وقته لم يأت بعد، فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه، حتى اذا سمع بظهور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث دلّوه.
أصدق لهجة في أبي ذر.
لقد قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام مستقبل صاحبه، ولخص حياته كلها في هذه الكلمات.
فالصدق الجسور، هو جوهر حياة أبي ذر كلها.
صدق باطنه، وصدق ظاهره.صدق عقيدته وصدق لهجته.ولسوف يحيا صادقا.
لا يغالط نفسه، ولا يغالط غيره، ولا يسمح لأحد أن يغالطه.
ولئن يكون صدقه فضيلة خرساء.فالصدق الصامت ليس صدقا عند أبي ذر.
انما الصدق جهر وعلن.جهر بالحق وتحد للباطل.تأييد للصواب ودحض للخطأ.
الصدق ولاء رشيد للحق، وتعبير جريء عنه، وسير حثيث معه.
وصية ونبؤة لأبي ذر من الرسول صلي الله عليه وسلم" اصبر حتى تلقاني ".
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ببصيرته الثاقبة عبر الغيب القصيّ والمجهول البعيد كل المتاعب التي سيفيئها على أبي ذر صدقه وصلابته، فكان يأمره دائما أن يجعل الأناة والصبر نهجه وسبيله.
وألقى الرسول يوما هذا السؤال: " يا أبا ذر كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء " ؟ فأجاب قائلا: " اذن والذي بعثك بالحق، لأضربن بسيفي " !! فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: " أفلا أدلك على خير من ذلك.؟ اصبر حتى تلقاني ".
ترى لماذا سأله الرسول هذا السؤال بالذات؟؟
الأمراء.والمال.؟؟ تلك قضية أبي ذر التي سيهبها حياته، وتلك مشكلته مع المجتمع ومع المستقبل.
ولقد عرفها رسول الله فألقى عليه السؤال، ليزوده هذه النصيحة الثمينة: " اصبر حتى تلقاني ".
ولسوف يحفظ أبوذر وصية معلمه، فلن يحمل السيف الذي توّد به الأمراء الذين يثرون من مال الأمة.ولكنه أيضا لن يسكت عنهم لحظة من نهار.
أجل اذا كان الرسول قد نهاه عن حمل السيف في وجوههم، فانه لا ينهاه عن أن يحمل في الحق لسانه البتار. ولسوف يفعل.
أبوذر في عهد عمربن الخطاب لم يثورعلي شيء
ومضى عهد الرسول، ومن بعده عصر أبي بكر، وعصر عمر في تفوق كامل على مغريات الحياة ودواعي الفتنة فيها.
حتى تلك النفوس المشتهية الراغبة، لم تكن تجد لرغباتها سبيلا ولا منفذا.
وأيامئذ، لم تكن ثمة انحرافات يرفع أبو ذر ضدها صوته ويفلحها بكلماته اللاهبة.
ولقد طال عهد أمير المؤمنين عمر، فارضا على ولاة المسلمين وأمرائهم وأغنيائهم في كل مكان من الأرض، زهدا وتقشفا، ودعلا يكاد يكون فوق طاقة البشر.
ان واليا من ولاته في العراق، أو في الشام، أ، في صنعاء.
أو في أي من البلاد النائية البعيدة، لا يكاد يصل اليها نوعا من الحلوى، لا يجد عامة الناس قدرة على شرائه، حتى يكون الخبر قد وصل الى عمر بعد أيام، وحتى تكون أوامره الصارمة قد ذهبت لتستدعي ذلك الوالي الى المدينة ليلقى حسابه العسير.!!
ليهنأ أبو ذر اذن.وليهنأ أكثر ما دام الفاروق العظيم أميرا للمؤمنين.
وما دام لا يضايق أبا ذر في حياته شيء مثلما يضايقه استغلال السلطة، واحتكارالثروة، فإن ابن الخطاب بمراقبته الصارمة للسلطة، وتوزيعه العادل للثروة سيتيح له الطمأنينة والرضا.
وهكذا تفرغ لعبادة ربه، وللجهاد في سبيله.غير لائذ بالصمت اذا رأى مخالفة هنا، أو هناك.وقلما كان يرى.
بيد أن أعظم، وأعدل، وأروع حكام البشرية قاطبة يرحل عن الدنيا ذات يوم، تاركا وراءه فراغا هائلا، ومحدثا رحيله من ردود الفعل ما لا مفرّ منه ولا طاقة للناس به، وتستمر القتوح في مدّها، ويعلو معها مد الرغبات والتطلع الى مناعم الحياة وترفها.
ويرى أبو ذر الخطر.
ان ألوية المجد الشخصي توشك أن تفتن الذين كل دورهم في الحياة أن يرفعوا راية الله.
ان الدنيا بزخرفها وغرورها الضاري، توشك أن تفتن الذين كل رسالتهم أن يجعلوا منها مزرعة للأعمال الصالحات.
ان المال الذي جعله الله خادما مطيعا للانسان، يوشك أن يتحوّل الى سيّد مستبد.
ومع من؟ مع أصحاب محمد الذي مات ودرعه مرهونة، في حين كانت أكوام الفيء والغنائم عند قدميه.
ان خيرات الأرض التي ذرأها الله للناس جميعا.
وجعل حقهم فيها متكافئا توشك أن اصير حكرا ومزية.
ان السلطة التي هي مسؤولية ترتعد من هول حساب الله عليها أفئدة الأبرار، تتحول الى سبيل للسيطرة، وللثراء، وللترف المدمر الوبيل.
رأى أبو ذر كل هذا فلم يبحث عن واجبه ولا عن مسؤوليته. بل راح يمد يمينه الى سيفه.
وهز به الهواء فمزقه، ونهض قائما يواجه المجتمع بسيفه الذي لم تعرف له كبوة.
لكن سرعان ما رنّ في فؤاده صدى الوصية التي أوصاه بها الرسول، فأعاد السيف الى غمده، فما ينبغي أن يرفعه في وجه مسلم.
(وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ)ليس دوره اليوم أن يقتل.
بل أن يعترض.
وليس السيف أداة التغيير والتقويم، بل الكلمة الصادقة، الأمينة المستبسلة.
الكلمة العادلة التي لا تضل طريقها، ولا ترهب عواقبها.
لقد أخبر الرسول يوما وعلى ملأ من أصحابه، أن الأرض لم تقلّ، وأن السماء لم تظلّ أصدق لهجة من أبي ذر.
ومن كان يملك هذا القدر من صدق اللهجة، وصدق الاقتناع، فما حاجته الى السيف؟
ان كلمة واحدة يقولها، لأمضى من ملء الأرض سيوفا.
فليخرج بصدقه هذا، الى الأمراء.الى الأغنياء.الى جميع الذين أصبحوا يشكلون بركونهم الى الدنيا خطرا على الدين الذي جاء هاديا، لا جابيا.
ونبوة لا ملكا،.ورحمة لا عذابا.وتواضعا لا استعلاء.وتكافؤ لا تمايز.وقناعة لا جشعا.
وكفاية لا ترفا.واتئادا في أخذ الحياة، لا فتونا بها ولا تهالكا عليها.
فليخرج الى هؤلاء جميعا، حتى يحكم الله بينهم وبينه بالحق، وهو خير الحاكمين.
وخرج أبو ذر الى معاقل السلطة والثروة، يغزوها بمعارضته معقلا معقلا.
وأصبح في أيام معدودات الراية التي التفت حولها الجماهير والكادحون.
حتى في الأقطار النائية التي لم يره أهلها بعد.
طاره اليها ذكره، وأصبح لا يمر بأرض، بل ولا يبلغ اسمه قوما الا أثار تسؤلات هامّة تهدد مصالح ذوي الشلطة والثراء.
ولو أراد هذا الثائر الجليل أن يتخذ لنفسه ولحركته علما خاصا لما كان الشعار المنقوش على العلم سوى مكواة تتوهج حمرة ولهبا، فقد جعل نشيده وهتافه الذي يردده في كل مكان وزمان.
ويردده الانس عنه كأنه نشيد.
هذه الكلمات: " بشّر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة ".!!
لا يصعد جبلا، ولا ينزل سهلا، ولا يدخل مدينة، ولا يواجه أميرا الا وهذه الكلمات على لسانه.
ولم يعد الانس يبصرونه قادما الا استقبلوه بهذه الكلمات: " بشّر الكانزين بمكاو من نار ".
لقد صارت هذه العبارة علما على رسالته التي نذر حياته لها، حين رأى الثروات تتركز وتحتكر.
وحين رأى السلطة استعلاء واستغلال.
وحين رأى حب الدنيا يطغى ويوشك أن يطمر كل ما صنعته سنوات الرسالة العظمى من جمال وورع، وتفان واخلاص.
لقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورهبة.
هناك في الشام حيث " معاوية بن أبي سفيان " يحكم أرضا من أكثر بلاد الاسلام خصوبة وخيراً وفيضا، وانه ليعطي الأموال ويوزعها بغير حساب، يتألف بها الناس الذين لهم حظ ومكانة، ويؤمن بها مستقبله الذي كان يرنو اليه طموحه البعيد.
هناك الضياع والقصور والثروات تفتن الباقية من حملة الجعوة، فليدرك أبو ذر الخطر قبل أن يحيق ويدمّر.
وحسر زعيم المعارضة رداءه المتواضع عن ساقيه، وسابق الريح الى الشام.
ولم يكد الناس العاديون يسمعون بمقدمه حتى استقبلوه في حماسة وشوق، والتفوا حوله أينما ذهب وسار.
حدثنا يا أبا ذر.حدثنا يا صاحب رسول الله. ويلقي أبو ذر على الجموع حوله نظرات فاحصة، فيرى أكثرها ذوي حصاصة وفقر.ثم يرنو ببصره نحو المشارف القريبة فيرى القصور والضياع. ثم يصرخ في الحافين حوله قائلا: " عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الانس شاهرا سيفه ".
ثم يذكر من فوره وصية رسول الله أن يضع الأناة مكان الانقلاب، والكلمة الشجاعة مكان السيف.
فيترك لغة الحرب هذه ويعود الى لغة المنطق والاقناع، فيعلم الناس جميعا أنهم جميعا سواسية كأسنان المشط.وأنهم جميعا شركاء في الرزق.وأنه لا فضل لأحد على أحد الا بالتقوى وأن أمير القوم ووليهم، هو أول من يجوع اذا جاعوا، وآخر من شبع اذا شبعوا.
لقد قرر أن يخلق بكلماته وشجاعته رأيا عامّا من كل بلاد الاسلام يكون له من الفطنة والمناعة، والقوة ما يجعله شكيمة لأمرائه وأغنيائه، وما يحول دون ظهور طبقات مستغلة للحكم، أو محتكرة للثروة.
وفي أيام قلائل، كانت الشام كلها كخلايا نحل وجدت ملكتها المطاعة.
ولو أعطى أبو ذر اشارة عابرة بالثورة لاشتعلت نارا.
ولكنه كما قلنا، حصر اهتمامه في خلق رأي عام يفرض احترامه، وصارت كلماته حديث المجالس والمساجد والطريق.
ولقد بلغ خطره على الامتيازات الناشئة مداه، يوم ناظر معاوية على ملأ من الناس.
ثم أبلغ الشاهد للمناظرة، الغائب عنها.وسارت الرياح بأخبارها. ولقد وقف أبو ذر أصدق العالمين لهجة، كما وصفه نبيه وأستاذه.
وقف يسائل معاوية في غير خوف ولا مداراة عن ثروته قبل أن يصبح حاكما، وعن ثروته اليوم.
وعن البيت الذي كان يسكنه بمكة، وعن قصوره بالشام اليوم.
ثم يوجه السؤال للجالسين حوله من الصحابة الذين صحبوا معاوية الى الشام وصار لبعضهم قصور وضياع.
ثم يصيح فيهم جميعا: أفأنت الذين نزل القرآن على الرسول وهو بين ظهرانيهم
ويتولى الاجابة عنهم: نعم أنتم الذين نزل فيكم القرآن، وشهدتم مع الرسول المشاهد.
ثم يعود ويسأل: ألا تجدون في كتاب الله هذه الآية: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم.
يوم يحمى عليها في نار جهنّم، فتكوى بها جباههم، وجنوبهم، وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون).
ويختلم معاوية طريق الحديث قائلا: لقد أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب.
ويصيح أبو ذر: لا بل أنزلت لنا ولهم.
ويتابع أبو ذر القول ناصحا معاوية ومن معه أن يخرجوا كل ما بأيديهم من ضياع وقصور وأموال.
وألا يدّخر أحدهم لنفسه أكثر من حاجات يومه.
وتتناقل المحافل والجموع نبأ هذه المناظرة وأنباء أبي ذر.
ويتعالى نشيد أبي ذر في البيوت والطرقات: (بشّر الكانزين بمكاو من نار يوم القيامة).
ويستشعر معاوية الخطر، وتفزعه كلمات الثائر الجليل، ولكنه يعرف له قدره، فلا يقرّ به بسوء، ويكتب عن فوره للخليفة عثمان رضي الله عنه يقول له: " ان أبا ذر قد أفسد الناس بالشام ".
ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه للمدينة.
ويحسر أبي ذر طرف ردائه عن ساقيه مرّة أخرى ويسافر الى المدينة تاركا الشام في يوم لم تشهد دمشق مثله يوما من أيام الحفاوة والوداع.
!! (لا حاجة لي في دنياكم).
هكذا قال أبو ذر للخليفة عثمان بعد أن وصل الى المدسنة، وجرى بينهما حوار طويل.
لقد خرج عثمان من حواره مع صاحبه، ومن الأنباء التي توافدت عليه من كل الأقطار عن مشايعة الجماهير لآراء أبي ذر، بادراك صحيح لخطر دعوته وقوتها وقرر أن يحتفظ به الى جواره في المدينة محددا بها اقامته.
ولقد عرض عثمان قراره على أبي ذر عرضا رفيقا، رقيقا، فقال له: " ابق هنا بجانبي، تغدو عليك اللقاح وتروح ".
وأجابه أبو ذر: (لا حاجة لي في دنياكم) !
أجل لا حاجة له في دنيا الناس.
انه من أولئك القديسين الذين يبحثون عن ثراء الروح، ويحيون الحياة ليعطوا لا ليأخذوا.
!! ولقد طلب من الخليفة عثمان رضي الله عنه أن يأذن له الخروج الى الرّبذة فأذن له.
ولقد ظل وهو في احتدام معارضته أمينا لله ورسوله، حافظا في اعماق روحه النصيحة التي وجهها اليه الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يحمل السيف.
لكأن الرسول رأى الغيب كله.
غيب أبي ذر ومستقبله، فأهدى اليه هذه النصيحة الغالية.
ومن ثم لم يكن أبو ذر ليخفي انزعاجه
حين يرى بعض المولعين بايقاد الفتنة يتخذون من دعوته سببا لاشباع ولعهم وكيدهم.
جاءه يوما وهو في الرّبدة وفد من الكوفة يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد الخليفة، فزجرهم بكلمات حاسمة:
" والله لو أن عثمان صلبني على أطول
خشبة، أجبل، لسمعت، وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرا لي.
" ولوسيّرني ما بين الأفق الى الأفق، لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرا لي.
" ولو ردّني الى منزلي، لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرا لي ".
ذلك رجل لا يريد غرضا من أغراض الدنيا، ومن ثم أفاء الله عليه نور البصيرة.
ومن ثم مرة أخرى أدرك ما تنطوي عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر فتحاشاها.
كما أدرك ما ينطوي عليه الصمت من وبال
وخطر، فتحاشاه أيضا، ورفع صوته لا سيفه بكلمة الحق ولهجة الصدق، لا أطماع تغريه.
ولا عواقب تثنيه.
لقد تفرّغ أبو ذر للمعارضة الأمينة وتبتّل.
وسيقضي عمره كله يحدّق في أخطاء الحكم وأخطاء المال، فالحكم والمال يملكان من الاغراء والفتنة ما يخافه أبو ذر على اخوانه الذين حملوا راية الاسلام مع رسولهم صلى الله عليه وسلم، والذين يجب أن يظلوا لها حاملين.
والحكم والمال أيضا، هما عصب الحياة للأمة والجماعات، فاذا اعتورهما الضلال تعرضت مصاير الناس للخطر الأكيد.
ولقد كان أبو ذر يتمنى لأصحاب الرسول ألا يلي أحد منهم امارة أو يجمع ثروة، وأن يظلوا كما كانوا روّاد للهدى، وعبّادا لله.
وقد كان يعرف ضراوة الدنيا وضراوة المال، وكان يدرك أن أبا بكر وعمر لن يتكررا.
ولطالما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من اغراء الامارة ويقول عنها: "
انها أمانة، وانها يوم القيامة خزي وندامة.
الا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها ".
ولقد بلغ الأمر بأبي ذر لى تجنّب اخوانه ان لم يكن مقاطعتهم، لأنهم ولوا الامارات، وصار لهم بطبيعة الحال ثراء وفرة.
لقيه أبو موسى الأشعري يوما، فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وهو يصيح من الفرح بلقائه: " مرحبا أبا ذر.
مرحبا بأخي " ولكن أبا ذر دفعه عنه وهو يقول: " لست بأخيك، انما كنت أخاك قبل أن تكون واليا وأميرا ".
كذلك لقيه أبو هريرة يوما واحتضنه مرحّبا، ولكن أبا ذر نحّاه عنه بيده وقال له: (اليك عني.
ألست الذي وليت الامارة، فتطاولت في البنيان، واتخذت لك ماشية وزرعا).
ومضى أبو هريرة يدافع عن نفسه ويبرئها من تلك الشائعات.
وقد يبدو أبو ذر مبالغا في موقفه من الجكم والثروة.
ولكن لأبي ذر منطقه الذي يشكله صدقه مع نفسه، ومع ايمانه، فأبو ذر يقف بأحلامه وأعماله.
بسلوكه ورؤاه، عند المستوى الذي خلفه لهم رسول الله وصاحباه.
أبو بكر وعمر.
واذا كان البعض يرى في ذلك المستوى مثالية لا يدرك شأوها، فان ابا ذر يراها قدوة ترسم طريق الحياة والعمل، ولا سيما لأولئك الرجال الذين عاصروا الرسول عليه السلام، وصلوا وراءه، وجاهدوا معه، وبايعوه على السمع والطاعة.
كما أنه يدرك بوعيه المضيء، ما للحكم وما للثروة من أثر حاسم في مصاير الناس، ومن ثم فان أي خلل يصيب أمانة الحكم، أو عدالة الثروة، يشكل خطرا يجب دحضه ومعارضته.
ولقد عاش أبو ذر ما استطاع حاملا لواء القدوة العظمى للرسول عليه السلام وصاحبيه، أمينا عليها، حارسا لها.
وكان أستاذ في فن التفوق على مغريات الامارة والثروة
عرضت عليه الامارة بالعراق فقال: " لا والله.
لن تميلوا عليّ بدنياكم أبدا ".
ورآه صاحبه يوما يلبس جلبابا قديما فسأله: أليس لك ثوب غير هذا.
؟! لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين.
؟ فأجابه أبو ذر: " يا بن أخي.
لقد أعطيتهما من هو أحوج اليهما مني ".
قال له: والله انك لمحتاج اليهما !!
فأجاب أب ذر: " اللهم غفر.
انك لمعظّم للدنيا، ألست ترى عليّ هذه
البردة.
ولي أخرى لصلاة الجمعة، ولي عنزة أحلبها، وأتان أركبها، فأي نعمة أفضل ما نحن فيه "
وجلس يوما يحدّث ويقول:"أوصاني خليلي
بسبع.
أمرني بحب المساكين والدنو منهم.وأمرني أن أنظر الى من هو دوني، ولاأنظر الى من هو فوقي.وأمرني ألا أسأل أحد شيئا.وأمرني أن أصل الرحم. وأمرني أن أقول الحق وان كان مرّا.وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم.وأمرني أن أكثر من: لا حول ولا قوة الا بالله].
ولقد عاش هذه الوصية، وصاغ حياته وفقها، حتى صار " ضميرا " بين قومه وأمته.
ويقول الامام علي رضي الله عنه: " لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ".عاش يناهض استغلال الحكم، واحتكار الثروة.عاش يدحض الخطأ، ويبني الصواب.
عاش متبتلا لمسؤولية النصح والتحذير.يمنعونه من الفتوى، فيزداد صوته بها ارتفاعا، ويقول لمانعيه: " والذي نفسي بيده، لو وضعتم السيف فوق عنقي، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتها ".
ويا ليت المسلمين استمعوا يومئذ لقوله ونصحه.
اذن لما ماتت في مهدها تلك الفتن التي تفقم فيما بعد أمرها واستفحل خطرها، وعرّضت تادواة والمجتمع والاسلام لأخطار، ما كان أقساها من أخطار.
والآن يعالج أبو ذر سكرات الموت في الربذة.
المكان الذي اختار الاقامة فيه اثر خلافه مع عثمان رضي الله عنه، فتعالوا بنا اليه نؤد للراحل العظيم تحية الوداع، ونبصر في حياته الباهرة مشهد الختام.
ان هذه السيدة السمراء الضامرة، الجالسة الى جواره تبكي، هي زوجته.
وانه ليسألها: فيم البكاء والموت حق.
؟ فتجيبه بأنها تبكي: " لأنك تموت وليس عندي ثوب يسعك كفنا " !
لا تبكي، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض، تشهده عصابة من المؤمنين
وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبق منهم غيري.
وهأنذا بالفلاة أموت، فراقبي الطريق،، فستطلع علينا عصابة من المؤمنين، فاني والله ما كذبت ولا كذبت ".
وفاضت روحه الى الله.
ولقد صدق.
فهذه القافلة التي تغذ السير في الصحراء، تؤلف جماعة من المؤمنين، وعلى رأسهم عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله.
وان ابن مسعود ليبصر المشهد قبل أن
يبلغه.
جسد ممتد يبدو كأنه جثمان ميّت، والى جواره سيدة وغلام يبكيان.
ويلوي زمام دابته والركب معه صوب المشهد، ولا يكاد يلقي نظرة على الجثمان، حتى تقع عيناه على وجه صاحبه وأخيه في الله والاسلام أبي ذر.
وتفيض عيناه بالدمع، ويقف على جثمانه الطاهر يقول: " صدق رسول الله.
نمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك " !
ويجلس ابن مسعود رضي الله عنه لصحبه تفسير تلك العبارة التي نعاه بها: " تمشي وحدك.وتموت حدك.وتبعث وحدك ".كان ذلك في غزوة تبوك.
سنة تسع من الهجرة، وقد أمر الرسول عليه السلام بالتهيؤ لملاقاة الروم، الذين شرعوا يكيدون للاسلام ويأتمرون به.وكانت الأيام التي دعى فيها الناس للجهاد أيام عسر وقيظ.
وكانت الشقة بعيدة.والعدو مخيفا.ولقد تقاعس عن الخروج نفر من المسلمين، تعللوا بشتى المعاذير.وخرج الرسول وصحبه.
وكلما أمعنوا في السير ازدادوا جهدا ومشقة، فجعل الرجل يتخلف، ويقولون يا رسول الله تخلف فلان، فيقول: " دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ".
وتلفت القوم ذات مرة، فلم يجدوا أبا ذر.وقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: لقد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره.وأعاد الرسول مقالته الأولى.
كان بعير أبي ذر قد ضعف تحت وطأة الجوع والظمأ والحر وتعثرت من الاعياء خطاه.
وحاول أبو ذر أن يدفعه للسير الحثيث بكل حيلة وجهد، ولكن الاعياء كان يلقي ثقله على البعير.
ورأى أبو ذر أنه بهذا سيتخلف عن المسلمين وينقطع دونهم الأثر، فنزل من فوق ظهر البعير، وأخذ متاعه وحمله على ظهره ومضى ماشيا على قدميه، مهرولا، وسط صحراء ملتهبة، كما يدرك رسوله عليه السلام وصحبه.
وفي الغداة، وقد وضع المسلمون رحالهم ليستريحوا، بصر أحدهم فرأى سحابة من النقع والغبار تخفي وراءها شبح رجل يغذ السير.وقال الذي رأى: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق وحده.وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (كن أبا ذر).
وعادوا لما كانوا فيه من حديث، ريثما يقطع القادم المسافة التي تفصله عنهم، وعندها يعرفون من هو.وأخذ المسافر الجليل يقترب منهم رويدا.يقتلع خطاه من الرمل المتلظي اقتلاعا، وحمله فوق ظهره بتؤدة.ولكنه مغتبط فرحان لأنه أردك القافلة المباركة، ولم يتخلف عن رسول الله واخوانه المجاهدين.وحين بلغ أول القافلة، صاح صائهحم: يار سول الله: انه والله أبا ذر.
وسار أبو ذر صوب الرسول.
ولم يكد صلى الله عليه وسلم يراه حتى تألقت على وجهه ابتسامة حانية واسية، وقال: [يرحم الله أبا ذر.يمشي وحده.ويموت وحده.ويبعث وحده.
وبعد مضي عشرين عاما على هذا اليوم أو تزيد، مات أبو ذر وحيدا، في فلاة الربذة.
بعد أن سار حياته كلها وحيدا على طريق لم يتألق فوقه سواه.
ولقد بعث في التاريخ وحيدا في عظمة زهده، وبطولة صموده.
ولسوف يبعث عند الله وحيدا كذلك؛ لأن زحام فضائله المتعددة، لن يترك بجانبه مكانا لأحد سواه.
أهمية
المعارضة
المعارضة هي صوت الشعب وحق مشروع في كل دول العالم المتحضر وهي عبارة عن الدولة العميقة أو الدولة التحتية وتتشكل من عدة أحزاب تسمى (المعارضة)
أهداف الأحزاب المعارضة
تهدف تلك الأحزاب إلى تلبية جمهورها
إلى ما تقاعص عليه الحزب الحاكم بظروف إقتصادية أو دولية وهي بصورة أو بأخرى تعتبر
تنفيس لكتلة من الشعب وإظهار الضغط الشعبي على الحكومة فيما إذا كانت خاضعة لضغط
معين من دول أخرى
كثيرا ما سمعنا باليمين المتطرف وهو
عادة ما يكون عنصري يستهوي فئة من الشعب ومع هذا تجده مهما للتنفس عن تلك الفئة
وبالتالي تشكل الأحزاب درعا لحماية
الدولة من فوضى أو إقتتال بين فئات الشعب بفوضى مصغرة عادة ما تحصل في البرلمانات
مما يؤدي إلى قيام مظاهرات سلمية تلبية لأي حزب تحت إشراف الدولة وحمايتها
هذا دستور غربي وضعي اتفقوا عليه
لحماية بلدانهم
ومن هنا أقول إما نكون دولة إسلامية تحتكم بالقرآن والسنة النبوية الشريفة بما فيها من عدل و مساواة بين عموم الأديان والطوائف و الأعراق تصديقا لقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين أو يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) صدق الله العظيم
المعارضة: نبض الديمقراطية وضمان
استقرار الدولة
يطرح الأستاذ خالد الخالد في منشوره
مسألة جوهرية تتعلق بأهمية المعارضة في الحياة السياسية، باعتبارها صوت الشعب
وحقًا مشروعًا في الأنظمة المتحضرة. وفي هذا الطرح، تتجلى رؤية متوازنة بين دور
المعارضة كأداة إصلاحية وآلية توازن بين السلطة والشعب، وبين التساؤل حول النموذج
الأمثل للحكم بين التجربة الغربية والدولة الإسلامية.
تأمل في مفهوم المعارضة
المعارضة ليست مجرد اختلاف سياسي أو
صراع على السلطة، بل هي صمام أمان للحفاظ على استقرار الدولة ومنعها من الانزلاق
إلى الاستبداد. إنها تجسد فكرة "التوازن الضروري" داخل أي نظام حكم، حيث
تلعب دورًا رئيسيًا في كشف مواطن القصور في أداء الحكومة، والدفاع عن حقوق الفئات
التي قد لا تجد صوتها في السلطة التنفيذية.
إن تشبيه المعارضة بالدولة العميقة أو
التحتية يشير إلى أن لها جذورًا تمتد داخل النسيج المجتمعي، فهي ليست كيانًا
طارئًا أو هامشيًا، بل ضرورة حتمية لضمان عدم انفراد أي طرف بالقرار. ومن هنا،
تتجلى أهمية أن تكون المعارضة منظمة وواعية لا تهدف فقط إلى مناهضة الحزب الحاكم،
بل إلى تقديم البدائل والضغط من أجل تحسين السياسات العامة.
قراءة في وظائف المعارضة السياسية
وفقًا للمنشور، فإن للأحزاب المعارضة
دورًا أساسيًا في تأمين الاستقرار الاجتماعي، حيث تعمل كوسيلة تنفيس عن الاحتقانات
الشعبية بدلًا من أن تنفجر في شكل اضطرابات وفوضى. هذه الوظيفة تتجلى بوضوح في
البرلمانات، حيث تتحول الخلافات السياسية إلى نقاشات حادة، لكنها تظل في إطار
مؤسساتي يحفظ للدولة تماسكها.
لكن الإشكالية التي تطرح نفسها هنا: هل
كل معارضة تؤدي إلى الاستقرار؟ أم أن هناك أنواعًا من المعارضة قد تسهم في تفتيت
الدولة بدلًا من حمايتها؟ هنا يأتي التمييز بين المعارضة الوطنية التي تعمل في
إطار الدستور والقوانين، وبين المعارضة الفوضوية أو المتطرفة التي قد تستغل
الديمقراطية لهدم أسس الدولة نفسها.
بين النموذج الغربي والإسلامي: أيهما
أقرب إلى العدالة؟
يختتم المنشور بطرح تساؤل جوهري: هل
علينا تبني النظام الديمقراطي الغربي القائم على التعددية والمعارضة المنظمة؟ أم
ينبغي علينا العودة إلى النموذج الإسلامي المستند إلى القرآن والسنة، بما يتضمنه
من قيم العدل والمساواة؟
من المهم هنا أن نلاحظ أن مفهوم
المعارضة ليس غريبًا عن الفكر الإسلامي، فالتاريخ الإسلامي شهد العديد من نماذج
النقد السياسي البناء، سواء من العلماء أو من الحركات الإصلاحية التي سعت إلى
تصحيح مسار الحكام. ومن هذا المنطلق، فإن الدمج بين القيم الإسلامية وآليات العمل
السياسي الحديث قد يكون الحل الأمثل، حيث يتم تبني مبادئ العدالة والشورى، مع
الاستفادة من أدوات التنظيم السياسي المعاصرة.
انطباع شخصي
هذا الطرح يفتح أبوابًا واسعة للنقاش،
فهو لا يقتصر على تأكيد أهمية المعارضة، بل يثير تساؤلات حول طبيعة النظام السياسي
الأمثل. ربما التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق معادلة تضمن حرية التعبير والمحاسبة
دون أن تتحول المعارضة إلى معول هدم، ودون أن تنجرف السلطة إلى الاستبداد.
ختامًا، المعارضة ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لضمان استقامة الحكم. وما بين التجربة الغربية والرؤية الإسلامية، يمكن أن نجد مسارًا ثالثًا يمزج بين أصالة القيم وعدالة التطبيق، لنصل إلى نموذج حكم أكثر توازنًا وعدلًا.
من الملاحظ ان أحزاب المعارضة في الدول
الغربية هي إستعابية لمطالب شعبية على مختلف التوجهات الفكرية والجميع يسعى إلى
مصلحة الوطن والمواطن بعيدا عن مطامع فردية أو مناصب
بينما للأسف في بلداننا العربية أحزاب
المعارضة هدفها إستغلال مطالب الشعب واضعة نصب أعينها أعلى هرم بالسلطة في حال
وصولها تمكن لنفسها الدكتاتورية
ومن هنا علينا أن نميز بين المعارضة البنائة والهدامة
المعارضة توازن ضروري في أي نظام سياسي، تمنع الاحتقان وتحمي الدولة من الفوضى. أما الحكم بالعدل والمساواة، فهو الأساس، سواء كان بنظام وضعي أو وفق الشريعة، والتحدي في التطبيق.