recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الإحسان في الإسلام

 الإحسان في الإسلام



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فياجماعة الإشلام 

الإحسان في الإسلام هو أعلى مراتب الدين. وقد عرّفه النبي محمد في حديث جبريل المشهور بقوله:"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

 وهو يعني إتقان العبادة وحسن المعاملة مع الخلق وبذل النفع لهم.

المعنى اللغوي والاصطلاحي في اللغّة: ضد الإساءة، ويعني فعل الخير وإتقانه وإجادة الأفعال الحسنة.

في الاصطلاح: يقصد به استحضار عظَمة الله ومراقبته في السر والعلن، مما يدفع المسلم لأداء الطاعات والعمل بأفضل صورة ممكنة.

مراتب الإحسان 

مرتبة المشاهدة: أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، وهي مرتبة القلوب المليئة بالشوق والمحبة.

مرتبة المراقبة: أن يعبد العبد ربه كأن لم يكن يراه فإنه يراك، وهي مرتبة الخوف والخشية من علم الله المطلق.

صور الإحسان

الإحسان في عبادة الله: أداء الصلوات والفرائض بخشوع وإتقان ودون تقصير.

الإحسان إلى الخلق: بر الوالدين، الإحسان إلى الجيران، النفقة على الفقراء والمحتاجين، وكف الأذى عن الناس.

الإحسان في العمل: إتقان الصرف المهني أو الوظيفي وأداؤه بأمانة تامة كما ورد في الحديث:"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".

ضد الإحسان الإساءة

عباد الله:"حين ينشغل الإنسان بإيذاء الآخرين، فهو في الحقيقة يستهلك طاقته ووقت عمره في هدْم نفسه أولاً. 

إن الإساءة للناس لا تضرهم بقدر ما تُثقل كاهل المسيء بالضغينة وتبعده عن السلام الداخلي.

لماذا تضر الإساءة النفس؟

استنزاف الطاقة: يضيع المسيء وقته الثمين في التفكير في الأذية بدلاً من تطوير ذاته.

غياب السلام: يعيش القلب في صراع دائم وقلق مستمر.

خسارة الاحترام: يفقد الإنسان قيمته الحقيقية بين الناس.

كيف تحسن إلى نفسك؟

توقف عن الأذية: اترك التدخل في شؤون الآخرين والإساءة إليهم.

ابدأ بالتأمل: استغل وقتك في محاسبة النفس وتقويم أخلاقك.

انشر الخير: اجعل كلماتك وأفعالك مصدراً للسلام والراحة لمن حولك.

مقام الإحسان

وعلامة تبوء العبد لمقام الإحسان هي: الاستقامة على طاعة الله ظاهرا وباطنا، في معاملة خلقه، وفي خاصة نفسه، فتجده يتقن عبادة الله تعالى، ويأنس بذكره، ويؤدي شكر نعمه، وتجده مع الخلق باذلاً للندى، كافَّاً للأذى، مؤديا للنصيحة، تاركا لما لا يعنيه. فهذا إجمال علامات الإحسان!

قال الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم): قال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي، فرأيته كأنه منقبض، فقلت: كأنك تكره أن تؤتى؟ قال أجل، فقلت: أوما تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.

 وقيل لمالك بن مغول وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ فقال: ويستوحش مع الله أحد؟! وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقر عينه بك فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك فلا أنس ... 

وعن إبراهيم بن أدهم، قال: أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك، وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ترجو إلا ربك، ولا تخاف إلا ذنبك، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئا، فإذا كنت كذلك لم تبال في بر كنت أو في بحر، أو في سهل أو في جبل، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد، وشوق الجائع إلى الطعام الطيب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل، وأحلى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف. اهـ.

وقال أيضا: إذا حسن الإسلام، اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه، وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإن الله يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنه يتولد من هذين المقامين الاستحياء من الله، وترك كل ما يستحيا منه. اهـ.

كيف يصل الإنسان الي مرتبة الإحسان؟

عباد الله:" وأما كيفية الوصول إلى مرتبة الإحسان فتتلخص في قول النبي صلى الله عليه وسلم: الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء"(أحمد والترمذي).

وفي الحديث القدسي: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"(البخاري).

قال الحافظ ابن رجب: المراد بهذا الكلام: أن من اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض، ثم بالنوافل، قربه إليه، ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته، وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق إليه، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة ... ولا يزال هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يقوى حتى تمتلئ قلوبهم به، فلا يبقى في قلوبهم غيره، ولا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلا بموافقة ما في قلوبهم، ومن كان حاله هذا، قيل فيه: ما بقي في قلبه إلا الله، والمراد معرفته ومحبته وذكره ... فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به، فهذا هو المراد بقوله: «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. اهـ. 

 أنواع الإحسان 

عباد الله:" الله عز وجل قد كتب الإحسان على كل شيء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه مسلم في صحيحه. فليس الإحسان في معاملة الله تعالى وحده، بل وفي معاملة خلقه كذلك. وليست أصنافه على مرتبة واحدة، بل منه الواجب، ومنه المستحب، وكل بحسبه. قال العلامة السعدي في (بهجة قلوب الأبرار):

 الإحسان نوعان:

نوع في عبادة الله، ونوع في القيام بحقوق خلقه.

إحسان في عبادة الخالق، بأن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه. وهو الجد في القيام بحقوق الله على وجه النصح والتكميل لها. 

كما أن للإحسان في عبادة الله منزلة سامية تكمن في عبادة الشوق والطلب. وهي تتحقق حينما يصير الإنسان مشتاقاً إلى عبادة ربه حريصاً على أدائها لما يحصل له فيها من لذة بمناجاة الله والأنس به. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" ومن بينهم: "رجل قلبه معلق بالمساجد"[11]، أي رجل دائمُ الشوق إلى المساجد لإقامة الصلاة والتعبد فيها. لقد ضرب لنا صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في طلب العبادة والحرص على إحسانها، فكان أنس بن مالك - رضي الله عنه - من شدة حرصه على إحسان صلاته يعدُّ أشبه الناس صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما من فرط طول صلاته وإحسانه لأدائها كغصن الشجرة الهامد تقف عليه الطير، وكان أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - يجيد تلاوة القرآن حق الإجادة حتى قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذات مرة: "لقد أوتيت مزماراً من مزامير آلِ دَاوُد "[12].

وإحسان في حقوق الخلق.

وأصل الإحسان الواجب: أن تقوم بحقوقهم الواجبة، كالقيام ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات، بإعطاء جميع ما عليك من الحقوق، كما أنك تأخذ مالك وافيا، قال تعالى:"واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم} [النساء: 36] فأمر بالإحسان إلى جميع هؤلاء. 

ويدخل في ذلك الإحسان إلى جميع نوع الإنسان، والإحسان إلى البهائم، حتى في الحالة التي تزهق فيها نفوسها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة". فمن استحق القتل لموجب قتل يضرب عنقه بالسيف، من دون تغرير ولا تمثيل ... 

 فيتحقق في عبادة الله خوفاً منه وهرباً إليه، ولا يتأتى ذلك إلاَّ باجتناب ما نهى الله عنه والإقبال على طاعته؛ قال تعالى:"وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ﴾[9]. وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من أكثر الصحابة خشية لله، فقد كان تحت عينيه خطّان أسودان من كثرة بكائه خشية من الله ورجاءً لرحمته، وثبت أن ميمون بن مهران أتى الحسن البصري فقال له: ذكِّرنا بالله فقرأ عليه الحسن قوله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ *ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ  مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾[10] فأغمي على ميمون من خشية الله.

وأما الإحسان في القيام بحقوق الخلق فيتحقق في بر الوالدين وصلة الرحم وإكرام الضيف ومساعدة الفقير وفي غير ذلك مما يلزم مراعاته من حقوق المخلوقات. لقد أخبر نبينا - صلى الله عليه وسلم - أن الله سبحانه وتعالى "كتب الإحسان على كل شيء"[13] أي أنه أوجب الإحسان في كل شيء. لذلك دعانا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى مراعاته حتى في ذبح البهائم والقتل فقال "فإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة وإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، ولْيُحِد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"[14].

إن من التزم الإحسان أحبه الله تعالى ووعده بالجنة والنظر إلى وجهه الكريم؛ حيث قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾[15] وقال أيضا: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾[16]. وتعني هنا "الحسنى" الجنة. أما "الزِّيادة" فتعني النّظر إلى وجهِ الله الكريم في الآخرة.

إن لإحسان العبادة مراتب عُلَى تَعرّف عليها سلفنا الصالح فتبوؤوا لأنفسهم منها منزلاً ودلُّوا الخلَف على ما يوصل إليها. فها هو ذا إبراهيم بن أدهم يقول: "أعلى الدَّرجات أنْ تنقطعَ إلى ربِّك، وتستأنِسَ إليه بقلبِك، وعقلك، وجميع جوارحك حتى لا ترجُو إلاَّ ربَّك، ولا تخاف إلاَّ ذنبكَ، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تُؤْثِرَ عليها شيئاً، فإذا كنت كذلك لم تُبالِ في بَرٍّ كنت، أو في بحرٍ، أو في سَهْلٍ، أو في جبلٍ، وكان شوقُك إلى لقاء الحبيب شوقَ الظمآن إلى الماء البارد، وشوقَ الجائعِ إلى الطَّعام الطيب، ويكونُ ذكر الله عندكَ أحلى مِنَ العسل، وأحلى من المَاء العذبِ الصَّافي عند العطشان في اليوم الصَّائف." [17]


الإحسان في الإسلام قيمة من أهمّ القيم، وفي الدين هي قمّة الهرم، تُعدّ من القربات إلى الله، وبين الناس تغلق أبواب العداوات، طريق للسعادة ومجمع للحسنات، صفة إلهيّة ومطلوبة من البشريّة، ذكرها الله تعالى في كثير من الآيات الكريمة، قال تعالى: { وأحسنوا إنّ الله يحبّ المحسنين } [ البقرة:195 ].

وكذلك أطنب بذكرها الشعراء، قال إيليا أبو ماضي:

كن بلسماً إن صار دهرك أرقما – وحلاوةً إن صار غيرك علقما – أحسن وإن لم تُجز حتى بالثنا – أي الجزاء الغيث يبغي إن همى؟ – منذا يكافئ زهرةً فوّاحةً – أو من يثيب البلبل المترنّما؟

إذاً، الإحسان من القيم الإنسانيّة العليا التي تعزّز مكارم الأخلاق والحس الروحاني السامي في حياة الإنسان، ويُعدّ ركيزةً أساسيّةً في الدين الإسلامي يتجلّى في عبادة المسلم وتعامله مع الآخرين. 

والكلمة تحمل في طيّاتها معاني العطاء والتفاني في تقديم الأفضل إلى الله وإلى الآخرين وإلى النفس.

 


  

google-playkhamsatmostaqltradent