نبي الرحمة
مظاهر رحمته ﷺ .
الراحمون يرحمهم الرحمن .
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد
على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له ، الرحيم الرحمن.
. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الرحمة المهداة،
يا من له الأخلاق ما تهوى العلا **
منها ومايتعشق الكبراء
زانتك في الخلق العظيم شمائل **
يغرى بهن ويولع الكرماء
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى **
وفعلت ما لا تفعل الأنواء
وإذا عفوت فقادرا ومقدرا **
لا يستهين بعفوك الجهلاء
وإذا رحمت فأنت أم أو أب **
هذان في الدنيا هما الرحماء
وإذا خطبت فللمنابر هزة **
تعرو الندى وللقلوب بكاء
وإذا أخذت العهد أو أعطيته **
فجميع عهدك ذمة ووفاء
يامن له عز الشفاعة وحده **
وهو المنزه ماله شفعاء
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين
أما بعد
......
يقول الله تعالى في محكم آياته : {وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال الله تعالى
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]
وفي المستدرك للحاكم وسنن الدارمي (عَنْ
أَبِى صَالِحٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُنَادِيهِمْ : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ»
وروى مسلم في صحيحه (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ « إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ
رَحْمَةً
».
لقد بعث الله تعالى نبيه محمدًا -ﷺ - ؛ ليكون رحمة للعالمين، رجالًا ونساءً،
صغارًا وكبارًا، عربا وعجما ، وتجلَّت هذه الرحمة في مواقف النبي -ﷺ - طوال حياته ، فكانت الرحمة صفة ملازمة
له، فهي عنوانه، وهي سمته التي عرف بها -ﷺ .
قال ابن عباس: رسول الله بعث رحمة للبار
والفاجر، فمن آمن بالنبى -ﷺ - تمت له الرحمة فى الدنيا والآخرة مصداقا
لقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ
اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (سورة الأنفال : 33)
وهبه الله قلباً رحيماً ، يرقّ للضعيف ،
ويحنّ على المسكين ، ويعطف على الخلق أجمعين ، حتى صارت الرحمة له سجيّة ، فشملت الصغير
والكبير ، والقريب والبعيد ، والمؤمن والكافر ، فنال بذلك رحمة الله تعالى .
فكان -ﷺ- رحيماً بالأطفال ويرقّ لهم ، ويعطف عليهم حتى كان كالوالد
لهم ، يقبّلهم ويضمّهم ، ويلاعبهم ويحنّكهم بالتمر ،كما فعل بعبدالله بن الزبير عند
ولادته
.
وروى البخاري ، عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ جَاءَ
أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا
نُقَبِّلُهُمْ . فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- « أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ
مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ
»
روى البخاري أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ – رضى
الله عنه – قَالَ قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ
-ﷺ-الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ
بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا . فَقَالَ الأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ
الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا . فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ– ثُمَّ قَالَ « مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ
يُرْحَمُ
»
وكان إذا دخل في الصلاة فسمع بكاء الصبيّ
، أسرع في أدائها وخفّفها ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ
عَنْ أَبِيهِ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
-ﷺ- « إِنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاَةِ وَأَنَا
أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ ، فَأَتَجَوَّزُ فِي
صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ » رواه البخاري ،
وكان -ﷺ - إذا خرج من المسجد فقابله الصبيان يسلم
عليهم، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ --ﷺ - صَلاَةَ الأُولَى ثُمَّ خَرَجَ إِلَى
أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّىْ أَحَدِهِمْ
وَاحِدًا وَاحِدًا – قَالَ – وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّى – قَالَ – فَوَجَدْتُ
لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ).صحيح
مسلم
- بل إن رحمته بالأطفال لم تفارقه حتى وهو
في عبادته، صلَّى مرة بأصحابه وهو حاملٌ أمامةَ بنت زينب، فإذا قام حملها، وإذا سجد
وضعها.
- صلى بأصحابه يومًا، فلما سجد، جاء الحسن
أو الحسين فامتطى ظهره، فأطال السجود جدًّا، حتى إن أحد الصحابة رفع رأسه من السجود؛
قلقًا على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما قضى النبي -ﷺ - صلاته، سأله الناس عن هذه السجدة الطويلة،
فقال: "إن ابني هذا ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته".
شملت رحمته -ﷺ -البهائم التي لا تعقل ، دَخَلَ رسول الله -ﷺ- ، حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ
فَإِذَا فِيهِ نَاضِحٌ لَهُ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ-ﷺ-
حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ وَسَرَاتَهُ فَسَكَنَ
فَقَالَ « مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ ». فَجَاءَ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ
أَنَا. فَقَالَ « أَلاَ تَتَّقِى اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ
اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَاكَ إِلَىَّ وَزَعَمَ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ
» . رواه أحمد وأبو داوود
.
و روي أبو داود في سننه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا
حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ
تَفْرُشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ « مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا
رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا
».
💚☘️💚☘️
(٢)- إخوة الإيمان: لقد تعددت مظاهر رحمته -ﷺ .
منها :رحمته -ﷺ - بأمته : ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- تَلاَ قَوْلَ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ فِى إِبْرَاهِيمَ ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّى ﴾الآيَةَ. وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ « اللَّهُمَّ أُمَّتِى أُمَّتِي
». وَبَكَى ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ – عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
وَالسَّلاَمُ – فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ - بِمَا قَالَ. وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقَالَ
اللَّهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ
وَلاَ نَسُوءُكَ
).
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ --ﷺ - : « لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ
فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِى
لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا » رواه مسلم.
- ومن مظاهر رحمته -ﷺ .أنه كان يدع الأمر وهو يحبه خشية أن يفرض
على أمته فيشق عليهم ، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "إن كان رسول صلى الله عليه وسلم لَيَدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل
به فيُفرَض عليهم"، رواه البخاري في صحيحه.
وكثيرًا ما يقول كلمة: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ
عَلَى أُمَّتِي»، دلالة على أنه يحب الأمر، ولكنه يخشى الفتنة على الأمة...
ومن ذلك قوله: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ
بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» ، و قوله: « لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي
لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ وَلأَخَّرْتُ صَلاةَ الْعِشَاءِ إِلَى
ثُلُثِ اللَّيْلِ»
فكان يحب تأخير العشاء عن أول وقتها لكن يدع ذلك كثيراً لئلا يشق على
أمته.
- ومن مظاهر رحمته -ﷺ ، عفوه عمن ظلمه وٱذاه ودعاءه لهم بالهداية
، روى البخاري ومسلم أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ -: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ
مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ : "لقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ ، وَكَانَ
أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ
عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ
وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي ، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ
، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا
فِيهَا جِبْرِيلُ ، فَنَادَانِي فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ
لَكَ ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ
بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ
: يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَأَنَا مَلَكُ
الْجِبَالِ ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ؛ فَمَا
شِئْتَ ؛ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ
أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا " .
في سنن الترمذي عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالُوا
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. قَالَ
« اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا
» ،
وفي الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى
الله عنه – قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى رَسُولِ اللَّهِ-ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا
قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا . فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو
عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ « اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ » ،
ولما طلب الصحابة منه -ﷺ - أن يدعو على كفار مكة في معركة أحد،
ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى
الْمُشْرِكِينَ قَالَ « إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ».
-
رحمته -ﷺ - شمِلتْ حتى العُصَاةَ والمقصرين ومَن
وقعوا في الكبائر، كان يعالج أخطاء المذنبين بألين كلمة، وأرأف عبارة، ويسديهم من النصائح ملؤها الرحمةُ والشفقة، يغضُّ الطرف عن زلاَّت المخطئين
وهفواتهم، حريصً على الستر عليهم. ففي مسند أحمد عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ
عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ - فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ
فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي.
فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ --ﷺ - « ارْجِعِي ». فَلَمّا أن كان مِنَ الْغَدِ
أَتَتْهُ أَيْضاً فَاعْتَرَفَتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ
إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ
-ﷺ - « ارْجِعِي ». فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ
الْغَدِ أَتَتْهُ أَيْضاً فَاعْتَرَفَتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ
اللَّهِ طَهِّرْنِي فَلَعَلَّكَ أَنْ تَرْدُدَنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ
فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ --ﷺ - « ارْجِعِي حَتَّى تَلِدِى ». فَلَمَّا
وَلَدَتْ جَاءَتْ بِالصَّبِىِّ تَحْمِلُهُ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا قَدْ
وَلَدْتُ. قَالَ « فَاذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ ». فَلَمَّا فَطَمَتْهُ
جَاءَتْ بِالصَّبِىِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ قَالَتْ يَا نَبِىَّ اللَّهِ هَذَا
قَدْ فَطَمْتُهُ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ - بِالصَّبِىِّ فَدَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا حُفْرَةٌ فَجُعِلَتْ فِيهَا إِلَى
صَدْرِهَا ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرْجُمُوهَا فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ
بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَنَضَحَ الدَّمُ عَلَى وَجْنَةِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا فَسَمِعَ
النَّبِيُّ --ﷺ - سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ « مَهْلاً
يَا خَالِدُ بْنَ الْوَلِيدِ لاَ تَسُبَّهَا فَوَ الَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ
تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ ». فَأَمَرَ بِهَا فَصَلَّى
عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ.
ويأتي إليه ماعز بن مالك الأسلمي، فيعترف
له بالزنا، فيقول له: "لعلك قبَّلتَ، أو غمزت، أو نظرت" .
وقال لأصحابه يومًا: "اجتنبوا هذه
القاذورات التي نهى الله عنها، فمَن ألمَّ بشيء منها، فليستتر بستر الله، وليتبْ إلى
الله -تعالى-، فإنه مَن يُبدِ لنا صفحته نُقِم عليه كتاب الله تعالى" رواه الإمام
مالك في موطئه، وصححه الحاكم.
أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ
العظيم لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِيْنَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ
إِنَّه هُو الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.
الخطبة الثانية
الحمد لله عَلَى إحسانِه، والشّكرُ لَه
على توفِيقِه وامتنانِه ،
وأشهد أن لاَ إلهَ إلاّ الله وحدَه لا شريكَ
له ، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمّدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم
بإحسان وسلم تسليما كثيرا
.
أما بعد:
* فإن من مقاصد الإحتفال بولده ومدارس سيرته
-ﷺ-
الاقتداءُ به قال الله تعالى : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ
اللَّهَ كَثِيرً}.
فاقدوا به -ﷺ- وتخلقوا بأخلاقه وتراحما فيما بينكم
. فتلجزاء من جنس العمل و الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ
ففي سنن الترمذي بسند صحيح ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- « الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ
ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ
مِنَ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ »
قال الطيبي رحمه الله: "أتى بصيغة
العموم ليشمل جميع أصناف الخلق؛ فيرحم البَرَّ والفاجر، والناطق والبهم، والوحوش والطير".
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-
: " لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم)، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال:
(ليس رحمةُ أحدِكم نفسَه وأهلَ بيته، حتى يرحم الناسَ)؛ شُعَب الإيمان.
وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي
-ﷺ- أنه قال: " لن تؤمنوا حتى تراحَموا
"، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: " إنه ليس برحمة أحدِكم صاحبَه،
ولكنها رحمة العامَّة " رواه الطبراني،
ورجاله ثِقات.
يقول -ﷺ-
فيما يرويه عنه أنس رضي الله عنه:
" والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم. قالوا: كلنا يرحم.
قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة " .
- الرحمة بالوالدين: فهما السبب في وجودك
بعدَ اللهِ تعالى، ترحمهما رحمةً صادقة، تتذكَّر أفعالَهما الجميلة، وسيرتهما الفاضلة،
وتِلكم الليالي والأيام التي أمضَيَاها في الإحسان إليكَ وتربيتِك وتهذيبِك، والإنفاقِ
عليك، فترحمهما عند ضعف القوة، وقلة النشاط، والعجز عن الحركة، وتُحسن إليهما بالكلامِ
الطيب، والرِّفقِ في المعاملة، والقيامِ بالواجب، ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا
تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ
مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء:
23، 24].
- والرحمة بالأولاد - ذكوراً وإناثاً: فتُحْسِنْ
إليهم، وتعطف عليهم، وتُعامِلُهم بالحُسنى، وتُبَصِّرُهم طُرُقَ الهُدى، وتُحذِّرُهم
من سُبُلِ الرَّدَى، فتلك التربية النافعة التي تجد نفعَها في حياتك وبعد موتك.
- الرحمةُ بالزوجةِ، بإظهارِ الحبِّ لهَا،
والإحسانِ إليها، والدعاءِ الطيِّبِ لها، وحسنُ العشرةِ ومعاملتِها بالمودةِ والعطفِ
والرفقِ والحلمِ، يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ،
وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي» صحيح – رواه الترمذي.
وكذلكَ الزوجةُ عليهَا أَنْ ترحمَ زوجَها
بحسنِ طاعتِه وعشرتِه، فلا تُؤذِيه، ولا تُحمِّله ما لا يُطيقُ، بل تكونُ نعمَ المعينُ
له في كلِّ خيرٍ.
عبادَ اللهِ:
إنَّ بيوتنا لابد أن تسودَها الرحمةُ، ويملؤها
الرفقُ، لنهنأَ بها؛ ونسعدَ فيها، وما أجملَ حديثَ نبينا صلى الله عليه وسلم الذي قال
فيه: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ
الرِّفْقَ» [السلسلة الصحيحة: 1219]
ليرحم بعضنا بعضًا حتى يصدق فينا قول النبي
-ﷺ- في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن
النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي -ﷺ- أنه قال: " مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم
وتراحُمهم وتعاطُفهم، مثلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تَداعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ
والحُمَّى
".
- اللهم إملأ قلوبنا بالرحمة وأعنا علي ذكرك
وشكرك وحسن عبادتك ،
اللهم يا رحمنَ الدنيا والآخرة ورحيمَهما
ارحمنا رحمة تُغنينا بها عن رحمة مَن سواك، وارحمنا بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتنا،
وارزقنا حُسن العمل فيما يُرضيك عنَّا، اللهم أكرمنا بذكرك آناء الليل والنهار، ومُنَّ
علينا بالتوبة والإنابة والخشية، وتجاوز عن تقصيرنا وسيئاتنا، واجعلنا مِن المرحومين
في الدنيا والآخرة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين ،اللهم صل وسلم وبارك على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ٱمين يارب العالمين