فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
فمنها أنه خليل الرحمن
ومن فضائله أنه شهيد وبشير
ومن فضائله أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم،
ومن فضائله صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد بني آدم،
نداء الله للرسول صلى الله عليه وسلم بأحب أسمائه
ومن فضائله صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد بني آدم،
قسم الله بحياة النبي صلى الله عليه وسلم
بقاء معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة
حبيب الله ولافخر
أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم بفضائل جمّة ، وصفات عدة، فأحسن خلْقَه وأتم خُلقه، حتى وصفه تعالى بقوله:"وإنك لعلى خلق عظيم " (القلم:4)، ومنحه جل وعلا فضائل عديدة، وخصائص كثيرة، تميز بها صلى الله عليه وسلم عن غيره، فضلاً عن مكانة النبوة التي هي أشرف المراتب، ونتناول في الأسطر التالية شيئاً من فضائله صلى الله عليه وسلم:
فمنها أنه خليل الرحمن
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله، ولو كنت متخذاً خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلا، إن صاحبكم خليل الله"(مسلم).
وهذه الفضيلة لم تثبت لأحد غير نبينا وإبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام.
ومن فضائله أنه شهيد وبشير،
فعن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً، فصلى على أهل أُحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: " إني فرط لكم - أي سابقكم - ، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها"(متفق عليه).
ومن فضائله أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم،
قال تعالى: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } (الأحزاب:6).
قال الشوكاني في تفسيره "فتح القدير" : "فإذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لشيء، ودعتهم أنفسهم إلى غيره، وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه، ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه ، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم، ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم، وتطلبه خواطرهم".
ومن فضائله صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد بني آدم،
فقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، وقال أنا سيد القوم يوم القيامة"(متفق عليه).
وهو صلى الله عليه وسلم أمان لأمته، حيث جاء في الحديث الصحيح ( النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) رواه مسلم .
ومن فضائله صلى الله عليه وسلم أنه أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يشفع ، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع"(مسلم)،
وهو صاحب المقام المحمود ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ( إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا - أي جالسين على ركبهم -، كل أمة تتبع نبيها، يقولون يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود"(البخاري) .
صلاة الله على الرسول صلى الله عليه وسلم
أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم عن منزلته صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى عند رب العالمين وعند الملائكة المقربين، فقال سبحانه:"إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ"(الأحزاب:56).
وأمر أهل الأرض من المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، ليجتمع له الثناء من أهل السماء وأهل الأرض فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].
وصلاةُ الله رحمته له صلى الله عليه وسلم، وصلاة الملائكة طلب الرحمة وإعلاء الدرجة له صلى الله عليه وسلم .
نداء الله للرسول صلى الله عليه وسلم بأحب
أسمائه
من المعلوم أن الله سبحانه قد نادى على الأنبياء بأسمائهم الأعلام
فنادى آدم، فقال جلَّ وعلا: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [الأعراف:19].
ونادى نوحًا، فقال: (يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا ) [هود:48]
ونادى إبراهيم، فقال: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) [الصافات:105،104]
ونادى يحيى، فقال: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) [مريم:12].
ونادى موسى، فقال: (يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي) [الأعراف:144]
ونادى عيسى، فقال: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ) [المائدة:116]
وما خاطب الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلا بقوله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ )، أو بقوله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ)، أو بقوله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ)، أو بقوله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ).
ونداؤه صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة من شرف الخطاب، حتى إن الله تعالى جمع في الذِّكر بين خليله إبراهيم وخليله محمد صلى الله عليه وسلم
فذكر خليله إبراهيم باسمه وخليله محمدًا صلى الله عليه وسلم بكنية النبوة فقال جل وعلا: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران:68].
قسم الله بحياة النبي صلى الله عليه وسلم
معلوم أن القسم بحياة إنسان دليل على علو وشرف منزلة المُقسَم بحياته عند المُقسِم، ومن شرفه وفضله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أقسم بحياته صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز، فقال: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الحجر:72].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما خلقَ الله وما برأَ وما ذرأَ نفسًا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعتُ الله أقسم بحياة أحد غيره قال تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الحجر:72] [تفسير الطبري].
بقاء معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إلى
يوم القيامة
ومن دلائل فضله صلى الله عليه وسلم أن معجزة كل نبي قد انقضت بانقضاء الزمن الذي وقعت فيه، أما معجزته الأساسية صلى الله عليه وسلم -وهي القرآن- فباقية إلى يوم القيامة.
وعن ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم :"مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ؛ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ"(متفق عليه).
ولم يتوقف العطاء الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم عند بقاء معجزته بل تكفل سبحانه بحفظ المعجزة "القرآن الكريم»من الخطأ أو التحريف إلى يوم القيامة فقال عَزَّ مِنْ قائل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9].
في حين أَسْنْدَ حفظ كتب الأنبياء السابقين إلى أممهم، فقال عن الكتب السابقة: (بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ) [المائدة:44]، فجعل حفظها إليهم فضاعت!
جعل الله بقاءه صلى الله عليه وسلم أمانًا
لأمته من العذاب
فبقاء النبي صلى الله عليه وسلم في أمته هو أحد الأمانين لهم من عذاب الله، وفي ذلك يقول سبحانه:"وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون"(الأنفال:33).
جعل الله النبي صلى الله عليه وسلم صاحب
الشفاعة العظمى
وهي أعلى درجة يوم القيامة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وهي له صلى الله عليه وسلم، ويروي عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «... سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» (رواه مسلم).
وله صلى الله عليه وسلم العديد من الشفاعات يوم القيامة أعظمها (الشفاعة العظمى)، وهي من المقام المحمود الذي وعده الله إيَّاه في قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) [الإسراء:79 ].
وهذه الشفاعة العامة لجميع الخلق في أرض المحشر لتعجيل حسابهم وإراحتهم من هول الموقف، حين يُؤَخِّرالله الحساب فيطول بهم الانتظار في أرض المحشر يوم القيامة فيبلغ بهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقولون: (من يشفع لنا إلى ربنا) حتى يفصل بين العباد، يتمنون التحول من هذا المكان، فيأتي الناس إلى الأنبياء فيقول كل واحد منهم: لستُ لها، حتى إذا أتوا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول: «أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا».. (رواه البخاري) فيشفع لهم في فصل القضاء. فهذه الشفاعة العظمى هي من خصائصه صلى الله عليه وسلم .
ما دلالة اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالشفاعة العظمى؟ وما الحكمة من ذلك برأيك؟
تكريم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أول
من يدخل الجنة
وذلك أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الجنة لدخول الجنة، ويحدثنا عن ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ"( مسلم).
وفي رواية له: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجَنَّةِ» (رواه مسلم).
اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بنهر الكوثر
وهو نهر في الجنة أعطاه الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم
فعن أنسٍ رضي الله عنه، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟
قال: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:"إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ . فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ . إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ"(الكوثر:-1 3).
ثُمَّ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟" فَقُلْنَا:"اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ"، قَالَ: «فَإِنَّهُ نَهْرٌ، وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ -أي: ينتزع ويقتطع- الْعَبْدُ مِنْهُمْ» فَأَقُولُ: «رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي» فَيَقُولُ: «مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ؟"(مسلم).
وبعد .. فقد تبين لنا مما سبق أن فضل النبي صلى الله عليه وسلم عند الله عظيم، وأن قدره كريم، فلقد اختاره سبحانه واصطفاه على جميع البشر، وفضَّله على جميع الأنبياء والمرسلين، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وأعلى له قدره.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد فضَّلَه صلى الله عليه وسلم ورفع قدره.. فعلينا نحن من باب أولى أن نُجِلَّه، ونقدِّرَه، ونحترمه، ونطيع أمره.
قال تعالى:"لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا"(الفتح:9].
وقال سبحانه: (لاَ تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم)[النور:63].
وعلينا أن نشهد له صلى الله عليه وسلم بالفضل مما شهد الله له به، دون غلو أو تقصير .. فهو عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وخيرته من خلقه. وقد أصاب الشاعر وصفه صلى الله عليه وسلم حينما قال :
فمبلَغُ العِلْـمِ فيـه أنـهُ بَشَـــرٌ
وَأنَّهُ خيرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ
أَلَا وَ أَنَا حَبيبُ اللهِ ولاَ فَخْرَ.
- بعد أن علمتَ ما للنبي صلى الله عليه وسلم من عظيم الفضل في الدنيا والآخرة، كيف يمكن برأيك أن نوفيه صلى الله عليه وسلم حقه في الدنيا ؟
عبدالله بن عباس رضلي الله عنهما قال :"جلسَ ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فخرجَ فسمِعَهم يتذاكرونَ قالَ بعضُهم: إنَّ اللَّهَ اتَّخذَ إبراهيمَ خليلًا وقالَ آخرُ: موسَى كلَّمَه اللَّهُ تَكليمًا وقالَ آخَرُ: فَعيسَى كلمةُ اللهِ وروحُهُ. وقالَ آخرُ: آدمُ اصطفاهُ اللَّهُ فخرجَ عليهم النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فسلَّم وقال: قد سَمعتُ كلامَكم وعجبَكم أنَّ إبراهيمَ خليلُ اللهِ، وهو كذلكَ، ومُوسى نَجيُّ اللهِ؛ وهو كذلكَ، وعيسَى روحُهُ وكلمَتُهُ؛ وَهوَ كذلِك وآدمُ اصطفاهُ اللَّهُ وَهوَ كذلِك ألا وأنا حَبيبُ اللَّهِ ولا فخرَ وأنا حاملُ لواءِ الحمدِ يومَ القيامةِ تحتَه آدمُ فمن دونَه ولا فخرَ وأنا أوَّلُ شافعٍ وأوَّلُ مشفَّعٍ يومَ القيامةِ ولا فخرَ وأنا أوَّلُ من يحرِّكُ حلقَ الجنَّةِ فيفتحُ اللَّهُ لي فيُدخِلُنيها ومعي فقراءُ المؤمنينَ ولا فخرَ وأنا أَكرَمُ الأوَّلينَ والآخرينَ علَى اللَّهِ ولا فخرَ"(الترمذي والدارمي وابن عدي).
أنه صلى الله عليه و سلم حبيب الله
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جلس ناس
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ينتظرونه ، قال : فخرج ، حتى إذا دنا منهم
سمعهم يتذاكرون ، فسمع حديثهم:
فقال بعضهم : عجبًا إن الله عز وجل اتخذ
مِن خلقه خليلاً ؛ اتخذ إبراهيم خليلاً !
وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى ؛كلمه
تكليمًا!
وقال آخر : فعيسى كلمة الله و روحه !
و قال آخر : آدم اصطفاه الله !
فخرج عليهم فسلم و قال: " قَد سَمِعتُ
كَلامَكُم وَ عَجَبَكُم؛ إنَّ إِبرَاهِيمَ خَليلُ اللهِ، وَ هُوَ كَذَلِكَ. وَ مُوسَى
نَجِيُّ اللهِ، وَ هُوَ كَذَلِكَ . وَ عِيسَى رُوحُ اللهِ وَ كَلِمَتُهُ ، وَ هُوَ
كَذَلِكَ. وَ آدَمُ اصْطَفَاهُ اللهُ، وَ هُوَ كَذَلِكَ.
أَلَا وَ أَنَا حَبيبُ اللهِ ولاَ فَخْرَ.
وَ أنَا حَامِلُ لِوَاءِ الحَمدِ يَوْمَ
القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ.
وَ أنَا أَوَّلُ شَافعٍ وَ أَوَّلُ مُشَفَّعٍ
يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ.
وَ أنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ
الجنَّةِ فَيَفتَحُ اللهُ لَي، فَيُدخِلُنِيهَا و مَعَي فُقَرَاءُ المؤمِنِينَ وَ لا
فَخرَ.
وَ أنَا أَكرَمُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ
وَلَا فَخْرَ.”
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:
" أَلَا وَ أَنَا حَبيبُ اللهِ ولاَ فَخْرَ."
وهذا الحب لازم و متعد ،فهو لازم لرسول
الله صلى الله عليه و سلم و متعد منه صلى الله عليه و سلم إلى غيره
فقد جعل الله تعالى اتباع رسوله صلى الله
عليه و سلم هو الطريق إلى حبه تعالى فقال :" قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ"( آل عمران: 31).
ليس هذا فقط ، و لكن جعل رسول الله صلى
الله عليه و سلم محبة الله تعالى و محبته صلى الله عليه و سلم هي العُدةالمعتد بها
ليوم القيامة ؛ فقد رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال :جاء رجل إلى رسول الله
صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله متى الساعة ؟ فقام النبي صلى الله عليه و
سلم إلى الصلاة ، فلما قضى صلاته قال : " أينَ السَّائِلُ عَن قِيَامِ السَّاعَةِ؟".
فقال الرجل : أنا يا رسول الله . قال: " مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟". قال : يا
رسول الله ما أعددتُ لها كبيرَ صلاةٍ و لا صومٍ ، إلَّا أنَّي أُحبُ اللهَ وَرَسُولَهُ.
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"
المرءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ". قال أنس رضي الله
عنه : فما رأيتُ فَرِحَ المسلمون بعد الإسلام
فرحهم بهذا!
قال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ:
[وحَبِيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ].
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ:
[ثبت له صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلى مراتب المحبة وهي الخلة، كما صح عنه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: "إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً"وقَالَ:"ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن"
والحديثان في الصحيح وهما يبطلان
قول من قَالَ: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومُحَمَّد حبيبه.
وفي الصحيح أيضاً: "إني أبرأ إِلَى كل خليل
من خلته" والمحبة قد ثبتت لغيره، قال تعالى: "وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"[آل عمران:134]، ((فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ))[آل عمران:76].. ((إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)) [البقرة:222].
فبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة
بمحمد، بل الخلة خاصة بهما، والمحبة عامة، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه
التِّرْمِذِيُ الذي فيه: {إن إبراهيم خليل الله ألا وأنا حبيب الله ولا فخر} لم يثبت.
والمحبة مراتب:
أولها: العَلاقَةُ، وهي تعلق القلب بالمحبوب.
والثانية الإرادةُ، وهي ميل القلب إِلَى
محبوبه وطلبه له.
الثالثة: الصَبابةُ، وهي انصباب القلب إليه
بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور.
الرابعة: الغَرَامُ، وهي الحب اللازم للقلب
ومنه الغريم لملازمته، ومنه: ((إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً))[الفرقان:65].
الخامسة: المَوَدَّةُ، والود، وهي صفو المحبة
وخالصها ولبها، قال تعالى: ((سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً))[مريم: 96].
السادسة: الشَّغَفُ، وهي وصول المحبة إِلَى
شغاف القلب.
السابعة: العِشقُ، وهو الحب المفرط الذي
يخاف عَلَى صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تَعَالَى ولا العبد في محبة ربه وإن كَانَ
قد أطلقه بعضهم، واختلف في سبب المنع، فقيل: عدم التوقيف، وقيل: غير ذلك، ولعل امتناع
اطلاقه: أن العشق محبة مع شهوة.
الثامنة: التَّتَيُّمُ، وهو بمعنى التعبد.
التاسعة: التَّعَبُّدُّ.
العاشرة: الخُلَّة، وهي المحبة التي تخللت
روح المحب وقلبه.
وقيل: في ترتيبها غَيْرُ ذلك.
وهذا الترتيبُ تَقْرِيبٌ حسن يعرف حسنه
بالتأمل في معانيه.
واعلم أن وصف الله تَعَالَى بالمحبة والخلة
هو كما يليق بجلال الله تَعَالَى وعظمته، كسائر صفاته تَعَالَى وإنما يوصف الله تَعَالَى
من هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص.
وقد اختلف في تحديد المحبة عَلَى أقوال،
نحو ثلاثين قولاً، ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيديها إلا خفاء.
وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إِلَى تحديد
كالماء والهواء والتراب والجوع والشبع ونحو ذلك] إهـ.
الشرح:
يقول الإمام: الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ:
[وحبيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ] هذه الجملة معطوفة عَلَى الجمل السابقة في وصفه صلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والحديث عنه.
وموضوع المحبة وعلاقتها بصفات الله سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى من الموضوعات التي ستأتي إن شاء الله في آخر الكتاب، وإن كانت أيضاً لا
تأتي بالتفصيل اللازم، وإنما تأتي في مبحث الحديث عن الخُّلة والمحبة في الفقرة التي
يقول فيها الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ: [ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً
وكلم الله موسى تكليماً إيماناً وتصديقاً وتسليماً].
الرد على من نفوا محبة الله
صفة المحبة اختلف فيها أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ
مع الجهمية والمعتزلة، فأما الجهمية ومن اتبعهم، فإنهم قالوا: إن الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
لا يُحِب ولا يُحَب، فنفوا العلاقة من الطرفين، قالوا: فالله تَعَالَى لا يجوز أن نصفه
بأنه يحب أحداً من خلقه، لأن هذا مما لا يليق في حقه، كما يزعمون.
وقالوا أيضاً: إن الله تَعَالَى لا يُحَبُّ،
فلا نقول إن أحداً يحب الله، لأن الله يتنـزه أيضاً عن ذلك بزعمهم، وقولهم هذا ليس
عليه أي دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا عقل، إلا أن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى حجب
عقولهم وقلوبهم عن أشرف شيء، كما يقول ذلك الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: هَؤُلاءِ
الذين أنكروا محبة الله قد جعلوا عَلَى قلوبهم هذا الحجاب الغليظ الكثيف بينهم وبين
الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وأي حجاب وأي غفلة أعظم من أن يعتقد الإِنسَان [أنه لا
يحب الله وأن الله لا يحبه]، نسأل الله السلامة والعافية وهذا من طمس القلوب، وهذه
عقيدة ليس عليها أي دليل، إنما هي مقولة منقولة عن علماء وفلاسفة اليونان الأقدمين
-وهم مُشْرِكُونَ- نقلها عنهم الجهمية وجعلوها ديناً يدينون به وأرادوا أن يفرضوها
عَلَى الأمة الإسلامية أيضاً، فَقَالُوا: إنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يتنزه عن أن يُحِب
أو أن يُحَب،
ورد عليهم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ
بما لا يخفى من الأدلة.
ومنها ماذكره المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ من
الآيات وهي:
((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [آل
عمران:134]، ((فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ))[آل عمران:76] ((إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ))[البقرة:222]، ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ))[آل عمران:31].
فالآيات والأحاديث الكثيرة صريحة في أن
الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يُحِبُ ويُحَب.
بل إن المحبة هي أساس كل عمل وكل عبادة
قلبية، كما أن أسس كل عبادة عملية هو الصدق، فالمحبة أساس لجميع العبادات، وبيان ذلك
أن الإِنسَان إذا صلى وهو لا يجب الصلاة ولا يحب من يصلي له، فإن صلاته لا تكون مقبولة،
وكذلك إذا زكى أو حج وهو لا يحب من زكى له ولا من حج له فهذه الزكاة وهذا الحج ونحوهما
من الأعمال لا تُقبل، وهكذا لوتأملنا لوجدنا أنه كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ
في مجموع الفتاوى: "إن المحبة هي أساس كل عمل باطن، من أعمال القلب، ثُمَّ بعد
ذلك تتفرع منها بقية الأعمال " فأي عمل تعمله الجوارح ولا يرتكز عَلَى المحبة
القلبية، فإنه مثل ما لو كَانَ لا يرتكز عَلَى الصدق، فلو أن أحداً صلى، وهو غير صادق
في صلاته كَانَ يصلي صلاة كذب واستهزاء، فإن صلاته لا تقبل.
ولهذا يقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ
اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً
لِلَّهِ)) [البقرة:165] فالمُشْرِكُونَ يحبون الله، ويحبون أصنامهم سواء، ولكن المؤمنين
يحبون الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أكثر من محبة الْمُشْرِكِينَ لله تَعَالَى ولأصنامهم
عَلَى القولين المذكورين في الآية، فالمؤمنون أشد حباً لله
والله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يحب من يتقرب
إليه باتباع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وطاعته كما قال تعالى: ((قُلْ إِنْ
كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)) [آل عمران:31]
وكما جَاءَ في حديث الولي: {من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها ...} الخ، وهذا الحديث أيضاً من الأدلة عَلَى أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يحب وأن محبته تَبَارَكَ وَتَعَالَى درجة عالية، يحظى بها الإِنسَان بالاجتهاد في طاعة الله، والاجتهاد في اتباع رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
هذا ما يتعلق بإثبات صفة المحبة،
لكن الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ قال في
وصف نبينا مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [وحبِيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ]
فهل معنى هذا أنه هو وحده حبيب رَبِّ الْعَالَمِينَ، أو أن معناه أن صفة المحبة أكمل
من غيرها حتى تقال للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الواقع أن محبة الله سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى يشترك فيها المؤمنون جميعاً، وإن كَانَ للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الحظ الأوفر من محبة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
إذاً القضية ليست من أجل الاختصاص، فإذا
كَانَ الإمام الطّّحاويّ اختارها؛ لأنها أكمل وأعلى، فإن هذا القول مرجوح؛ لأن المحبة
ليست هي أعظم الصفات في بابها حتى نقول إن الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
هو حبيب رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ بل أعظم صفة في هذا الباب أن نقول: هو خليل الله وهو
خليل الرحمن.
الخلة أعلا من المحبة
فقولنا: إن محمداً خليل الله أو خليل الرحمن أعلى وأفضل من قولنا: حبيب الله أو حبيب الرحمن، ولهذا استدل عليه المُصنِّف -رحمه الله تعالى- فقَالَ: إنه قد ثبت له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلى مراتب المحبة، كما سيأتينا بيان أنواع المحبة وأعلى مراتبها وهي الخلة، وهي ثابتةٌ له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديث: {إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً} فهما خليلان للرحمن جل شأنه،
ويقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
في الحديث الذي رواه مسلم: {لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً} هذا لو كنت،
أي: لو كَانَ لي من البشر خليل، كما في الروايات الأخرى: {إني أبرأ إِلَى الله أن يكون
لي منكم خليل} فليس له من المخلوقين خليل، ولو أنه كَانَ متخذاً أحداً خليلاً من الصحابة
لاتخذ أبا بكر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خليلاً.
ولهذا {لما سُئل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أيُّ النساء أحب إليك؟ قال: عَائِِِشَةَ، قَالَ: ومن الرجال؟ قَالَ: أبوها}
وهو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حبيب
رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأحب النَّاس إليه من المخلوقين، ولو
كَانَ متخذاً خليلاً غير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لاتخذ أبا بكر خليلاً، لأنه أحب
أصحابه إليه، ولكنه خليل الله فقط،
كما أن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى اتخذ
إبراهيم خليلاً، فهما خليلان إبراهيم ومُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولهذا
قَالَ: {ولكن صاحبكم - يعني نفسه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خليل الرحمن}.
وهذا معلوم لا ينكره أحد إلا الجهمية كما
قلنا، لكن الذين اختلفوا فيه من غير الجهمية قالوا: إن إبراهيم خليل الله ومُحَمَّد
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حبيب الله، واضطرهم هذا إِلَى أن يقولوا: إن المحبة
أفضل من الخلة؛ لأنهم يرون أن ما يثبت لرَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أفضل مما يثبت لإبراهيم وأعلى.
فَقَالُوا: إن المحبة أعلى من الخلة؛ لأن إبراهيم خليل الله ومحمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حبيب الله، واستدلوا بحديث رواه ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إن إبراهيم خليل الله ألا وأنا حبيب الله ولا فخر} وهو حديث في سنده ضعاف لا تثبت به حجة، ولا ينهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة التي سبقت.
وهذا القول أن المحبة أعلى من الخلة قاله بعض الصوفية لأنهم يتعلقون بكلمة المحبة.
وقد ذكرنا عبارة السلف في ذلك وهي:
"من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري -أي:
خارجي- ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله تَعَالَى بالحب والخوف والرجاء
فهو المؤمن الموحد" فـالخوارج يعبدون الله تَعَالَى بالخوف وحده، والمرجئة يعبدون
الله بالرجاء وحده والصوفية يعبدون الله تَعَالَى بالمحبة وحدها كما يزعمون.
ولهذا يستحلون كثيراً من المحرمات ويتركون الواجبات إِلَى حد أن بعضهم يترك جميع التعبدات ويقول: إن الحبيب لا يعذب حبيبه حتى أن بعضهم يقول: إن قلبي مشغول بمحبة الله، وإذا أشغلتني محبته عن عبادته وعن الصلاة له فإنه لن يؤاخذني عَلَى شيء من ذلك لأنه يعلم أنه ما أشغلني عن طاعته وعن صلاته إلا محبتي له، هكذا يزعمون وهذه هي الزندقة، ولذلك قال العلماء هذه المقالة: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق"، وهكذا كَانَ حالهم.
إذاً يبطل القول بأن الخلة خاصة بإبراهيم
عَلَيْهِ السَّلام، وأن المحبة خاصة بمُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا
سيما وأنَّا قد عرفنا أن الله تَعَالَى يحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين،
ويحب المحسنين، إِلَى غير ذلك مما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فليست المحبة خاصة بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بل يدخل معه
فيها كل من عمل عملاً صالحاً يرضاه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويحبه.
تلك هي بعض فضائل نبينا الكريم، ورسولنا العظيم، الذي اختاره الله ليكون خاتم الرسل المكرمين ورحمة للخلق أجمعين، نسأل الله أن يجمعنا به، ويدخلنا مُدخله، وألا يحرمنا شفاعته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .