recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة محمد ﷺ نبي الرحمة الشيخ علاء الشال

  محمد نبي الرحمة 

 

بدءًا بقصة من قصص الصحاب

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، القائل في محكم كتابه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، نبي الرحمة والهدى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد:

فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصيته للأولين والآخرين، وهي سبيل الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.

القصة الافتتاحية: ثمامة بن أثال رضي الله عنه

أيها المؤمنون، أبدأ خطبتي هذه بقصة عظيمة من قصص الصحابة الكرام، تظهر فيها رحمة نبينا بأعدائه قبل أصدقائه، وكيف كانت هذه الرحمة سبباً في دخول الناس في دين الله أفواجاً.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد. وكان ثمامة سيداً من سادات قومه، وقد أسره المسلمون وأتوا به إلى المدينة.

خرج إليه النبي فقال: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟" فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فتركه النبي يومه وليلته، ثم عاد إليه في اليوم الثاني وقال له مثل ذلك، فأجابه ثمامة بنفس الجواب، فتركه. ثم عاد إليه في اليوم الثالث، فأمر بإطلاقه.

فما كان من ثمامة إلا أن انطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، وقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي".

ثم قال: إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: "صبوت؟" قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي .

هذه القصة العظيمة تبين لنا كيف كانت رحمة النبي باباً لدخول الناس في الإسلام، وكيف أن حسن المعاملة والرفق كان أقوى من السيف في تغيير القلوب.

عناصر الخطبة

أيها الإخوة المؤمنون، إن حديثنا اليوم عن نبينا محمد نبي الرحمة، وسنتناول هذا الموضوع من خلال العناصر التالية:

أولاً: محمد رحمة للعالمين

ثانياً: رحمته بالمؤمنين

ثالثاً: رحمته بالضعفاء والأطفال

رابعاً: رحمته بالبهائم والجمادات

خامساً: رحمته بالأعداء

سادساً: الاقتداء برسول الله في الرحمة

الشرح التفصيل

أولاً: محمد رحمة للعالمين

أيها المسلمون، لقد منَّ الله تعالى على البشرية جمعاء بإرسال نبينا محمد ، وجعله رحمة للعالمين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "يخبر تعالى أن الله جعل محمداً رحمة للعالمين، أي أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة".

وهي رحمة عامة شملت المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فقد جاء بشريعة تضمن السعادة للبشرية جمعاء، وتنشر العدل، وتقضي على كل ألوان الذل والعبودية لغير الله تعالى.

وقد وصف الله نبيه بأنه رؤوف رحيم، فقال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].

وقال النبي عن نفسه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ". 

وأخرج مسلم أن النبي قال: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ".

ثانياً: رحمته بالمؤمنين

عباد الله، كان نبينا أرحم الناس بالمؤمنين، شديد الحرص على هدايتهم وإيصال الخير إليهم. قال قتادة: "كان حريصاً على هدايتكم".

وكان رحيماً في تعامله مع أصحابه، ليّن القول حسن المعاملة، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي". وعن أنس رضي الله عنه قال: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِماً، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

وكان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي، فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي قال: "إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ".

وكان يقول: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ".

ثالثاً: رحمته بالضعفاء والأطفال

ومن أروع مظاهر رحمته رحمته بالضعفاء والأطفال واليتامى والأرامل.

رحمته بالأطفال:

كان يقبل الحسن والحسين، فعن الأقرع بن حابس أنه أبصر النبي يقبل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم، فقال رسول الله : "إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ".

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: كنا عند النبي إذ جاءه رسول إحدى بناته يدعوه إلى ابنها في الموت، فقال: "إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ". فلما دُفع الصبي إليه ونفسه تَقَعْقَع، ففاضت عيناه، فقال له سعد: يا رسول الله ما هذا؟ قال: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ".

رحمته باليتامي

قال : "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئاً".

وقال : "السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

وروى الطبراني أن رجلاً أتى النبي يشكو قسوة قلبه، فقال له: "أَتُحِبُّ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ وَتُدْرِكَ حَاجَتَكَ؟ ارْحَمِ الْيَتِيمَ، وَامْسَحْ رَأْسَهُ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ، يَلِنْ قَلْبُكَ وَتُدْرِكْ حَاجَتَكَ".

رحمته بالنساء:

أوصى بالنساء خيراً فقال في حجة الوداع: "أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً".

وكانت رحمته بأهل بيته واضحة، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي كان يجلس عند بعيره، وتضع صفية رضي الله عنها رجلها على ركبته حتى تركب.

رابعاً: رحمته بالبهائم والجمادات

أيها الإخوة، لم تقتصر رحمته على البشر، بل شملت الحيوانات والجمادات.

رحمته بالبهائم:

روى مسلم أن النبي قال: "بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ". قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: "فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ".

وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت ترفرف، فجاء النبي فقال: "مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا".

رحمته بالجمادات

وحتى الجمادات نالت من رحمته ، فقد حنت إليه الجذع الذي كان يخطب عليه. روى الإمام أحمد أن النبي كان يخطب إلى جذع، فلما صنع له منبر فتحول إليه، حن الجذع حتى سمع الصحابة له صوتاً كصوت البعير، فأسرع إليه النبي فاحتضنه حتى سكن، ثم قال: "لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

خامساً: رحمته بالأعداء

وهذا أعظم ما يظهر فيه خلق الرحمة عند نبينا ، فقد كان رحيماً حتى بأعدائه الذين آذوه وأخرجوه من بلده.

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قيل له: ادع على المشركين، قال: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّاناً، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً".

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكَ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ... فَنَادَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً".

وعند فتح مكة، حين مكن الله نبيه من قريش التي آذته وأخرجته، قال: "الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ"، وأصدر عفوه العام عنهم.

وكان يوصي الجيوش التي يبعثها بالرحمة، فقال في وصيته لأمراء الجيوش: "اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيداً" 

سادساً: الاقتداء برسول الله ف

أيها المؤمنون، إن رحمة النبي كانت سجية وخلقاً، وقد أمرنا أن نقتدي به في ذلك، فقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].

وقال : "لَا تَنْزِعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ".

فعلى كل مسلم أن يتحلى بالرحمة في تعامله مع الناس جميعاً، مع أهله وجيرانه وأقاربه، بل ومع الحيوان والجماد. وأن يتذكر أن من لا يرحم لا يرحمه الله، وأن الرحمة صفة من صفات المؤمنين، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].

وقال : "تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْواً تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، نبي الرحمة والهدى، صاحب الشفاعة العظمى والوسيلة الكبرى.

اللهم ارزقنا الاقتداء بنبيك محمد في أقواله وأفعاله وأخلاقه.

اللهم اجعلنا من الراحمين الذين يرحمهم الرحمن.

اللهم ارحم ضعفاء المسلمين، واشف مرضاهم، واغفر لأمواتهم.

اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم انصرهم على من ظلمهم، اللهم اجعل شأن عدوهم في سفال، وأمرهم في وبال، اللهم عجل لهم بالنصر والفرج يا أرحم الراحمين.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن يخافك ويتقيك ويتبع رضاك.

اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، اللهم أحيِنا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent