recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة محمدٌ ﷺ سيدُ الأوفياءِ ️ محمد أبوالنصر

  محمدٌ سيدُ الأوفياءِ


 الحمد لله رب العالمين وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه،  بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونصَحَ الأمةَ، وجاهَدَ في اللهِ حقَّ جهادِه حتى أتاه اليقينُ، فصلواتُ ربِّي وسلامُه عليه، وعلى آلِه وأصحابِه والتّابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

أما بعدُ .

 حديثَنا اليومَ ليس مجرَّدَ سردٍ لمواقفَ تاريخيّةٍ عابرة، بل هو غَوصٌ في مَعينِ النُّبُوَّةِ الصافي، واستخراجٌ لجوهرةٍ من جواهرِ الكمالِ البشريِّ التي تميَّز بها نبيُّنا محمدٌ ؛ ألا وهي خُلُقُ الوفاء. ففي زمنٍ طغَت فيه المادّياتُ، وتحلَّلَت فيه العُقودُ والمواثيقُ، تبرُزُ حاجةُ الأمّةِ الماسّةُ إلى استدعاءِ هذا الخُلُقِ الكريمِ من سيرةِ سيّدِ الخلقِ .

ويأتي حديثنا تحت العناصر التالية.

 العنصرُ الأولُ: الوفاءُ في الميزانِ الشرعيِّ: تأصيلُ خُلُقٍ وهَديُ نُبُوَّةٍ

الوفاءُ في اللغةِ: مأخوذٌ من الجذرِ (وَفَى)، وهو يدلُّ على الإتمامِ والإكمال.

 يُقال: وفَى بالعهدِ وأوفى به، أي: أتمَّه وأكملَه ولم ينقُصْ منه شيئًا.

وفي الاصطلاحِ الشرعيِّ: هو القيامُ بالحقِّ كاملًا، وأداءُ العهدِ كما قُطِعَ دونَ نقصٍ أو تحايلٍ أو تأويلٍ فاسد.

 أولاً: الوفاءُ في كتابِ اللهِ تعالى .

الوفاءُ بالعهدِ صفةُ أهلِ الفردوسِ الأعلى:

قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)﴾ [المؤمنون، رقم: 8-١١]، وتكرَّر هذا الوصفُ بعينِه في سورةِ المعارجِ [رقم: 32]، فدلَّ على عظيمِ منزلتِه.

 الوفاءُ بالعهدِ دليلُ الصدقِ ومفتاحُ التقوى:

قال تعالى: ﴿وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة، رقم: 177].

الوفاءُ سُنَّةُ الأنبياءِ والمُرسلين:

قال تعالى عن إسماعيلَ عليه السلام: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا﴾ [مريم، رقم: 54]،

 وقال عن إبراهيمَ عليه السلام: ﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ﴾ [النجم، رقم: 37].

 الأمرُ الإلهيُّ بالوفاءِ: تشريعٌ مُلزِم:

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِ﴾ [المائدة، رقم: 1]،

وقال: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل، رقم: 91].

 وجعلَ نقضَ العهدِ من علاماتِ ضعفِ الإيمانِ، فقال: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [البقرة، رقم: 100].

 ثانياً: الوفاءُ في السنّةِ النبويّةِ: ميزانُ الإيمانِ وعنوانُ الإسلامِ

الوفاءُ والصدقُ قرينان، والغدرُ والخيانةُ قرينان:

قال رسول الله : "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" <أخرجه البخاري (33)، ومسلم (59)>.

التبرؤُ من الغادرِ ولو كان المقتولُ كافرًا:

قال : "مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا" <أخرجه النسائي (4747)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6108)>.

التحذيرُ من لواءِ الغدرِ يومَ القيامة:

قال : "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُعْرَفُ بِهِ" <أخرجه البخاري (3188)، ومسلم (1735)>.

 العنصرُ الثاني: وفاءُ النبيِّ مع ربِّه: قمّةُ العبوديّةِ وأداءُ الأمانة

 أولاً: الوفاءُ بالتبليغِ: أداءُ الأمانةِ كاملةً غيرَ منقوصة

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة، رقم: 67].

وفي حجّةِ الوداعِ سألَ الأمةَ: "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟" قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ" <أخرجه البخاري (1732)، ومسلم (1218)>.

ثانياً: الوفاءُ في العبادةِ والشُّكرِ: مقامُ العبدِ الشكور

لمّا سُئِلَ عن طولِ قيامِه وقد غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه وما تأخَّر، أجابَ: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟" <أخرجه البخاري (1130)، ومسلم (2820)>.

 العنصرُ الثالثُ: وفاءُ النبيِّ لأهلِ الفضلِ والقرابة: دروسٌ في حفظِ الجميل

أولاً: وفاؤه لعمِّه أبي طالب: بينَ واجبِ الهدايةِ وحفظِ الجميل

لم ينس صلى الله عليه وسلم ما قدمه له عمه

فقال له في لحظاتِه الأخيرة: "أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ" <أخرجه البخاري (1360)، ومسلم (24)>. وعن العباسِ رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ، فَهَلْ نَفَعْتَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ" <أخرجه البخاري (6208)، ومسلم (209)>. وفي رواية: "وَلَوْلَا أَنَا، لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ" <أخرجه البخاري (6208)، ومسلم (209)>.

ثانياً: وفاؤه لأمِّه وأهلِه من الرضاعة: ردُّ الجميلِ بعدَ عشراتِ السنين

قال عند زيارةِ قبرِ أمِّه: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي" <أخرجه مسلم (976)>.

وكان يُكرِمُ حليمةَ السعديّةَ، ويبعثُ بالصلةِ والكسوةِ لثويبةَ.

وفي فتحِ مكةَ تذكَّرَ النبيُّ أخته من الرضاعةِ الشيماء، فبسطَ لها رداءَه وأجلسَها عليه، وخيَّرها بينَ البقاءِ معه مكرَّمةً أو الرجوعِ إلى قومِها بالعطايا، فاختارت الرجوعَ فأعطاها من النَّعَمِ والعبيدِ ما كان يفيضُ عن حاجتِها

 قال الحافظُ ابنُ عبدِ البر رحمه الله تعالى: "أعطاها رسولُ الله نعَماً وشاءً وثلاثةَ أعبدٍ وجارية" <الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر، ج4، ص1863>.

 ثالثاً: وفاؤه لمن أحسنَ إليه قبلَ الإسلام: قصةُ المطعمِ بنِ عديّ

لقد كان للمطعمِ بنِ عديٍّ موقفٌ عظيمٌ مع النبيِّ ، وذلك عندما عادَ النبيُّ من الطائفِ حزينًا مكلومًا بعدَ أن آذاه أهلُها، فلم يجدْ من يدخلُ به مكةَ في جوارٍ يحميه، حتى أجارَه المطعمُ بنُ عديّ، فحماه وذبَّ عنه. لم ينسَ النبيُّ هذا الموقفَ الكريمَ، وظلَّ ذاكرًا له، حتى بعدَ موتِ المطعمِ على شركِه، وبعدَ بدرٍ بسنوات، وقفَ النبيُّ في أسارى بدرٍ فقال:

قال في أسارى بدر: "لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ" <أخرجه البخاري (3139)>.

 رابعاً: وفاؤه لأزواجِه: عنوانُ الحبِّ الصادقِ والوفاءِ الخالد

قالت عائشةُ رضي الله عنها: "مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا..." <أخرجه البخاري (3816)، ومسلم (2435)>.

وقال: "إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا" <أخرجه مسلم (2435)>.

وفي رواية: "مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ" <أخرجه أحمد (24908)، وقال محققو المسند: إسناده حسن>.

 العنصرُ الرابعُ: وفاءُ النبيِّ لأصحابِه: عهدٌ وضمانٌ في الحياةِ والممات

 أولاً: وفاؤه للأنصارِ: اعترافٌ بفضلِهم وحفظٌ لحقوقِهم

حينما تكلم الأنصار عن عطاء رسول الله وتركهم فقال لهم في غزوةِ حنين: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ... أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ. اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ" <أخرجه أحمد (12054)، وابن أبي شيبة (37123)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح>.

 ثانياً: وفاؤه لأبي بكرٍ الصديق: إقرارٌ بالسبقِ والفضل

قال : "إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ" <أخرجه البخاري (467)، ومسلم (2382)>.

 ثالثاً: وفاؤه لأصحابِه بعدَ مماتِهم: كفالةُ الأيتامِ وقضاءُ الديون

قال : "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؛ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ" <أخرجه البخاري (2298)، ومسلم (1619)>.

 وقال لأمِّ أيتامِ جعفر: "الْعَيْلَةَ(الفقر) تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" <أخرجه أحمد (1750)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح>.

 العنصرُ الخامسُ: وفاءُ النبيِّ مع أعدائِه: ذروةُ الشرفِ وسنامُ المروءة

أولاً: الوفاءُ بالعهدِ مع المشركين: قصةُ حذيفةَ بنِ اليمانِ في بدر

 لما اعترضَ المشركون حذيفةَ وأباه وأخذوا عليهما عهدًا ألا يُقاتلا، قال لهما : "انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ" <أخرجه مسلم (1787)>.

 ثانياً: الوفاءُ ببنودِ الصلح: مشهدُ أبي جندلٍ المؤلم

من أعظمِ مواقفِ الوفاءِ في التاريخِ كلِّه موقفَ النبيِّ مع أبي جندلٍ بنِ سُهيل في صلحِ الحديبية. كان من شروطِ الصلحِ أنَّ من أتى النبيَّ من مكةَ مسلمًا يرُدُّه إلى المشركين. وبينما كانوا يكتبونَ الصلحَ، إذ جاءَ أبو جندلٍ يرسفُ في قيودِه، وقد فَرَّ من سجنِ المشركين، يصرخُ بأعلى صوتِه: يا معشرَ المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلمًا؟! فيردُّ عليه النبيُّ بقلبٍ يعتصرُه الألمُ، لكنه منطقُ الشرعِ والوفاء : "يَا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، فَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَعْطَوْنَا عَلَيْهِ عَهْدًا، وَإِنَّا لَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ" <أخرجه أحمد (18910)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح، وأصله في البخاري (2731)>.

 وقال ابنُ إسحاقَ: "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَبَا بَصِيرٍ، إِنَّا قَدْ أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَلَا يَصْلُحُ لَنَا فِي دِينِنَا الْغَدْرُ..." <الروض الأنف، السهيلي، ج7، ص57>.

 ثالثاً: الوفاءُ بردِّ الأمانةِ لغيرِ المسلمين: قصةُ أبي رافع

لقد أرسلت قريشٌ أبا رافعٍ إلى النبيِّ ، فلما رأى النبيَّ ورأى أخلاقَه، وقعَ الإسلامُ في قلبِه، فأرادَ أن يبقى معه ولا يعودَ إلى قريش، لكنَّ النبيَّ رفضَ أن يُخفِرَ ذمتَه مع قومِه، وقال له: "إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ، وَلَكِنِ ارْجِعْ، فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فِي نَفْسِكَ الْآنَ فَارْجِعْ" <أخرجه أبو داود (2758)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود>.

 العنصرُ السادسُ: الواجبُ العمليُّ نحوَ هذا الإرثِ النبويِّ: من التأملِ إلى التطبيق

 أولاً: الوفاءُ بعهدِ اللهِ تعالى

قال تعالى: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ [البقرة، رقم: 40].

 ثانياً: الوفاءُ بسيرةِ النبيِّ وسنَّتِه

ويكونُ ذلك بالالتزامِ العمليِّ بشرعِه، ونشرِ هديِه، والدفاعِ عن عرضِه.

 ثالثاً: الوفاءُ في العلاقاتِ الإنسانيّة

 في الحياةِ الزوجيّة: قال : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي" <أخرجه الترمذي (3895)، وصححه الألباني>.

 في الحياةِ الاجتماعيّة: قال : "مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ" <أخرجه أبو داود (1672)، وصححه الألباني>.

 في العهودِ والمواثيق: قال : "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَشُدُّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلُّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ" <أخرجه الترمذي (1580)، وقال: حسن صحيح>.

 الخاتمةُ: الوفاءُ منهجُ حياةٍ وسبيلُ نجاة

أيها الإخوةُ المؤمنون، لقد جُلنا معًا في رياضِ سيرةِ سيدِ الأوفياءِ ، فرأينا كيفَ كان الوفاءُ معه خُلُقًا متجذِّرًا، وسلوكًا راسخًا، لا يتأثَّرُ بتغيُّرِ الأحوالِ والظروف. لقد كان وفيًّا لربِّه، ولأهلِ الفضلِ من قرابتِه وأصحابِه، ولزوجاتِه، وحتى لأعدائِه. فلنتقِ اللهَ في عهودِنا ووعودِنا، ولنجعلْ سيرةَ نبيِّنا نصبَ أعينِنا، ولنستحضرْ أنَّ الغادرَ له لواءٌ يُعرفُ به يومَ القيامة، وأنَّ الوفيَّ عندَ اللهِ في عليين، مع النبيينَ والصديقينَ والشهداءِ والصالحين.

وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على سيدِنا محمدٍ النبيِّ الأميِّ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

 الدعاءُ 

اللهمَّ اجعلْنا من الذين يُوفونَ بعهدِك، ويحفظونَ أماناتِهم، ويصدُقونَ في وعودِهم.

 اللهمَّ ارزقْنا الوفاءَ لآبائِنا وأمهاتِنا، وأزواجِنا وذريَّاتِنا، وأرحامِنا وأصحابِنا، واجعلْنا ممن يحفظُ الجميلَ، ويقرُّ بالفضلِ لأهلِه.

 اللهمَّ جنبْنا الغدرَ والخيانةَ ونقضَ العهود، وطهِّرْ قلوبَنا وألسنتَنا. اللهمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين، واجمعْ كلمتَهم على الحقِّ والهدى. اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على سيدِنا محمدٍ النبيِّ الأميِّ، وعلى آلِه وأصحابِه أجمعين. ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النار.

وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

google-playkhamsatmostaqltradent