recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الرِّفْقُ فِي حَيَاةِ الأَنْبِيَاءِ. الشَّيْخُ / مُحَمَّدُ سَيِّدُ حُسَيْن عَبْدُ الوَاحِدِ.

 الرِّفْقُ فِي حَيَاةِ الأَنْبِيَاءِ.

 


  مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ الإِيمَانُ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ.

  مِنْ لَوَازِمِ الإِيمَانِ بِالرُّسُلِ المَحَبَّةُ وَالاِقْتِدَاءُ.

 الرِّفْقُ فِي حَيَاةِ الأَنْبِيَاءِ.

 ضرورة التَّأَسِّي بِأَخْلَاقِهِمْ عليهم السلام.

​المَوْضُوعُ وَكَأَنَّكَ تُلْقِيهِ عَلَى المِنْبَرِ:

​أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلإِسْلَامِ أَرْكَانًا خَمْسَةً (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - وَإِقَامُ الصَّلَاةِ - وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ - وَالحَجُّ - وَصَوْمُ رَمَضَانَ)...

​وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلإِيمَانِ أَرْكَانًا سِتَّةً (الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالإِيمَانُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)...

​أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ مِنَ النَّاسِ نَبِيًّا أَوْ رَسُولًا هَذَا اصْطِفَاءٌ وَانْتِقَاءٌ وَاخْتِيَارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى...

​أَحْسَنُ النَّاسِ خَلْقًا هُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ...

​أَحْسَنُ النَّاسِ خُلُقًا هُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ...

​أَطْهَرُ النَّاسِ قُلُوبًا، أَكْرَمُ النَّاسِ طِبَاعًا، أَطْيَبُ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ هُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ...

​وَإِذَا كَانَ حَدِيثُنَا اليَوْمَ عَنِ (الرِّفْقِ)، هَذَا الخُلُقِ الكَرِيمِ الَّذِي يَجْمَعُ (بَيْنَ الحِكْمَةِ وَبَيْنَ الرَّحْمَةِ وَبَيْنَ الحَزْمِ وَبَيْنَ الإِحْسَانِ فِي خُلُقٍ وَاحِدٍ)؛ فَلَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْهُ فَقَطْ فِي سِيرَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا نُعَرِّجُ إِلَى الأَكَارِمِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ لِنَرَى الرِّفْقَ فِي حَيَاتِهِمْ وَفِي مُعَامَلَاتِهِمْ مَعَ أَقْوَامِهِمْ...

​أَوَّلُ مَنْ نَتَحَدَّثُ عَنْ حُسْنِ خُلُقِهِ وَرَحْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ وَرِفْقِهِ بِأُمَّتِهِ سَيِّدُنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ السَّلَامِ...

​سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ أَحَدُ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ بُعِثُوا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأُمَّهُ آيَةً لِلْعَالَمِينَ، وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِرَحْمَةِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ...

​وَفِيهِ قَالَ الحَكِيمُ العَلِيمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:

﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: 21].

​وَقَالَ عَنْهُ وَعَمَّنِ اتَّبَعَهُ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: 27].

​أَمَّا عَنْ رَحْمَتِهِ بِأُمِّهِ فَهُوَ الَّذِي وَصَفَ نَفْسَهُ بِهَا فَقَالَ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32].

​سَيِّدُنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (نَبِيٌّ رَسُولٌ)، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ وَرِسَالَةَ الرَّسُولِ رَحْمَةً كَمَا فِي الآيَةِ: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: 5-6].

​ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَلَى يَدَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِبْرَاءَ الأَكْمَهِ... وَ(الأَكْمَهُ) هُوَ المَوْلُودُ أَعْمَى...

فَمَنْ وُلِدَ أَعْمَى رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ بِمَسْحَةٍ وَدَعْوَةٍ مِنْ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

​ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَلَى يَدَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَيْضًا إِبْرَاءَ الأَبْرَصِ، فَمَنِ ابْتُلِيَ فِي جِلْدِهِ بِالبَرَصِ شَفَاهُ اللَّهُ وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ جَمَالَ جِلْدِهِ بِمَسْحَةٍ وَدَعْوَةٍ مِنْ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

​الصَّحَابَةُ المُقَرَّبُونَ لِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يُقَالُ لَهُمُ الحَوَارِيُّونَ...

​وَالحَوَارِيُّونَ هُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ المُصَدِّقِينَ المُنَاصِرِينَ لِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ...

​وَسُمُّوا بِالحَوَارِيِّينَ لِنَقَاءِ قُلُوبِهِمْ وَبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ، وَقَدْ مَرَّتْ بِهِمُ الأَيَّامُ فَافْتَقَرُوا وَجَاعُوا فَسَأَلُوا سَيِّدُنَا عِيسَى سُؤَالًا عَجِيبًا...

قَالُوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ ؟

﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 112].

لَمْ يَسْأَلِ الحَوَارِيُّونَ هَذَا السُّؤَالِ كُفْرًا وَلَا شَكًّا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا سَأَلُوا مَا سَأَلُوا تَعْجِيزًا لِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِنَّمَا سَأَلُوهُ مَا سَأَلُوهُ بِسَبَبِ فَقْرِهِمْ وَبِسَبَبِ جُوعٍ أَصَابَهُمْ، سَأَلُوهُ مَا سَأَلُوهُ تَصْدِيقًا وَإِيمَانًا بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبِيٌّ تُسْتَجَابُ دَعْوَتُهُ، وَسَأَلُوهُ أَيْضًا طَمَعًا وَأَمَلًا فِي رِزْقٍ يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ يَسُدُّ جَوْعَتَهُمْ...

​سَأَلَ الحَوَارِيُّونَ وَطَلَبُوا مَا طَلَبُوا لِيَزْدَادُوا يَقِينًا وَإِيمَانًا فَوْقَ يَقِينِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، وَلِيَشْهَدُوا بِهَا أَمَامَ النَّاسِ...

​﴿قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 113].

​وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا صَادِقِينَ صَدَّقَهُمْ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَشْفَقَ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ...

​﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: 114].

​مِنْ تَمَامِ رِفْقِهِ وَرَحْمَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأُمَّتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ لِنَفْسِهِ فَقَدْ، وَإِنَّمَا دَعَا لِلْجَمِيعِ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَ وَيُوَسِّعَ عَلَى الجَمِيعِ...

​﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 114-115].

​جُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ المَائِدَةَ نَزَلَتْ لِلْحَوَارِيِّينَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهَا خُبْزٌ وَسَمَكٌ، وَقِيلَ نَزَلَتِ المَائِدَةُ وَعَلَيْهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، وَقِيلَ نَزَلَتِ المَلَائِكَةُ بِالمَائِدَةِ مِنَ السَّمَاءِ وَعَلَيْهَا ثِمَارٌ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ... وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

​الشَّاهِدُ: أَنَّ سَيِّدُنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ رَفِيقًا بِمَنْ صَدَّقَهُ وَتَبِعَهُ، فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَهُمْ عِيدًا لِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَرِزْقًا مُبَارَكًا يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ...

​وَكَمَا كَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحِيمًا رَفِيقًا بِمَنْ تَبِعَهُ، كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيْضًا رَحِيمًا رَفِيقًا بِمَنْ خَالَفَهُ، وَقَدْ سَجَّلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ اسْتِعْطَافًا لِسَيِّدِنَا عِيسَى يَسْتَعْطِفُ اللَّهَ تَعَالَى بِالمُخَالِفِينَ لَهُ رَجَاءَ أَنْ يَهْتَدُوا فَقَالَ:

﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118].

​وَعَلَى نَحْوِ مَا كَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحِيمًا رَفِيقًا؛ كَانَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحِيمًا رَفِيقًا، وَكَانَ سَيِّدُنَا إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحِيمًا رَفِيقًا، وَكَانَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحِيمًا رَفِيقًا، وَكَانَ سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحِيمًا رَفِيقًا...

​قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ ذَلِكَ يَبْقَى أَكْرَمُ الأَنْبِيَاءِ خُلُقًا، وَأَوْسَعُ النَّاسِ رَأْفَةً وَشَفَقَةً وَرَحْمَةً وَرِفْقًا بِمَنْ وَافَقَهُ وَبِمَنْ خَالَفَهُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...

​رَحْمَةٌ تَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ، وَرِفْقٌ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ: رَسُولُ اللَّهِ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...

​الدَّلِيلُ:

قَوْلُ رَبِّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].

​دَعَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الإِسْلَامِ سِرًّا ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ رِفْقًا بِالمُؤْمِنِينَ...

​أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ لَهُمْ بِالهِجْرَةِ إِلَى الحَبَشَةِ مَرَّتَيْنِ رَحْمَةً بِالمُسْلِمِينَ...

​خَرَجَ بِهِمْ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ حَقْنًا لِدِمَاءِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ...

​وَمَا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الإِسْلَامِ زَيْدًا وَلَا عَمْرًا إِلَّا أَخَذَهُ أَخْذًا رَفِيقًا، وَدَعَاهُ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ...

​وَمِنْ دَلَائِلِ حُسْنِ أَخْلَاقِهِ وَسِعَةِ صَدْرِهِ وَرَحْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَعَوَاتُهُ لِلْمُخَالِفِينَ لَهُ، قَالَ:

"اللَّهُمَّ اهْدِ غِفَارَ"...

"اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا"...

"اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا"...

وَأَمَامَ عِنَادِ قُرَيْشٍ وَأَمَامَ عُدْوَانِهِمْ، وَقَفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَمْسَحُ دِمَاءَهُ عَنْ وَجْهِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ".

دَخَلَ بُسْتَانًا فَرَأَى فِيهِ جَمَلًا جَائِعًا ضَعِيفًا، فَقَالَ: "لِمَنْ هَذَا الجَمَلُ؟" قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: جَمَلِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ البَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ".

​وَرَأَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عُصْفُورَةً تُحَلِّقُ فَوْقَ رُؤُوسِ القَوْمِ وَتَصْرَخُ أَنْ أَخَذُوا مِنْهَا وُلْدَهَا، فَقَالَ: "مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا".

​بِهَذِهِ النَّفْسِيَّةِ السَّوِيَّةِ، وَبِهَذِهِ العَقْلِيَّةِ المُتَّزِنَةِ، وَبِهَذِهِ الرُّوحِ الطَّيِّبَةِ، كَسَبَ رَسُولُ اللَّهِ القُلُوبَ، وَالْتَفَّ النَّاسُ إِيمَانًا وَحُبًّا حَوْلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ...

​﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].

​نَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ الكَرِيمِ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَمَوْلَاهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

​الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

بَقِيَ لَنَا فِي خِتَامِ الحَدِيثِ عَنِ الرِّفْقِ فِي حَيَاةِ الأَنْبِيَاءِ أَنْ نَقُولَ:

إِنَّمَا حَفِظَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ المَوَاقِفَ الرَّفِيقَةَ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاءِ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَجْلِ أَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْهَا، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ نَقْتَدِيَ بِهَا، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ نَعْمَلَ بِهَا...

​أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:

إِيمَانُنَا لَيْسَ فَقَطْ بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...

قُدْوَتُنَا لَيْسَتْ فَقَطْ فِي سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... وَلَكِنَّنَا نُؤْمِنُ وَنَقْتَدِي بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنُؤْمِنُ وَنَقْتَدِي أَيْضًا بِسَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَنُؤْمِنُ وَنَقْتَدِي بِسَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَنُؤْمِنُ وَنَقْتَدِي بِسَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَنُؤْمِنُ وَنَقْتَدِي بِالأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ...

​الدَّلِيلُ:

قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: 4].

وَقَوْلُهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:

﴿أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 89-90].

​التَّأَمُّلُ فِي سِيَرِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَالإِيمَانُ بِهِمْ، وَمَحَبَّتُهُمْ، وَالتَّأَسِّي بِهِمْ، وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِهِمْ يُورِثُ اليَقِينَ، وَيَزِيدُ الإِيمَانَ، وَيُهَوِّنُ البَلَاءَ...

التَّأَمُّلُ فِي سِيَرِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ يَبْعَثُ الأَمَلَ وَيَزْرَعُ التَّفَاؤُلَ فِي القُلُوبِ المُؤْمِنَةِ...

فَكُنْ حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَأَسِّيًا بِسَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

كُنْ صَادِقَ الوَعْدِ كَسَيِّدِنَا إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

كُنْ صَبُورًا كَسَيِّدِنَا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

كُنْ حَيِيًّا عَفِيفًا كَسَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

كُنْ هَيِّنًا لَيِّنًا كَسَيِّدِنَا هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

كُنْ قَوِيًّا غَيُورًا كَسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

كُنْ شَكُورًا ذَاكِرًا كَسَيِّدِنَا دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

كُنْ عَابِدًا مُنِيبًا كَسَيِّدِنَا سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

كُنْ رَاضِيًا صَبُورًا كَسَيِّدِنَا أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

كُنْ رَحِيمًا رَفِيقًا كَسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

​كُنْ عَالِيَ الهِمَّةِ، كُنْ رَؤُوفًا، كُنْ رَحِيمًا، كُنْ صَادِقًا أَمِينًا عَفِيفًا كَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...

​هَؤُلَاءِ هُمُ القُدْوَةُ الَّتِي يَرْضَاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ سَوِيٍّ، وَاللَّبِيبُ بِالإِشَارَةِ يَفْهَمُ...

​أَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ، رَبَّ العَرْشِ الكَرِيمِ، أَنْ يُصْلِحَ أَحْوَالَنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الهُدَاةِ المُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ.

   

  

google-playkhamsatmostaqltradent