الرفق بناءُ للإنسان وعمران للأوطان
إن الرفق هو خُلق نبيل يعني اللين في التعامل،
واليسر في السلوك، والأخذ بالأسهل في كل أمر.
مكانة الرفق في الإسلام
إن الإنسان في هذه الحياة الدنيا لا يتميّز
في إنسانيته عن غيره، إلا بقلبه وروحه، لا بأكوام لحمه وعظامه، فبالقلب والروح، يعيش
الإنسان ويشعر وينفعل ويرحم ويتألّم، بل ويكون من الأحياء.
وإن من أبرز مظاهر تميّز الإنسان وسموّ
أحاسيسه، اتصافه بالرفق واللين والشفقة، فالرفق واللين، صورتان من صور كمال الفطرة،
وجمال الخُلُق التي تحمل صاحبها على البر والتقوى، يقول أهل العلم: (الرفق في الأمور
ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق).
الرفق تحكُّمٌ في هوى النفس ورغباتها، وحَملٌ
لها على الصبرِ والتحمُّل والتجمُّل، وكفٌّ لها عن العنف والتعجُّل، وكظمٌ عظيمٌ لما
قد يلقَاه الإنسان من تطاوُل في قولٍ أو فعل أو تعامل.. الرفق حفظكم الله لين الجانب،
ولطافةُ الفعل، والأخذُ بالأيسر والأسهل، وأخذٌ للأمور بأحسن وجوهها وأيسرِ مسالكها.
هو رأس الحِكمة، ودليل كمالِ العقل وقوّة
الشخصية، والقدرةِ القادرة على ضبطِ التصرّفات والإرادات، ومظهرٌ عجيبٌ من مظاهر الرشد،
بل هو ثمرةٌ كبرى من ثمار التديُّن الصحيح.
فيه سلامةُ العِرض، وصفاءُ الصدر، وراحةُ
البدن، واستجلاب الفوائِد وجميلِ العوائد، ووسيلةُ التواصل والتوادّ وبلوغِ المراد.
وهذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن في تعامله وخلقه؛ يقول ﷺ: (الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ
كَالْجَمَلِ الأَنِفِ، حيثما قِيدَ انْقَادَ) رواه الترمذي مرسلا . يعني سهل القياد
لا يخالف قائده. وقال -ﷺ-: "إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه
ويعين عليه ما لا يعين على العنف
".
وقال: " إن الله تعالى رفيق يحب الرفق
ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف ". فقوله: ( إن تعالى اللّه رفيق ) أي لطيف بعباده
يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فيكلفهم فوق طاقتهم، بل يسامحهم ويلطف بهم ( يحب
الرفق ) لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، أي يحب أن يرفق بعضكم ببعض ( ويعطي
عليه ) في الدنيا من الثناء الجميل ونيل المطالب وتسهيل المقاصد وفي العقبى من الثواب
الجزيل (مالا يعطي على العنف) وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله. وقد
نبه به على وطاءة الأخلاق وحسن المعاملة وكمال المجاملة ووصف الله سبحانه وتعالى بالرفق
إرشادًا وحثًا لنا على تحري الرفق في كل أمر.
الرفق في الأمور كلها من شأنه أن يُصلح
ويعطي أفضل النتائج، بخلاف العنف والشدة، فمِن شأنه أن يفسد ويعطي أسوأ النتائج، فمن
أعطي الرفق فقد أعطي خيراً كثيراً، ومن حرم من الرفق، فقد فقدَ خيراً كثيراً..
الرفق يلين سَورَة عناد المعاندين، ويقهر
عريكة ذوي الطغيان، يقول ﷺ: (إن الله عز وجل لَيعطِي على الرِّفقِ
ما لا يعطي على الْخَرَق -أي الْحُمقِ-، وإذا أحبَّ الله عبداً أعطاهُ الرفق، وما كانَ
أهلُ بيتٍ يُحرَمونَ الرفق إلا حُرِمُوا الخيرَ كلَّه)..
يُعدّ الرفق من أعظم القيم والأخلاق التي
حثّ عليها الإسلام، وتتجلى أهميته في عدة جوانب:
صفة إلهية: ورد في الحديث الشريف:
"إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفْقَ في الأمر كلِّه". فقد قال -ﷺ-: "من يحرم الرفق يحرم الخير كله".
وفيه فضل الرفق وشرفه، ومن ثم قيل: الرفق
في الأمور كالمسك في العطور. في أمر الدين وأمر الدنيا، حتى في معاملة المرء نفسه،
ويتأكد ذلك في معاشرة من لا بد للإنسان من معاشرته كزوجته وخادمه، فالرفق محبوب مطلوب
مرغوب، وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف مثله من الشر.
وحسْب المسلم أن يعلم أن الرفق من صفات
الله تعالى العليا، التي أحبها لعباده في الأمور كلها؛ يقول ﷺ لزوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
(يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ). فربّنا
عزَّ شأنه رفيق بخلقِه، رءوف بعباده، كريم في عفوه، رفيقٌ في أمره ونهيه، لا يأخذ عبادَه
بالتكاليف الشاقّة، ولا يكلفهم بما ليس لهم به طاقة؛ يقول سبحانه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ
مَا اسْتَطَعْتُمْ) ويقول تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا).
إن الرفق ضد العنف وهو لين الجانب واللطف
في أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ
لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ
عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ
عَلَى اللّهِ، إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159) فالناس في حاجة إلى كنف رحيم
وإلى رعاية فائقة وإلى بشاشة سمحة وإلى ود يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم
.. في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه
ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء ...وهكذا كان قلب
رسول الله -ﷺ- وهكذا كانت حياته مع الناس.
وقال عز وجل: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الشعراء:215) (أي: ارفق بهم وألن جانبك لهم) . (فهو
اللين والتواضع والرفق في صورة حسية مجسمة، صورة خفض الجناح كما يخفض الطائر جناحيه
حين يهم بالهبوط وكذلك كان رسول الله -ﷺ- مع المؤمنين طوال حياته).
بل أمر سبحانه خير خلقه بالتزام الرفق مع
شر الخلق؛ أمر موسى وهارون عليهما السلام بالرفق مع فرعون فقال سبحانه: اذهبا إلى فرعون
إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" [طه: 43-44] . فقوله تعالى:
فقولا له قولا لينا (أي: سهلا لطيفا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف ،
ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال؛ لعله بسبب القول اللين يتذكر ما ينفعه فيأتيه،
أو يخشى ما يضره فيتركه؛ فإن القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه) .
زينة للأخلاق: قال النبي ﷺ: "إنَّ الرِّفْقَ لا يكون في شيءٍ
إلَّا زانه، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلَّا شانه". وقال -ﷺ- لعائشة -رضي الله عنها-: " عليك
بالرفق إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ". لأن به
تسهل الأمور، وبه يتصل بعضها ببعض، وبه يجتمع ما تشتت ويأتلف ما تنافر وتبدد ويرجع
إلى المأوى ما شذ وهو مؤلف للجماعات جامع للطاعات، ومنه أخذ أنه ينبغي للعالم إذا رأى
من يخل بواجب أو يفعل محرماً أن يترفق في إرشاده ويتلطف به .وقال -ﷺ:"ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم
". وقال: "إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق". وذلك بأن
يرفق بعضهم ببعض،والرفق لين الجانب واللطف والأخذ بالأسهل وحسن الصنيع.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (إن يهود
أتوا النبي ﷺ، فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم،
ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال: مهلا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش.
قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا
يستجاب لهم في). وفي رواية: (فقال: يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله).،
وفي رواية أخرى: قال: (يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي
على العنف، وما لا يعطي على ما سواه).
- وعن جرير رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: (من يحرم الرفق يحرم الخير).؛ يعني
أن الإنسان إذا حرم الرفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره،
فإنه يحرم الخير كله، أي: فيما تصرف فيه، فإذا تصرف الإنسان بالعنف والشدة، فإنه يحرم
الخير فيما فعل، وهذا شيء مجرب ومشاهد، أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشدة؛ فإنه
يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرفق والحلم والأناة وسعة الصدر، حصل
على خير كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائما رفيقا حتى ينال
الخير).
والرفق خلق نبوي كريم، حث عليه النبي ﷺ، وبين فضله وقيمته، يقول ﷺ: (مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ
فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ
حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ).
دليل الخير: بشّر النبي ﷺ صاحبه بالخير العظيم، حيث قال: "مَن
يُحرَم الرِّفْقَ يُحرَم الخَيْرَ كلَّه".
عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي
-ﷺ- قال: "من أعطي حظه من الرفق، فقد
أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق، فقد حرم حظه من الخير". إذ به تنال
المطالب الأخروية والدنيوية وبفوته يفوتان، يعني أن نصيب الرجل من الخير على قدر نصيبه
من الرفق، وحرمانه منه على قدر حرمانه منه، ولهذا قال نسطور لما بعث صاحبيه ليدعوا
الملك إلى دين عيسى وأمرهما بالرفق فخالفا وأغلظا عليه فحبسهما وآذاهما فقال لهما نسطور:
مثلكما كالمرأة التي لم تلد قط فولدت بعد ما كبرت فأحبت أن تعجل شبابه لتنتفع به فحملت
على معدته ما لا يطيق فقتلته.
لا تكاد ساحة من ساحات الإسلام إلا وللرفق
فيها النصيب الأكبر والحظ الأوفر، سواء على مستوى التشريع الفقهي أو في جانب العلاقات
الاجتماعية أو في المعاملة حتى مع الخصوم والأعداء أو في غيرها من المواطن، هذا فضلا
عن أنه تعالى عرف نفسه لعباده بأنه الرفيق الذي يحب الرفق، وكان رسوله -ﷺ- نبراسًا في هذا الشأن ما لم تنتهك حرمة
من حرمات الله.
ولقد كانت سيرته عليه الصلاة والسلام حافلةً بهذا الخلق الكريم، ومن ذلك
رفقه بزوجاته وبالنساء عمومًا، فقد وقف ﷺ في حجة الوداع في أعظم تجمّع إيماني خطيبًا،
ليستعرض ركائز الدين، وأهمّ قضايا الإسلام، فكانت الوصية بالمرأة حاضرة في تلك الخطبة
الهامّة، حيث قال فيها: (… اتَّقُوا اللهَ في النِّساء، فإنكم أخذتموهُنَّ بأمان الله،
واستَحْلَلْتُم فُروجَهُنَّ بكلمةِ الله..)
وقال ﷺ: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا
خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) وجاء الأمر من الله تعالى بحُسْنِ عِشْرةِ الزوجات، والرفق بهن
فقال سبحانه: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وحُسْن العِشْرة للزوجة يعني: أداءَ
حقِّها من مهر ونفقة، والتلطُّفَ معها، وإلانةَ القول لها، والصبرَ عليها، والإغضاءَ
عن خطئها، والصفحَ عما يقع منها. وقال ﷺ قال: (واستَوْصُوا بالنِّساء خيرًا
..)، وفي هذا حث على الرِّفق بالنساء، واحتمالِهنّ. فقد سألت أم المؤمنين عائشةَ رضي
الله عنها: ما كان النَّبيُّ ﷺ يصنعُ في بيته؟ قالت: كان يكونُ في مِهْنة
أهله -تعني خِدمةَ أهله- فإذا حضرت الصَّلاةُ خرجَ إلى الصَّلاة.
ومن مظاهر رفقه ﷺ، رفقه بالأطفال وبأبناء المسلمين، فقد روي
عنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضى الله عنهما قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْخُذُنِى فَيُقْعِدُنِى عَلَى فَخِذِهِ
وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ:(اللَّهُمَّ
ارْحَمْهُمَا فَإِنِّى أَرْحَمُهُمَا).
وكان ﷺ يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم، ويحنكهم، ويدعو
لهم، وكان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم، ويمسح على رؤوسهم وكان دائماً يقبل الحسن
والحسين ويلاعبهما، وحمل أمامة بنت زينب في الصلاة رفقاً بها.
ومن مظاهر رفقه ﷺ رفقه بالأمهات حتى في الصلاة، فيقول عليه
الصلاة والسلام: (إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا،
فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ
وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ) ما أعظم هذه الرحمة! وما أجلّ هذه الشفقة! ولله درّ
القائل فيه ﷺ:
وإذا رحمت فأنت أمٌّ أو أب هذان في الدنيا هما الرحماءُ
أيها الإخوة المؤمنون: ومن مظاهر رفقه ﷺ رفقه بالجاهل، فقد صح أن أَعْرَابِيًّا
بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ
الله ﷺ: (دَعُوهُ، لا تُزْرِمُوه (أي لا تقطعوا
عليه بوله) وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًاً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ
مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ). وفي رواية أن رسول الله ﷺ دعاه برفق ولم يعنفه، وقال له: (إِنّ هَذِهِ
الْمَسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا اِلْبَوْلِ وَالْقَذَرِ، إِنّمَا هِيَ
لِذِكْرِ الله -عَزّ وَجَلّ- وَالصّلاَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ).
ومن مظاهر رفقه ﷺ رفقه بالخدم، فقد قال خادمه أنس بن مالك
رضي الله عنه: (خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ
قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ
لِمَ تَرَكْتَهُ). وعنه رضي الله عنه قال: (كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ
الحَاشِيَةِ)، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً،
حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ الله ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ البُرْدِ
مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ الله الَّذِي
عِنْدَكَ، (فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ)
وتقاضى رجل رَسُولَ الله ﷺ في بعير كان له عليه، فَأَغْلَظَ لَهُ
القول، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النبي ﷺ، فَقَالَ لهم: (دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ
الحَقِّ مَقَالًا وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ) وَقَالُوا: لاَ
نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: (اشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ
خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً). ومن مظاهر رفقه
ﷺ بالمسلمين رفقه في أمور الدين، فعَنْ أَبِي
مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله، لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ
الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ
فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ،
فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ،
فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ) فاللهم اجعلنا من عبادك الصالحين؛
أهل الرفق واللين والخير والمعروف والإحسان برحمتك يا أرحم الراحمين.
كل هذا الارتباط الوثيق بين الإسلام والرفق
جعل منه بحق دين الرحمة والسماحة مهما تعسف المغرضون في وصمه بالعنف والإرهاب.
- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (سمعت من
رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر
أمتي شيئا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم، فارفق به). وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم
الحث على الرفق بهم)
.
- وعنها أيضا رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه
، ولا ينزع من شيء إلا شانه).
- وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي
ﷺ قال: (من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه
من الخير، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير). (إذ به تنال المطالب الأخروية والدنيوية،
وبفوته يفوتان). قال ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله).
وهذه النصوص التي مرت معنا تدل (على أن
الرفق في الأمور، والرفق بالناس، واللين والتيسير: من جواهر عقود الأخلاق الإسلامية،
وأنها من صفات الكمال، وأن الله تعالى من صفاته أنه رفيق، وأنه يحب من عباده الرفق،
فهو يوصيهم به ويرغبهم فيه، ويعدهم عليه عطاء لا يعطيه على شيء آخر، ويفهم من النصوص
أن العنف شين خلقي، وأنه ظاهرة قبيحة، وأن الله لا يحبه من عباده).
قال الغزالي ﷺ: الرفق محمود وضده العنف والحدة والعنف
ينتجه الغضب والفظاظة، والرفق واللين ينتجهما حسن الخلق والسلامة، والرفق ثمرة لا يثمرها
إلا حسن الخلق ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال
ولذلك أثنى المصطفى -ﷺ- على الرفق وبالغ فيه .
وقال ابن عمر: العلم زين والتقوى كرم والصبر
خير مركب، وزين الإيمان العلم وزين العلم الرفق وخير القول ما صدقه الفعل .
وعن حبيب بن حجر القيسي قال: كان يقال ما
أحسن الإيمان يزينه العلم، وما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرفق،
وما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم .
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: الرفق رأس
الحكمة.
وعن ابن عباس قال: لو كان الرفق رجلاَ كان
اسمه ميموناَ، ولو كان الخرق رجلاَ كان اسمه مشؤومًا، وقال جرير:الرفق في المعيشة خير
من كثير التجارة
.
وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: وقف رجل
بين يدي المأمون قد جنى جناية، فقال له والله لأقتلنك فقال الرجل يا أمير المؤمنين
تأن على فإن الرفق نصف العفو، قال: فكيف وقد حلفت لأقتلنك؟ قال: يا أمير المؤمنين لان
تلقى الله حانثا، خير لك من أن تلقاه قاتلا، فخلى سبيله.
وعن نصر بن علي قال: دخلت على المتوكل فإذا
هو يمدح الرفق فأكثر، فقلت: يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي:
ولم أرى مثل الرفق في لينه أخـرج العذراء من خدرهـا
من يستعن بالرفق في أمـره يستخرج الحية من جحرها
فقال يا غلام الدواة والقرطاس فكتبهما.
- ومن أقوال السلف والعلماء:
- (بلغ عمر رضي الله عنه عن بعض عماله شيء،
فجمعهم فخطبهم، فقال: أيتها الرعية، إن للرعاة عليكم حقًا: المناصحة بالغيب، والمعاونة
على الخير، ألا وإنه ليس شيء أحب إلى الله من حلم إمام عادل ورفقه، ولا جهل أبغض إلى
الله من جهل إمام جائر وخرقه، ومن يأخذ بالعافية فيمن بين ظهريه يعط العافية ممن فوقه).
- وروي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه
في التأني فكتب إليه معاوية: (أما بعد؛ فإن التفهم في الخبر زيادة رشد، وإن الراشد
من رشد عن العجلة، وإن الخائب من خاب عن الأناة، وإن المتثبت مصيب، أو كاد أن يكون
مصيبا، وإن العجل مخطئ أو كاد أن يكون مخطئا، وإن من لا ينفعه الرفق يضره الخرق ، ومن
لا ينفعه التجارب لا يدرك المعالي)
.
- وعن معاوية رضي الله عنه، قال: (من وليناه
شيئا من أمورنا فليجعل الرفق بين الأمانة والعدل) .
- وعن عروة بن الزبير قال: (كان يقال: الرفق
رأس الحكمة)
.
- قال وهب بن منبه: (الرفق ثني الحلم) .
- وعن قيس بن أبي حازم قال: كان يقال: (الرفق
يمن، والخرق شؤم)
.
- وعن حبيب بن حجر القيسي قال: (كان يقال:
ما أحسن الإيمان يزينه العلم! وما أحسن العلم يزينه العمل! وما أحسن العمل يزينه الرفق!) .
- وقال أبو حاتم بن حبان: (الواجب على العاقل
لزوم الرفق في الأمور كلها، وترك العجلة والخفة فيها؛ إذ الله تعالى يحب الرفق في الأمور
كلها، ومن منع الرفق منع الخير، كما أن من أعطي الرفق أعطي الخير، ولا يكاد المرء يتمكن
من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب، إلا بمقارنة الرفق ومفارقة
العجلة)
.
- وقال أيضًا: (العاقل يلزم الرفق في الأوقات،
والاعتدال في الحالات؛ لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب، كما أن النقصان فيما
يجب من المطلب عجز، وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف، ولا دليل أمهر من رفق، كما
لا ظهير أوثق من العقل، ومن الرفق يكون الاحتراز، وفي الاحتراز ترجى السلامة، وفي ترك
الرفق يكون الخرق، وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة) .
- وأوصى عمر بن عبد العزيز واليًا، فقال:
(عليك بتقوى الله؛ فإنها جماع الدنيا والآخرة، واجعل رعيتك الكبير منهم كالوالد، والوسط
كالأخ، والصغير كالولد؛ فبر والدك، وصل أخاك، وتلطف بولدك)، وقال أيضًا: (أحب الأمور
إلى الله ثلاثة: العفو في القدرة، والقصد في الجدة، والرفق في العبادة، وما رفق أحد
بأحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة).
- قال أحمد بن حنبل: (الناس محتاجون إلى مداراة
ورفق، الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلًا معلنا بالفسق، فلا حرمة له).
- وقال الجاحظ: (أنظر الناس في العاقبة من
لطف حتى كف حرب عدوه بالصفح والتجاوز، واستل حقده بالرفق والتحبب) .
- وقال الأصمعي: (إذا كانت في العالم خصال
أربع، وفي المتعلم خصال أربع اتفق أمرهما وتم، فإن نقصت من واحد منهما خصلة لم يتم
أمرهما؛ أما اللواتي في العالم فالعقل، والصبر، والرفق، والبذل، وأما اللواتي في المتعلم
فالحرص، والفراغ، والحفظ، والعقل؛ لأن العالم إن لم يحسن تدبير المتعلم بعقله خلط عليه
أمره، وإن لم يكن له صبر عليه مله، وإن لم يرفق به بغض إليه العلم، وإن لم يبذل له
علمه لم ينتفع به، وأما المتعلم فإن لم يكن له عقل لم يفهم، وإن لم يكن له حرص لم يتعلم،
وإن لم يفرغ للعلم قلبه لم يعقل عن معلمه، وساء حفظه، وإذا ساء حفظه كان ما يكون بينهما
مثل الكتاب على الماء).
- وقال أبو حامد الغزالي: (الرفق محمود، ويضاده
العنف والحدة، والعنف نتيجة الغضب والفظاظة، والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة،
وقد يكون سبب الحدة الغضب، وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاءه بحيث يدهش عن التفكر،
ويمنع من التثبت؛ فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق، ولا يحسن الخلق إلا
بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة، وحفظهما على حد الاعتدال؛ ولأجل هذا أثنى رسول الله ﷺ على الرفق وبالغ فيه).
- وقال ابن القيم: (من رفق بعباد الله رفق
الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه،
ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله
الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة؛ فالله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه).
- وقال ابن حجر: (لا يتعمق أحد في الأعمال
الدينية ويترك الرفق، إلا عجز وانقطع فيغلب).
ثالثا: فوائد الرفق
1- الرفق طريق موصل إلى الجنة. 2- دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام.
3- يثمر محبة الله ومحبة الناس. 4- ينمي روح المحبة والتعاون
بين الناس.
5- دليل على صلاح العبد وحسن خلقه. 6- بالرفق ينشأ المجتمع سالما من الغل
والعنف.
7- عنوان سعادة العبد في الدارين. 8- الرفق يزين الأشياء.
9- الرفق بالحيوان في إطعامه، أو ذبحه: من
مظاهر الإحسان.
10- الرفق دليل على فقه الرفيق وأناته وحكمته. 11- الرفق ينتج منه حسن الخلق.
12- بالرفق ينال الإنسان الخير . 13- بالرفق توطد العلاقات وتقوى
الأواصر.
14- بالرفق يصل الإنسان إلى غايته، وتتيسر له
الأمور.
15- الرفق يكسب الراحة والطمأنينة، والرزانة
والحلم.
رابعًا: أقسام الرفق
ينقسم الرفق بالنظر إلى باعثه إلى:
1- فطري: فالرفق غريزة بشرية، وأمر جبلي في
نوع الإنسان، وهو موجود في داخل كل أحد. ومهما بدا على أقوال وأفعال الإنسان من سلوك
يتنافى مع الرفق، إلا أن أصل الرفق كامن في إنسانيته؛ لذلك تكون العودة إليه ممكنة
غالبا إلا ممن نزع الله الرحمة من قلبه. ومن صوره رفق الأم بولدها، وهذا ظاهر حتى في
غير نوع الإنسان.
2- مكتسب: فالناس متفاوتون في أخلاقهم؛ فمنهم
من يغلب اللطف واللين على أحواله وتصرفاته، ومنهم من تغلب عليه الشدة والغلظة، وهذا
الأخير مأمور بمجاهدة نفسه وحملها على الرفق، والسير على خطى المترفقين؛ فإنه إن فعل
ذلك كان رفقه مكتسبًا.
وينقسم الرفق بالنظر إلى محله إلى:
1- ذاتي: أي: رفق الإنسان بنفسه، وإذا كان
الرفق مطلوبا عند التعامل مع الآخر، فهو في حق النفس أولى.
2- متعد، وهو رفقه بالآخرين.
وينقسم من حيث مشروعيته إلى:
1- رفق مشروع، كالرفق بالمسلمين وبالوالدين،
وبالزوجة والأولاد والمرضى وغيرهم.
2- رفق ممنوع، كالرفق بالكافرين المعتدين،
والعصاة المجرمين المتمردين، والظلمة المعتدين، والرفق بالمفسدين في الأرض، والرفق
بالمسيء بترك تأديبه، وبالمقصر بترك محاسبته، ونحو ذلك، كل هذا يعد من الرفق الممنوع
المذموم. قال ابن حزم: (قد أثنى عليه السلام على الرفق، وأمر بالتيسير، ونهى عن التنفير،
وكان يتخول بالموعظة خوف الملل. وقال تعالى: "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا
من حولك" [آل عمران: 159]
.
وأما الغلظة والشدة فإنما تجب في حد من
حدود الله، فلا لين في ذلك للقادر على إقامة الحد خاصة) .
صور الرفق
1- الرفق بالنفس في أداء ما فرض عليه:
المسلم لا يحمل نفسه من العبادة ما لا تطيقه؛
فالإسلام دين يسر وسهولة، فالمتبع له يوغل فيه برفق؛ قال ﷺ: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا
غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة). وعن عائشة
رضي الله عنها: (أن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها وعندها رسول
الله ﷺ، فقلت: هذه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها
لا تنام الليل، فقال رسول الله ﷺ: لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون،
فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا). قال ابن القيم: (نهى النبي ﷺ عن التشديد في الدين بالزيادة على المشروع،
وأخبر ﷺ أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد
الله عليه إما بالقدر وإما بالشرع؛ فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل،
فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس؛ فإنهم شددوا على
أنفسهم، فشدد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك،
وصار صفة لازمة لهم)
.
ويروى أن رجلًا رأى أبا ذر رضي الله تعالى
عنه وهو يتبوأ مكانا، فقال له: ما تريد يا أبا ذر؟ فقال: (أطلب موضعًا أنام فيه، نفسي
هذه مطيتي إن لم أرفق بها لم تبلغني). وقال ابن الجوزي: (لا ينبغي للإنسان أن يحمل
على بدنه ما لا يطيق؛ فإن البدن كالراحلة، إن لم يرفق بها، لم تصل بالراكب) .
2- الرفق مع الناس عامة:
ويكون بلين الجانب وعدم الغلظة والجفاء،
والتعامل بالسماحة واللطف؛ قال ﷺ: (وكونوا عباد الله إخوانًا). قال النووي:
(ومعنى "كونوا عباد الله إخوانا"، أي: تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم
في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير، ونحو ذلك، مع صفاء القلوب والنصيحة
بكل حال)
.
3- الرفق بالرعية:
الراعي سواء كان حاكما أو رئيسا أو مسؤولا،
عليه أن يرفق برعيته، فيقضي حاجتهم، ويؤدي مصالحهم برفق؛ قال ﷺ: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم،
فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم، فارفق به). وقال ﷺ: (إنّ شر الرعاء الحطمة). لقد ضرب الرسول
ﷺ في هذا الحديث مثلا لكل راع عنيف، قاس
شديد، لا رحمة في قلبه على رعيته من الناس، سواء أكان ولي أسرة، أو صاحب سلطان، صغرت
دائرة رعيته أو كبرت، فشر الرعاة من الناس على الناس هو الحطمة الذي لا رفق عنده، ولا
رحمة في قلبه تلين سياسته وقيادته، فهو يقسو ويشتد على رعيته، ويوسعهم عسفا وتحطيما،
ويدفعهم دائما إلى المآزق والمحرجات، ولا يعاملهم بالرفق والحكمة في الإدارة والسياسة).
وقال ابن خلدون (إن الملك إذا كان قاهرًا
باطشًا بالعقوبات منقبًا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل، ولاذوا
منه بالكذب والمكر والخديعة؛ فتخلقوا بها، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في
مواطن الحروب والمدافعات، ففسدت الحماية بفساد النيات، وربما أجمعوا على قتله لذلك
فتفسد الدولة، ويخرب السياج، وإن دام أمره عليهم وقهره فسدت العصبية لما قلناه أولا،
وفسد السياج من أصله بالعجز عن الحماية، وإذا كان رفيقا بهم متجاوزا عن سيئاتهم استناموا
إليه ولاذوا به وأشربوا محبته واستماتوا دونه في محاربة أعدائه؛ فاستقام الأمر من كل
جانب)
.
4- الرفق في الدعوة والنصح والموعظة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال سفيان الثوري: (لا يأمر بالمعروف ولا
ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر
عدل بما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى). وقال ابن تيمية: (القيام بالواجبات من
الدعوة الواجبة وغيرها يحتاج إلى شروط يقام بها... فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف
وينكر المنكر، والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود، والحلم بعد الأمر
ليصبر على أذى المأمور والمنهي؛ فإنه كثيرا ما يحصل له الأذى بذلك؛ ولهذا قال تعالى:
"وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك" [لقمان: 17].
وقال أحمد بن حنبل: (يأمر بالرفق والخضوع،
فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب؛ فيكون يريد ينتصر لنفسه). وقال أبو حامد الغزالي: (ويدل
على وجوب الرفق ما استدل به المأمون إذ وعظه واعظ وعنف له في القول، فقال: يا رجل،
ارفق؛ فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق، فقال تعالى:
"فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" [طه: 44] ؛ فليكن اقتداء المحتسب
في الرفق بالأنبياء صلوات الله عليهم).
والداعية عليه أن يرفق في دعوته، فيشفق
على الناس، ولا يشق عليهم ولا ينفرهم من الدين بأسلوبه الغليظ والعنيف (وأولى الناس
بالتخلق بخلق الرفق الدعاة إلى الله والمعلمون؛ فالدعوة إلى الله لا تؤثر ما لم تقترن
بخلق الرفق في دعوة الخلق إلى الحق، وتعليم الناس لا يؤتي ثمراته الطيبات ما لم يقترن
بخلق الرفق الذي يملك القلوب بالمحبة). قال تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل: 125].
فيدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ويتلطف
مع العاصي بكلام لين وبرفق، ولا يعين الشيطان عليه. وكان أصحاب ابن مسعود إذا مروا
بقوم يرون منهم ما يكرهون، يقولون: مهلا رحمكم الله، مهلا رحمكم الله!) وقال ابن حزم:
(الائتساء بالنبي ﷺ في وعظه أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب؛
فمن وعظ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقته، وصار في أكثر الأمور مغريًا للموعوظ
بالتمادي على أمره لجاجا وحردا ومغايظة للواعظ الجافي، فيكون في وعظه مسيئا لا محسنا.
ومن وعظ ببشر وتبسم ولين، وكأنه مشير برأي ومخبر عن غير الموعوظ بما يستقبح من الموعوظ،
فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة...)
.
5- الرفق بالمستفتي:
قال النووي في آداب الفتوى: (إذا كان المستفتي
بعيد الفهم فليرفق به، ويصبر على تفهم سؤاله، وتفهيم جوابه؛ فإن ثوابه جزيل) .
6- رفق العالم بالمتعلم والمتعلم بالعالم:
قال النووي: (يستحب للمعلم أن يرفق بالطالب،
ويحسن إليه ما أمكنه) وقال الآجري: (من كان يقرأ القرآن على غيره ويتلقن، فينبغي له
أن يحسن الأدب في جلوسه بين يديه، ويتواضع في جلوسه، ويكون مقبلا عليه، فإن ضجر عليه
احتمله، وإن زجره احتمله ورفق به، واعتقد له الهيبة، والاستحياء منه) وعن أبي سلمة
بن عبد الرحمن قال: (لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علما كثيرا). قال الشعبي: (كان
أبو سلمة يماري ابن عباس؛ فحرم بذلك علما كثيرا) .
وكان في نافع مولى ابن عمر حدة، فكان مالك
بن أنس يلاطفه ويداريه
.
وعن حجاج قال: (كان عمرو بن قيس الملائي
إذا بلغه الحديث عن الرجل، فأراد أن يسمعه، أتاه حتى يجلس بين يديه ويخفض جناحه، ويقول:
علمني -رحمك الله- مما علمك الله)
.
7- الرفق بالصغار والأحداث:
ف (رحمة الولد الصغير ومعانقته وتقبيله
والرفق به من الأعمال التي يرضاها الله ويجازي عليها؛ ألا ترى قوله عليه السلام للأقرع
بن حابس حين ذكر عند النبي أن له عشرة من الولد ما قبل منهم أحدا: «من لا يرحم لا يرحم»
؛ فدل أن تقبيل الولد الصغير وحمله والتحفي به مما يستحق به رحمة الله، ألا ترى حمل
النبي عليه السلام أمامة ابنة أبى العاص على عنقه في الصلاة ، والصلاة أفضل الأعمال
عند الله، وقد أمر عليه السلام بلزوم الخشوع فيها والإقبال عليها، ولم يكن حمله لها
مما يضاد الخشوع المأمور به فيها، وكره أن يشق عليها لو تركها ولم يحملها في الصلاة.
وفي فعله عليه السلام ذلك أعظم الأسوة لنا؛
فينبغي الاقتداء به في رحمته صغار الولد وكبارهم، والرفق بهم) وقال عبد الله بن أحمد
بن حنبل: سمعت أبي يقول: (الأحداث يرفق بهم) (وقبيح جدا أن يغفل المربون عن الرفق بالصغار
والتلطف بهم في الوقت الذي توجه فيه السنة بجمع من الأحاديث النبوية إلى الرفق بالحيوان
ورحمته!)
.
8- الرفق بالخادم والمملوك:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
لله ﷺ: (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل
إلا ما يطيق). قال الشنقيطي: (فأوجب على مالكيهم الرفق والإحسان إليهم، وأن يطعموهم
مما يطعمون، ويكسوهم مما يلبسون، ولا يكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، وإن كلفوهم أعانوهم؛
كما هو معروف في السنة الواردة عنه ﷺ، مع الإيصاء عليهم في القرآن) .
عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال:
(كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي: اعلم أبا مسعود. فلم أفهم الصوت
من الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ! فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا
مسعود. قال: فألقيت السوط من يدي، فقال: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على
هذا الغلام. قال: فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبد).
(فيه الحث على الرفق بالمملوك) ويروى أن
أبا هريرة رضي الله عنه رأى رجلا راكبا وغلامه يمشي خلفه، فقال: (يا عبد الله، اتق
الله؛ إنما هو أخوك، روحك مثل روحه، احمله)، فحمله .
9- الرفق في طلب الحقوق ودفعها:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن
رسول الله ﷺ قال: (رحم الله رجلا سمحا إذا قضى، وإذا
اقتضى). قال العز بن عبد السلام: (الرفق في الطلب والدفع من الإحسان المطلوب شرعا؛
لما فيه من البر وتأليف القلوب)
.
10- الرفق أثناء السفر:
قال النووي في آداب السفر: (ينبغي له أن
يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الغلام والجمال والرقيق والسائل وغيرهم، ويتجنب المخاصمة
والمخاشنة، ومزاحمة الناس في الطرق وموارد الماء إذا أمكنه ذلك، وأن يصون لسانه من
الشتم والغيبة ولعنة الدواب وجميع الألفاظ القبيحة، ويرفق بالسائل والضعيف، ولا ينهر
أحدا منهم ولا يوبخه على خروجه بلا زاد وراحلة، بل يواسيه بما تيسر، فإن لم يفعل رده
ردا جميلا. ودلائل هذه المسائل مشهورة في القرآن والأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين).
11- الرفق بالغريم:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سمع رسول
الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا
أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج عليهما رسول
الله ﷺ فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟!
فقال: أنا يا رسول الله، وله أي ذلك أحب). قال ابن حجر: (في هذا الحديث: الحض على
الرفق بالغريم، والإحسان إليه بالوضع عنه) .
12- الرفق بالميت:
قال عطاء: (حضرنا مع ابن عباس رضي الله عنهما جنازة ميمونة بسرف، فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي ﷺ: فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها، ولا تزلزلوها، وارفقوا ...) الحديث .
قال
ابن حجر: (قوله: "وارفقوا" إشارة إلى أن مراده السير الوسط المعتدل، ويستفاد
منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته) .
13- الرفق بالحيوان:
فمن الرفق بالحيوان أن تدفع عنه أنواع الأذى،
كالعطش والجوع والمرض، والحمل الثقيل؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: (بينا رجل يمشي، فاشتد عليه العطش،
فنزل بئرا، فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ
هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى الكلب؛ فشكر الله له،
فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر).
وعن سعيد بن جبير قال: (مر ابن عمر بفتيان
من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما
رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟! لعن الله من فعل هذا! إن رسول الله
ﷺ لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضًا).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله ﷺ: (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها
من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير ...) الحديث .
قال النووي: (معنى الحديث: الحث على الرفق
بالدواب ومراعاة مصلحتها، فإن سافروا في الخصب قللوا السير، وتركوها ترعى في بعض النهار
وفي أثناء السير، فتأخذ حظها من الأرض بما ترعاه منها، وإن سافروا في القحط عجلوا السير؛
ليصلوا المقصد وفيها بقية من قوتها، ولا يقللوا السير فيلحقها الضرر؛ لأنها لا تجد
ما ترعى فتضعف ...). ومن الرفق بها ترك وسم الحيوانات في الوجه، وضربها على الوجه؛
فعن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه).
ومن الرفق بالحيوان الرفق به حتى عند إزهاق روحه؛ فعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال:
ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ؛ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء،
فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته).
فإياكم عباد الله والعنف والشدة، فإنه يهدم
ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، ويفرق ولا يجمع. فمِن الناس مَن امتلأ قلبه قسوة وشدة، يَعَنّف،
ويدمر، ويخرب، ويسعى في الأرض بالفساد، عنيف في قوله، عنيف في فعله، عنيف في أخذه وعطائه:
(وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا، وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ . وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ
الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) يظنّ هذا الغافل
أن الرفقَ ذِلّة، والرحمة ضعفًاً، والأناة كسَلاً، والمداراة نفاقًاً، واللطفَ غَفلة..
ويظنّ الفظاظة رجولة وحزماً، والقساوة قوة، والتشدّد تمسّكًاً والتزاماً، وهل هذا إلا
انقلاب في المفاهيم، وسوء في الفهم، وغَلط في الإدراك؟!
إياكم عباد الله والعنف، بأذيّة الآخرين أو بتخويفهم وترويعهم؛ فإن أذيّة المسلم حرام، وتخويفه وترويعه حرام، يقول رسول الله ﷺ: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِماً) ويَقُولُ ﷺ: (مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ) وعليكم عباد الله بالرفق، فإن النفس البشرية تميل إلى الرفق، ولين الجانب، وطيب الكلام، وتأنس به، وتنفر من الغلظة والفظاظة والخشونة والعنف… ورسولُ الله ﷺ هو المثلُ الأعلى والأسوةُ الأولى في أفعالِه وأقوالِه ومعاملاتِه رِقّةً وحُبًّاً وعطفاً ورِفقًاً؛ فلقد امتنّ ربنا جلّ وعلا على نبينا محمد ﷺ بأن جَبَله على الرفق ومحبة الرفق، وبأن جنّبه الغلظة، والفظاظة، فقال عز وجل: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)