recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الرفق.. بناءٌ للإنسان وعمرانٌ للأوطان عادل عبدالكريم توني إبراهيم

   الرفق.. بناءٌ للإنسان وعمرانٌ للأوطان

                  


  إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ " .

 لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" .

  مجالات الرفق وأحق الناس به  .

 

  الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أمَّا بَعْدُ...

 #أيُّهَا المؤْمِنُونَ ،عبادَ اللهِ:

 قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [ الحج: 78] ,  وقالَ رسول الله - -:  " إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ولَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ" (أخرجه البخاري).

إن من أَبْرَزُ سِمَاتِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلامِيَّةِ أنها قَامَتْ عَلَى الرِّفْقُ والتيسير ، ووَضْعِ الْحَرَجِ والْعُذْرِ بِالْجَهْلِ، والتَّقَيُّدِ بالاسْتِطَاعَةِ، وتجَنُّبِ الْعَنَتِ،

الرِّفْقُ مِنْ مكارمِ الأخلاقِ، وذُرْوَةِ الآدابِ ، وهوَ لِينُ الْجَانِبِ وسُهُولَةُ الطَّبْعِ واللُّطْفُ في الأَخْذِ والرَّدِّ، وهُوَ الصَّفْحُ الْجَمِيلُ والتَّوَاضُعُ لِلْكَبِيرِ، والْحلْمُ على الصَّغِيرِ وهُوَ قَبُولُ الْعُذْرِ دُونَ عِتَابٍ، والتَّجَاوُزُ دُونَ أَسْبَابٍ، والتَّغَاضِي عنِ الزَّلاتِ.

في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - - قَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ".

وقال - -:  "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه". رواه مسلم.

فربّنا عزَّ شأنه رفيق بخلقِه، رؤوف بعباده، كريم في عفوه، رفيقٌ في أمره ونهيه، لا يأخذ عبادَه بالتكاليف الشاقّة، ولا يكلفهم بما ليس له به طاقة؛ قال سبحانه وتعالي : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]،

وقال تعالي :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]،

وقال تعالي: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: 7]،

وقال :﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]،

وقال أيضاً : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].

 قال ابن القيم -رحمه الله- في "الوابل الصيب": "من رَفَقَ بعبادِ الله رَفَقَ الله به، ومن رحمَهمْ رحمَه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفةٍ عامله الله بتلك الصِّفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله -تعالى- لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه".

وقال أَبُو حاتم -رحمه الله-: "الواجب على العاقل لزوم الرفق في الأمور كلها، وترك العجلة والخفة فيها، إذ اللَّه -تعالى- يحب الرفق في الأمور كلها، ومن مُنِع الرفقَ مُنِع الخير، كما أن من أعطِيَ الرفق أعْطِيَ الخير، ولا يكاد المرْء يتمكن مِن بُغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة" .

وقال أيضاً: " وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف، ولا دليل أمهر من رفق، كما لا ظهير أوثق من العقل، ومن الرفق يكون الاحتراز، وفي الاحتراز ترجى السلامة، وفي ترك الرفق يكون الخرق، وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة"

(روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لمحمد بن حبان البستي).

الرفق هو الخير كله من أوتيه فقد حاز الخير كله، ومن حرمه حرم الخير كله؛ فقد أخرج الترمذي والبيهقي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ - - قَالَ: "مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ".

 وفي صحيح مسلم عَنْ جَرِير بن عبد الله البجلي عَنِ النَّبِيِّ -

- - قَالَ: "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ"،

وأخرج الإمام أحمد عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -- - قَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ ارْفُقِي، فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْراً دَلَّهُمْ عَلَى بَابِ الرِّفْقِ"، وفي رواية: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ".

 الرفق طريق إلى الفوز بالجنة والنجاة من النار؛ فقد أخرج أحمد ومسلم عن عياض بن حمار المجاشعيّ -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -- - قال ذات يوم في خطبته: "أَلاَ إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ" ثم قال: "وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسطٌ متصدّقٌ موفّقٌ، ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلب لكلّ ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفّف ذو عيال".

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -- -: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ" (أخرجه الترمذي والطبراني).


  عبادَ اللهِ: يقول الله تعالي:﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ، إن رسولُ الله - - هو المثلُ الأعلى والأسوةُ الأولى في أفعالِه وأقوالِه ومعاملاتِه رِقّةً وحُبًّا وعطفا ورِفقًا؛ فلقد امتنّ ربنا -جلّ وعلا- على نبينا محمد - - بأن جَبَله على الرفق ومحبة الرفق، وبأن جنّبه الغلظة، والفظاظة، فقال عز وجل: ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

لقد كانت سيرته عليه الصلاة والسلام حافلةً بهذا الخلق الكريم، فكان  -- رفيقاً هيناً ليناً سهلاً في تعامله وفي أقواله وأفعاله، وكان يحب الرفق، ويحث الناس عليه، ويرغّبهم فيه، يقول أنس -رضي الله عنه-: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلمَ- عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ".

 وعنه رضي الله عنه قال: قَالَ: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -- - وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ"، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى "نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلمَ- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ"، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، "فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - - ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ" (متفق عليه).

هذا هو منهج حبيبنا المصطفى -- - في  تهذيب النفوس، وتربية الأجيال، وتعليم الجاهل، وتنبيه المسيء، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -- -: "دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ".

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العظيم لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، وتوبوا إليه، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

  الْحَمْدُ للهِ ذي الجودِ والإحسانِ، وأَشْهَدُ ألا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ عظيمُ الشَّأْنِ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا أمَّا بـعـدُ:

 أيُّهَا المؤْمِنُونَ: الرِّفْقُ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ المَوَاطِنِ، وَيَتَأَكَّدُ في مَوَاطِنَ مِنْهَا:

- رِفْقُ المُعَلِّمِ بِالمُتَعَلِّمِ؛ فَمَا أُدْرِكَ الْعِلْمُ إلا مِنْ بَابِ الرِّفْقِ، ومَا تَرَكَ المُعَلِّمُ أَثَرًا في طُلابِهِ أَفْضَلَ مِنْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وابْتِسَامَةٍ صَادِقَةٍ، فَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بنِ الْحَكَمِ أنَّهُ قَالَ: بيْنَا أنَا أُصَلِّي مع رَسولِ اللهِ إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي القَوْمُ بأَبْصَارِهِمْ فَقُلتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهْ، ما شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأَيْدِيهِمْ علَى أفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا صَلَّى رَسولُ اللهِ فَبِأَبِي هو وأُمِّي، ما رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ ولَا بَعْدَهُ أحْسَنَ تَعْلِيمًا منه، فَوَاللَّهِ ما كَهَرَنِي ولَا ضَرَبَنِي ولَا شَتَمَنِي، قالَ: (إنَّ هذِه الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شيءٌ مِن كَلَامِ النَّاسِ، إنَّما هو التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ وقِرَاءَةُ القُرْآنِ) أخرجه مسلم

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي - - إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله هلكت، قال ما لك قال وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال - - هل تجد رقبة تعتقها قال: لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا فقال فهل تجد إطعام ستين مسكيناً قال لا فمكث النبي صلى الله عليه وسلم قال فبينما نحن على ذلك أُتي النبي - - بعرق فيه تمر والعرق المكتل فقال: أين السائل فقال: أنا فقال: خذه فتصدق به). متفق عليه.

ـ الرفق بالناس في العبادات: قال جابر بن عبد الله: (أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا يُصلي فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء ، فانطلق الرجل وبَلَغَه أن معاذا نال منه ، فأتى النبي - - فَشَكَا إليه معاذاً ، فقال النبي - - : يا معاذ أفتان أنت أو فاتن ثلاث مرار فلولا صليت بـ سبح اسم ربك والشمس وضحاها والليل إذا يغشى ، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذوالحاجة). متفق عليه.

وعن أنس أن النبي - - قال: (إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به). رواه مسلم.

وفي صحيح مسلم عن عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضي الله عنهما- قَالَ: كُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ، وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ، -قَالَ- فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ - - وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي: "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟". قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلاَّ الْخَيْرَ. قَالَ: "فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ". قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. -قَالَ- فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ؛ نَبِيِّ اللَّهِ - -

 فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ". قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: "كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا". قَالَ: "وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ". قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ". قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ". قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ وَلاَ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ ـ أي زائرك ـ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا". قَالَ: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قَالَ: وَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ -- -:  "إِنَّكَ لاَ تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ". قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِيَ النَّبِيُّ -- - فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللَّهِ -

 *.وَيَتَأَّكَّدُ الرِّفْقُ في الدعوة إلى الله تعالى والنُّصْحِ والتَّوْجِيهِ، والأَمْرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنْكَرِ، قَالَ رَبُّنَا جلّ وعلا لموسَى وَأَخِيهِ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طه: [43- 44] وقَالَ : (يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا) أخرجه البخاري (69) ومسلم (1734).

فما أحوج الدعاةَ والمربّين إلى أن يلتزموا بالرفق في مجال الدعوة والتربية والتعليم.

ولقد رسم القرآن الكريم منهج الإسلام في الدعوة إلى الله بقوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125].

فبالرفق والتيسير واللين والسماحة تُفتَح مغاليق القلوب، وتكون التربية ويكون التعليم، لا بالعنف والتعسير والشدة والمؤاخذة، ولكن بالتيسير والتبشير؛ وهذا هو هدي نبينا المصطفى -- - وهذه هي وصيته؛ ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -- -: إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: "بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا".

ذلك أن الناس ينفرون بطبائعهم من الفظاظة والخشونة والعنف، ويألفون الرقة واللين والرفق، ولذا قال ربنا -سبحانه وتعالى- لنبيه الكريم: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159].

 فمُحال أن يأتي الإصلاح بعنف، ومحال أن يكون التغيير إلى الخير بالشدة والعنف؟ فالدعوة تحتاج إلى رفق، والنصيحة تحتاج إلى رفق، والتعليم يحتاج إلى رفق، والتربية تحتاج إلى رفق، وهذا هو منهج حبيبنا المصطفى -- -في معالجة الأمور، ومواجهة الأحداث، وتهذيب النفوس، وتربية الأجيال، وتعليم الجاهل، وتنبيه المسيء،

* وأحق الناس برفقك: أبوك وأمك؛ فوصية الله إليك: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء: 23 - 24].

 وأحق الناس برفقك: زوجتك؛ وصية رسول الله -- -لك: "استوصوا بالنساء خيرا".

 قالت عائشة رضي الله عنها: ما ضرب رسول الله - - شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله وما نيل شيء منه قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى). رواه مسلم.

رِفْقًا بِالنِّسَاءِ والزَّوْجَاتِ، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ لَكُمْ، وَأَسِيرَاتٌ في بُيُوتِكُمْ، يَغْلُبُ علَيْهِنَّ الضَّعْفُ، ويَتَّسِمْنَ بِالْعَجْزِ، فَلِينُوا لَهُنَّ، وارْفُقُوا بِهِنَّ، قَالَ (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) رواه الترمذي (3895) وصححه الألباني في صحيح الترمذي وفي  السلسلة الصحيحة (1174).

وأحق الناس برفقك: أبناؤك وبناتك؛ ففي الصحيحين عن عُمَرَ بْن أَبِي سَلَمَةَ، يَقُولُ: كُنْتُ غُلاَمًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ -- -(أي في تربيته وتحت رعايته) وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -- -: "يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ (أي صفة أكلي وطريقتي فيه بعد أن علمني رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-)، وكم منا من يحفظ هذا الحديث ويتعمد أن يأكل أو يشرب بشماله؟ فأين السنة؟ وأين الاقتداء؟

اللَّهُمَّ اهْدِنَا لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ، وَارْزُقْنَا الرِّفْقَ في الأَقْوَالِ والأَفْعَالِ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ، وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ.

اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا المسْلِمِينَ المُسْتَضْعَفِينَ في كُلِّ مَكَانٍ. اَللَّهُمَّ أمِّنا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحَ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا ، ووفقهم إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى .

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  

 

google-playkhamsatmostaqltradent