نعمة الماء والحفاظ عليها
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول
الله، أمــا بعـــد:
فممّا لا شكّ فيه أيها الأخوة أنّ نعمَ
الله تعالى على عباده لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى؛ يقول تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ
اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] وقد يقول قائل:
ولماذا قال: (نعمة الله) ولم يقل: (نعمَ الله)؟ ويرد كثير من العلماء قائلين بأنّ النعمة
الواحدة –التي نراها واحدة- بداخلها نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، كمثل نعمة (العقل)
مثلاً، ففيها نعم متعددة؛ كالفهم والتعقّل والذاكرة والاستذكار للمعلومات في وقت آخر.
ومن بين نعم الله على عباده في هذه الحياة، بل وبدونها لا تقوم حياة مخلوق من مخلوقات
الله، وقد أكّد الله هذه الحقيقة بقوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] ... نعم: إنها نعمة الماء!!
حديثنا عن نعمة الماء يأتي في عناصر ثلاثة،
وهي على النّحو التالي:
أولا: مكانة الماء وقيمته في الإسلام.
ثانيًا: هدي المسلم في استعمال الماء.
ثالثًا: دورنا في الحفاظ عليه.
أولا: مكانة الماء وقيمته في الإسلام
لقد ذكر الماء في القرآن صراحة ومشتقاته
قرابة: 160مرة، من مشتقاته: {مَاءٍ صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16]، {مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ}
[محمد: 15]، {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: 15]. {وَنَزَّلْنَا
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9]، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ
لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16]، {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا}
[المرسلات: 27]، {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} [النبأ:
14]. وهذا مما يبيّن عظمته وقيمته، ومن بين صور قيمته في الإسلام ما يأتي:
1. الماء سبب للخلق والإيجاد، قال تعالى:
{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:
30] . ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كل شيء خلق من ماء». مسند أحمد ت شاكر
(8/ 54).
2. الماء منه حياة الكائنات الحية: قال الله
عزّ وجلّ: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى
بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى
أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
[النور: 45].
3. أنه رزق من الله لا من غيره، قال سبحانه:
{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ
الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا
تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 68 - 70]. ويقول ممتنًّا على عباده: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ
لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ
لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22].
4. الماء وسيلة تطهير الأفراد: {وَيُنَزِّلُ
عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11].
5. يحيي به الله الأرض الميتة، قال تعالى:
{وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ
مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان: 48، 49]. ويقول سبحانه:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ
اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ
فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].
6. الماء أصل المعاش وسبب الرزق، يقول سيدنا
عمر: (أينما كان الماء كان المال، وأينما كان الماء كانت الفتنة)..
7. قد يكون الماء نعمة من الله لعبدٍ من عباده،
وقد يكون نقمة وعقوبة من الله، فأما كونه نعمة فهذا يونس عليه السلام كان الماء وسيلة
لإنقاذه كما حدث مع نبي الله نوح عليه السلام، وقد قال عنه المولى: {فَأَنْجَيْنَاهُ
وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ
(120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:
119 - 121].
8. وقد يكون الماء نقمة وعقوبة على الظالمين
والفاسدين، كما قال سبحانه في عقوبة الله لبعض الخلق الذين طغوا وأفسدوا: {فَكُلًّا
أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ
أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ
أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
[العنكبوت: 40]. ولا أدلّ على ذلك من غرق فرعون الظالم، فقال عزّ مِن قائل عنه: {فَأَرَادَ
أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} [الإسراء:
103]، {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} [الشعراء: 66].
ثانيًا: هدي المسلم في استعمال الماء
1. المحافظة على الماء من مورده، وصرفه واستعماله
كما كان هدي النبيّ الحبيب.
2. عدم منعه من الناس مع بيان ثواب المعطي
وعقوبة المانع: فلأنّ الماء تقوم به حياة الكائنات، فقد غلّظت العقوبة لمن منع الماء
عن المخلوق ولو كان حيوانًا أبكمًا، كما عظمت المثوبة لمن أعطى الماء وسقا منه عباد
الله ويسّر سبل الحصول عليه ولم يضيّق على الخلق في ذلك، والدليل على ذلك: المرأة التي
عوقبت بالنار لأنها منعت عن هرٍّ الطعام والشراب حبسته فاستحقت النار، وعظمت مثوبة
البغي الذي سقى الكلب ودخل الجنّة، وهذا عثمان في بئر رومة يشتريه من اليهودي لييسّر
أمر الحصول عليه. ففي صحيح البخاري (3/ 109): قَالَ عُثْمَانُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ، فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا
كَدِلاَءِ المُسْلِمِينَ» فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
3. وورد في صحيح البخاري (4/ 13) عنْ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ
عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، وَلاَ أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ»؟ فَحَفَرْتُهَا،
أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ»؟
فَجَهَّزْتُهُمْ، قَالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ: «لاَ
جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَقَدْ يَلِيهِ الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ فَهُوَ
وَاسِعٌ لِكُلٍّ»
4. الاعتدال والوسطية في استخدامه (التوازن)،
فقد أمرتنا الشريعة الإسلامية بالتوازن في كل الأمور، لا إفراط ولا تفريط، في الأكل
والشرب والملبس والكلام والفرح والحزن والنوم واستخدام الماء، يقول تعالى: {وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] ومعلوم
عقوبة المبذرين والمسرفين؛ حيث يقول المولى عزّ وجلّ: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا
إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 27].
فمطلوب من المسلم ألا يسرف في استخدام الماء.
5. الاقتصاد في استخدامه حتى عند الطهور به
والاغتسال أو الوضوء به، فقد ثبت في صحيح البخاري (1/ 60): حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ،
أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ وَأَبُوهُ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ
فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: «يَكْفِيكَ صَاعٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي،
فَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ»
ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ. وفي حديث آخر أنه سئل أيكون في الوضوء إسراف، فقال كما
في سنن ابن ماجه ت الأرنؤوط (1/ 272): "نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ".
6. صرف الأذى عنه وعدم تلويثه، مع ذكر صور
من تلويث المياه في المجتمع، وعقوبة من يلوث الماء شرعًا وقانونًا، حتى ثبت عن المصطفى
صلى الله عليه وسلّم أنه نهى عن التبول في الماء الراكد؛ صرفًا للأذى عنه وعدم إيذاء
الخلق، ففي الحديث، كما في صحيح مسلم (1/ 235)، عَنْ جَابِرٍ: «عَنْ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ».
والقاعدة الكبرى في تاريخ التشريع الإسلامي: «لا ضَرر ولا ضِرار». مسند أحمد ت شاكر
(3/ 267).
7. شكر نعمة الله فيه {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}
[إبراهيم: 7].
ثالثًا: دورنا في الحفاظ عليه
1. تربية الأبناء-داخل الأسرة- على الحفاظ
عليها
2. توعية المجتمع بخطورة الإسراف في الماء.
في المدارس والجامعات والشوارع والطرقات.
3. تغليظ العقوبة على من أساء استخدام الماء
وأسرف فيه. كما يصنع بعضُ أصحاب المصانع الكيماويّة المؤذيَة للبشر.
4. التأكيد على حقنا في الماء الدوليّ؛ فقد استطاعت بعض الشعوب أن تسيطر على الموارد المائية ويستخدمونه كسلاح للضغط على بعض الشعوب الأخرى، وهو ما يسمى في العصر الحاضر بالحرب المائية، أو الصراع المائي، أو الأمن المائي.