recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة حقُّ الطريق... مفهومٌ أوسع مما يظن كثيرٌ من الناس الشيخ عاطف شحاته الدسوقى

  حقُّ الطريق... مفهومٌ أوسع مما يظن كثيرٌ من الناس  

 



الطريق مرآة أخلاق المجتمع.

ما المقصود بحق الطريق؟

لماذا اهتم الإسلام بالطريق؟

مفهوم حق الطريق أوسع من مجرد إزالة الأذى.

صور معاصرة للتعدي على حق الطريق.

قصص من السنة والسلف في تعظيم حق الطريق.

ثواب المحافظة على حقوق الطريق، وعقوبة إيذاء الناس فيه.

كيف نحيي ثقافة احترام الطريق؟

الحمد لله رب العالمين، جعل الإسلام دين رحمة ونظام، وأمر بالإحسان في كل شأن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي علَّم البشرية كيف تحترم الإنسان قبل المكان، وكيف تجعل الطريق ميدانًا للعبادة كما هو ميدانٌ للحياة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد...أيها المسلمون...لو أردت أن تعرف أخلاق أمة، فلا تنظر إلى المباني الشاهقة، ولا إلى السيارات الفاخرة، ولكن انظر إلى طرقها،انظر كيف يقود الناس سياراتهم، وكيف يعبرون الطريق، وكيف يتعاملون مع كبار السن، وكيف يحافظون على النظافة، وكيف يحترمون حقوق الآخرين، إن الطريق ليس مجرد مكان نعبر منه...بل هو امتحان يومي للأخلاق، فقد يصلي الإنسان في المسجد، ثم يخرج ليؤذي الناس في الطريق، وقد يقرأ القرآن، ثم يلقي القمامة أمام بيت جاره.

وقد يرفع صوته بالذكر، ثم يسب الناس أثناء القيادة.

فأين أثر العبادة؟ ولهذا لم يترك الإسلام الطريق دون آداب، بل جعل له حقوقًا، حتى قال النبي :«إياكم والجلوس في الطرقات...»

فلما قال الصحابة: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا، قال:«فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه.»قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟قال:«غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر

أولًا: حق الطريق ليس إزالة الأذى فقط،كثير من الناس إذا سمعوا "حق الطريق" قالوا: عدم إلقاء القمامة،وهذا صحيح...لكنه جزء صغير فقط، أما حق الطريق في الإسلام فهو منظومة أخلاقية كاملة، يشمل:

احترام الناس،حفظ أرواحهم،احترام النظام، المحافظة على البيئة، حسن الكلام، التعاون، الرحمة.

ثانيًا: من صور حق الطريق في عصرنا

١ـ احترام قواعد المرور

الإشارة الحمراء ليست اقتراحًا...بل هي حق للآخرين،وتجاوز السرعة ليس شجاعة...بل قد يكون سببًا في قتل نفس بريئة،كم من أم فقدت ابنها...وكم من طفل صار يتيمًا...بسبب استهتار شخص بالطريق،قال تعالى﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.

٢ـ عدم إلقاء القمامة، النظافة ليست عمل عامل النظافة فقط، إنها مسؤولية كل مسلم، وقد قال النبي :

«إماطة الأذى عن الطريق صدقة.» فإذا كان إزالة الأذى صدقة...فكيف بمن يضع الأذى بنفسه؟

٣ـ عدم احتلال الطريق

من الناس من يضع بضاعته في وسط الطريق، أو يركن سيارته بطريقة تمنع مرور الناس، أو يغلق باب جارٍ بسيارته، أو يحتل الرصيف حتى ينزل المارة إلى الطريق فيتعرضون للخطر، كل ذلك من الاعتداء على حقوق الناس.

٤ـ احترام المشاة، كم من سائق يرى شيخًا كبيرًا يعبر الطريق فلا يخفف سرعته، وكم من آخر يمر بسرعة فيرش الماء على المارة،أين الرحمة؟ وأين الأخلاق؟

٥ـ الطريق الإلكتروني أيضًا له حقوق، واليوم لم يعد الطريق هو الشارع فقط، بل هناك "طريق رقمي"، تمر فيه الكلمات والصور والمقاطع، فلا تؤذ الناس بالشائعات، ولا بالتنمر، ولا بالسخرية، ولا بنشر الفتن، فكما أن الطريق الحقيقي له حقوق...فكذلك منصات التواصل.

ثالثًا: قصص في بيان ثواب حق الطريق

القصة الأولى: غصن الشوك

قال النبي : «مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحينَّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة.»لم يبن مسجدًا، ولم يتصدق بمال كثير، بل أزال أذى من الطريق، فكان سببًا لدخول الجنة.

القصة الثانية: المرأة والبغي

أخبر النبي عن امرأة كانت بغيًا، رأت كلبًا يلهث من العطش، فنزلت إلى البئر وسقته، فغفر الله لها، فإذا كانت الرحمة بحيوان سببًا للمغفرة...فكيف بالرحمة بالناس في الطريق؟

القصة الثالثة: عمر بن الخطاب رضي الله عنه

كان عمر بن الخطاب يتفقد أحوال الناس بنفسه ليلًا، ويخشى أن يُسأل أمام الله عن تقصيره في حقوق الرعية، حتى قال كلمته المشهورة:"لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لِمَ لمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟"سواء اختلفت الروايات في اللفظ، فإن المعنى الذي اشتهر عنه هو عِظَم شعوره بالمسؤولية عن مصالح الناس.

رابعًا: صور مؤلمة من واقعنا

شاب يقود بسرعة جنونية ليصل قبل غيره... فيصل إلى السجن أو المقبرة، شخص يلقي مخلفات البناء في الطريق فيتسبب في حادث، آخر يشغل الطريق بصوت مرتفع يؤذي المرضى وكبار السن، وآخر يلتقط حادثًا بهاتفه قبل أن يسعف المصابين، أيُّ أخلاق هذه؟

خامسًا: ثواب المحافظة على حق الطريق سبب لدخول الجنة، صدقة يؤجر عليها المسلم كل يوم، دليل على كمال الإيمان، سبب لمحبة الناس، عنوان على رقي المجتمع.

سادسًا: كيف نربي أبناءنا على حق الطريق؟ نعلمهم احترام الإشارة، نعلمهم عدم رمي القمامة، نعلمهم مساعدة كبار السن عند عبور الطريق.

نعلمهم خفض أصواتهم في الأماكن العامة، نعلمهم أن الطريق ملك للجميع وليس لفرد واحد.

أيها المسلمون...

إن حق الطريق ليس مجرد حديث يُقرأ، بل هو سلوك يُمارس، فإذا صلح الطريق...صلحت الأخلاق، وإذا احترم الناس الطريق...احترم بعضهم بعضًا،فلنبدأ من اليوم، إذا خرجت من بيتك، فاجعل نيتك أن تكون سببًا في راحة الناس لا في أذاهم، ابتسم في وجه المارة، أفسح الطريق، أزل حجرًا يؤذي الناس، التزم بالنظام، فربما كانت هذه الأعمال الصغيرة سببًا في نجاتك يوم القيامة.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا حسن الخلق، وكف الأذى، وأداء الحقوق، وأن يجعل طرقنا آمنة، وبيوتنا مطمئنة، ومجتمعاتنا متعاونة على البر والتقوى.

وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.  

google-playkhamsatmostaqltradent