recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة صور من الرفقِ في الإسلامِ. الشيخ عبدالناصربليح

 صور من الرفقِ في الإسلامِ.

 


الحمدُ للهِ والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد فياجماعة الإسلام 

يقول الله تعالي:"  فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"(آل عمران: 159).

 قيل هذا للنبيِّ صلي الله عليه وسلم وهو المؤيَّد بالوحي، والمشهود له بالخُلق العظيم، والمبعوث إلى خير هذه الأمَّة، فما بالُك بغيره؟! رفقًا أيها الناس بالخَلق؛ فإن تبليغ الحقِّ لا يسوِّغ الفَظاظة، ولستَ بأحرصَ على البلاغ من رسول الله، وقد كان في دعوته لطيفًا رحيمًا.

 أمر الباري نبيَّه صلي الله عليه وسلم أن يعفوَ عمَّن أخطأ بحقِّه، وأن يستغفرَ اللهَ لمن أخطأ في حقِّ ربِّه حتى يعفوَ الله عنه، وفي هذا مراعاةُ حقِّ الله وحقِّ الخلق.

عباد الله:" الرفقَ  خلق قويم وصفة عظيمة منْ أهمِّ الصفاتِ التي يقومُ عليها المجتمعُ المسلمُ القويمُ، والناظرُ إلى منْ كانوا حولَ النبيِّ في بدايةِ الدعوةِ يجدُ أنَّ معظمَهمْ فقراءُ، وهذا لا يعني ضعفَهمْ وهوانَهمْ، بلْ يعني سموَّ قواهمُ الروحيةِ والأخلاقيةِ والإيمانيةِ التي جعلتْهمْ سادوا وقادوا، لذلكَ كانوا سببًا في النصرِ وسعةِ الرزقِ، قالَ النبيُّ صلي الله عليه وسلم: "هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟!" (البخاريُّ)، 

بلْ إنَّ وجودَ الضعفاءِ في المجتمعِ سببٌ لرفعِ الضرِّ والعذابِ عنا، فعنْ أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ صلي الله عليه وسلم قالَ: "لَوْلا شُيُوخٌ رُكَّعٌ، وَشَبَابٌ خُشَّعٌ، وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، لَصَبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابَ صَبًّا" (مجمعُ الزوائدِ).  

وعلق الإسلام دخول الجنة والنار علي الرفق وعدمه عنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ النبيُّ صلي الله عليه وسلم: "بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ" (متفقٌ عليهِ). لقدْ أكثرَ النبيُّ صلي الله عليه وسلم في الحديثِ عنِ الرفقِ فقالَ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ". (متفقٌ عليهِ). 

لقد أكثر النبي صلي الله عليه وسلم في الحديث عن الرفق فقال:"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ".(متفق عليه).

 وفي المقابلِ،  عنه صلي الله عليه وسلم قال  : "عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ" (متفقٌ عليهِ)، 


وعلق الخير من عدمه علي الرفق  قالَ رسولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم: "مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ" (مسلمٌ)، 

وقالَ صلي الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" (مسلمٌ)،

وقال  صلي الله عليه وسلم لعائشة : "إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ" (أحمدُ بسندٍ صحيحٍ). 

وقالَ صلي الله عليه وسلم في أهلِ الجنةِ: "أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ" (مسلمٌ). 

بل دعا الرسول صلي الله عليه وسلم لمن رفق بأمته ودعي علي من شق عليها "اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ". (مسلمٌ).

صورمن الرفق في الإسلام 

الرِّفقُ بالنساءِ: وهذهِ هي وصيةُ الرسولِ صلي الله عليه وسلم لأمتِهِ. فكانَ صلي الله عليه وسلم دائمًا يقولُ لأصحابِهِ: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"(البخاري)، كذلك رفقُهُ ورحمتُهُ صلي الله عليه وسلم بالإِمَاءِ، وهُنَّ الرقيقُ مِن النساءِ، فقد روى أنسُ بنُ مالكٍ قالَ: “إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلمفَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ!"(البخاري).

الرِّفقُ بالخدمِ والعبيدِ: وقدكان صلي الله عليه وسلم رفيقًا بالخدمِ والعبيدِ لضعفِهم. فعن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ”، وعَنْ عَائِشَةَ قالتْ: “مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"(البخاري ومسلم). وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قالَ: “كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ” (مسلم).

 الرِّفقُ بالحيوانِ والطُّيورِ: ولنا القدوةُ في حبيبِنا صلي الله عليه وسلم في رفقِهِ بالحيوانِ والطُّيورِ، فقدْ تجاوزتْ إنسانيتُهُ صلي الله عليه وسلم ذلكَ كلَّهُ إلى الحيوانِ والبهيمةِ، فرويَ أنَّ النبيَّ صلي الله عليه وسلم  دخلَ حائطًا لرجلٍ مِنَ الأنصارِ، فإذا فيه جملٌ فلمَّا رأى النبيُّ صلي الله عليه وسلم حنَّ وذرفتْ عيناهُ، فأتاهُ صلي الله عليه وسلم فمسحَ ظفراهُ فسكتَ، فقالَ صلي الله عليه وسلم:" مَن ربُّ هذا الجملِ؟ لِمَن هذا الجملُ؟” فجاءَ فتًى مِنَ الأنصارِ فقالَ: لي يا رسولَ اللهِ، فقالَ لهُ: ” أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ ‏‏وَتُدْئِبُهُ" (أبو داود)، (وَتُدْئِبُهُ: أَيْ تُكْرِهُهُ وَتُتْعِبُهُ وَزْنًا وَمَعْنًى)، وقدْ مَرَّ صلي الله عليه وسلمبِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: “اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً" (أبو داود بسندٍ صحيحٍ). 

وعنْ عبدِاللهِ بنِ مسعودٍ قالَ: قالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلمفِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَرَةُ، فَجَعَلَتْ تُفَرِّشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم فَقَالَ:"مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا"(أبو داود والحاكم وصححه).

  إِنَّ الرِّفْقَ بِالطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ عِبَادَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُ، وَنَهَى عَنْ تَعْذِيبِهِ أَوْ إِرْهَاقِهِ أَوِ التَّمْثِيلِ بِهِ، بَلْ أَمَرَ بِإِرَاحَتِهِ حَتَّى عِنْدَ الذَّبْحِ، مَعَ أَنَّ الذَّبْحَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، لِيَظَلَّ الرِّفْقُ هُوَ الْأَصْلَ الَّذِي يَحْكُمُ تَصَرُّفَاتِ الْمُسْلِمِ مَعَ كُلِّ مَخْلُوقٍ. فَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ"(مُسْلِمٌ). 

وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابَّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ، فَقَالَ لَهُمْ: «ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَدَعُوهَا سَالِمَةً، وَلَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لِأَحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالْأَسْوَاقِ، فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ"(أَحْمَدُ).

عيد بن جبير قال:"مر ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟! لعن الله من فعل هذا! إن رسول الله صلي الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضًا).

 الرِّفقُ بكبارِ السنِّ: فقدْ جاءَ أبو بكرٍ بأبيهِ عامَ الفتحِ يقودُهُ نحوَ رسولِ اللهِ صلي الله عليه وسلمورأسُهُ كالثَّغامةِ بياضًا مِن شدةِ الشيبِ، فرحمَ النبيُّ صلي الله عليه وسلمشيخوختَهُ وقالَ: “هلا تركتَ الشيخَ في بيتِهِ حتى أكونَ أنا آتيهِ فيهِ، قالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: هو أحقُّ أنْ يمشيَ إليكَ يا رسولَ اللهِ مِن أنْ تمشيَ إليهِ."(مجمعُ الزوائدِ للهيثميِّ). وقال  صلي الله عليه وسلم:"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا"(الحاكمُ وصححهُ) .

  الرِّفقُ بالمُخطئِ: فعَنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قامَ أعرابيٌّ فبالَ في المسجدِ، فتناولَهُ الناسُ فقالَ لهمُ النبيُّ صلي الله عليه وسلم: "دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ"(البخاريُّ). 

قالَ النوويُّ: ”فيهِ الرفقُ بالجاهلِ، وتعليمُهُ ما يلزمُهُ من غيرِ تعنيفٍ ولا إيذاءٍ، إذا لم يأتِ بالمخالفةِ استخفافًا أو عنادًا، وفيهِ دفعُ أعظمِ الضررينِ باحتمالِ أخفِّهِما"(شرحُ النوويِّ). فعلينا أن نتأسَّى بهديهِ عليه السلامُ معلمًا ومربيًا لا سيما في التعاملِ مع المخطئِ برفقٍ ولين بعيدا عن القسوة والعنف.

 الرفق بالميت:قال عطاء:"حضرتُ مع ابنِ عبَّاسٍ جنازةَ ميمونةَ ، فقالَ : هذهِ زوجةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فلا تُزَعزعوها ولا تُزَلزِلوها ، فإنَّهُ كانَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ تِسعُ نسوةٍ ، وكان يقسِمُ لثمانٍ ولا يقسِمُ لواحدةٍ ، قال عطاءٌ : الَّتي لا يقسِمُ لها صَفيَّةُ بنتُ حُيَيِّ بنِ أخطبَ"(البخاري ومسلم).

       قال ابن حجر:قوله: "وارفقوا" إشارة إلى أن مراده السير الوسط المعتدل، ويستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته" .


 الرِّفقُ بجموع الأمةِ: فالرسولُ بعثَ رحمةً بأمتِهِ صلي الله عليه وسلم ولا ريبَ في ذلكَ لأنَّها الهدفُ الذي أُرسلَ بهِ ولهُ، قالَ تعالى:"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" (التوبة: 128).

ومنْ مظاهرِ رحمتِهِ بأمتِهِ ما رويَ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ: ”أنَّ النبيَّ صلي الله عليه وسلم تلا قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبراهيمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: “رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي" (إبراهيم: 36)، وقالَ عيسى عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (المائدة: 118)؛ 

فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ:"اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي” وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: “يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟" فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ عليهِ السلامُ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ: “يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ"(مسلمٌ). فهلْ بعدَ ذلكَ منْ رفقٍ ورأفةٍ ورحمةٍ؟!!

  الرِّفقُ بالكفارِ: فالرفقُ في الإسلامِ لمْ يقتصرْ على المسلمينَ فحسبُ، فعندما قيلَ لهُ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ادعُ على المشركينَ قالَ: "إنِّي لمْ أبعثْ لعانًا، وإنّما بعثتُ رحمةً". (مسلمٌ). 

وقالَ في أهلِ مكةَ – لما جاءَهُ ملكُ الجبالِ ليأمرَهُ بما شاءَ -: ”بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا” (البخاريُّ ومسلمٌ).

ولمَّا أُصيبَ في أُحدٍ قالَ لهُ الصحابةُ الكرامُ ادعُ على المشركينَ فقالَ:"إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْنِي طَعَّانًا وَلَا لَعَّانًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي دَاعِيَةً وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ"(شعبُ الإيمانِ للبيهقيِّ).

وهكذا شملَ الرفقُ الجميع حتى غيرِ المسلمينَ، وهذا هو عينُ الرفقِ والتراحمِ في الإسلامِ.

الخطبة الثانية

الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد

القسوةُ ليستْ وسيلةً للتربيةِ (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).

الرِّفقُ بالأطفالِ والصبيانِ: ولنا القدوةُ في رسول الله صلي الله عليه وسلم  رفيقًا رحيمًا بالأطفالِ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم فِي إِحْدَى صَلاتَيِ النَّهَارِ: الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ، وَهُوَ حَامِلٌ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ، فَتَقَدَّمَ فَوَضَعَهُ عِنْدَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى، فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلمسَجْدَةً فَأَطَالَهَا، فَرَفَعْتُ رَأْسِيَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم سَاجِدٌ، وَإِذَا الْغُلامُ رَاكِبٌ ظَهْرَهُ، فَعُدْتُ فَسَجَدْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم قالَ ناسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ سَجَدْتَ فِي صَلاتِكَ هَذِهِ سَجْدَةً مَا كُنْتَ تَسْجُدُهَا، أَشَيْئًا أُمِرْتَ بِهِ، أَوْ كَانَ يُوحَى إِلَيْكَ؟ قالَ: “كُلٌّ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ" (أحمد والحاكم وصححه). 

فما أجملَها من أخلاقٍ! وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ، ثُمَّ قالَ: “صَدَقَ اللَّهُ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (التغابن: 15)، رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ”، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ. (أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه). وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، قالَ: رَأَيْتُ “النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  يَؤُمُّ النَّاسَ، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ، أَعَادَهَا”. (مسلم).

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ :” مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضَعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَكَانَ يَأْتِيهِ وَإِنَّ الْبَيْتَ لَيُدَّخَنُ فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ".(مسلم). وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ:"اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا"(البخاري). فأينَ نحن مِن ذلك الرفق واللين؟! قارنْ بمَا يحدثُ الآن!

عباد الله:" هناكَ ظاهرةٌ سيئةٌ منتشرةٌ في المجتمعِ، ألا وهيَ ظاهرةُ القسوةِ والعنفِ في التربيةِ، وهذهِ وسيلةٌ خاطئةٌ، حيثُ إنَّ القسوةَ لا تولدُ إلا القسوةَ، والعنفَ لا يولدُ إلا العنفَ، بلْ إنَّ ذلكَ كلَّهُ يأتي بنتائجَ عكسيةٍ، لذلكَ أكدَ الرسولُ صلي الله عليه وسلم على الرفقِ في التربيةِ ونبذِ القسوةِ والعنفِ في أحاديثَ كثيرةٍ. ففي صحيحِ مسلمٍ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ صلي الله عليه وسلم  قالَ: "إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ". 

وقالَ صلي الله عليه وسلم : "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ". (مسلمٌ).  

لذلكَ كانَ الرسولُ صلي الله عليه وسلم  القدوةَ في التربيةِ بالرفقِ واللينِ، فكانَ يداعبُ الصبيانَ والغلمانَ ويرفقُ بهمْ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قالَ: ”كانَ رَسولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم  أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكانَ لي أَخٌ يُقَالُ لهُ: أَبُو عُمَيْرٍ، قالَ: أَحْسِبُهُ، قالَ: كانَ فَطِيمًا، قالَ: فَكانَ إذَا جَاءَ رَسولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم  فَرَآهُ، قالَ: أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ قالَ: فَكانَ يَلْعَبُ بهِ". (مسلمٌ).

وقدْ أنكرَ الرسولُ صلي الله عليه وسلم على البعضِ لما رأى عندَهمْ قسوةً وغلظةً في التربيةِ، فعنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: ”قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ”. وعنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلي الله عليه وسلم فقالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فما نقبلُهمْ، فقالَ النبيُّ صلي الله عليه وسلم :"أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ" (متفقٌ عليهما). وهكذا بالرفقِ واللينِ معَ الصغيرِ والكبيرِ، نستطيعُ أنْ نبنيَ مجتمعًا فاضلًا تسودُهُ علاقاتُ الودِّ والرحمةِ والعطفِ.

google-playkhamsatmostaqltradent