بين القسوة والرفق.. تُبنى البيوت أو تُهدم
الحمد لله الرحيم
الرحمن، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في
كتابه الكريم: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، وأشهد أن سيدنا محمدًا
عبده ورسوله، أرحم الناس بالناس، وألينهم جانبًا، وأحسنهم خلقًا، ما خير بين أمرين
إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا ، صلى الله
وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد...
أيها الحبيب الكريم...
تخيل أنك تسير
في شارعٍ مزدحم، فإذا برجلٍ يصرخ في وجه طفلٍ صغير، أو ينهال على دابةٍ ضعيفة ضربًا...
ماذا سيكون شعورك؟
لا شك أنك ستستنكر
هذا المشهد، وسيقول قلبك قبل لسانك: ما هذه القسوة؟! أين الرحمة؟! كيف جفَّ هذا القلب
حتى صار يؤذي الضعيف الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه؟!
لكن... لا تتعجل
في إصدار الحكم.
خذ هذا المشهد،
واحمله معك إلى بيتك ثم أغلق الباب حيث لا يراك إلا الله ،واسأل نفسك:
هل تتحول داخل
بيتك إلى ذلك الرجل الذي استنكرت فعله في الشارع؟
هل يعرف أولادك
منك وجهًا لا يعرفه الناس؟
هل تسمع زوجتك
منك كلماتٍ لا يسمعها منك أحد؟
وهل العامل الذي
يعمل معك، أو الموظف الذي تحت يدك، يراك أبًا رحيمًا، أم يخاف من لقائك، ويتمنى انصرافك؟
أيها الأحبة الكرام...
لقد انقلبت الموازين
عند كثير من الناس؛ فأصبحوا يظنون أن الغلظة قوة، وأن ارتفاع الصوت هيبة، وأن الفظاظة
شطارة، وأن الرفق ضعفٌ لا يليق بأصحاب الشخصية!
ففي الأسواق...
صراخ.
وفي الشوارع...
مشاحنات.
وفي البيوت وجوه
عابسة، وكلمات جارحة، وقلوب متباعدة.
وكأن الناس ينتظر
بعضهم بعضًا على خطأ، فإذا أخطأ أحدهم، أمطروه بكلماتٍ كالجمر، لا تعرف رحمةً، ولا
تعرف عفوًا.
اسمعني جيدًا أيها
الحبيب...
إن كنت تظن أن
هيبتك يصنعها صوتك المرتفع، أو يدك الثقيلة، أو نظرتك القاسية... فأنت لم تعرف الهيبة
بعد.
فالهيبة الحقيقية
يكسوها الوقار، ويزينها الحلم، ويجملها الرفق.
ولهذا اسمع إلى
ربك، وهو يضع الميزان الذي لا يختل، فيخاطب خير خلقه ﷺ، فيقول: { فَبِمَا
رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ
لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ
}.
تأملوا هذه الآية...إنها
تهدم كل مقاييس القسوة .
فلو كان محمد ﷺ، وهو سيد الخلق،
والمؤيد بالوحي، وصاحب المعجزات، فظًّا غليظ القلب... لانفض الناس من حوله، وتركوه
وحده.
فمن أنا... ومن أنت... حتى نظن أن الناس سيحبوننا،
أو يحترموننا، أو يطمئنون إلينا، إذا كانت القسوة تسبق كلماتنا، والغلظة تسبق ابتساماتنا؟!
أيها المسلمون...
الحقيقة التي يهرب
منها كثيرٌ من الناس، أن الرفق ليس خُلُقَ الضعفاء، ولا حيلةَ العاجزين، بل هو ذروة
القوة، وعنوان الرجولة، وانتصار الإنسان على نفسه.
أن تملك القدرة
على البطش... ثم تعفو.
وأن تستطيع أن
ترد الإساءة بمثلها... ثم تصفح.
وأن تسمع الكلمة
الجارحة... فتختار الكلمة الطيبة.
ذلك هو الانتصار الحقيقي... لأنك لم تهزم خصمك،
بل هزمت نفسك، ومن ملك نفسه عند الغضب فقد بلغ منزلةً عظيمة.
ولهذا يضع لنا
النبي ﷺ في صحيح مسلم قاعدةً من أعظم قواعد الحياة،
فيقول: «إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا
يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ».
قفوا عند هذه الكلمات...
يُعطي على الرفق.......أي
عطاءٍ هذا؟
إنه عطاءٌ لا يُقاس
بالمال وحده، بل هو توفيق، وبركة، ومحبة، وقبول، وسكينة.
أتريد أن يهتدي
ولدك؟
لن يهديه الصراخ،
وإنما قد تفتحه كلمةٌ رفيقة.
أتريد أن تكسب
قلب زوجتك؟
لن تملكه بالقسوة،
وإنما تملكه بحسن الخلق.
أتريد البركة في
تجارتك، والتوفيق في عملك، ومحبة الناس لك؟ فاعلم أن من أعظم مفاتيح ذلك الرفق واللين.
ثم يأتي التحذير
الذي يهز القلوب، فيقول ﷺ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ».
يا الله...لم يقل:
يُحرم بعض الخير...
بل قال: «يُحرم
الخير»؛ لأن الرفق إذا فارق القلب، دخلت مكانه القسوة، وإذا دخلت القسوة، ضاقت الصدور،
وتفرقت القلوب، ونُزعت البركة.
فاحذروا -عباد
الله- أن تُنتزع من قلوبكم هذه النعمة العظيمة؛ فإن من نُزع منه الرفق، فقد حُرم بابًا
واسعًا من أبواب الخير في الدنيا والآخرة.
أيها الأحبة...
دعونا نقف أمام
موقفٍ يكشف كيف كان الرفق عند رسول الله ﷺ يصنع الرجال،
ويغير النفوس، ويخرج من الضعف قوةً، ومن الخوف شجاعةً.
إنها قصة الصحابي
الجليل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، كما رواها البخاري ومسلم.
أرسل النبي ﷺ جريرًا في مهمة
عظيمة؛ ليهدم ذا الخلصة، وهو بيتٌ كان يُعبد فيه صنمٌ من دون الله في الجاهلية.
لكن جريرًا كان
يحمل همًّا يؤلمه...
فقد كان رجلًا ضخم الجثة، لا يثبت على ظهر الفرس،
فإذا ركب اضطرب وكاد يسقط.
تخيل نفسك مكان
جرير...
قائد الأمة يكلفك
بمهمة خطيرة، فتقول له: يا رسول الله، لا أستطيع...
كيف يكون الرد في عرف الناس؟
ربما يسمع توبيخًا...وربما
يُتهم بالجبن...وربما يُقال له: أنت لا تصلح لهذه المهمة!
لكننا هنا أمام
محمد ﷺ..مدرسة الرحمة...
ومدرسة الرفق.
يقول جرير: قلت:
يا رسول الله، إني لا أثبت على الخيل.
فما غضب رسول الله
ﷺ، وما عنفه، وما
عيَّره بضعفه، بل اقترب منه في رفق الأب، ووضع يده الشريفة على صدره، وضربةً ملؤها
الحنان والدعاء، ثم قال:
«اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ،
وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا».
دعوة... ولمسة...
ورفق...لكنها خرجت من قلب نبي.
فماذا كانت النتيجة؟
يقول جرير رضي
الله عنه: «فما سقطتُ عن فرسٍ بعدُ...»
ولم يقف الأمر
عند هذا الحد...بل ظل جرير يتذكر خلق النبي ﷺ طوال حياته، فيقول:«وما
حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم.» رواه البخاري.
هكذا كان ﷺ يفتح القلوب قبل
أن يفتح الآذان.
وهكذا صنع الرفق
من جرير رجلًا ثابتًا، وقائدًا فاتحًا، وبقي في ذاكرته إلى آخر عمره، لا يذكر من نبيه
إلا تلك اللمسة الحانية، وذلك الوجه البشوش.
فأين نحن من هذا الرفق؟
أين ابتسامتنا في وجوه زوجاتنا؟وأين ليننا مع
أولادنا؟
وأين رحمتنا بعمالنا، ومن يعملون تحت أيدينا؟
لماذا أصبحت الكلمة الطيبة ثقيلة على ألسنتنا،
وأصبح العبوس هو أول ما يلقاه الناس منا؟
أيها المسلمون...
انظروا كيف يربي
الله عباده على هذا الخلق العظيم...
فلما أرسل موسى
وهارون عليهما السلام إلى أعتى طاغيةٍ عرفته الأرض، إلى فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ
الْأَعْلَى﴾، لم يأمرهما بالفظاظة ولا بالشدة، وإنما قال سبحانه:
﴿فَقُولَا لَهُ
قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
قولًا لينًا...
مع فرعون! مع من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾! فإذا كان هذا مع فرعون، فكيف بزوجتك؟
وكيف بولدك؟ وكيف بعاملٍ يبحث عن لقمة عيشه؟!"
إن مجتمعاً لا
يتراحم، هو مجتمع يحكم على نفسه بالهلاك ، والله جل وعلا يأمرنا باللين والتواضع في
كتابه فيقول:
{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ
لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .
ولذلك قال النبي
ﷺ: «إنَّ الرِّفقَ
لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزعُ من شيءٍ إلا شانَه»."
أيها المسلمون..
التفتوا إلى
بيوتكم ، امسحوا دموعاً أسالتها قسوتكم، وأصلحوا ما أفسدته لحظات غضبكم، فما دخل الرفق
بيتاً إلا ودخله الله بالرحمة، وما نُزع من بيت إلا كثرت فيه الخصومات، وضاقت فيه الصدور،
وقلَّت فيه البركة وتذكروا قول الله عز وجل في وصف من يحبهم ويحبونه:
{ وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ
ٱلَّذِینَ یَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنࣰا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
ٱلۡجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمࣰا
}.
يا رب، تبنا
إليك، فاغسل قلوبنا من القسوة، واملأ بيوتنا باللين والمرحمة.
أقول قولي هذا،
وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين،
وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله
وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد...
أيها المسلمون...
إذا كانت الخطبة
الأولى قد حدثتنا عن الرفق مع الناس، فإن السؤال الآن:
كيف نبني أبناءنا؟وهل
القسوة تصنع رجالًا؟وهل الصراخ يربي النفوس؟وهل الضرب وحده يخرج جيلًا صالحًا؟
الجواب يأتينا
من رسول الله ﷺ، الذي ربَّى خير
جيل عرفته البشرية، فلم يكن منهجه الإهانة، ولا التحقير، ولا كسر النفوس.
يقول الله عز وجل:﴿لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
ولذلك لما جاءه
الأعرابي فبال في المسجد، ثار الصحابة يريدون أن يوقعوا به، فقال ﷺ:«دعوه، وأريقوا
على بوله ذَنوبًا من ماء؛ فإنما بُعثتم ميسرين، ولم تُبعثوا معسرين».
لم يعالج الخطأ
بخطأ...
ولم يربِّ الناس
بالغضب...
بل علَّم، ووجَّه،
وأصلح.
أيها الآباء...
كم من كلمةٍ قاسيةٍ
بقي أثرها في قلب ولدٍ سنوات!
وكم من صفعةٍ أورثت
عقدةً لا يراها الناس!
وكم من أبٍ ظن
أنه يربي، وهو في الحقيقة يهدم شخصية ابنه من حيث لا يشعر!
إن أبناءنا يحتاجون
إلى الحزم...نعم...
لكنهم يحتاجون
قبله إلى الرحمة.
ويحتاجون إلى القدوة
قبل العقوبة.
ويحتاجون إلى الاحتواء
قبل المحاسبة.
وقد كان النبي
ﷺ يقبِّل الحسن
والحسين، فقال له الأقرع بن حابس: إن لي عشرةً من الولد ما قبَّلت واحدًا منهم.
فنظر إليه النبي
ﷺ وقال:«مَن لا
يَرحم لا يُرحم». متفق عليه.
فأي رسالة أعظم
من هذه؟
عباد الله...
ارحموا أبناءكم...وأحسنوا
إلى زوجاتكم...وارفقوا بمن يعمل تحت أيديكم...فإن الرفق لا يُنقص هيبةً، ولا يُسقط
رجولةً، وإنما يرفع صاحبه عند الله، ويزرع محبته في قلوب الخلق.
اللهم أصلح بيوتنا،
وألف بين قلوبنا، وانزع من نفوسنا الغلظة والقسوة، واجعلنا من عبادك الرحماء.
اللهم اهد أبناءنا
وبناتنا، وأصلح شباب المسلمين، واحفظ مصر وسائر بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها
وما بطن.
وصلِّ اللهم وسلم
وبارك على سيدنا محمد، وأقم الصلاة.