الرِّفْقُ.. بِنَاءٌ لِلْإِنْسَانِ وَعِمْرَانٌ لِلْأَوْطَانِ
حُكمُ الرِّفْقِ.
من فوائد وفضائل الرفق.
مجالات الرفق.
التحذير من ترك الرفق.
أخطاءٌ شائعةٌ فى الرفق
الحمد لله على نعمة الإسلام ونشهد أن لاإله
إلا الله الملك العلام ونشهد أن محمد ﷺ سيد الأنام وبعد فالرِّفْقُ ليس مجرد فضيلة
عابرة، بل هو سرُّ الجمال الكامن في هذا الكون؛ فما وُضع في شيءٍ إلا زانه، وما نُزع
من شيءٍ إلا شانه. هو تلك اللمسة الحانية التي تبرئ القلوب الكسيرة، واللغة العالمية
التي يفهمها الجميع دون ترجمة.
عندما يتغلغل الرفق في نفس البشر، فإنه
يعيد بناء الإنسان من الداخل؛ يغرس فيه روح التسامح، ويهذب سلوكه، ويجعل منه لبنةً
صالحة تشعُّ خيرًا وسلامًا. ومن رَحِم هذا الإنسان المترفق، يولد عمران الأوطان؛ فالأوطان
لا تُبنى بالقسوة أو الجفاء، وإنما بتماسك قلوب أبنائها، وتلاحم عقولهم، وسيادة المودة
في تعاملاتهم.
إن الرفق هو الخيط الخفي الذي يربط بين
نبل الأخلاق وازدهار الحضارات، وبه وحده تستقيم الحياة وتزدهر الأوطان.
أولاً:تعريف الرِّفْقُ:
(1)هُوَ لِينُ الْجَانِبِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ
وَالْأَخْذِ بِالْأَسْهَلِ وَهُوَ ضد العنف.فتح البارى (10/449)
(2)«رفَق بفلان/ رفَق على فلان/ رفَق لفلان:
لَطَف به، وألان جانبه له، وأحسن الصَّنيع له "عامله برفق»
«معجم اللغة العربية المعاصرة» (٢/ 919).
(3)قد يظن بعض الناس أن معنى الرفق أن تأتي
للناس على ما يشتهون ويريدون،وليس الأمر كذلك؛ بل الرفق أن تسير بالناس حسب أمر الله
ورسوله، ولكن تسلك أقرب الطرق وأرفق الطرق الناس، ولا تشق عليهم في شيء ليس عليه أمر
الله ورسوله.(شرح رياض الصالحين (3/634).
ثانياً:حُكمُ الرِّفْقِ:
-النَّدبُ والاستحبابُ، وهذا الحُكمُ من
حيثُ العُمومُ، أمَّا إذا كان التَّعامُلُ بالرِّفْقِ يحقِّقُ مصلحةً، وتركُه يحَقِّقُ
مَفسدةً، أو يفوِّتُ مَقصَدًا شرعيًّا، أو هو مَظِنَّةٌ لذلك، فحكمُه حينئذٍ الوجوبُ.وأمَّا
إذا كان التَّعامُلُ بالرِّفْقِ يجلِبُ مفسدةً، أو يُفَوِّتُ مقصَدًا شرعيًّا، فهو
ممنوعٌ، وحُكمُه التَّحريمُ.( الرفق فى السنة النبوية صـ 44)
ثالثاً :من فوائد وفضائل الرفق منها مثلاً :
(1)في الرفق محبة الله تعالى :
-عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ،فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ:
بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ
يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ:"قُلْتُ:
وَعَلَيْكُمْ "صحيح البخارى (6927) ،صحيح مسلم (2165).
-إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ) أَيْ: لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ،
يُرِيدُ بِهِمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهِمُ الْعُسْرَ، فَيُسَامِحُهُمْ وَلَا يُكَلِّفُ
فَوْقَ وُسْعِهِمْ، (يُحِبُّ الرِّفْقَ) أَيْ: يَرْضَى بِهِ وَيُثْنِي عَلَيْهِ (وَيُعْطِي
عَلَى الرِّفْقِ) أَيِ: الْمَثُوبَاتِ وَالْمَآرِبَ أَوْ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْمَطَالِبِ
(مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ).مرقاة المفاتيح (8/3170).
-الإنسان الرفيق حري بأن يعامله الله عز
وجل هذه المعاملة، فالله كريم وحليم تبارك وتعالى، فإذا كان الإنسان كريماً فإن الله
يعامله بكرمه، وإذا كان رحيماً وحليماً فإن الله يعامله برحمته وحلمه سبحانه.(شرح رياض
الصالحين حطيبة (50/3).
-قال ابن القيم: (من رَفَقَ بعبادِ الله
رَفَقَ الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله
عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفةٍ
عامله الله بتلك الصِّفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده حسب ما يكون
العبد لخلقه) ((الوابل الصيب)) (ص35).
-فِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَغَافُلِ
أَهْلِ الْفَضْلِ عَنْ سَفَهِ الْمُبْطِلِينَ إِذَا لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْكَيِّسُ الْعَاقِلُ هُوَ الْفَطِنُ الْمُتَغَافِلُ.
(شرح النووى (14/147)
(2)في الرفق محبة الناس :
-قال تعالى :فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)آل عمران .
-أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله
عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك،
وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك،وامتثلوا أمرك.{ولو كنت فظا} أي:
سيئ الخلق {غليظ القلب} أي: قاسيه، {لانفضوا من حولك} لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام
به هذا الخلق السيئ.(تفسير السعدى (صـ 154)
- لهذا فإن الإنسان إذا عامل الناس بالرفق
يجد لذة وانشراحاً، وإذا عاملهم بالشدة والعنف ندم، ثم قال ليتني لم أفعل، لكن بعد
أن يفوت الأوان، أما إذا عاملهم بالرفق واللين والأناة انشرح صدره، ولم يندم على شيء
فعله.شرح رياض الصالحين (3/578)
(3)الرفق زينه وكمال :
-عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ
فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»صحيح مسلم (2594).
-(إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ)أَيْ:لَا يُوجَدُ
(فِي شَيْءٍ) أَيْ: مِنَ الذَّوَاتِ وَالْأَعْرَاضِ (إِلَّا زَانَهُ)أَيْ:زَيَّنَهُ
وَكَمَّلَهُ (وَلَا يُنْزَعُ) :أَيْ: لَا يُفْقَدُ وَلَا يُعْدَمُ (مِنْ شَيْءٍ إِلَّا
شَانَهُ)أَيْ: عَيَّبَهُ وَنَقَّصَهُ.(مرقاة المفاتيح (8/3170).
-(ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من
شيء إلا شانه) لأن به تسهل الأمور وبه يتصل بعضها ببعض وبه يجتمع ما تشتت ويأتلف ما
تنافر وتبدد ويرجع إلى المأوى ما شذ وهو مؤلف للجماعات جامع للطاعات ومنه أخذ أنه ينبغي
للعالم إذا رأى من يخل بواجب أو يفعل محرما أن يترفق في إرشاده ويتلطف به.(فيض القدير
(5/461)
(4)الرفق فيه هدوء البيوت :
-عَنْ عَائِشَةَ،قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ ﷺ:"إِذَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ
بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ"مسند أحمد (24427) وصحيح
الجامع (303)
-أي صار بعضهم يرفق ببعض،وهذا من أسباب السعادة
في البيت، والمحافظة على تماسك بنيان الأسرة المسلمة وصفاء أجوائها.فالرفق نافع جداً
فى العَلاقات الأُسْرِيَّة مع الأهل وذوي الرحم، ينبغي أن يسودها الرفق واللين بين
الزوجين، ومع الأولاد،ويأتي بنتائج لا يأتي بها العنف.-أدخل عليهم الرفق)وذلك بأن يرفق
بعضهم ببعض والرفق لين الجانب واللطف والأخذ بالأسهل وحسن الصنيع.و الرفق محمود وضده
العنف والحدة والعنف ينتجه الغضب والفظاظة والرفق واللين ينتجهما حسن الخلق والسلامة
والرفق ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة
وحفظهماعلى حد الاعتدال ولذلك أثنىالمصطفى ﷺ على الرفق وبالغ فيه. فيض القدير
(1/263)
(5)الرفق عنوان سعادة العبد في الدنيا والآخرة .
-عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا:"إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ
حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ،
وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ.مسند أحمد(25259).وصححه شعيب الأرنؤوط «ومن آتاه اللهُ
الرِّفقَ فقد أعطاه خيرًا عظيمًا من الثناء الحسن، والتوفيق، وصلاح البال، وطمأنينة
النفس، ونيل المطالب وتحقيق المآرب، وفي الآخرة أجر عظيم، وثواب جزيل،ذلك بأن المتأني
الذي يأتي الأمور بسكينة،ورفق اتباعًا لسنن الله في الكون، واتباعًا لنبيه محمد ﷺ ، فإنَّ من كان هذا هديه وطريقه »«الدرر
المنتقاة من الكلمات الملقاة» (٧/ 516)
والرفق نعمة عظيمة من نعم الله عز وجل،
من أعطاه الله إياها، فقد فاز بخيرٍ عظيمٍ في الدنيا والآخرة.
(6)في الرفق نجاة من النار:
-عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ
ﷺ قَالَ:"حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ "مسند أحمد
(3938) وصحيح الجامع (3135)
-لَيِّن :سهل، رقيق لا عنف فيه ".لطيف
يسير المعاشرة، ليِّن الجانب: سهل التعامل ليِّن العَرِيكة: سَلِس الخُلُق، سَهْل الانقياد،
سَمْح رقيقٌ لطيفٌ طائعٌ.» «معجم اللغة العربية المعاصرة» (٣/ 2057)-في هذا الحديثِ
يَقولُ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "، حُرِّمَ عَلَى النَّارِ أي: يُمْنَعُ
ويُحْجَزُ عن دُخولِها، فيُعافى منها، "وبمَنْ تَحْرُمُ عليه النَّارُ؟"
أي: تُصْبِحُ النَّارُ مُحرَّمةً عليه فلا يَدْخُلُها، هي مِنْ بابِ التَّأكيدِ، فهي
كالجُمْلةِ السَّابِقةِ، ثُمَّ أَوْضَحَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفَةَ المُعافى
مِنَ النَّارِ فقال: "على كُلِّ قَريبٍ"، أي: قريبٍ إلى النَّاسِ "هَيِّنٍ"،
أي: يتَّصِفُ بالسُّكونِ والوَقارِ، واللِّينِ في تصرُّفاتِهِ مع النَّاسِ "سَهْلٍ"،
أي: سَهْلِ المُعامَلةِ والخُلُقِ، مُيسِّرٍ على النَّاسِ.(الدرر السنية)
رابعاً :مجالات الرفق:الرفق فى الأمر كله:
«عن عَائِشَةُ،قال رسول الله ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ
كُلِّهِ» صحيح البخارى (6395). صحيح مسلم (2165)
-يحب الرفق في الأمر كله) في أمر الدين وأمر
الدنيا حتى في معاملة المرء نفسه ويتأكد ذلك في معاشرة من لا بد للإنسان من معاشرته
كزوجته وخادمه وولده فالرفق محبوب مطلوب مرغوب وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف
مثله من الشر.فيض القدير (2/287)
الخطبة الثانية :
خامساً : التحذير من ترك الرفق (العنف )
-عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ:«مَنْ يُحْرَمُ الرِّفْقَ يُحْرَمُ الْخَيْرَ
كُلَّهُ» سنن أبى داود (4809) وصحيح مسلم (2592)
-أي فيما تصرف فيه، فإذا تصرف الإنسان بالعنف
والشدة فإنه يحرم الخير فيما فعل وهذا شيء مجرب ومشاهد أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف
والشدة؛ فإنه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرفق والحلم والأناة وسعة
الصدر؛حصل على خيرٍ كثير.(شرح رياض الصالحين) لابن عثيمين (3/ 592)
-(يُحْرَمِ الْخَيْرَ) أَيْ: كُلَّهُ ، فَفِيهِ
فَضْلُ الرِّفْقِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهِ وَذَمِّ الْعُنْفِ، وَأَنَّ الرِّفْقَ
سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ. (مرقاة المفاتيح (8/3171).
سادساً :أخطاءٌ شائعةٌ فى الرفق منها مثلاً :
(1) قد يُظَنُّ أنَّ الرِّفْقَ بالنَّفسِ أن
يُلبِّيَ لها ما تريدُه من شهَواتِها، أو أنَّ الرِّفْقَ بالنَّاسِ أن يأتيَ إليهم
ما يشتَهون، وهذا خطَأٌ.قال ابنُ الجوزيِّ: (البَدَنُ مَطيَّةٌ، والمَطيَّةُ إذا لم
يُرفَقْ بها، لم تَصِلْ براكِبِها إلى المنزِلِ، وليس مرادي بالرِّفْقِ الإكثارَ من
الشَّهواتِ، وإنَّما أعني أخْذَ البُلغةِ الصَّالحةِ
للبَدَنِ، فحينَئذٍ يصفو الفِكرُ، ويصِحُّ العَقلُ، ويقوى الذِّهنُ.
-قد يظُنُّ بعضُ النَّاسِ أنَّ معنى الرِّفْقِ
أن تأتيَ للنَّاسِ على ما يشتهون ويريدون، وليس الأمرُ كذلك، بل الرِّفْقُ أن تسيرَ
بالنَّاسِ حَسَبَ أوامرِ اللهِ ورَسولِه، ولكِنْ تسلُكُ أقرَبَ الطُّرُقِ وأرفَقَ الطُّرُقِ
بالنَّاسِ.
(2) قد يُظَنُّ أنَّ الرِّفْقَ يكونُ مُطلَقًا
بلا ضوابِطَ ولا مراعاةٍ للمصالحِ والمفاسِدِ، وهذا خطأٌ، فالرِّفْقُ له ضوابطُ؛ منها:
- أن يكونَ الرِّفْقُ لينًا من غيرِ ضَعفٍ؛
فاللِّينُ مع الضَّعفِ عَجزٌ.
(3) أن يكونَ الرِّفْقُ تيسيرًا في الدِّينِ
من غيرِ تفريطٍ فيه، فليس من الرِّفْقِ دعوةُ النَّاسِ إلى التَّساهُلِ في الدِّينِ،
والعدولِ عن السَّبيلِ القويمِ، وليس منه أيضًا التَّسامُحُ مع من يترُكُ المأموراتِ،
أو يقترِفُ المحظوراتِ، أو يُعَطِّلُ الحدودَ أو يتهاوَنُ فيها؛ لِما في ذلك من إثمٍ
كبيرٍ.
-قال عُقبةُ بنُ عامرٍ رَضِيَ اللهُ عنه:
((أهدِيَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَرُّوجُ حريرٍ فلبِسَه، ثمَّ صلَّى فيه، ثمَّ انصرف فنزعه
نزعًا شديدًا كالكارِهِ له، ثمَّ قال: لا ينبغي هذا للمتَّقين)
قال ابنُ حَجَرٍ: (قولُه: "فنزعه نزعًا
شديدًا" زاد أحمدُ...: "عنيفًا" أي: بقوَّةٍ ومبادرةٍ لذلك، على خلافِ
عادتِه في الرِّفْقِ والتَّأنِّي، وهو ممَّا يؤكِّدُ أنَّ التَّحريمَ وَقَع حينَئذٍ.
(4) أن يُستعمَلَ الرِّفْقُ في موضِعِه استعمالًا
حكيمًا:فالعُنفُ في محَلِّه حَسَنٌ، كما أنَّ الرِّفْقَ في محَلِّه حَسَنٌ . قال سفيانُ لأصحابِه: (تدرون ما الرِّفْقُ؟ قالوا:
قلْ يا أبا محمَّدٍ، قال: أن تضَعَ الأمورَ في مواضِعِها؛ الشِّدَّةُ في موضِعِها،
واللِّينُ في موضِعِه، والسَّيفُ في موضِعِه، والسَّوطُ في مَوضِعِه عرض أقل