recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الماءُ حياة ونماء ️ محمد أبوالنصر

  الماءُ حياة ونماء


  الحمد لله الذي أنشأ وبرا، وخلق الماء والثرى، وأبدع كل شيء وذرا، الذي صب الماء صبًا، وشق الأرض شقًا، وأنبت فيها حبًا وعنبًا وقضبًا، وجعل من الماء كل شيء حي. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في محكم تنزيله: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۖ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، القائل كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي، وَقَرَّتْ عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ». <رواه أحمد>. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين فهموا عن الله مراده، وقدّروا نعمه حق قدرها، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد،  أيها الأحبة الكرام :

  حديثنا اليوم وقفة تأمل وإجلال أمام سرّ الوجود المادي الأول، وأصل الحياة على هذه الأرض، وآية الله الباقية في الكون، إنه (الماء). سنغوص في هذا البحث لنستجلي أبعاده من منظور قرآني وكوني، ونفهم أسراره في اللغة والتكوين، ونقف على أحكامه في شريعة الإسلام، وغايتنا أن نصل إلى مرتبة الشكر العميق، والوعي اليقظ، والعمل المسؤول تجاه هذه النعمة التي قال عنها ربنا: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۖ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].

وسيكون حديثنا منهجيًا عبر عناصر مترابطة، يسلم بعضها إلى بعض، لنخرج في النهاية بصورة متكاملة.

  العنصر الأول: الماء في البدء والمآل – أزلية الوجود وشريان الحياة

لإدراك عظمة هذه النعمة، ينبغي أن نعود إلى بداية الخلق، حيث كان الماء هو المادة الأولى التي تشكل منها الوجود، وحيث تعلقت به إرادة الله في إنشاء الحياة وبقائها.

  أولاً: العرش والماء – البداية للوجود المادي

قبل أن تُخلق السماوات والأرض، وقبل أن تُضاء النجوم، وقبل أن يُخلق الزمان والمكان بشكلهما الحالي، كان العرش والماء هما حقيقة الوجود المادي. يخبرنا الله جل جلاله عن هذا المشهد الأزلي في قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ﴾ [هود: 7].

في هذه الآية إشارة عظيمة إلى أن الماء هو أقدم مادة مادية في الوجود المخلوق.

واختيار الله أن يكون عرشه العظيم – وهو سقف المخلوقات وأعظمها – محمولاً على الماء ليس اختيارًا عبثيًا، بل هو إشارة  إلى أن أساس هذا الوجود مبني على "الرحمة والحياة". فالماء في أصله مادة منقادة، مطيعة لأمر ربها، سلسة لا تتصلب إلا بأمره، ولا تتبخر إلا بإذنه، وقد كانت الأساس المادي الأول الذي استقر عليه عرش الرحمن.

 إن هذا المعنى يربطنا مباشرة بالحقيقة الكبرى التي أعلنها القرآن: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۖ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]، فمن ذلك الماء الأزلي انبثقت الحياة كلها.

  ثانيًا: الماء أغلى من الملك .

 ️ إذا كان الماء هو أصل الوجود، فهو أيضًا أغلى ما يملكه الإنسان، وأثمن من كل كنوز الأرض. ولنا في قصة ابن السماك مع الخليفة هارون الرشيد عبرة بليغة.

 رُوي أن ابن السماك دخل على هارون الرشيد الخليفة العباسي، فاستسقى الخليفةُ ماءً، فأُتي بكأس فيه، فلما أخذها قال ابن السماك: على رسلك يا أمير المؤمنين! لو مُنعتَ هذه الشربةَ بكم كنتَ تشتريها؟! قال: بنصف ملكي. قال: اشرب هنأك الله يا أمير المؤمنين. فلما شربها قال: أسألك بالله لو مُنعتَ خروجها من بدنك، بماذا كنت تشتري خروجها؟! قال: بجميع ملكي. قال ابن السماك: لا خير في ملك لا يساوي شربة ماء. فبكى هارون الرشيد...

يا لله! ملك يمتد من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، لا تساويه شربة ماء واحدة عند العطش! <انظر: زاد المعاد لابن القيم، وغيره من كتب الرقائق والتاريخ>.

 هذه هي حقيقة قيمة الماء، التي لا يدركها إلا من فقده. وهذا المعنى تؤكده آيات الكتاب العزيز حين تنبه الإنسان إلى ضعفه وفقره إلى هذه النعمة: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ﴾ [الملك: 30]. إنه سؤال موجّه إلى الوجدان قبل العقل: من غير الله قادر على إعادة الماء إن غار في باطن الأرض؟ إن الإجابة البديهية هي: لا أحد، مما يستوجب شكر المنعم وخشيته.

  ثالثًا: حكمة الخالق في صفات الماء – بين العذوبة والملوحة والأضداد

من عجيب صنع الله أن جعل للماء الذي نشربه صفات لا لون له ولا طعم ولا رائحة. ولو كان له لون لتشكلت كل ألوان الكائنات الحية بلون الماء الذي يشكل معظم مكونات الأحياء.

 ولو كان له طعم لأصبحت كل المأكولات من الخضار والفواكه بطعم واحد، هو طعم الماء، فكيف يستساغ أكلها؟! وقد أشار القرآن إلى هذه الحكمة في قوله: ﴿يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ [الرعد: 4]. ولو كان له رائحة لأصبحت كل المأكولات برائحة واحدة، فكيف يستساغ أكلها بعد ذلك؟! لكن حكمة الله في الخلق اقتضت أن يكون الماء عذبًا، بلا لون ولا طعم ولا رائحة.

بل ويمتد الإعجاز إلى أبعد من ذلك، فماء الأذن مرٌّ، وماء العين مالح، وماء الفم عذب. فماء الأذن المر يقتل الحشرات والأجزاء الصغيرة التي تدخلها، وماء العين المالح يحفظ شحمتها القابلة للفساد، وماء الفم العذب ليدرك طعم الأشياء على حقيقتها. فسبحان الخلاق العليم.

أما عن سر وجود الماء المالح بكميات هائلة (٩٧٪ من مياه الأرض) مقابل قلة الماء العذب (٣٪)، فلله في ذلك حكمتان عظيمتان:

حفظ الأرض من العفن: الماء المالح هو مادة التعقيم والتحنيط الكونية. فملايين الأطنان من الكائنات تموت يوميًا في البحار، وملايين الأطنان من فضلات الأرض تُلقى فيها. لو كانت المحيطات عذبة لتعفنت ونتنت، وانتشرت الأوبئة ومات من على الكوكب. الملح هو الذي يطهر هذا الحجم الهائل من الماء ويحفظ توازن البيئة.

الافتقار الدائم للخالق: إن الماء العذب قليل جدًا ليبقى الإنسان دائمًا ناظرًا إلى السماء، مفتقرًا إلى ربه. ولو كان الماء العذب يحيط بنا كالمحيطات لطغى الإنسان وتجبر، ولكن الله بحكمته جعل ندرة العذب سوطًا يسوق به عباده إلى باب الشكر والدعاء. قال تعالى: ﴿لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ﴾ [الواقعة: 70].

  العنصر الثاني: أسرار الخلق والإعجاز – عندما يتحدث العلم بلغة الوحي

إن الناظر بعين العلم والتدبر في حقيقة الماء الكيميائية والفيزيائية ليقف مشدوهًا أمام قدرة الله التي أتقنت كل شيء. فالماء ليس مجرد سائل، بل هو معجزة كيميائية، وآية فيزيائية، ورسالة إلهية.

 أولاً: الإعجاز الكيميائي في تركيب الماء – اجتماع الأضداد

الماء (H₂O) هو التجسيد الحرفي لقدرة الله على الجمع بين الأضداد. فهو يتكون من ذرتي هيدروجين، وهو غاز شديد الاشتعال يُستخدم كوقود للصواريخ، وذرة أكسجين، وهو غاز يساعد على الاشتعال، فبدونه لا تحترق النار. منطقيًا وكيميائيًا، فإن دمج غازين كلاهما مرتبط بالاحتراق يجب أن يُنتج مادة شديدة الانفجار والاشتعال! ولكن قدرة الله جعلت ناتج هذا الاندماج هو المادة الوحيدة في الطبيعة التي تطفئ النار. إنه إعجاز يذهل الألباب، ويجعلنا نهتف مع المرتل: ﴿صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ﴾ [النمل: 88].

  ثانيًا: شذوذ الماء – السر الذي أنقذ الحياة على الأرض

كل المواد في الكون إذا تجمدت، تنكمش جزيئاتها، فتصبح أكثر كثافة، فتهبط إلى الأسفل. إلا الماء! فإنه حين يبرد إلى درجة حرارة ٤ مئوية، يتمدد ويخف وزنه ويطفو على السطح متحولاً إلى جليد. لماذا هذا الشذوذ الفيزيائي المذهل؟

لو كان الماء كباقي المواد، لتجمدت أسطح المحيطات في الشتاء، وهبط الجليد إلى القاع، ثم تجمد السطح من جديد وهكذا، حتى تتجمد كل بحار الأرض من القاع إلى السطح، فتموت كل الكائنات البحرية، وتنتهي الحياة على كوكب الأرض. ولكن رحمة الله جعلت الجليد يطفو ليكون "طبقة عازلة" تحمي الماء السائل تحته، فتعيش الأسماك وتستمر الحياة. إنها قدرة الله التي أتقنت كل شيء.

  ثالثًا: بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ.

 ️ حين يلتقي النهر العذب بالبحر المالح، كمصب نهر الفرات في المحيط، يتوقع المرء أن يطغى المالح على العذب أو العكس، فيختلطا وتفنى خصائص كل منهما. ولكن قدرة الله تخلق "جدارًا غير مرئي"، هو البرزخ. علميًا، يُعرف هذا باختلاف الكثافة والتوتر السطحي والملوحة، مما يجعل الماء العذب بلونه وخصائصه وأسماكه، وبجواره تمامًا الماء المالح بلونه وأسماكه، بينهما خط فاصل لا يبغي أحدهما على الآخر. إنه البرزخ الذي أشار إليه القرآن: ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ۝ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ﴾ [الرحمن: 19-20]. وهذا البرزخ المائي هو رسالة للإنسان: أن الذي فصل بين قطرات الماء المتشابهة في الشكل والمختلفة في الطبيعة، قادر على أن يفصل بين الحق والباطل، وبين المؤمن والمنافق، وإن عاشا في مجتمع واحد.

  العنصر الثالث: عبقرية اللغة القرآنية في وصف دورة الماء

لم يقف إعجاز الماء عند خلقه وتكوينه، بل تجاوزه إلى طريقة وصف القرآن لحركته ونزوله وأشكاله. فالقرآن الكريم لا يستخدم كلمة "مطر" غالبًا إلا في سياق العذاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ﴾ [الشعراء: 173].

 أما ماء الرحمة والخير، فله في لغة القرآن تفصيل هندسي بديع يصف شكل السحابة، وحجم القطرة، وسرعة النزول، وأثره.

  الوصف القرآني للماء .

المُزْن: هي السحب البيضاء المضيئة، الثقيلة بالماء النقي الصافي، وهي "الخزان الطاهر" الذي لم تلوثه الأرض. قال تعالى: ﴿أَءَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة: 69].

الودْق: هو قطرات الماء نفسها حين تتخلل السحاب وتخرج منه بانتظام. يعبر عن "حركة القطرة" وهي تشق طريقها في مشهد انسيابي بديع. قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ﴾ [النور: 43].

الصَّيِّب: من الفعل (صَابَ، يَصُوبُ)، وهو المطر الشديد الذي ينزل بقوة وسرعة ليصيب الهدف بدقة، وغالبًا ما يصاحبه رعد وبرق، كما في قوله: ﴿أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ﴾ [البقرة: 19].

الطَّلّ: هو أرقّ وألطف أنواع الماء، ينزل بهدوء شديد فلا يجرح ورقة الشجر، بل يغسلها برفق. قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞ﴾ [البقرة: 265].

الغَدَق: هو الماء الكثير الواسع الذي يجلب الرغد والرفاهية. لا يصف شكل النزول، بل يصف "النتيجة الاقتصادية" للماء. قال تعالى: ﴿وَأَن لَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا﴾ [الجن: 16].

المِدْرَار: هو المطر المتتابع، قطرة تلو قطرة، لا ينقطع، يعبر عن استمرارية العطاء الإلهي. قال تعالى: ﴿يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا﴾ [نوح: 11].

السَّحَاب المَرْكُوم: هو السحاب الذي يتراكم بعضه فوق بعض كالجبال، يعبر عن الهيبة والرهبة والشحنة الهائلة التي تسبق العواصف. قال تعالى: ﴿وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ﴾ [النور: 43].

إن هذا التعدد المذهل في الألفاظ ليس من باب البلاغة فحسب، بل هو إعجاز علمي في وصف ظاهرة طبيعية بأدق تفاصيلها، مما يؤكد أن هذا القرآن هو كلام الخالق الذي يعلم دقائق خلقه.

  العنصر الرابع: الماء في ميزان الشريعة – فقه النعمة والمسؤولية

بعد أن أدركنا أزلية الماء وأسرار تكوينه ولغته القرآنية، ننتقل إلى جانب جوهري، وهو النظرة الشرعية لهذه النعمة. إن الماء في الإسلام ليس مجرد مادة مادية، بل هو أمانة إلهية

ومسؤوليةٌ شرعية، ترتبط بها عبادات العبد، وتقوم عليها مصالح الخلق.

ومن أعظم المقاصد التي شُرع الماء لأجلها تحقيقُ الطهارة،

 ️ أولاً : الماء والطهارة .

الطهارة من أجلِّ شعائر الإسلام، فهي مفتاح الصلاة، وشرطٌ لصحتها، ولا يقبل الله صلاةً بغير طهور. وقد امتنَّ الله على عباده بهذه النعمة، فقال سبحانه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. كما أثنى على أهل الطهارة فقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108].

ولذلك كانت الطهارة عنوانًا على كمال الإيمان، ودليلًا على عناية المسلم بعبادته، حتى قال النبي : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» أي نصفه رواه مسلم. فهي ليست مجرد نظافةٍ حسية، بل عبادةٌ يتقرب بها العبد إلى ربه، ويتهيأ بها للوقوف بين يديه في الصلاة، التي هي عماد الدين وأعظم أركانه بعد الشهادتين.

  ثانيا : تحريم الإسراف في الماء – تأديب النفوس قبل تأديب الموارد

لقد دعانا الإسلام إلى أعلى مراتب النظافة والطهارة، لكنه في الوقت ذاته حذر من الإسراف في الماء تحذيرًا شديدًا، حتى في أعظم العبادات. لقد نهى النبي عن البول في الماء الراكد، كما في الحديث الصحيح عن جابر رضي الله عنه: «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ». <رواه مسلم>. والنهي يشمل البول في الماء الجاري، وفي أماكن الظل، باعتبارها أماكن يركن إليها المارة، وربما لأن الشمس لا تدخلها فلا تتطهر، فتصبح محط الأوبئة والأمراض. وفي الحديث المتفق عليه: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». <متفق عليه>.

ولم يكن النهي مقصورًا على النجاسات، بل تعداه إلى النهي عن مجرد الإسراف ولو في طاعة يتقرب بها إلى الله. لقد جاء أعرابي إلى النبي يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ». <رواه ابن ماجة والنسائي بسند حسن>.

والذروة في هذا الباب ما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟» فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ»». <رواه أحمد وابن ماجة>.

هنا تظهر الفلسفة العميقة للتشريع الإسلامي. النهي عن الإسراف ليس مرده إلى قلة الماء، فسعد كان على نهر جارٍ لن ينقص. بل مرده إلى "تربية النفس". فالإسراف في ذاته مرض روحي يعكس عدم احترام النعمة والجحود بها، والمسلم يجب أن يكون منضبطًا، مقدرًا للنعمة، حتى لو كان يملك منها محيطات. والله سبحانه وتعالى قد جعل الشكر سببًا للمزيد، والكفران سببًا للعذاب، فقال: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾ [إبراهيم: 7]. ووعد الله لا يتعلق بوفرة المال أو الثروة فحسب، بل بالبركة والزيادة في ك؟ل شيء.

إنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى قد وعدَنا بالمزيدِ إنْ شكرنا نعمةَ الماءِ، وبالعذابِ إنْ أسرفنا في استخدامِها،  فالماءُ نعمةٌ، فإذا استخدمتَهُ في طاعةٍ، وحافظتَ عليهِ، فقد شكرتَ النعمةَ، وأدَّيتَ حقَّها، فبذلكَ تُنالُ الرحمةُ والمغفرةُ، أمَّا إذا استخدمتَهُ في معصيةٍ، وأسرفتَ فيهِ، فقد ظلمتَ نفسَكَ، وكفرتَ بالنعمةِ، ولم تؤدِّ حقَّها، فبذلكَ دخلتَ في دائرةِ الظلمِ والكفرانِ. لذلكَ كانَ رسولُ اللهِ أصدقَ الناسِ شكرًا لهذهِ النعمةِ، فإذا أكلَ أو شربَ قالَ: «الحمدُ للهِ الذي أطعمَ، وسقى، وسوَّغَهُ، وجعلَ لهُ مخرجًا». <أبو داودَ بسندٍ صحيحٍ)>، فجمعَ في هذا الدعاءِ بينَ شكرِ نعمةِ الطعامِ ونعمةِ الشرابِ. إذًا فالماءُ نعمةٌ عظيمةٌ تحتاجُ إلى الشكرِ، وإنَّ شكرَ اللهِ تباركَ وتعالى على نعمةِ الماءِ لا يقتصرُ على الشكرِ باللسانِ، بلْ يتعدَّاهُ إلى الشكرِ بحسنِ التصرفِ فيهِ، وحسنِ استغلالِهِ، والاقتصادِ والترشيدِ في استعمالِهِ، فأيُّ إسرافٍ في استعمالِ الماءِ هو تصرفٌ سيئٌ وسلوكٌ غيرُ حميدٍ، لذلكَ جاءَ النهيُ عنهُ صريحًا في القرآنِ المجيدِ، يقولُ اللهُ تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعرافِ: 31)، وإذا كانَ الإسرافُ في استعمالِ الماءِ للشربِ منهيًّا عنهُ وممنوعًا منهُ، فإنَّ استعمالَهُ بإسرافٍ في مجالاتٍ أخرى أكثرُ منعًا وأشدُّ خطرًا. واعلمْ أنَّكَ مسؤولٌ عن نعمةِ الماءِ، فعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ، أنَّ النبيَّ قالَ: «إنَّ أولَ ما يُسألُ عنهُ العبدُ يومَ القيامةِ من النعيمِ أنْ يُقالَ لهُ: ألمْ نُصحَّ لكَ جسمَكَ، ونروِكَ من الماءِ الباردِ». (الترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ غريبٌ).

لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ حَفِيًّا بِنِعْمَةِ اللهِ يُعَظِّمُهَا وَيَشْكُرُهَا، وَمَا أَكْثَرَ الدَّعَوَاتِ الَّتِي كَانَ يَدْعُو بِهَا رَسُولُ اللهِ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ طَعَامِهِ إِذَا طَعِمَ وَشَرَابِهِ إِذَا شَرِبَ، فَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ قَالَ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ” وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا وَهَدَانَا، وَأَشْبَعَنَا وَأَرْوَانَا، وَكُلَّ الْإِحْسَانِ آتَانَا” وَكَانَ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا

إِنَّ هذِهِ الْبَشَاشَةَ الَّتِي يَسْتَقْبِلُ بِهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نِعْمَةَ الْمَاءِ وَشُكْرَ مُسْدِيهَا الْأَعْلَى جَلَّ شَأْنُهُ لَهِيَ أَعْظَمُ دَلَالَةٍ عَلَى أَهَمِّيَّةِ هذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ. كَيْفَ بِنَا؟ لَوْ حُرِمْنَا نِعْمَةَ الْمَاءِ يَا سَادَةُ؟ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الْمُلْكِ: 30]. وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:

 سَلِ الْوَاحَةَ الْخَضْرَاءَ وَالْمَاءَ جَارِيًا … وَهذِي الصَّحَارِي وَالْجِبَالَ الرَّوَاسِيَا سَلِ الرَّوْضَ مُزْدَانًا، سَلِ الزَّهْرَ وَالنَّدَى … سَلِ اللَّيْلَ وَالْأَنْسَامَ وَالطَّيْرَ شَادِيَا وَسَلْ هذِهِ الْأَكْوَانَ وَالْأَرْضَ وَالسَّمَا … وَسَلْ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُ الْحَمْدَ سَارِيَا فَلَوْ جَنَّ هذَا اللَّيْلُ وَامْتَدَّ سَرْمَدًا … فَمَنْ غَيْرُ رَبِّي يُرْجِعُ الصُّبْحَ ثَانِيَا؟! فَالْمَاءُ أَسَاسُ الزِّرَاعَةِ، وَمَنْشَأُ الْغِذَاءِ، وَرَكِيزَةُ الْعُمْرَانِ فمَا قَامَتْ حَضَارَةٌ عَبْرَ التَّارِيخِ إِلَّا عَلَى ضِفَافِ نَهْرٍ، أَوْ حَوْلَ عَيْنٍ جَارِيَةٍ، أَوْ فَوْقَ أَرْضٍ أَحْسَنَتِ اسْتِثْمَارَ مَوَارِدِهَا الْمَائِيَّةِ؛ وَلِذَلِكَ رَبَطَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بَيْنَ نُزُولِ الْمَاءِ وَازْدِهَارِ الْأَرْضِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥].

 إِنَّ شُكْرَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى نِعْمَةِ الْمَاءِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الشُّكْرِ بِاللِّسَانِ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى الشُّكْرِ بِحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَحُسْنِ اسْتِغْلَالِهِ، وَالاقْتِصَادِ وَالتَّرْشِيدِ فِي اسْتِعْمَالِهِ، فَأَيُّ إِسْرَافٍ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ هُوَ تَصَرُّفٌ سَيِّءٌ وَسُلُوكٌ غَيْرُ حَمِيدٍ، جَاءَ النَّهْيُ عَنْهُ صَرِيحًا فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]

  ثالثا :  هل يجوز بيع الماء؟

هل الماء سلعة تباع أم حق مبذول؟

 للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التفريق بين حالتين:

  الماء العام حق مشاع. الأصل في الماء أنه حق مشاع للناس جميعًا، وقد نص على ذلك النبي صراحة في حديثه: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ». <رواه ابن ماجة بسند صحيح>.

واستدل هذا الاتجاه بفهم العلماء للحديث. يقول الحافظ ابن حجر في شرحه: "قال الخطابي: معناه الكلأ ينبت في موات الأرض، والماء الذي يجري في المواضع التي لا تختص بأحد... والمعنى: لا يُمنع من يستصبح منها مصباحًا يُدني منها ما يُشعله منها...". <فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩هـ>.

وقال العلامة البيضاوي: "والمراد بـ(الماء): المياه التي لم تُحدث باستنباط أحد وسعيه؛ كماء القنى والآبار، ولم يُحرز في إناء، أو بركة، أو جدول مأخوذ من النهر". <تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، ناصر الدين البيضاوي>.

 وبناء على هذا، فإن مياه البحار والأنهار والآبار العامة ملك للجميع، ولا يجوز لأحد أن يحتكرها ويمنعها عن الناس.

  الماء الخاص

(جواز بيع الماء الخاص).

 - يجوز بيع الماء إذا بذل فيه جهد بشري، كاستخراجه من بئر خاصة وتعبئته وتنقيته. يقول الإمام بدر الدين العيني: "والمراد: شركة إباحة لا شركة ملك، فمن سبق إلى أخذ شيء منه في وعاء أو غيره وأحرزه فهو أحق به، وهو ملكه دون سواه". <عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني، دار إحياء التراث العربي، بيروت>. فأنت عندما تشتري زجاجة ماء، فأنت لا تشتري الماء كعنصر خلقه الله، بل تشتري "خدمة" الاستخراج والتعبئة والنقل والتغليف.

حالة الضرورة والطوارئ: إذا كان لديك ماء خاص بك (اشتريته بمالك)، ومر بك إنسان أو حيوان يوشك على الهلاك من العطش، فإنه يحرم عليك بيعه، ويجب عليك بذله مجانًا. ففي الفقه الإسلامي: "حفظ المُهجة (الروح) مقدم على حفظ المال". فإن امتنعت عن إعطائه حتى هلك، فإنك تُضمن (تُحاسب كقاتل) عند بعض الفقهاء. وهذا منتهى العدل والرحمة.

  العنصر الخامس: سقيا الماء – ذروة العطاء وأعظم الصدقات

إذا كان الإسراف ومنع الماء من كبائر الذنوب، فإن بذله وسقيه هو من أعظم القربات وأجلّ الصدقات، بل هو أفضل الصدقات على الإطلاق.

  أولاً: فضل سقي الماء – طريق ممهد إلى الجنة

عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟» قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَقْيُ الْمَاءِ». <رواه أحمد وابن ماجة بسند صحيح>.

لماذا كان سقي الماء أفضل الصدقات؟ السر يكمن في أن الماء هو "أصل الحياة". فعندما تسقي إنسانًا أو حيوانًا أو طائرًا، فأنت لا تسد جوعته فقط، بل أنت تعيد له الحياة. يقول ابن بطال: "سقي الماء من أعظم القربات إلى الله تعالى، وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، وإذا غُفرت ذنوب الذي سقى الكلب فما ظنكم بمن سقى رجلًا مؤمنًا موحدًا أو أحياه بذلك". <شرح البخاري لابن بطال، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، ١٤٢٣هـ>.

ينبغي على كلِّ إنسانٍ أنْ يسعى جاهدًا في عملِ سبيلِ سقيِ الماءِ بأيِّ وسيلةٍ من الوسائلِ المختلفةِ، فهذا من البرِّ والصدقاتِ الجاريةِ التي تلحقُ المرءَ بعدَ وفاتِهِ، فعن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ : «إنَّ ممَّا يلحقُ المؤمنَ من عملِهِ وحسناتِهِ بعدَ موتِهِ: علمًا نشرَهُ، وولدًا صالحًا تركَهُ، ومصحفًا ورَّثَهُ، أو مسجدًا بناهُ، أو بيتًا لابنِ السبيلِ بناهُ، أو نهرًا أجراهُ، أو صدقةً أخرجَها من مالِهِ في صحتِهِ وحياتِهِ، تلحقُهُ من بعدِ موتِهِ». (ابنُ ماجةَ والبيهقيُّ بسندٍ حسنٍ). وعن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ : «سبعٌ يجري للعبدِ أجرُهُنَّ من بعدِ موتِهِ وهو في قبرِهِ: من علَّمَ علمًا، أو كرى نهرًا، أو حفرَ بئرًا، أو غرسَ نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو ورَّثَ مصحفًا، أو تركَ ولدًا يستغفرُ لهُ بعدَ موتِهِ». (البزارُ والبيهقيُّ وأبو نعيمٍ في الحليةِ بسندٍ حسنٍ لغيرِهِ).

وتأملوا هذه الصورة النبيلة للصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي يسعى إلى الجنة عن طريق سقاية الناس. فإن النبي قال: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يُوَسِّعُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» فاشتراها عثمان رضي الله عنه من يهودي بعشرين ألف درهم وسبّلها للمسلمين.وكانَ اليهوديُّ يبيعُ ماءَها. وفي الحديثِ أنَّ عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ اشترى منهُ نصفَها باثني عشرَ ألفًا، ثم قالَ لليهوديِّ: اخترْ إمَّا أنْ تأخذَها يومًا وآخذَها يومًا، وإمَّا أنْ تنصبَ لكَ عليها دلوًا وأنصبَ عليها دلوًا، فاختارَ يومًا ويومًا، فكانَ الناسُ يستقونَ منها في يومِ عثمانَ لليومينِ، فقالَ اليهوديُّ: أفسدتَ عليَّ بئري فاشترِ باقيَها، فاشتراهُ بثمانيةِ آلافٍ. <زادُ المعادِ لابنِ القيمِ>.

لقد كان قادرًا على احتكارها وجني الأرباح، ولكنه آثر التجارة مع الله، فكان مثالاً للتراحم والتكافل.

  ثانيًا: الوعيد الشديد لمن منع الماء – خصومة مع الله

بالمقابل، كما أن بذل الماء هو أعظم القربات، فإن "حجب الماء" هو من أشنع الجرائم التي تستوجب غضبًا إلهيًا مباشرًا.

ففي الحديث المتفق عليه، ذكر النبي ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، وكان من أشنعهم: «وَرَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ يَمْنَعُهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ». <رواه البخاري ومسلم>. والسبب في هذا الوعيد المرعب أن الماء ليس من صنع يديك، بل هو فضل الله أنزله لعباده، فكيف تحتكره؟! ويأتي الجزاء من جنس العمل: «فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ». منعتَ ماء الحياة المادي في الدنيا، فيُمنع عنك ماء الرحمة الإلهية في الآخرة.

  العنصر السادس: فيزياء الروح – تأثر الماء بالقرآن وعلاقته بعالمي الملائكة والشياطين

نصل الآن إلى جانب فريد ومدهش، يربط بين العلم الفيزيائي الحديث وعالم الغيب والإيمان، وهو تأثر الماء بالصوت، وخاصة بالقرآن الكريم.

  أولاً: الماء يسمع ويعقل – بين العلم الحديث والشرع المطهر

 ️ لقد أقرّ النبي بجواز القراءة على الماء، بل وفعل ذلك بنفسه.

 فقد ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لُدِغَ النَّبِيُّ وَهُوَ يُصَلِّي... فَدَعَا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا، وَيَقْرَأُ بِـ ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ وَ ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾». <أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (830)، والحسن الخلال في ((فضائل سورة الإخلاص)) (56)، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (2/ 193) >.

وعن عائشة أم المؤمنين

أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا أوى إلى فِراشِه كُلَّ لَيلةٍ جَمَع كَفَّيه، ثُمَّ نَفَثَ فيهما، فقَرَأ فيهما: {قُل هو اللهُ أحَدٌ}، و{قُل أعوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ}، و{قُل أعوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، ثُمَّ يَمسَحُ بهما ما استَطاعَ مِن جَسَدِه، يَبدَأُ بهما على رَأسِه ووَجهِه وما أقبَلَ مِن جَسَدِه، يَفعَلُ ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ. < صحيح البخاري،الرقم: 5017 )

أخرجه أبو داود (5056)، والترمذي (3402)، وأحمد (24853) جميعهم باختلاف يسير.>

بل وفعل ذلك كبار الصحابة، كحبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الذي كان إذا تعسرت ولادة امرأة، أمر أن يُكتب لها آيات من القرآن في إناء نظيف، ثم يُغسل هذا المكتوب بماء، وتُسقى منه المرأة ويُمسح به بطنها.

 وقد أقرّ هذا الفعل كبار أئمة السلف، كالإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم، واعتبروه من أعظم أسباب الشفاء؛ لأن الماء يمتص "بركة كلام الله" وينقلها لخلايا الجسد.

إن هذا الاعتقاد الشرعي بأن الماء "يحمل" بركة التلاوة و"يختزن" الذبذبات القرآنية، له ما يؤيده من الناحية العلمية. فالماء كائن شفاف وحساس، يتأثر بذبذبة الصوت. وقد أجرى العالم الياباني ماسارو إيموتو تجارب على تجميد قطرات ماء بعد التحدث إليها أو تشغيل موسيقى بجانبها، فلاحظ أن الماء الذي تُتلى عليه كلمات طيبة أو أدعية تتشكل بلوراته بأشكال هندسية سداسية في غاية الجمال والكمال، بينما الماء الذي يتعرض لكلمات سيئة تتشوه بلوراته وتصبح قبيحة. وبما أن القرآن هو "كلام الخالق"، فإن ذرات الماء ترتعد وتنتظم وتتطهر حين تسمع صوت خالقها، فتتحول من مجرد مادة كيميائية إلى "ترياق روحي".

  الماء جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللهِ، وَرَحْمَةٌ مِنْ رَحَمَاتِهِ

الماءُ آيةٌ من آياتِ اللهِ العظيمة، وجُندٌ من جنوده، يُجريه سبحانه حيث شاء، فيكون رحمةً بالمؤمنين، ونقمةً على المكذبين، فهو بيد الله لا بيد غيره، يُحيي به الأرض بعد موتها، ويُحيي به القلوب إذا اقترن بالإيمان، ويُهلك به من شاء إذا أعرض وطغى.

فلقد جعل الله الماء سببًا لنجاة نبيِّه نوحٍ عليه السلام، فحمله ومن آمن معه على ظهر السفينة، وأنقذه من الغرق، كما جعله وسيلةً لحمل موسى الرضيع عليه السلام في التابوت حتى بلغه برِّ الأمان، ثم رحم به موسى وقومه حين استسقوا ربهم، فانفجرت لهم العيون، وأغاثهم بعد الشدة.

ورحم الله بالماء نبيَّنا محمدًا وأصحابه يوم بدر، فأنزل عليهم المطر تثبيتًا لقلوبهم، وتطهيرًا لهم، وربطًا على أفئدتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ... وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11]. وحمل الماءُ جندَ الإسلام في معركة ذات الصواري في خلافة ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكان سببًا في نصرٍ عظيمٍ وفتحٍ مبين.

والغيث في أصله رحمةٌ ومنحةٌ من الله لعباده، يحيي به البلاد والعباد، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: 28].

غير أن هذا الماء نفسه قد يكون جندًا من جنود الله في العقوبة والانتقام إذا كفر الناس بنعمه واستكبروا عن طاعته؛ فأغرق الله به قوم نوح لما كذبوا رسولهم، وأغرق به فرعون وجنده بعدما تجبر وطغى، وادعى الملك والسلطان، فأراه الله ضعفه، وجعل بدنه آيةً وعبرةً لمن يأتي بعده، كما قال سبحانه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: 92].

وكذلك قوم سبأ، لما أعرضوا عن شكر نعم الله، أرسل عليهم سيل العرم، فبدَّل رخاءهم شدةً، وخصبهم جدبًا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ... فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: 15-16].

فالماء نعمةٌ عظيمة، ورحمةٌ واسعة، وجندٌ من جنود الله، يُسخِّره سبحانه كيف يشاء، رحمةً بقوم، وعذابًا لآخرين، ليعلم العباد أن الأمر كله لله، وأن خزائن السماوات والأرض بيده وحده، يؤتي برحمته من يشاء، ويصرف عذابه عمن يشاء، وهو على كل شيء قدير.

  ثانيًا: إبليس والماء – محاولة استغلال شريان الحياة

في ضوء هذا الفهم، يمكننا أن نتدبر حديثًا عجيبًا، ونطرح تساؤلات تدبرية، لا على سبيل القطع، بل من باب التأمل والفهم. يخبرنا النبي في حديث صحيح رواه مسلم: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً...». <رواه مسلم>.

فلماذا اختار إبليس الماء عرشًا له؟

  المضاهاة والكبر: إبليس يعلم أن عرش الرحمن كان على الماء، فمن باب الكبر والغرور ومحاولة "التقليد والمضاهاة"، يضع مركز قيادته على الماء.

السيطرة على شريان الحياة: الماء هو شريان الحياة والتجارة والرزق، فوضع عرشه في مركز الحياة المادية ليُفسدها.

  الاستفادة من فيزياء الماء: وهنا تأتي إضاءة تدبرية. سرعة انتقال الصوت في الماء تبلغ حوالي (١٤٨٠ مترًا في الثانية)، وهي أسرع بأكثر من أربعة أضعاف من سرعته في الهواء، ولمسافات شاسعة جدًا دون أن يفقد طاقته. إبليس، بعلمه وخبرته، قد يكون قد اختار المحيطات لأنها "أعظم شبكة اتصالات عالمية" ينقل عبرها ذبذباته السلبية ووساوسه إلى سراياه وجنوده المنتشرين في الأرض.

الإنسان كجهاز استقبال: وبما أن جسد الإنسان يتكون من أكثر من ٧٠٪ من الماء، ومخه من ٨٠٪، فهو "خزان مائي متحرك" يعمل كلاقط هوائي يتأثر بهذه الذبذبات. فإذا بث الشيطان وساوسه، استقبلها ماء جسد الغافلين، فيشعر بضيق، أو غضب مفاجئ، أو شهوة محرمة.

ولهذا يمكننا فهم الحكمة النبوية العظيمة من الأمر بالوضوء عند الغضب: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ». <رواه أبو داود>.  فالوضوء هنا ليس مجرد غسل أعضاء، بل هو عملية "إعادة ضبط" لماء الجسد، بماء طاهر جديد محمل بذبذبة التوحيد (بسم الله)، فيطرد الذبذبة الشيطانية، ويخمد نار الغضب. وهكذا، عندما تقرأ القرآن على ماء وتشربه، فأنت تقوم "بتشفير" هذا الماء بترددات نورانية، تسري في عروقك، وترفع تردد جسدك ليرفض استقبال تردد الشيطان.

  العنصر السابع: الماء في رحلة المعاد – من الغوران إلى الجنان

من بدأنا حديثنا عن أزلية الماء مع العرش، نختمه مع مصيره في رحلة الإنسان الكبرى، من الدنيا إلى البرزخ والآخرة.

 أولاً: الدنيا كماء – فلسفة التقلب والزوال

لقد ضرب الله مثلاً للحياة الدنيا بالماء، فقال جل وعلا: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ﴾ [الكهف: 45]. لماذا الماء تحديدًا دون الذهب أو الجبال؟ لقد استخرج العلماء من هذا التشبيه أوجهًا بليغة:

استحالة القبض عليه: اقبض على حفنة من ماء، فستتسرب من بين أصابعك. وكذلك الدنيا، مهما جمعت منها، ستتسرب من بين يديك بالموت، ولن يبقى لك منها إلا "البلل" (الكفن).

  التقلب وعدم الثبات: الماء هو المادة الوحيدة التي لا تستقر على حال، يتبخر ويتجمد ويذوب. وكذلك الدنيا: غنى ثم فقر، صحة ثم مرض، شباب ثم هرم. فمن ظن أنها تستقر، فهو واهم.

بين الحياة والغرق: الماء إذا أخذت منه بقدر حاجتك أحياك، وإذا غصت فيه بكليتك أغرقك وقتلك. وكذلك الدنيا، من أخذ منها بقدر كفافه عاش سعيدًا، ومن ألقى بنفسه في لججها غرق في همومها وشهواتها. سفينة النجاة تطفو "على" الماء، لكن إذا دخل الماء "في" السفينة، غرقت. فاجعل الدنيا تحت قدميك لترفعك، ولا تجعلها في قلبك فتغرقك.

  ثانيًا: الماء بين يدي الساعة – غور الأنهار وجفاف البحيرات

إن من علامات الساعة الكبرى التي نشهد مقدماتها اليوم، ما يرتبط بالماء. فقد أخبر النبي : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ...». <رواه البخاري ومسلم>. انخفاض منسوب نهر الفرات بسبب السدود والتغير المناخي هو واقع ملموس، وهو تمهيد لهذه العلامة. وكذلك حديث الدجال الذي يسأل عن بحيرة طبرية: «أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ». <رواه مسلم>. والتقارير البيئية اليوم تتحدث بألم عن جفاف هذه البحيرة. وكأن الأرض تشيخ، والماء الذي كان سبب خضرتها ينسحب تدريجيًا، استعدادًا لطي السجل.

  ثالثًا: الماء في الجنة – أنهار من ماء غير آسن

وكما بدأ الله الخلق بالماء، فإنه جعل من أعظم نعيم الجنة الماء.

قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: 41].

ويقول جل وعلا في وصف الجنة التي وعد المتقين: ﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ﴾ [محمد: 15]. ماء لا يتغير، ولا ينتن، ولا تنقصه الحرارة، بل هو في غاية العذوبة والنقاء. وهذا الجزاء يتناسب تمامًا مع العمل، فمن سقى الماء في الدنيا، سُقيه الله في الآخرة من أطهر المياه وأعذبها. يقول النبي : «أَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ». <رواه أحمد وأبو داود والترمذي>. إنه وعد الصادق المصدوق، فمن زرع الخير في أرضه، حصد بركته في أخراه.

إنَّ ثوابَ سقيِ الماءِ ليسَ مقصورًا على الدنيا، بل يمتدُّ أثرُهُ إلى يومِ القيامةِ، ففي ذلكَ اليومِ العصيبِ قد تكونُ شربةُ ماءٍ سقاها العبدُ لمحتاجٍ سببًا في نجاتِهِ، فقد قالَ النبيُّ : «يَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَسْقَيْتَ فَسَقَيْتُكَ شَرْبَةً؟ فَيَشْفَعُ لَهُ...»، وفي روايةٍ: «أما تذْكرُ يومَ ناولتُكَ طهورًا؟». (ابنُ ماجةَ بسندٍ ضعيفٍ).

فاحرصُوا على حفرِ الآبارِ في الأماكنِ التي يحتاجُ إليها الناسُ، وهذا أمرٌ ميسورٌ، فيطيقُ الإنسانُ أنْ يحفرَ لهُ بئرًا بثمنٍ بخسٍ في بلدٍ فقيرٍ معوزٍ، تجري عليهِ بركتُهُ وبرُّهُ، فعن جابرٍ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ يقولُ: «مَنْ حَفَرَ مَاءً لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ كَبِدٌ حَرَّى مِنْ جِنٍّ وَلَا إِنْسٍ وَلَا طَائِرٍ إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (أخرجهُ البخاريُّ في التاريخِ الكبيرِ، وابنُ خزيمةَ بسندٍ صحيحٍ). كلُّ هذهِ المعاني تجعلُ الأمةَ في حُبٍّ وتعاونٍ وتكافلٍ وأمنٍ وسلامٍ.

  الخاتمة: وصايا جامعة لصون نعمة الحياة

أيها الكرام، بعد هذه الرحلة الطويلة عبر أزمنة الماء وأسراره، من أزليته قبل خلق السموات والأرض، مرورًا بإعجازه العلمي ولغته القرآنية، ووقوفًا على أحكامه الشرعية، وختامًا بمصيره في علامات الساعة وفي الجنة، ماذا بقي لنا أن نقول؟

بقي علينا أن نترجم هذا العلم إلى عمل، وأن ننتقل من مرحلة التأمل إلى مرحلة السلوك المسؤول. لقد علمنا أن الماء:

١. أمانة إلهية يجب علينا صونها وشكر المنعم عليها.

٢. حق مشاع للناس جميعًا، فلا يجوز احتكاره ولا تلويثه.

٣. عبادة وقربة إلى الله بسقيه للمحتاجين من إنسان وحيوان.

٤. مادة مباركة تتأثر بكلام الله، فلتكن قراءتنا عليه وسيلة شفاء لأبداننا وأرواحنا.

٥. آية فناء للدنيا، فلتكن ذكرى لنا بعدم الاغترار بزخرفها وزوالها.

فلنجعل من كل قطرة ماء درسًا في الشكر والتواضع والمسؤولية. ولنحفظ هذه النعمة في بيوتنا وشوارعنا وعباداتنا، ولنكن أوفياء لهذه الأمانة التي سيسألنا الله عنها يوم القيامة: ﴿ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]. قال المفسرون: ومن النعيم الماء البارد.

  الدعاء  

نسأل الله أن يصب علينا الخير صبًا صبًا، وألا يجعل عيشنا كدًا كدًا، وأن يسقينا من حوض نبيه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا. اللهم اجعلنا من الشاكرين لنعمك، المقتصدين في استعمالها، المحافظين عليها، الساعين لبذلها، وارزقنا مرافقة نبيك في الفردوس الأعلى، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهمَّ يا مَن جعلتَ من الماء كل شيء حي، ويا مَن كان عرشك على الماء، ويا مَن أنزلت من المزن ماءً ثجّاجًا لتخرج به حبًّا ونباتًا وجناتٍ ألفافًا، لك الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه على نعمة الماء التي أحييتَنا بها، ورحمتنا بها، وأطعمتنا وسقيتنا من خيراتها. اللهمَّ اجعلنا من الشاكرين لنعمتك، الموقنين بفضلك ورحمتك، واملأ قلوبَنا حبًّا لك وخوفًا من مقامك.

اللهمَّ كما خلقتَ الماء عذبًا فراتًا، فاجعل حياتنا عذبةً بالإيمان، فراتًا بطاعتك وحبّ نبيّك محمدٍ . اللهمَّ لا تحرمنا خير ما عندك بشرّ ما عندنا، واغفر لنا إسرافَنا في أمرنا، وجَهْلَنا بقدر نعمك، وتقصيرَنا في شكر آلائك. اللهمَّ ارزقنا الاقتصاد في استعمال الماء، والوعيَ بقيمته، والحرصَ عليه في عبادتنا ومعاملاتنا وسائر شؤوننا.

اللهمَّ يا مَن يُرسل الرياح بُشرًا بين يدي رحمته، أسقِنا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، وأرسل السماءَ علينا مدرارًا، واجعل ما تُنزله علينا قوةً لنا على طاعتك، وبلاغًا إلى حين، واجعله سُقيا رحمةٍ لا سُقيا عذاب. اللهمَّ اسقِ عبادَك وبلادَك ودوابّك وزرعَك، وانشر رحمتَك، وأحيِ به بلدَك الميت.

اللهمَّ إنّا نسألك أن تجعلَنا ممن يسقون الماءَ ابتغاءَ وجهك الكريم، فيكرمون بإكرامك، ويَرِدون حوضَ نبيّك شربةً لا يظمؤون بعدها أبدًا. اللهمَّ تقبَّل منّا سعْيَنا في حفر الآبار، وإجراء الأنهار، وسقاية العطشى من الناس والطير والدواب، واجعل ذلك صدقةً جاريةً لنا ولوالدينا وأزواجنا وذرياتنا، وأجرًا يثقُل به ميزانُنا يوم نلقاك.

اللهمَّ نجّنا من الغرق والمحق، ونجّنا من الجدب والقحط، ونجّنا من غور الماء وزوال النعم.

اللهمَّ أدم علينا نعمةَ النيل، وبارك لنا في مائه، واجعله شريانَ خيرٍ ونماءٍ لأرضنا. اللهمَّ احفظ مصرَ من كيد الكائدين واعتداء المعتدين، وأجرِ فيها أنهارَ الأمن والإيمان والرخاء، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه.

اللهمَّ طهّر ماءَ قلوبنا من الكبر والحقد والرياء، كما طهّرتَ ماءَ الأرض من الأقذار والأدناس. واجعل القرآنَ العظيم ربيعَ قلوبنا، ونورَ صدورنا، وجلاءَ أحزاننا، وذهابَ همومنا وغمومنا. وارزقنا شربةً هنيئةً من يد حبيبك المصطفى، لا نظمأ بعدها أبدًا، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، برحمتك يا عزيز يا غفار، يا ذا الجلال والإكرام. وصلَّ اللهمَّ على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.

 

google-playkhamsatmostaqltradent