recent
أخبار عاجلة

خُطْبَةُ الجُمُعَةِالطَّرِيقُ إِلَى السَّعَادَةِ الْأُسْتَاذُ / عَبْدُ الْحَمِيدِ عَفِيفِي أَبُو مُؤْمِنٍ

الطَّرِيقُ إِلَى السَّعَادَةِ

  



الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ. الْحَمْدُ لِلَّهِ جَعَلَ السَّعَادَةَ فِي طَاعَتِهِ، وَالشَّقَاوَةَ فِي مَعْصِيَتِهِ.وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71] وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْرَحُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَطْيَبُهُمْ نَفْسًا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102]

ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ.. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مَوْضُوعُنَا الْيَوْمَ "الطَّرِيقُ إِلَى السَّعَادَةِ" أَيُّهَا النَّاسُ... اسْمَعُوا وَانْتَبِهُوا: إِنَّ هُنَاكَ غَايَةً كُبْرَى يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الْبَشَرِ، يَبْحَثُ عَنْهَا الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَالْمَلِكُ وَالْمَمْلُوكُ، وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ.. إِنَّهَا "السَّعَادَةُ".وَلَكِنَّ النَّاسَ فِي طَلَبِهَا طَرَائِقُ قِدَدًا، فَمِنْهُمْ مَنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ فَاشْتَدَّ شَقَاؤُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْصَرَ النُّورَ فَعَاشَ حَيَاةً طَيِّبَةً.

الْمَقْطَعُ الأَوَّلُ: مَفْهُومُ السَّعَادَةِ فِي الإِسْلَامِ السَّعَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ: سَكِينَةُ الْقَلْبِ، وَطُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ، وَرِضَا الْوِجْدَانِ. هِيَ رَابِطَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَجْعَلُ الْعَبْدَ شَاكِرًا فِي السَّرَّاءِ، صَابِرًا فِي الضَّرَّاءِ. السَّعَادَةُ فِي الإِسْلَامِ جَاءَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَلْفَاظٍ وَتَعَابِيرَ مُتَعَدِّدَةٍ:1. جَاءَتْ بِاسْمِ "الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ":قال تعالى-{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[النحل: 97]

2. جَاءَ التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ: فقد شرح الله تعالى صدر رسوله مم يبعث على السعادة فقال تعالى (أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ * وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ * ٱلَّذِيٓ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ * وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ ) الشرح 1-4 قال تعالى-:{فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125]فالهداية للإسلام نوع من انواع السعادة في القرآن الكريم

3. جَاءَ التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ:. قال تعالى-:{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] وفِي تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ

قال تعالى-:{يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ _ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ... _ وَأَمَّا

الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} [هود: 105 - 108] فَالسَّعَادَةُ: هِيَ الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا

واعلموا تَأْثِيرُ "ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى" عَلَى السَّعَادَةِ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ أَعْظَمَ بَابٍ تُنَالُ مِنْهُ السَّعَادَةُ، وَأَقْصَرَ طَرِيقٍ لِطَرْدِ الْهُمُومِ، هُوَ: "ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى"كَيْفَ تَكُونُ السَّعَادَةُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ؟ إِنَّ الْإِنْسَانَ جَسَدٌ وَرُوحٌ؛ الْجَسَدُ غِذَاؤُهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَمَّا الرُّوحُ فَمَصْدَرُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا غِذَاءَ لَهَا إِلَّا بِالِاتِّصَالِ بِخَالِقِهَا.فَمَنْ أَهْمَلَ رُوحَهُ وَانْشَغَلَ بِبَدَنِهِ، أَصَابَهُ الضَّنْكُ وَالِاضْطِرَابُ، وَلَوْ كَانَ يَعِيشُ فِي قُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ!

فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ فَلْيَلْزَمْ بَابَ مَوْلَاهُ، وَمَنْ أَرَادَ الشَّقَاوَةَ فَلْيُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، حَيْثُ يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ:{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه: 123-124] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الذِّكْرِ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ حِينَ تَضِيقُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا

فَعَلَيْكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّكُمْ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}وَاعْلَمُوا أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، يَرْفَعُ الْأَحْزَانَ، وَيَجْلِبُ الرِّزْقَ، وَيَكْسُو الْقَلْبَ نُورًا.وَالذِّكْرُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى تَمْتَمَةِ اللِّسَانِ، بَلْ هُوَ: تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ بِتَدَبُّرٍ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَلُزُومُ الِاسْتِغْفَارِ، وَحَمْدُ اللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍا

الْمَقْطَعُ الثَّانِي: أَوْهَامُ السَّعَادَةِ أُمَّةَ الْإِسْلَامِ: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَعِيشُونَ فِي شَيْءٍ يُسَمَّى "وَهْمُ السَّعَادَةِ"

1. وَهْمُ السَّعَادَةِ فِي الْمَالِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ السَّعَادَةَ فِي الْمَالِ: فَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى شَقَاءِ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ الَّذِينَ لَا يَتَّقُونَ اللَّهَ فِي جَمْعِهَا وَإِنْفَاقِهَا قال تعالى-:{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55] وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى" [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ]وَاحْذَرْ مَفْهُومَ "الِاسْتِدْرَاجِ" بِكَثْرَةِ الْمَالِ.. فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ : "إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ" ثُمَّ قَرَأَ {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] [رَوَاهُ أَحْمَدُ] فَهَذَا قَارُونُ الَّذِي خُسِفَ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضُ نَتِيجَةَ اغْتِرَارِهِ بِمَالِهِ وَكَثْرَتِهِ فقال تعالى ( {فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ ) القصص 81الآية الكريمة تصف عقاب الله لقارون، أحد أغنياء قوم موسى، لتكبره وبطره حيث ابتلعته الأرض هو وقصره وكل أمواله لتكون عبرة لمن يعتبر.

2. وَهْمُ السَّعَادَةِ فِي الْجَاهِ وَالسُّلْطَانِ وَالشُّهْرَةِ:وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ السَّعَادَةَ فِي الْجَاهِ وَالْمَنَاصِبِ وَشُهْرَةِ الْأَلْقَابِ. وَهَذَا وَهْمٌ كَبِيرٌ؛ فَالْمَنَاصِبُ زَائِلَةٌ.الْكَرَاسِيُّ وَالْمَنَاصِبُ تَذْهَبُ وَتَزُولُ، وَمَنْ جَعَلَ سَعَادَتَهُ فِي مَدْحِ النَّاسِ أَوْ سُلْطَتِهِ عَاشَ فِي رُعْبِ الْخَوْفِ مِنْ زَوَالِهَا.الْجَاهُ مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ وَحِسَابٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ تَشْرِيفًا يَضْمَنُ رَاحَةَ الصَّدْرِ.تَذَكَّرُوا فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ كَيْفَ انْتَهَى مُلْكُهُمَا بِالْهَلَاكِ لِعَدَمِ ارْتِبَاطِهِ بِالْإِيمَانِ بقول الله تعالى لموسى عليه السلام ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ) الدخان 24

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ،إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا" [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ] كما إِنَّنَا نَرَى الْيَوْمَ عَبْرَ شَاشَاتِ الْهَوَاتِفِ أُنَاسًا يَسْتَعْرِضُونَ أَمْوَالَهُمْ وَسَيَّارَاتِهِمْ وَقُصُورَهُمْ، فَيَظُنُّ الشَّبَابُ أَنَّهُمْ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ السَّعَادَةِ. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ خَلْفَ هَذِهِ الصُّوَرِ الْبَرَّاقَةِ بُيُوتًا مُمَزَّقَةً، وَنُفُوسًا مَرِيضَةً تَتَعَاطَى الْحُبُوبَ الْمُنَوِّمَةَ، وَتَعِيشُ تَحْتَ وَطْأَةِ الِاكْتِئَابِ تَذَكَّرُوا الْخَلِيفَةَ هَارُونَ الرَّشِيدَ، الَّذِي كَانَ يُخَاطِبُ السَّحَابَ لِسِعَةِ سُلْطَانِهِ، لَكِنَّهُ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، نَظَرَ إِلَى قَبْرِهِ وَبَكَى وَقَالَ: {مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 28-29]إِنَّ الْجَاهَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ أَنْ تَكُونَ مَعْرُوفًا فِي السَّمَاءِ وَإِنْ كُنْتَ مَجْهُولًا فِي الْأَرْضِ

الْمَقْطَعُ الثَّالِثُ: الطَّرِيقُ إِلَى السَّعَادَةِ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ!لَا تَحْتَاجُ السَّعَادَةُ إِلَى أَمْوَالٍ طَائِلَةٍ، بَلْ بَيَّنَهَا لَنَا الْمُصْطَفَى بِقَوْلِهِ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا"اجْعَلْ طَرِيقَكَ قَائِمًا عَلَى:1. الْقَنَاعَةِ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لك:إِنَّهُ يَزْدَادُ التَّسَخُّطُ فِي النَّاسِ وَعَدَمُ الرِّضَا بِمَا رُزِقُوا إِذَا قَلَّتْ فِيهِمُ الْقَنَاعَةُ، وَحِينَئِذٍ لَا يُرْضِيهِمْ طَعَامٌ يُشْبِعُهُمْ، وَلَا لِبَاسٌ يُوَارِيهِمْ، وَلَا مَرَاكِبُ تَحْمِلُهُمْ،وَلَا مَسَاكِنُ تَكُنُّهُمْ؛ حَيْثُ يُرِيدُونَ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا يَحْتَاجُونَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَنْ يُشْبِعَهُمْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ أَبْصَارَهُمْ وَبَصَائِرَهُمْ تَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُمْ فَوْقَهُمْ، وَلَا تُبْصِرُ مَنْ هُمْ تَحْتَهُمْ

قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: "وَجَدْتُ أَطْوَلَ النَّاسِ غَمًّا الْحَسُودُ، وَأَهْنَأَهُمْ عَيْشًا الْقَنُوعُ"ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هُوَ الْغِنَى؟" قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَتَرَى قِلَّةَ الْمَالِ هُوَ الْفَقْرُ؟" قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ" [أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ]الْغِنَى الْحَقِيقِيُّ غِنَى النَّفْسِ وَالْقَنَاعَةِ

2. سَلَامَةِ الصَّدْرِ:تَطْهِيرُ الْقَلْبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْحِقْدِ يَجْعَلُكَ تَنَامُ هَانِئَ الْبَالِ

3. النَّظَرِ إِلَى الْمُبْتَلِينَ:انْظُرْ فِي الدُّنْيَا إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ، لِتَعْرِفَ قِيمَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ فَتَشْكُرَهُ

الْمَقْطَعُ الرَّابِعُ: أَرْبَعٌ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ وَأَرْبَعٌ مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاءِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ. وَأَرْبَعٌ مِنَ الشَّقَاءِ: الْجَارُ السُّوءُ، وَالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ الضَّيِّقُ" [ابْنُ حِبَّانَ]يُبَيِّنُ النَّبِيُّ بَعْضَ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَسْعَدُ بِهَا الْمَرْءُ:1. الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ:الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سَكَنًا لِلرَّجُلِ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا نَفْسُهُ وَيَأْوِي إِلَيْهَا عِنْدَ التَّعَبِ فَيَزُولُ عَنْهُ الْعَنَاءُ قال تعالى-:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] وَقَالَ : "الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، تَرَاهَا فَتُعْجِبُكَ، وَتَغِيبُ عَنْهَا فَتَأْمَنُهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِكَ" [أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ]

وَمِنَ الشَّقَاءِ: الْمَرْأَةُ، تَرَاهَا فَتَسُوءُكَ، وَتَحْمِلُ لِسَانَهَا عَلَيْكَ وَإِنْ غِبْتَ عَنْهَا لَمْ تَأْمَنْهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِكَ

2. الْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ:فِي غُرَفِهِ وَمَرَافِقِهِ الَّذِي يَسَعُ أَهْلَ الدَّارِ وَضُيُوفَهُمْ

3. الْجَارُ الصَّالِحُ:الَّذِي تَرْجُو خَيْرَهُ وَتَأْمَنُ شَرَّهُ، وَيُحِبُّ لَكَ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ، بَلْ يُؤْثِرُكَ عَلَى نَفْسِهِ أَحْيَانًا كَمَا قَالَ : "وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ"

4. الْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ:هُوَ كُلُّ وَسِيلَةِ نَقْلٍ تَتَّصِفُ بِالرَّاحَةِ وَالسُّهُولَةِ، وَتُعِينُ الْإِنْسَانَ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِ دُونَ مَشَقَّةٍ أَوْ تَعَبٍ وَلِذَلِكَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ لِلْحُصُولِ عَلَى سَعَادَتِكَ: لَا تُؤَخِّرْ شَيْئًا فِيهِ سَعَادَتُكَ بِالْحَلَالِ

وَخُذْ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ" [رَوَاهُ أَحْمَدُ]

وَانْظُرْ لِعَمَلِ غَدِكَ قَبْلَ عَمَلِ يَوْمِكَ.. لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]عَبَّرَ الْقُرْآنُ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِـ "غَدٍ" لِقُرْبِهِ

الْخَاتِمَةُ وَالْوَصِيَّةُ أَيُّهَا النَّاسُ: السَّعَادَةُ قَرَارٌ.. وَالطَّرِيقُ إِلَيْهَا وَاضِحٌ.ابْحَثْ عَنْهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ.. فِي بَيْتٍ هَادِئٍ.. فِي قَلْبٍ قَانِعٍ.. فِي جَارٍ صَالِحٍ.اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا السَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلِ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللَّهُمَّ انصُرْ دِينَكَ وَكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ وَعِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ.{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمْ

 

google-playkhamsatmostaqltradent