الرفق بناءٌ للإنسان وعمارةٌ للأوطان
تأملوا معي هذا المشهد المتكرر: مشاحنة
في طريق مزدحم، تلاسن حاد في طابور طويل، أب يصرخ في وجه طفله ليهتز أمن البيت، أو
تعليق ساخر على منصات التواصل الاجتماعي يكسر قلب إنسان ويدمر سمعته. في كل ثانية نترك
فيها الغضب يقودنا، نكسب موقفاً زائداً ونخسر إنساناً!
أيها المسلمون، إننا نعيش في زمن تسارعت فيه
الأنفاس، وكثرت فيه الضغوط، وظن البعض أن القسوة شجاعة، وأن الصوت العالي قوة، وأن
الفظاظة حزم. ولكن، حقيقة الأمر التي يقررها الدين، وتؤكدها تجارب الأمم، هي أن الأوطان
لا تُبنى أولاً بالحجر ولا بالمشروعات العملاقة، وإنما تُبنى أولاً بالإنسان. ولا يُبنى
الإنسان قط، ولا تستقيم فطرته، إلا إذا امتلأ قلبه بالرفق والرحمة. فالرفق ليس مجرد
خلق فردي يتزين به الصالحون، بل هو مشروع حضاري متكامل، يصنع الأسرة المستقرة، ويقوي
نسيج المجتمع، ويحقق الأمن، ويعمر الأوطان.
الحمد لله رب العالمين، الرفيق في ذاته
وأفعاله، الرحيم بعباده وخلقه، شرع لنا الدين تهذيباً للنفوس، وتزكيةً للقلوب، وإعماراً
للأرض. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب الرحمة على نفسه، وجعل الرفق
باباً لكل خير. وأشهد أن سيدنا ونبينا ومحمدًا عبد الله ورسوله، بعثه ربه رحمة للعالمين،
فكان ألين الناس عريكة، وأكرمهم عشرة، وأرفقهم بأمته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه،
ومن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى
الله عز وجل، فالتقوى نور في القلب، وصلاح في العمل، والرفق ثمرتها العظمى. قال تعالى
في كتابه الكريم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا
غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
المحور_الأول: الرفق.. اسم ومحبوب إلهي
أيها الأحبة في الله، إن أول ما يجب أن نعلمه
عن الرفق، أنه ليس ضعفاً ولا عجزاً، بل هو صفة من صفات الكمال الإلهي التي تجلت في
الكون. يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ
يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا
لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» [رواه مسلم].
تأملوا هذا اللفظ النبوي العجيب: الله عز وجل
"يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف". إن العنف والغلظة يغلقان الأبواب،
ويوغران الصدور، ويفسدان المقاصد، بينما الرفق يفتح القلوب المستعصية، ويبسط الأرزاق،
ويسخر الخلق. ومن مقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى: حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ المجتمع،
ولا يمكن لهذه الضرورات أن تُحفظ في بيئة يسودها العنف والاضطراب. إن الرفق هو الصمام
الذي يحمي هذه المقاصد من الانهيار.
المحور_الثاني: المدرسة النبوية في صناعة
الإنسان بالرفق
لقد كان المنهج النبوي الشريف تطبيقاً عملياً
لعلم النفس الدعوي والتربوي في أعلى صوره، حيث ركز على احتواء المخطئ وتعديل سلوكه
بدلاً من معاقبته وتحطيم نفسه. ولنا في سيرة المصطفى ﷺ ثلاثة نماذج تدرس في بناء الإنسان:
#النموذج_الأول: الأعرابي في المسجد:
دخل أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره
الناس وصاحوا به، فماذا كان رد الفعل النبوي؟ قال ﷺ: «لا تُزْرِمُوهُ» (أي لا تقطعوا عليه
بوله)، ثم أمر بذنوب من ماء فأُريق عليه.
الدرس_التربوي: لقد قدم النبي ﷺ المصلحة النفسية والجسدية للأعرابي، وحافظ
على طهارة قلبه وولائه للمسجد، قبل أن يلتفت لتطهير البقعة؛ فالإنسان عنده ﷺ مقدم على البنيان.
النموذج_الثاني: الشاب المستأذن في الزنا:
جاء شاب يتقد حيوية وشهوة، فقال علانية:
يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فثارت ثائرة الصحابة، لكن النبي ﷺ قربه منه وقال له برفق يحرك العاطفة والعقل
معاً: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟... أَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟...»، ثم وضع يده الشريفة
على صدره ودعا له.
الدرس_النفسي: لم يمارس النبي ﷺ مع الشاب الوصاية القهرية أو التوبيخ الذي
يدفع للعناد، بل استخدم الإقناع العقلي والاحتواء العاطفي، فخرج الشاب وما من شيء أبغض
إليه من الزنا.
النموذج_الثالث: عشر سنوات في خدمة أنس:
يقول خادم النبي ﷺ، سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه: «خَدَمْتُ
النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ
قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ:
لِمَ تَرَكْتَهُ؟».
الدرس_الإداري_والتربوي: إن كثرة اللوم
والعتاب تهدم الثقة بالنفس، والرفق بالخادم والتابع هو الذي يصنع منه شخصية مسؤولة
ومبدعة.
المحور_الثالث: الرفق في المحضن الأول
(الأسرة)
إن المجتمع السوي يبدأ من أسرة مستقرة، والأسرة
لا تستقر بالقسوة والأوامر العسكرية، بل تلتئم بالمودة والرحمة.
بين_الزوجين: الرفق هو غلاف السكن والمودة.
ليس من الرجولة في شيء الاستئساد في البيت، أو توجيه الإهانات، أو ممارسة العنف اللفظي
والجسدي. يقول النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا
خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».
مع_الأبناء: إن أطفالنا اليوم يتعرضون لضغوط
كثيرة، وإن تربيتهم بالصراخ والتنمر والضرب لا تخرج إلا جيلاً مشوهاً، إما رعديداً
يخاف من ظله، أو عنيفاً يمارس القسوة على مجتمعه. رِفقاً بأبنائكم، فالكلمة الطيبة
تبني، والتشجيع يحيي الهمم.
#مع_الوالدين: وهو أعلى درجات الرفق، قال
تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24]. إنه
ذل الرفق والبر، الذي يحفظ كرامتهما في كبرهما.
المحور_الرابع: الرفق في ميدان العمل والشارع
أيها الإخوة، كيف يتحول الرفق إلى عبادة وإتقان؟
يتحول عندما يدرك كل منا ثقل مسؤوليته في موقعه:
الموظف_في_مصلحته: عندما يستقبل المواطن
بابتسامة، ويسعى في قضاء حاجته برفق ودون تعقيد، فهو في عبادة.
المعلم_في_فصله: عندما يترفق بالطالب المتعثر،
فيأخذ بيده بدلاً من السخرية منه أمام زملائه.
الطبيب_مع_مريضه: عندما يداوي جرحه بكلمة
مطمئنة تسبق المشرط والدواء.
التاجر_في_سوقه: الذي لا يستغل أزمات الناس،
ولا يغالي في الأسعار، بل يكون سمحاً إذا باع وإذا اشترى.
رجل_المرور_في_شارعه: الذي يوجه الناس برفق
ويحفظ الأمن بابتسامة حازمة.
إن هذا الرفق في العمل يرفع من معدلات الإنتاج،
ويزيل الاحتقان من النفوس، ويجعل من العمل قيمة مضافة لبناء الوطن.
المحور الخامس: الرفق عند الاختلاف وفي الفضاء
الرقمي
إن من أشد ما بلينا به في هذا العصر، غياب الرفق
عند الاختلاف في الرأي، وتحديداً في "الفضاء الرقمي" وعلى منصات التواصل
الاجتماعي. لقد تحولت هذه المنصات في كثير من الأحيان إلى ساحات للجلد والتشهير، والتنمر،
وتصفية الحسابات، ونشر الشائعات التي تهدم البيوت وتهز استقرار الأوطان.
أين نحن من الأدب القرآني: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ
حُسْنًا"(البقرة: 83)؟ الاختلاف في الرأي طبيعة بشرية، ولكن الرفق يقتضي أن تحترم
مخالفك، وألا تسخر منه، وألا تتنمر عليه. تذكروا أن الكلمة المكتوبة خلف الشاشات هي
خلف صاحبها يوم القيامة، مسؤولة ومكتوبة:"مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ
رَقِيبٌ عَتِيدٌ"(ق: 18).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم لي
ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين
اصطفى، لاسيما عبده المصطفى، وعلى آله وصحبه أولى الصدق والوفاء.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
المحور_السادس: الرفق وبناء الحضارة
إن التاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تستقر، والدول
لا تدوم، إلا إذا سادت فيها قيم الرحمة، والثقة المتبادلة، والتعاون بين أفرادها. القسوة
تهدم الإنسان من الداخل، وعندما ينهدم الإنسان يقل إنتاجه، وينتشر الخوف، وتختفي الأمانة،
ويتحول المجتمع إلى غابة. وعمران الأوطان بحاجة إلى نفوس مستقرة، وعقول مبدعة، وأيادٍ
متآزرة؛ وهذا كله لا ينبت إلا في بيئة الرفق.
المحور السابع: خطة عملية (سبع رسائل عملية
لنشر الرفق في المجتمع)
وحتى لا تكون خطبتنا مجرد كلمات عابرة تنتهي
بنهاية الصلاة، نضع بين أيديكم هذه الخطة العملية، لنبدأ بتطبيقها من اليوم في بيوتنا
وشوارعنا:
الرسالة الأولى (في بيتك): استبدل الصراخ
بالنقاش الهادئ، واجعل أول شيء يدخل بيتك اليوم هو الابتسامة والكلمة الطيبة.
الرسالة الثانية (في طريقك): تنازل عن حقك
في المرور لأخيك بهدوء، واكظم غيظك عند الزحام، فالطريق ملك للجميع والرفق فيه صدقة.
الرسالة_الثالثة (في عملك): يسِّر على الناس
ولا تعسِّر، وتذكر دعاء النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ
أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ
أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ».
الرسالةالرابعة (على هاتفك): قبل أن تكتب
تعليقاً أو تشارك منشوراً، اسأل نفسك: هل هذا الكلمة تبني أم تهدم؟ تجبر أم تكسر؟ إن
كانت قاسية فامسحها فوراً.
#الرسالة_الخامسة (مع من أخطأ في حقك): خذ
بنصيحة القرآن: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وجرب قوة العفو والترفق بالمخطئ
لتكسب قلبه.
الرسالة_السادسة (مع العمال والخدم): ارحموا
من تحت أيديكم، لا تكلفوهم ما يغلبهم، وإن كلفتموهم فأعينوهم، وأعطوا الأجير أجره قبل
أن يجف عرقه برضا ونفس طيبة.
الرسالة_السابعة (مع نفسك): ارفق بنفسك
وبصحتك النفسية، لا تحملها فوق طاقتها بالهموم والغموم، وتوكل على الله الرفيق الرحيم.
الخاتمة والدعاء
عباد الله، إن الرفق قوة تملك القلوب، وحكمة
تقود الأمم، وبناء للإنسان، وعمارة للأوطان. فلنكن مفاتيح للخير، مغاليق للشر، دعاة
رفق ورحمة في أقوالنا وأفعالنا.
اللهم يا رفيق يا رحيم، يا رحمن الدنيا والآخرة
ورحيمهما، نسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، أن تملأ قلوبنا بالرفق والرحمة،
وأن تنزع من نفوسنا الغلظة والقسوة والعنف.
اللهم ارفع عن مجتمعنا مظاهر الغضب والتنمر والشقاق،
واجعل بيوتنا واحات أمن ومودة ورحمة، واهدِ آباءنا وأمهاتنا لتربية أبنائهم على الرفق
واللين.
اللهم أصلح أحوالنا في أعمالنا، ووفق موظفينا
وعمالنا وولاة أمورنا لما فيه الرفق بالعباد والتيسير عليهم. اللهم ارزقنا الإتقان
في العمل، والسموحة في البيع والشراء، والرفق في الاختلاف والحوار.
اللهم احفظ مصرنا الغالية، واجعلها بلد الأمن
والأمان، والسلم والسلام، والاستقرار والرخاء. اللهم وفّق قائدها وولاة أمرها لما فيه
صلاح البلاد والعباد، واجمع كلمتنا على الحق والخير، ووحد صفوفنا، واحمِ جيشنا ومؤسساتنا،
واجعل هذا الوطن منارة للعمران وبناء الإنسان.
اللهم ارزقنا خلق الرفق في الأقوال والأفعال،
وفي السر والعلن، وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء
ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلا