اتَّقِ
شَرَ مِنْ أَحْسَنْت إلَيْهِ
هي حكمة أو مَثل شائع يحمل معنىً واقعياً ومجازياً، يُضرب للتحذير من نكران الجميل وطغيان بعض النفوس.
ولا يُعد هذا القول حديثاً نبوياً شريفاً، بل هو من أقوال السلف والأمثال العربية القديمة التي تجري على ألسنة الناس.
معنى الحكمة والدافع وراءها:
لطالما استغربت من المثل "اتقِ شر من أحسنت إليه". كيف يمكن للإحسان أن يقابل بالسوء؟
يطمعون في مزيد من الإحسان :"اكتشفت أن هذا يحدث عندما يظن البعض أن إحسانك واجب عليهم، فيتحول العطاء إلى استحقاق لا ينتهي.
فبدلًا من أن يشعروا بالامتنان، يشعرون بأنهم يستحقون المزيد.
هنا، يصبح إحسانك لهم سببًا للحقد أو الجحود إذا توقفت عن العطاء،
جحود المعروف: يُقصد بها أن بعض الأشخاص إذا أحسنت إليهم في أوقات
ضعفهم واحتياجهم، قد يعميهم الكبر أو الشعور بالنقص لاحقاً عن تذكر هذا
الفضل، فيتحول العرفان بالجميل إلى شعور بالاستحقاق، وربما يتطور إلى حقد
أو إساءة لإخفاء أثر الفضل.
انعدام أصل :" نكران الجميل وجحود الإحسان من أشد الابتلاءات النفسية، وهو
طبع مؤلم يعكس خللاً في تربية ونفوس من يتصفون به. شعورهم بالخزي في حضورك
هو انعكاس لـ عقدة النقص لديهم، ومحاولتهم إيذاءك نابعة من كرههم لكونك شاهداً
على فضلٍ سابقٍ قدمته لهم. فهؤلاء الذين أحسنت إليهم من عديمي الأصل كلما رأوك شعروا بالخزي لما قدمته إليهم فهم لايريدون رؤيتك ويتمنون زوالك فهم يكيدون لك المكائد ..
التعامل مع هؤلاء الأشخاص يتطلب وضع حدود واضحة لحماية استقرارك النفسي:
لا تنتظر منهم الشكر: احتسب أجرك عند الله، فهو الوحيد الذي لا يضيع عنده مثقال ذرة من المعروف.
ابتعد قدرالإمكان: البعد عن الأشخاص السلبيين والناكرين للجميل ليس ضعفاً، بل هو
حكمة ووقاية من الاستنزاف العاطفي.
التحصين بالذكر: استعن دائماً بآيات الله والأدعية المأثورة للوقاية من شر الحاقدين
ومكرهم، كقوله تعالى:"إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا".
وكان الطبيعي أن يحدث العكس وأن يردوا الجميل بمكافأة كما ورد عن عبدالله بن عمر قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :" من سأل باللهِ فأعطُوه، ومن استعاذ باللهِ فأَعِيذُوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صَنَع إليكم معروفًا فكافِئوه، فإنْ لم تَجِدوا ما تكافِئونَه فادْعُوا له حتى تَرَوا أنَّكم قد كافَأْتُموه"(أبو داودوالنسائي وأحمد ).
"ومَنْ أَتى إليكُم"، أي: صَنَعَ لكُمْ، "معروفًا"، أي: خيرًا، "فكافِئوه"، أي: فجازُوه على مَعروفِه بما يُساويه أو بما يَزيدُ، كما قال تَعالى:"وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا"(النساء: 86)،
"فإنْ لَمْ تَجِدوا"، أي: ما تُكافِئُوه بِه على ما فَعَل
مِنْ مَعروفٍ، "فادْعُوا له حتَّى تَعْلَموا أنْ قَدْ كافَأتُموه"، أي: اجْتَهِدوا
في الدُّعاءِ له حتَّى يَصِلَ الظَّنُّ في الدُّعاءِ أنَّه قَد وُفِّيَ حَقَّه، وكلُّ
هذا مُرْتَبِطٌ بالقُدْرةِ والاسْتِطاعةِ وعدمِ الإعانةِ على الإثْمِ.
الرأي الشرعي والإنساني: مكارم الأخلاق: يؤكد علماء الدين والتربويون أن هذا المثل ليس على إطلاقه، ويجب ألا يُتخذ ذريعة للتوقف عن عمل الخير أو التمنن به.
الإحسان المستمر: يُروى في تفسير المعنى الصحيح لهذه المقولة
(كما أشار الإمام الشعراوي وبعض السلف) أن أفضل طريقة لتجنب شر ناكر الجميل هي مداومة
الإحسان إليه؛ لأن ذلك يربطه بفضلك ويجعله يدرك كرمك، إلى جانب أن الأجر في الإحسان
يكون من الله تعالى بغض النظر عن رد فعل المُحسَن إليه.
وهذا هو الشر الذي
يحذّر منه المثل.