recent
أخبار عاجلة

حقُّ الطَّرِيقِ... مِيزَانُ الْأَخْلَاقِ، وَعُنْوَانُ الْأَذْوَاقِ/ يُسْرِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ

 حقُّ الطَّرِيقِ... مِيزَانُ الْأَخْلَاقِ، وَعُنْوَانُ الْأَذْوَاقِ 



  

الْحَمْدُ لِلَّهِ  شَرَعَ لَنَا مِنَ الْآدَابِ أَكْمَلَهَا، وَمِنَ الْأَخْلَاقِ أَجْمَلَهَا، وَجَعَلَ لِلطَّرِيقِ حَقًّا، وَلِلْمَارِّ أَدَبًا، وَلِلْمُجْتَمَعِ أَمْنًا، وَلِلْإِنْسَانِ كَرَامَةً؛ فَالْحَمْدُ لَهُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَعَلَى آلَائِهِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمُتَكَاثِرَةِ.  

  وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَمَرَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَحَثَّ عَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ وَصِيَانَةِ الْإِنْسَانِ

  وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَمَرَ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَجَعَلَهَا شُعْبَةً مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَنَهَى عَنْ كُلِّ مَا يُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ فِي مَمَرَّاتِهِمْ وَمَسَالِكِهِمْ  فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.  

 عِبَادَةُ حِفْظِ الطَّرِيقِ  

يَا عِبَادَ اللَّهِ، عِبَادَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، وَطَاعَةٌ يَبْتَغِي بِهَا مَرْضَاتَهُ إِنَّ حِفْظَ الطَّرِيقِ لَيْسَ مُجَرَّدَ ذَوْقٍ، وَلَا سُلُوكٍ اجْتِمَاعِيٍّ،...فَالْمُسْلِمُ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ، وَيَعْبُدُهُ فِي الطَّرِيقِ بِغَضِّ الْبَصَرِ، وَكَفِّ الْأَذَى، وَرَدِّ السَّلَامِ،وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِرْشَادِ الضَّالِّ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ  

  الطَّرِيقُ لَيْسَ تُرَابًا وَحِجَارَةً فَقَطْ:  

  أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ...إِنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ مَمَرًّا يَعْبُرُهُ النَّاسُ، وَلَا أَرْضًا يَسِيرُونَ عَلَيْهَا فَحَسْبُ، وَلَكِنَّ الْإِسْلَامَ نَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً أَعْمَقَ وَأَشْمَلَ؛ فَجَعَلَهُ مِرْآةً تَنْعَكِسُ عَلَيْهَا أَخْلَاقُ الْمُجْتَمَعِ، وَمِيزَانًا تُوزَنُ بِهِ حَضَارَتُهُ، وَمَيْدَانًا يَظْهَرُ فِيهِ صِدْقُ الْإِيمَانِ، وَحُسْنُ الْإِحْسَانِ.  

  فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ رُقِيَّ أُمَّةٍ، فَلَا تَنْظُرْ إِلَى مُبْتَكَرَاتِهَا فَقَطْ، وَلَا إِلَى مُرْتَفَعَاتِهَا وَشَوَارِعِهَا الْوَاسِعَةِ، بَلِ انْظُرْ إِلَى أَخْلَاقِ أَهْلِهَا فِي طُرُقِهَا وَمَرَافِقِهَا.

  هَلْ يَحْتَرِمُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟

  هَلْ يَكُفُّونَ أَذَاهُمْ عَنِ الْمَارَّةِ؟

  هَلْ يَرْحَمُونَ الضُّعَفَاءَ، وَيُوَقِّرُونَ الْمُسِنِّينَ، وَيُفْسِحُونَ لَهُمُ الطَّرِيقَ؟

  هَلْ يُحَافِظُونَ عَلَى النَّظَافَةِ وَالنِّظَامِ، وَيَصُونُونَ الْمَرَافِقَ الْعَامَّةَ؟...فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ، فَثَمَّ إِيمَانٌ يَنْبِضُ، وَأَخْلَاقٌ تَسْمُو، وَحَضَارَةٌ تَزْهُو، وَإِنْ فُقِدَ، فَلَا تَغُرَّنَّكَ الْمَبَانِي الشَّامِخَاتُ، وَلَا الطُّرُقُ الْفَسِيحَاتُ؛ فَإِنَّ الْحَضَارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تُبْنَى بِالْقِيَمِ قَبْلَ الْحِجَارَةِ، وَبِالْأَخْلَاقِ قَبْلَ الْعِمَارَةِ.   وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٠].

 فَالْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ لَا يَقْتَصِرَانِ عَلَى الْقَضَاءِ أَوِ الْمُعَامَلَاتِ، بَلْ يَشْمَلَانِ التَّعَامُلَ فِي الطَّرِيقِ، وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ، وَكَفَّ الْأَذَى عَنِ النَّاسِ، وَبَذْلَ الْمَعْرُوفِ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِكَ؛ فَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَحُسْنِ الْإِسْلَامِ.  

  فَضْلُ حِفْظِ حَقِّ الطَّرِيقِ فِي الْإِسْلَامِ  

 أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ...إنَّ الطَّرِيقَ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَ مَمَرًّا لِلْأَقْدَامِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ مَجَالٌ لِحِفْظِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَمَيْدَانٌ لِتَجَلِّي الْإِيمَانِ وَالْأَخْلَاقِ. فالشارعُ ملكٌ عامٌّ، يَشْتَرِكُ فِي الانْتِفَاعِ بِهِ الْجَمِيعُ، والغنيُّ والفقيرُ، والرجلُ والمرأةُ، والكبيرُ والصغيرُ، والمقيمُ والعابرُ؛ فلا يملك أحدٌ أن يُحَوِّلَهُ إلى وسيلةٍ لإيذاءِ الناس أو التعدِّي على حقوقهم.  

  أَوَّلًا: الْإِسْلَامُ بَدَأَ بِصِيَانَةِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ

لقد أعلن القرآن تكريم الإنسان تكريمًا عامًا، فقال تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾الإسراء:

فكلُّ ما يُهينُ الإنسانَ أو يُخيفُهُ أو يُؤذيه في الطريق، فهو اعتداءٌ على هذه الكرامة التي منحها الله له.وقال تعالى:﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ الأحزاب: 58].

  فالتضييق على الناس، أو التحرش بهم، أو إخافتهم، أو الاعتداء عليهم، كلُّ ذلك داخلٌ في النهي عن أذية الناس.

  ثَانِيًا: حَقُّ الطَّرِيقِ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ حَقُّ الْإِنْسَانِ

وقال سبحانه:﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾  الأعراف: ٥٦.

وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ الطَّرِيقَ مِيدَانًا لِلْعِبَادَةِ وَالْأَخْلَاقِ،   فَقَالَ:إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ».فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ.قَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ».قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ».متفق عليه.  

  تَأَمَّلُوا... لم يقل : وسِّعوا الطريق، أو زيِّنوا الطريق، بل بدأ بإصلاح الإنسان؛ لأن الطريق لا يفسده الحجر، وإنما تفسده الأخلاق إذا فسدت.وَقَالَ :الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً... وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» ه مسلم.

  فجعل إزالة حجرٍ، أو شوكةٍ، أو زجاجةٍ مكسورةٍ من الطريق شعبةً من شعب الإيمان؛ لأن المؤمن لا يعيش لنفسه فقط، بل يعيش نافعًا للناس.

 ولذلك حذَّر النبي من كل ما يؤذي الناس في طرقهم، فقال:اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ».قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ».رواه مسلم.  

  تَأَمَّلُوا هَذِهِ الْحُقُوقَ...

لَيْسَتْ هَذِهِ الْحُقُوقُ لِلطَّرِيقِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِمَنْ يَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ؛ فَالْإِسْلَامُ يُرَبِّي عَلَى احْتِرَامِ الْإِنْسَانِ، وَصِيَانَةِ حُقُوقِهِ، وَحِفْظِ كَرَامَتِهِ.  

  غَضُّ الْبَصَرِ... يَحْفَظُ الْأَعْرَاضَ، وَيُطَهِّرُ الْقُلُوبَ، وَيَسُدُّ أَبْوَابَ الْفِتْنَةِ.

  كَفُّ الْأَذَى... يَحْفَظُ الْأَنْفُسَ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، وَيَأْمَنُ بِهِ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَطُرُقِهِمْ.

  رَدُّ السَّلَامِ... يَنْشُرُ الْأُلْفَةَ وَالْمَحَبَّةَ، وَيُقَوِّي رَوَابِطَ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ.

  الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ... يَحْفَظُ الْقِيَمَ وَالْأَخْلَاقَ، وَيَحْمِي الْمُجْتَمَعَ مِنَ الْفَسَادِ وَالِانْحِرَافِ.

  فَالطَّرِيقُ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَمَرٍّ لِلْعَابِرِينَ، بَلْ هُوَ مَدْرَسَةٌ لِلْأَخْلَاقِ، وَمِيدَانٌ لِتَطْبِيقِ الْقِيَمِ، وَمِيزَانٌ يَكْشِفُ رُقِيَّ الْمُجْتَمَعِ وَتَمَسُّكَهُ بِهَدْيِ الْإِسْلَامِ.  

  ثَالِثًا: الإِسْلَامُ جَعَلَ الأَمْنَ فِي الطَّرِيقِ عِبَادَةً

قال :الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».متفق عليه.

وقال :مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ»  متفق عليه.

وإذا كان الإسلام نهى عن أذى الجار، فإن أذى المارَّة في الطرق أولى بالمنع؛ لأن الطريق يجمع أناسًا كثيرين، وقد يتعدى الضرر إلى جماعاتٍ بأكملها.

  رَابِعًا: الطَّرِيقُ الْعَامُّ أَمَانَةٌ

  إنَّ نظافةَ الطريق، والمحافظةَ على المرافق العامة، والالتزامَ بقواعد المرور، وعدمَ احتلال الأرصفة، واحترامَ حقوق المشاة، ليست سلوكياتٍ حضاريةً فحسب، بل هي واجباتٌ شرعيةٌ تدخل في باب أداء الأمانة، قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا النساء: 58].والمرافق العامة من أعظم الأمانات المشتركة بين الناس.

خَامِسًا: حِينَ يَأْمَنُ الْإِنْسَانُ فِي الطَّرِيقِ... تَنْهَضُ الْأُمَمُ  

  إن المجتمع الذي يأمن فيه الطفل، والمرأة، وكبير السن، وذوو الاحتياجات الخاصة، هو مجتمعٌ يسير في طريق الحضارة الحقيقية.

أما إذا امتلأت الطرق بالخوف، والفوضى، والاعتداء، والأنانية، فإن العمران يفقد روحه، وتضعف الثقة بين الناس، ولو كثرت المباني واتسعت الشوارع.

  ولذلك فإن الإسلام لم يبنِ حضارته بالحجارة أولًا، وإنما بنى الإنسان، فإذا صلح الإنسان صلح الطريق، وإذا صلح الطريق صلح المجتمع.

  قِصَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ تُجَسِّدُ حَقَّ الطَّرِيقِ  

- عن أبي هريرة أن رسول الله قال:بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.»  

وفي رواية أخرى في صحيح مسلم:لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ.»  

  فَيَا لَعَظَمِ هَذَا الدِّينِ! جَعَلَ إِزَالَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ سَبَبًا لِلْجَنَّةِ، وَجَعَلَ الرَّحْمَةَ بِالْخَلْقِ طَرِيقًا إِلَى رَحْمَةِ الْخَالِقِ.

 فَلَا تَحْقِرَنَّ عَمَلًا صَالِحًا؛ فَرُبَّ حَجَرٍ تُزِيحُهُ مِنَ الطَّرِيقِ، أَوْ زُجَاجٍ تَرْفَعُهُ، أَوْ شَوْكَةٍ تُبْعِدُهَا، يَكْتُبُ اللَّهُ لَكَ بِهَا مَغْفِرَةً، وَيَرْفَعُ لَكَ بِهَا دَرَجَةً، وَيُدْخِلُكَ بِهَا جَنَّاتِ النَّعِيمِ.  

الْإِفْسَادِ فِي الطَّرِيقِ... مَعْصِيَةٌ تُؤْذِي الْخَلْقَ وَتُغْضِبُ الْخَالِقَ:

  أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْإِفْسَادُ فِي الطَّرِيقِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمَذْمُومَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ فِي طَاعَتِهِ، وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى حَقِّ عِبَادِهِ فِي أَمْنِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ.

 قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾الأعراف: ٥٦].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾البقرة: ٢٠٥.وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ القصص: ٧٧.

  وَمِنْ صُوَرِ الْإِفْسَادِ فِي الطَّرِيقِ:

  الْقِيَادَةُ بِتَهَوُّرٍ وَتَعْرِيضُ الْأَرْوَاحِ لِلْخَطَرِ.

  مُخَالَفَةُ أَنْظِمَةِ الْمُرُورِ وَتَجَاوُزُ الْإِشَارَاتِ.

  إِلْقَاءُ الْقُمَامَةِ وَالْمُخَلَّفَاتِ فِي الشَّوَارِعِ.

  احْتِلَالُ الْأَرْصِفَةِ وَإِعَاقَةُ الْمُشَاةِ.

  إِزْعَاجُ النَّاسِ بِالْأَصْوَاتِ الْمُرْتَفِعَةِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ.

  التَّحَرُّشُ، وَإِخَافَةُ الْمَارَّةِ، وَالِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِمْ.

  إِتْلَافُ الْإِشَارَاتِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ.

  أَيُّ الطَرِيقٍين نَسْلُكُ؟  

  فَلَيْسَ الْمِيزَانُ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي تَسِيرُ فِيهِ، بَلِ الْمِيزَانُ هُوَ الْأَخْلَاقُ الَّتِي تَسِيرُ بِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿وَاهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6].

فَمَنْ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَهْدِيَهُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْلُكَ فِي الدُّنْيَا طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ، وَأَلَّا يَجْعَلَ طُرُقَ النَّاسِ مَوْضِعًا لِلْأَذَى وَالظُّلْمِ.

  الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤْذِي النَّاسَ

إنَّه طريقُ:الغضبِ والاعتداء التهورِ في القيادة إلقاءِ القاذورات في الطرقات إطلاقِ البصر فيما حرَّم الله.رفعِ الأصوات وإزعاجِ الناس.التعدِّي على حقوق المشاة السخريةِ، والتحرشِ، وإخافةِ الآمنين.

  وقد قال الله تعالى:﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾  [الأحزاب: 58].

وقال النبي   الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»  متفق عليه.

فَكُلُّ مَنْ أَخَافَ النَّاسَ، أَوْ آذَاهُمْ، أَوْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ فِي طَرِيقِهِمْ، فَقَدْ خَالَفَ هَدْيَ النَّبِيِّ .

  الطَّرِيقُ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الْجَنَّةِ:

 هُوَ طَرِيقُ الرَّحْمَةِ وَالإِحْسَانِ، وَكَفِّ الأَذَى، وَنَفْعِ الْخَلْقِ قال النبي :الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً... وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ».  رواه مسلم.

  تأمَّلوا... لم يجعل النبي إزالةَ الأذى عملاً اجتماعيًّا فحسب، بل جعلها شعبةً من الإيمان.

  وقال :بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».  متفق عليه.وفي رواية:فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ».

  فَمَا أَعْظَمَ رَحْمَةَ اللَّهِ!غُصْنُ شَوْكٍ أُزِيحَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، فَكَانَ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ.

  إِنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الْجَنَّةِ لَيْسَ مَرْصُوفًا بِالْحِجَارَةِ، بَلْ مَرْصُوفٌ بِالْأَخْلَاقِ؛ بِغَضِّ الْبَصَرِ، وَكَفِّ الْأَذَى، وَطِيبِ الْكَلَامِ، وَالِابْتِسَامَةِ، وَاحْتِرَامِ حُقُوقِ النَّاسِ.

قال الله تعالى:﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾الزلزلة: 7-8].

فَلْيَسْأَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَفْسَهُ:أَيُّ الطَّرِيقَيْنِ أَسْلُكُ كُلَّ يَوْمٍ؟

أَطَرِيقَ الْأَذَى وَالْأَنَانِيَّةِ؟ أَمْ طَرِيقَ الرَّحْمَةِ وَالإِحْسَانِ الَّذِي يَقُودُ، بِإِذْنِ اللَّهِ، إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ؟

                          الخطبة الثانية

 ‍👩👧👦 دَوْرُ الْأُسْرَةِ وَالْمَسْجِدِ وَالْمَدْرَسَةِ فِي غَرْسِ ثَقَافَةِ احْتِرَامِ الطَّرِيقِ

إنَّ احْتِرَامَ الطَّرِيقِ لَيْسَ مُجَرَّدَ سُلُوكٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ قِيمَةٌ إِيمَانِيَّةٌ، وَتَرْبِيَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ، وَمَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ الرُّقِيِّ الْحَضَارِيِّ. وَلَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ إِلَّا بِتَكَامُلِ أَدْوَارِ الْأُسْرَةِ وَالْمَسْجِدِ وَالْمَدْرَسَةِ.  

  أَوَّلًا: دَوْرُ الْأُسْرَةِ

الْأُسْرَةُ هِيَ الْمَدْرَسَةُ الْأُولَى، وَفِيهَا يَتَعَلَّمُ الطِّفْلُ الْقِيَمَ وَالْأَخْلَاقَ.ومن أهمِّ واجباتها:

تَعْلِيمُ الْأَبْنَاءِ أَنَّ إِيذَاءَ النَّاسِ فِي الطَّرِيقِ مِنَ الذُّنُوبِ.

 تَعْوِيدُهُمْ عَلَى عَدَمِ إِلْقَاءِ الْمُخَلَّفَاتِ فِي الطُّرُقَاتِ.

 تَرْبِيَتُهُمْ عَلَى احْتِرَامِ قَوَاعِدِ الْمُرُورِ، وَعَدَمِ التَّهَوُّرِ فِي السَّيْرِ.

 غَرْسُ خُلُقِ الِابْتِسَامَةِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَمُسَاعَدَةِ كِبَارِ السِّنِّ وَالضُّعَفَاءِ فِي الطَّرِيقِ.

 أَنْ يَكُونَ الْوَالِدَانِ قُدْوَةً حَسَنَةً؛ فَالْأَبْنَاءُ يَتَعَلَّمُونَ بِالْقُدْوَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْكَلَامِ. قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].

  ثَانِيًا: دَوْرُ الْمَسْجِدِ

الْمَسْجِدُ مَنْبَرُ التَّوْجِيهِ وَالتَّزْكِيَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَرْبِطُ السُّلُوكَ بِالْإِيمَانِ.

ومن أدواره بَيَانُ أَنَّ حَقَّ الطَّرِيقِ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ.

تَذْكِيرُ النَّاسِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ :.. فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ ..متفق عليه).

تَرْغِيبُ النَّاسِ فِي إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، فَقَدْ قَالَ :إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». التَّحْذِيرُ مِنْ كُلِّ مَا يُؤْذِي الْمَارَّةَ، مِنْ مُخَالَفَاتٍ وَتَعَدِّيَاتٍ وَتَلْوِيثٍ.

  ثَالِثًا: دَوْرُ الْمَدْرَسَةِ

الْمَدْرَسَةُ تُحَوِّلُ الْقِيَمَ إِلَى سُلُوكٍ عَمَلِيٍّ يَعِيشُهُ الطَّالِبُ.ومن وسائلها:

  تَعْلِيمُ آدَابِ الطَّرِيقِ وَقَوَاعِدِ الْمُرُورِ.

 تَنْظِيمُ الْإِذَاعَاتِ الْمَدْرَسِيَّةِ وَالْمَسْرَحِيَّاتِ الَّتِي تُعَزِّزُ هَذِهِ الْقِيَمَ.

  تَدْرِيبُ الطُّلَّابِ عَلَى الِالْتِزَامِ بِالنِّظَامِ وَالصُّفُوفِ وَاحْتِرَامِ الْمَمَرَّاتِ.

  تَنْظِيمُ حَمَلَاتٍ لِنَظَافَةِ الْمَدْرَسَةِ وَالْمُنْشَآتِ وَالطُّرُقِ الْمُحِيطَةِ.

  تَكْرِيمُ الطُّلَّابِ الْمُلْتَزِمِينَ بِالسُّلُوكِ الْحَضَارِيِّ؛ لِيَكُونُوا قُدْوَةً لِغَيْرِهِمْ.  

google-playkhamsatmostaqltradent