الرشوة بين الماضي والحاضر
الخلل العقدي والتبعات النفسية
إن آفة الرشوة في أعمق جذورها ليست مجرد
انحراف سلوكي، بل هي انعكاس مباشر لمرض أصاب صميم الاعتقاد، وتشويه طال البنية النفسية
للإنسان، ويمكن تفصيل ذلك في جانبين:
1.الجانب العقدي: ضعف اليقين في الرزق
المرتشي حين يمد يده لأخذ ما لا يحل له،
إنما يترجم بلسان حاله خللاً فادحاً في عقيدة التوكل، وضعفاً في اليقين بأن الله تعالى
قد تكفل بالأرزاق وقسمها. فهو يستعجل رزقه المكتوب بمعصية الخالق، ظاناً أن هذه الرشوة
ستزيد في ماله.
وقد حسم القرآن الكريم هذه القضية العقدية،
مبيناً أن الرزق مكفول من الخالق وحده، قال تعالى: ﴿۞ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ
إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ
فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
يقول الإمام ابن كثير في تفسيره مبيناً
هذا المعنى العقدي: "أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات، من سائر دواب الأرض،
صغيرها وكبيرها، بحريها وبريها، وأنه يعلم مستقرها ومستودعها" [تفسير القرآن العظيم
لابن كثير، ج٤، ص٣٠٣].
ولعلاج هذا الخلل العقدي، وجه النبي صلى
الله عليه وسلم أمته إلى السعي الجميل دون هلع، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا
اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ
رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ،
خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ» [أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب
الاقتصاد في طلب المعيشة، رقم: ٢١٤٤].
#وقد سطر السلف الصالح أروع الأمثلة في قوة اليقين والفرار من الحرام، فهذا الصديق أبو بكر رضي الله عنه، يأتيه غلامه بطعام فيأكل منه، ثم يخبره الغلام أنه كسبه من كهانة، فما كان من أبي بكر إلا أن أدخل يده في فمه فقاء كل شيء في بطنه، وقال كلمته المزلزلة: "لَوْ لَمْ تَخْرُجْ إِلَّا مَعَ نَفْسِي لَأَخْرَجْتُهَا" [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية، رقم: ٣٨٤٢].
2. الجانب النفسي: استيلاء الشح وفقدان الطمأنينة
أما على الصعيد النفسي، فإن المرتشي يعيش
في شقاء باطني وصراع مستمر؛ فهو مسلوب الطمأنينة، تلاحقه هواجس الفضيحة. إن المال الحرام
يخلق في النفس فجوة لا تمتلئ، ويورثها آفة "الشح" والجشع الذي لا يشبعه شيء،
فيظل المرتشي عبداً لشهوته، مرعوباً من انكشاف أمره، مما يجعله يعيش في سجن نفسي مظلم
وإن تظاهر بالنعيم.
وفي هذا المعنى التزكوي الدقيق، ينشد الحكماء
محذرين من شقاء جامع الحرام:
جَمَعَ الحَرَامَ عَلَى الحَلاَلِ لِيُكْثِرَهْ
... دَخَلَ الحَرَامُ عَلَى الحَلاَلِ فَبَعْثَرَهُ
العنصر الثاني: التلاعب بالمسميات وانتكاس
الفطرة
من أخطر المزالق التي يقع فيها الإنسان
المعاصر هي الحيل الدفاعية التي ينسجها لتبرير الحرام، ويمكن تفكيك هذه الظاهرة من
خلال جانبين:
1.الجانب النفسي: تبرير الحرام وتغيير المسميات
لنفس البشرية السوية تنفر بطبعها من وصف
"المرتشي" لما يحمله من دلالات الخسة، وهنا يلجأ ضعاف النفوس إلى حيلة
"التلاعب بالمسميات"، فتتحول الرشوة في قواميسهم إلى: (إكرامية، عمولة، حلاوة
فنجان، هدية).
هذا التلاعب اللفظي هو في حقيقته تزيين
للباطل ومخادعة للنفس لترتاح في مستنقع المعصية، وقد حذر القرآن الكريم من هذه الحالة
النفسية المنتكسة التي ترى القبيح حسناً، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ
عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
[فاطر: ٨].
يقول الإمام الطبري في استقصائه لتفسيرها:
"يقول تعالى ذكره: أفمن حسن له الشيطان سيء عمله من معصية الله... فراه حسناً،
كمن أبصر الحق فعرفه، واتبع الهدى فآثره؟" [جامع البيان للطبري، ج٢٠، ص٤٤٤].
وقد تجلت هذه الحيلة النفسية في العهد النبوي،
وحسمها النبي صلى الله عليه وسلم من جذورها في قصة الصحابي ابن اللتبية الذي أُرسل
لجمع الزكاة فعاد يبرر ما أخذه بتغيير اسمه قائلاً: «هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ
إِلَيَّ». فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وصعد المنبر ليفضح هذه الحيلة النفسية، وقال:
«فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟»
[أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب من لم يقبل الهدية
لعلة، رقم: ٢٥٩٧].
#يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه
مبيناً سقوط هذه الحيلة: "وفي الحديث بيان أن هدايا العمال سحت... وأنه لا عبرة
بما يظهره المعطي من التودد، لأن قرينة الحال دالة على أن الباعث على ذلك التوصل إلى
غرضه" [فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج٥، ص٢٢١].
2.الجانب الفطري: خطر التطبيع المجتمعي
#إن الخطر الأكبر لهذه الظاهرة يكمن في
"انتكاس الفطرة السوية"؛ فحين يتواطأ المجتمع على قبول هذه المسميات، يزول
حاجز الحياء، ويتحول الفساد إلى ثقافة مبررة.
#ولنا في سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد
العزيز النبراس المبين في التصدي لهذا التطبيع المجتمعي. فقد اشتهى يوماً التفاح، فأُهدي
إليه طبق منه، فنظر إليه ثم رده ولم يأخذ منه شيئاً. فقيل له: إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يقبل الهدية! فانتفض عمر وقال كلمته الخالدة التي تفكك التلاعب بالمسميات:
"كَانَتْ لَهُ هَدِيَّةً وَهِيَ لَنَا رِشْوَةٌ" [أخرجه ابن سعد في الطبقات
الكبرى، ج٥، ص٣٣٣]. فقد أدرك عمر أن الهدية للمسؤول ليست حباً في ذاته، بل طمعاً في
منصبه.
#وهنا يأتي دور التزكية لرد الناس إلى رشدهم،
وتذكيرهم بمراقبة الله الذي لا تخفى عليه خافية، ولله در القائل:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا
تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفَلُ سَاعَةً
... وَلاَ أَنَّ مَا تُخْفِيهِ عَنْهُ يَغِيبُ
#العنصر الثالث: التكييف الفقهي للصور المعاصرة
وتطبيق القواعد الأصولية
#لم تعد الرشوة في زماننا مقتصرة على تلك
الصورة النمطية الفجة المتمثلة في دفع المال خفية، بل تعقدت مسالكها وتلونت أشكالها
لتتسلل إلى مفاصل المعاملات عبر واجهات تبدو في ظاهرها مشروعة، وهذا يتطلب تحريراً
فقهياً دقيقاً لبيان حكمها، ويمكن تفصيل ذلك في جانبين:
1.الجانب الفقهي: الهدايا العينية والعمولات
المخفية
#من أبرز الصور المعاصرة للرشوة: تقديم الهدايا
العينية الفاخرة للمسؤولين، أو منح الموظف "عمولة" لتمرير عطاء أو مناقصة،
أو ما يُعرف بـ "المحسوبية وتبادل المنافع" كأن يعين مسؤول أقارب مسؤول آخر
مقابل تسهيل معاملاته. كل هذه الصور تدخل دخولاً أولياً في دائرة السحت والوعيد النبوي
الشديد.
#وقد أصل القرآن الكريم لتحريم هذه الممارسات
التي تفسد ذمم القائمين على الشأن العام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا
مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].
يقول الإمام القرطبي في تفسيره مبيناً دقة
اللفظ القرآني: "أي لا تصانعوا بها الحكام، ولا ترشوهم ليقضوا لكم بالباطل...
فمن أدلى بماله إلى حاكم ليقتطع حقاً لغيره، فهو الآكل بالباطل، والحاكم المرتشي معه"
[الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج٢، ص٣٣٨].
#وقد جاءت السنة النبوية قاطعة في سد هذا
الباب، حيث أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» [أخرجه
أبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب في الرشوة، رقم: ٣٥٨٠]. واللعن هو الطرد من رحمة
الله، ولا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب.
2.الجانب الأصولي: إعمال قاعدة العبرة بالمقاصد
والمعاني
#للتصدي لظاهرة التلاعب بالمسميات التي أشرنا
إليها سابقاً، يُعمل الفقهاء القاعدة الأصولية الكبرى: "العبرة في العقود بالمقاصد
والمعاني لا بالألفاظ والمباني". فإذا قدم المقاول "هدية" لمهندس المشروع،
فإن المقصد الحقيقي ليس التودد والمحبة، بل غض الطرف عن العيوب أو تسهيل المستخلصات،
فتأخذ الهدية حكم الرشوة المحرمة.
#وقد فقه الصحابة الكرام هذا المعنى الدقيق،
فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يُسأل عن الرجل يشفع لأخيه في حاجة فيُهدي له
هدية، فيشتد غضبه ويقول كلمته الفقهية الحاسمة: "ذَاكَ السُّحْتُ" [أخرجه
ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية، باب في الرجل يشفع للرجل فيُهدي له،
رقم: ٢٢٥٣٨].
#إن المسؤولية الوظيفية أمانة عظمى، والموظف
مؤتمن على مصالح العباد، وأي تفريط في هذه الأمانة مقابل منفعة دنيوية هو خيانة لله
ولرسوله وللمجتمع، ولذا يهتف الوعاظ في ضمير كل مسؤول قائلين:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُوَلَّى أَمْرَنَا
... اِعْدِلْ فَإِنَّكَ فِي الْقِيَامَةِ تُسْأَلُ
وَاحْذَرْ هَدَايَا النَّاسِ إِنَّ قَبُولَهَا
... سُحْتٌ وَبَابٌ لِلْفَسَادِ مُضَلِّلُ
#العنصر الرابع: نازلة دفع المال لاستنقاذ
الحق أو دفع الظلم
من أشد النوازل الفقهية المعاصرة تعقيداً،
والتي تلامس واقع الكثيرين في ظل بعض التعقيدات البيروقراطية، هي مسألة اضطرار الإنسان
لدفع المال للحصول على حقه المشروع الذي يُماطل فيه، أو لدفع ظلم واقع عليه. وهنا يتجلى
عمق الفقه الإسلامي وواقعيته من خلال جانبين:
1.الجانب الفقهي: تحرير مناط الإثم بين الآخذ
والدافع
يفرق الفقه الإسلامي بدقة متناهية بين من
يدفع المال ليأخذ ما ليس له أو ليتقدم على غيره، وبين من يدفعه مضطراً لاستنقاذ حقه
الثابت بعد أن سُدت في وجهه السبل القانونية. فالأول راشٍ ملعون، والثاني معذور لا
إثم عليه، ويكون الإثم كله واللعنة على الموظف المتعنت (الآخذ).
#يقول الإمام الخطابي في بيانه لهذا الاستثناء
الفقهي الدقيق: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى حَقٍّ لَهُ،
أَوْ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذَا الْوَعِيدِ"
[معالم السنن للخطابي، ج٤، ص١٦٠].
#وقد أُثر عن أئمة السلف ما يؤيد هذا الفهم،
فقد رُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان في أرض الحبشة، فاعترضه بعض الحرس
ومنعوه من المرور إلا بمال، فأعطاهم دينارين ليخلي سبيله، وقال مبيناً القاعدة:
"إِنَّمَا الْإِثْمُ عَلَى الْقَابِضِ دُونَ الدَّافِعِ" [أخرجه ابن أبي
شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية، باب في الرجل يعطي الشيء على ماله ليدفع عنه،
رقم: ٢٢٥٤٣].
2.الجانب المؤسسي: الضوابط الشرعية وسد الذرائع
#رغم هذا الاستثناء الفقهي الذي يرفع الحرج
عن المضطر، إلا أن الشريعة الإسلامية لا تجعله باباً مفتوحاً للتساهل، بل تقيده بضوابط
صارمة؛ فلا يُلجأ إليه إلا في حالة "الضرورة القصوى"، وبعد استنفاد كافة
الوسائل النظامية والرقابية المتاحة في الدولة.
#ومن هنا، تبرز أهمية دعم مؤسسات الدولة
الرقابية، والالتفاف حول جهودها في مكافحة الفساد، وتفعيل أدوات "التحول الرقمي
والحكومة الإلكترونية" التي تعد اليوم من أعظم الوسائل الشرعية لـ "سد الذرائع"،
حيث تقطع الاحتكاك المباشر بين المراجع والموظف، وتجفف منابع الابتزاز.
إن المسلم مطالب بأن يكون إيجابياً، مصلحاً
في مجتمعه، داعماً لاستقرار دولته، لا يستسلم للفساد بل يقاومه بالطرق المشروعة، موقناً
بأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وأن الرزق الحلال وإن تأخر فهو خير وأبقى،
#وفي ذلك يقول الشاعر:
وَمَنْ يَتَّقِ الرَّحْمَنَ يَجْعَلْ لَهُ
مَخْرَجًا ... وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبْ وَيَكْفِهِ
فَلاَ تَرْكَنَنَّ لِلْمَالِ مِنْ طُرُقِ
الْخَنَا ... فَإِنَّ حَلاَلَ الرِّزْقِ فِي الدِّينِ يُشْرِفُهُ
#العنصر الخامس: مواقف السلف في حماية المال
العام
#إن استقراء التاريخ الإسلامي يثبت بما لا
يدع مجالاً للشك أن قوة الدول واستقرارها مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بنزاهة القائمين
عليها، وأن السلف الصالح قد أسسوا منهجية صارمة في الرقابة على المال العام وسد ذرائع
الفساد، ويمكن بيان ذلك من خلال جانبين:
1.الرقابة الصارمة ومبدأ المحاسبة:
#لقد أدرك الجيل الأول من الصحابة والتابعين
أن الوظيفة العامة تكليف وأمانة، وليست تشريفاً أو باباً للثراء غير المشروع. وقد حذر
القرآن الكريم من خيانة هذه الأمانة بأي صورة من الصور، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
#يقول الإمام ابن كثير في تفسيره مبيناً
شمولية هذه الآية: "والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار، اللازمة والمتعدية، ومن
أعظم الخيانة خيانة الأمانات في الأموال والأعراض" [تفسير القرآن العظيم لابن
كثير، ج٤، ص٤١].
ولضمان هذه النزاهة، أرسى النبي صلى الله
عليه وسلم قاعدة إدارية ومالية حاسمة تمنع الموظف من استغلال منصبه، فقال: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ
عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ»
[أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أرزاق العمال، رقم:
٢٩٤٣]. والغلول هو الخيانة والسرقة من المال العام، وهو من كبائر الذنوب التي تفضح
صاحبها يوم القيامة.
2.فقه الصحابة في سد ذرائع الفساد:
#لقد كان فقه الصحابة دقيقاً جداً في التفريق
بين الهدية المباحة وبين الرشوة المقنعة التي تُدفع لأصحاب النفوذ. فهذا التابعي الجليل
مسروق بن الأجدع يسأل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن حقيقة السحت، فيقول:
"سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ السُّحْتِ، أَهُوَ الرِّشْوَةُ
فِي الْحُكْمِ؟ فَقَالَ: لَا، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ
هُمُ الْكَافِرُونَ، وَلَكِنَّ السُّحْتَ أَنْ يَسْتَعِينَكَ الرَّجُلُ عَلَى الْمَظْلَمَةِ
فَيُهْدِيَ لَكَ فَتَقْبَلَ" [أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية،
باب ما قالوا في الرشوة في الحكم، رقم: ٢٢٥٢٤].
#تأمل هذا الفقه العميق؛ فمجرد قبول الهدية
مقابل مساعدة إنسان في رفع مظلمة عنه (وهو واجب ديني وأخلاقي) عده ابن مسعود من السحت،
فكيف بمن يأخذ المال ليعطل مصالح العباد أو يمرر المعاملات الفاسدة؟!
إن هذا المنهج يضع كل مسؤول أمام ميزان
الآخرة الدقيق، ويذكره بأن المناصب تزول ولا يبقى إلا العمل الصالح، ولله در القائل:
وَمَنْ يَخُنْ فِي مَالِ رَبِّهِ يَجِدْ
... غِبَّ الخِيَانَةِ فِي أَهْلٍ وَفِي وَلَدِ
فَاحْفَظْ أَمَانَتَكَ الَّتِي حُمِّلْتَهَا
... إِنَّ الأَمَانَةَ حِمْلُهَا لَمْ يَسْهُلِ
العنصر السادس: المآلات التدميرية والحلول
المؤسسية لدعم الدولة
#الرشوة ليست مجرد خطيئة فردية بين الراشي
والمرتشي، بل هي معول هدم يضرب في أساسات المجتمع، ويهدد الأمن القومي والاقتصادي للدول.
ومواجهتها تتطلب وعياً مجتمعياً ودعماً لمؤسسات الدولة، ويمكن تفصيل ذلك في جانبين:
1.انهيار العمران وتضخم الأسعار
#إن انتشار الرشوة يؤدي حتماً إلى إهدار
الكفاءات، وتوسيد الأمر لغير أهله، وقتل المنافسة الشريفة. فالمقاول الذي يدفع رشوة
لترسية عطاء عليه، سيعوض هذا المبلغ من جودة المواد المستخدمة، مما ينتج عنه بنية تحتية
هشة ومشاريع وهمية. كما أن التاجر الذي يدفع الرشاوى سيضيفها على تكلفة السلعة، فيتحملها
المواطن البسيط في صورة "تضخم وغلاء أسعار".
#وقد نهى القرآن الكريم عن كل ما يفسد استقرار
المجتمعات، قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ
خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:
٥٦].
#يقول الإمام القرطبي في تفسيره: "نهى
سبحانه عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر، والرشوة في الأحكام من أعظم الفساد"
[الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج٧، ص٢٢٦].
#وقد لخص العلامة ابن خلدون هذه السنة الاجتماعية
الجارية بعبارة عبقرية تبين أثر الفساد المالي على سقوط الدول، حيث يقول: "اعلم
أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها... وإذا قعد الناس
عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران" [المقدمة لابن خلدون،
ص٢٨٥].
2.التحول الرقمي ودعم استقرار الدولة
#انطلاقاً من السياسة الشرعية الوسطية التي
تتبناها المؤسسات الدينية الرصينة كالأزهر الشريف، فإن محاربة الفساد لا تكون بالتشغيب
على مؤسسات الدولة أو إثارة الفتن، بل بدعم جهود الأجهزة الرقابية، والالتزام بالقوانين
المنظمة للعمل العام.
#ومن أعظم الحلول المؤسسية المعاصرة التي
تتوافق تماماً مع القاعدة الشرعية "سد الذرائع": دعم مشاريع "التحول
الرقمي والحوكمة الإلكترونية". فهذه الأنظمة الحديثة تقطع الاحتكاك المباشر بين
الموظف والمراجع، وتلغي السلطة التقديرية التي تُستغل للابتزاز، وتضمن الشفافية والعدالة
للجميع.
#إن كل مواطن وموظف هو حارس على ثغر من ثغور
وطنه، ومسؤول أمام الله عن استقرار مجتمعه، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم: ٨٩٣].
#فالوطن أمانة، وحماية مقدراته من الفساد
هي من صميم الدين، وفي ذلك ينشد الحكماء:
تَبْنِي الدَّوْلَةَ أَيْدٍ طَاهِرَاتٌ
... وَيَهْدِمُهَا ارْتِشَاءٌ وَاخْتِلاَسُ
فَكُنْ لِلْحَقِّ حِصْنًا مُسْتَقِيمًا
... فَإِنَّ الْعَدْلَ لِلْعُمْرَانِ أَسَاسُ