لعنةُ الدُّرجِ المفتوح
حين يتحوّلُ المنصبُ من أمانةٍ إلى بابٍ
للحرام
الحمدُ للهِ الذي حرَّمَ الظُّلمَ، ونهى
عن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يعلمُ
خائنةَ الأعينِ وما تُخفي الصدور، وأشهدُ أن سيِّدَنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى
اللهُ وسلَّم وباركَ عليه، وعلى آله وصحبِه أجمعين.
أما بعدُ فيا عبادَ الله...
ما هي الجريمةُ التي لا تحتاجُ إلى سلاحٍ،
لكنها تقتلُ العدلَ، وتدفنُ كرامةَ الأوطان؟
وما هي الخيانةُ التي لا تهدمُ جدرانَ القلاع،
لكنها تُسقطُ الدُّولَ من داخلها، وتُفسدُ الذِّمَم، وتُنبتُ الظلمَ في كلِّ مكان؟
إنها ليست جريمةً تُرتكبُ في ظلامِ الليل،
ولا سرقةً يَفرُّ صاحبُها بعدَها هاربًا... إنها جريمةُ الرِّشوة!
تلك الآفةُ الخبيثةُ التي تتخفَّى اليومَ
وراءَ أسماءٍ مُزخرفةٍ، لتُهوِّنَ الجريمةَ وتُزيِّفَ الحقيقة:
مرَّةً تُسمَّى: إكرامية، وما هي إلا خيانةٌ
للأمانة.
ومرَّةً تُسمَّى: تسهيلَ الأمور، وما هي
إلا سُحتٌ يُؤكلُ به الحرام.
ومرَّةً تُسمَّى: هديةً، وما هي إلا جَمرةٌ
من نارِ جهنم.
يقفُ الموظفُ أو المسؤولُ في مكانِه، وقد
اؤتُمِنَ على حقوقِ الناس، فيُعطِّلُ المعاملات، ويحبسُ المصالح، ويُضيِّقُ على أصحابِ
الحقوق، حتى يمدَّ المظلومُ يدَه بالمالِ ليستردَّ حقًّا هو له أصلًا!
فأيُّ خيانةٍ أعظمُ من أن تُباعَ حقوقُ
العباد؟
وأيُّ ظلمٍ أشدُّ من أن يُقدَّمَ الباطلُ،
ويُؤخَّرَ الحقُّ؛ لأجلِ مالٍ حرام؟
استَمِعوا
إلى كلامِ ربِّكم وهو يكشفُ حقيقةَ هذه الجريمة، فيقولُ سبحانه:"وَلَا تَأۡكُلُوۤا۟
أَمۡوَ ٰلَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَـٰطِلِ وَتُدۡلُوا۟
بِهَاۤ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُوا۟ فَرِیقا مِّنۡ أَمۡوَ ٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ"(البَقَرَةِ: ١٨٨).
تأمَّلوا كلمةَ ﴿تُدْلُوا﴾! فالإدلاءُ في
اللغةِ هو إرسالُ الدَّلوِ في عُمقِ البئرِ لاستخراجِ الماء؛ فكأنَّ الراشيَ يُلقي
بمالِه في ظلماتِ النفوسِ الضعيفة، ليستخرجَ به حكمًا ليس له، أو ليستوليَ على حقٍّ
من حقوقِ غيره.
● ثم يحذِّرُنا المولى سبحانه من أهلِ السُّحتِ
الذين يسارعون في الإثمِ والعدوان، فيقول:
﴿وَتَرَىٰ كَثِیرا مِّنۡهُمۡ یُسَـٰرِعُونَ فِی ٱلۡإِثۡمِ
وَٱلۡعُدۡوَ ٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا
كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾ [ المَائـِدَةِ: ٦٢] .
والسُّحتُ اسمٌ لكلِّ مالٍ حرام، ومن أعظمِ
صُوَرِه الرشوةُ والخيانةُ؛ وسُمِّيَ سُحتًا لأنَّه يستأصلُ بركةَ المال، ويمحقُ خيرَه،
ويُفسدُ به حياةَ صاحبه في الدنيا والآخرة.
ثم يوبِّخُ اللهُ سبحانه مَن رأى الفسادَ
وسكتَ عنه، فقال في الآيةِ التي تليها مباشرةً: ﴿{ لَوۡلَا یَنۡهاهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِیُّونَ
وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُوا۟
یَصۡنَعُونَ ﴾.
[المَائـِدَةِ: ٦٣].
أيها المسلمون...
أتدرون ماذا تصنعُ الرِّشوةُ في المجتمعات؟
تقتلُ الكفاءة؛ فيُقدَّمُ غيرُ المستحق،
ويُقصى صاحبُ الكفاءة، ويُدفنُ النابغُ تحتَ ركامِ المحاباةِ والظلم.
تسرقُ حقوقَ الناس؛ فيصبحُ العلاجُ لمن
يدفع، والوظيفةُ لمن يدفع، والحقُّ لمن يدفع!
تهدمُ ميزانَ العدالة؛ فيمسي المظلومُ حزينًا
مكسورًا، ويصبحُ الظالمُ مستبشرًا فرحًا!
ولهذا لم يكنَ التغليظُ النبويُّ في شأنِ
الرشوةِ أمرًا عابرًا... فلم يكتفِ النبيُّ ﷺ ببيانِ أنها معصية، بل أعلنَ فيها لعنةً
تُزلزلُ القلوب، وتكشفُ خطورةَ هذا الذنبِ العظيم.
عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ رضي الله عنهما
قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ:«لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» (رواه أبو
داود والترمذي)...وفي روايةٍ عند الإمام أحمد: «والرَّائِشَ»؛ وهو الواسطةُ بينهما.
اللَّعنُ! هل تُدركون ما معنى اللعنِ في
لسانِ الشرع؟
هو الطردُ والإبعادُ عن رحمةِ اللهِ تعالى.
فهل يستحقُّ مبلغٌ زائل، أو حفنةٌ من المال،
أو منفعةٌ عابرة، أن يبيعَ الإنسانُ بسببها دينَه، ويعرِّضَ نفسَه للبعدِ عن رحمةِ
اللهِ التي وسعتْ كلَّ شيء؟
وهنا يظهرُ خُبثُ هذه الجريمةِ ومكرُ أصحابِها...
يأتي الراشي فيتزيَّنُ بثوبِ الحاجة، ويأتي
المرتشي فيفتحُ بابَ الخيانة، ويأتي الرائشُ فيتوسطُ بينهما على الإثم.
ثلاثةٌ اجتمعوا على جريمةٍ واحدة؛ هذا باعَ
دينَه، وذاك خانَ أمانتَه، والثالثُ أعانَ على الفسادِ وسعى في نشرِه.
وهنا المفاجأةُ التي يغفلُ عنها كثيرٌ من
الموظفينَ وأصحابِ المناصب...
يظنُّ بعضُ الناسِ أن الهدايا التي تُقدَّمُ
لأهلِ المناصبِ والكراسي أمرٌ طبيعيٌّ لا شبهةَ فيه، وأنها مجردُ مجاملةٍ أو إكرام.
لكنَّ النبيَّ ﷺ كشفَ حقيقةَ هذا الأمر، ورفعَ الستارَ
عن هذا التدليسِ بموقفٍ عظيمٍ بقيَ شاهدًا على صيانةِ الأمانةِ وحمايةِ حقوقِ الأمة.
استعملَ النبيُّ ﷺ رجلًا من الأزدِ يُقالُ له ابنُ اللُّتْبِيَّةِ
على جبايةِ الصدقة، فلمَّا قدمَ قال للنبيِّ ﷺ: "هذا لكم، وهذا أُهديَ لي!"
فماذا فعلَ الحبيبُ المصطفى ﷺ؟
هل تركَه؟ هل اعتبرَها هديةً شخصيةً لا
علاقةَ لها بالعمل؟
كلا...
لقد أنكرَ النبيُّ ﷺ ذلك أشدَّ الإنكار، فحمدَ اللهَ وأثنى
عليه، ثم قال:
«مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَأْتِي
فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي؟! فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ
أَوْ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ» (متفق عليه).
الله أكبر!
"فهلَّا جلسَ في بيتِ أبيه أو أمِّه!"
تأملوا هذا المعيارَ العظيم... لو كنتَ
جالسًا في بيتِكَ بلا وظيفةٍ، ولا منصبٍ، ولا سلطةٍ، ولا ختمٍ بيدِكَ... هل كان سيأتيكَ
أحدٌ ليهديَكَ مالًا أو هديةً ثمينة؟
واللهِ لو جلستَ في بيتِ أمِّكَ ما التفتَ
إليكَ أحد!
إنهم لم يُهدوكَ لشخصِكَ، ولا لجمالِكَ،
ولا لمكانتكَ عندهم... وإنما أرادوا منصبَكَ الذي بين يديكَ، وصلاحياتِكَ التي اؤتمنتَ
عليها، وأمانتَكَ التي أرادوا شراءَها بثمنٍ بخس.
ولم يقفِ التغليظُ عندَ هذا الحدّ... بل
امتدَّ ليكشفَ خطورةَ الحرامِ حتى إنَّه يحرمُ صاحبَه من بركةِ الدعاءِ وقبولِه.
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ
اللهِ ﷺ:
«أيُّها الناسُ، إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ
إلَّا طيِّبًا......ثم ذكرَ الرجلَ يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديهِ إلى السماءِ:
يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرامِ،
فأنَّى يُستجابُ لذلك؟!» (رواه مسلم).
تأمَّلوا هذه الصورةَ المؤلمة!
رجلٌ مسافرٌ، والسفرُ من أسبابِ إجابةِ
الدعاء، أشعثُ أغبرُ، منكسرٌ بين يدي الله، يرفعُ يديهِ إلى السماءِ، وينادي ربَّه:
"يا ربِّ... يا ربِّ".
اجتمعتْ فيه أسبابُ الإجابةِ الظاهرة، ولكنَّ
الحاجزَ كان في موضعٍ خفيٍّ خطير؛ كان طعامُه من حرام، ومالُه من سُحت، فكيف تُفتحُ
أبوابُ السماءِ لمن ملأَ بطنَه بما لا يُرضي الله؟
إنَّ أخطرَ ما في المالِ الحرامِ أنَّه
لا يقفُ عندَ صاحبه، بل يمتدُّ أثرُه إلى أهلِه وأولادِه؛ فكلُّ لقمةٍ أُطعِمَتْ من
حرام، وكلُّ مالٍ دخلَ البيتَ بغيرِ حق، وراءَه حقوقُ مظلومينَ ودعواتُ محرومين.
وقال النبيُّ ﷺ لكعبِ بنِ عُجرةَ رضي الله عنه محذِّرًا:
«يا كعبُ بنَ عُجرةَ، إنَّه لا يربو لحمٌ
نبتَ من سُحتٍ إلا كانتِ النارُ أولى به» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
يا مَن تأكلُ السُّحتَ وتُطعِمُه أبناءَك...
كيفَ تطمئنُّ أن تبنيَ أجسادَ أطفالِكَ
من مالٍ لا بركةَ فيه؟
كيفَ تفرحُ بثيابِهم وطعامِهم وشرابِهم،
وأنتَ تعلمُ أنَّ وراءَ هذا المالِ حقًّا ضائعًا، أو مظلمةً لإنسانٍ، أو دعوةَ محروم؟
فاحذروا عبادَ اللهِ المالَ الحرام؛ فإنَّه
وإن نما في أعينِ الناس، فإنَّه يمحقُ البركةَ، ويُثقِلُ الحسابَ يومَ يلقى العبدُ
ربَّه.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ
الجليلَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيم...
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ
إلا اللهُ وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، المبعوثَ رحمةً
للعالمين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ...
يا عبادَ الله...
إذا كانت الخطبةُ الأولى قد كشفت لنا خطرَ
الرشوةِ وآثارَها المدمِّرةَ على الفردِ والمجتمع، فإنَّ السؤالَ الذي يفرضُ نفسَه
الآن:
كيف ينجو الإنسانُ في زمانٍ كثرتْ فيه المغريات،
وتزيَّنتْ فيه أبوابُ الحرام؟
إنَّ الطريقَ يبدأُ بيقينٍ راسخٍ بأنَّ
اللهَ سبحانه لا يضيِّعُ أجرَ من اتقاه، وأنَّ اللقمةَ الحلالَ وإن قلَّتْ في أعينِ
الناس، ففيها من البركةِ والصلاحِ ما لا يُدركه إلا من ذاقَ حلاوتَها.
استمعوا إلى وعدِ اللهِ العظيم، يقولُ سبحانه:
﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ
إِنَّا لَا نُضِیعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكَهۡفِ: ٣٠].
الله أكبر!
هنيئًا لمن أحسنَ عملَه في وظيفته، وأمانته،
ومعاملاته.
إنَّ اللهَ لا يضيِّعُ تعبَ الأمين،
ولا يُسقطُ ثوابَ من صبرَ عن الحرام؛ فقد
يرى الناسُ مالَ المرتشي يزدادُ في الظاهر، ولكنَّ البركةَ تُنزعُ منه، ويأتيهُ أثرُ
ذلك في دينه ودنياه.
أما صاحبُ الحلالِ الصادق، فإنَّ اللهَ
يباركُ له في رزقه، ويجعلُ في القليلِ الذي بين يديه خيرًا كثيرًا.
ولهذا ربطَ اللهُ سبحانه بين التقوى والفرجِ
والرزق، فقال:
﴿وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰا (٢) وَیَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَحۡتَسِبُۚ﴾
[ الطَّلَاقِ: ٢-٣].
فيا من تكافحُ في الحياةِ لتُطعمَ أهلَكَ
حلالًا...
لا تستبطئِ الرزق، ولا يحملنَّكَ تأخرُ
ما تريدُ على أن تطلبَه بمعصيةِ الله.
وتذكَّرْ وصيةَ المصطفى ﷺ التي تُلقي السكينةَ في قلبِ المؤمن:
«إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي ، أنَّ
نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها ، وتستوعِبَ رزقَها ، فاتَّقوا اللهَ ، وأجمِلُوا
في الطَّلَبِ ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ
، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ» (رواه ابن ماجه).
🤲🤲🤲
اللهم اكفِنا بحلالِكَ عن حرامِكَ، واغنِنا
بفضلِكَ عمَّن سواك.
اللهم طهِّرْ أموالَنا من السُّحت، وألسنتَنا
من الكذب، وأعيننا من الخيانة.
اللهم ارزقْنا القناعة، وباركْ لنا في الحلال،
واصرفْ عنَّا الحرام.
عبادَ الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
اذكروا اللهَ العظيمَ يذكركم، واشكروهُ
على نعمهِ يزدكم، ولذكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.