recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة حق الطريق... عبادة وسلوك وحضارة الشيخ محمود عطا

 حق الطريق.. عبادة وسلوك وحضارة 

  


(المشهد الواقعي)

​الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على معلم البشرية وهادي الإنسانية، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 أما_بعد:

​أيها الأخوة المؤمنون، تخيلوا معي هذا #المشهد_المألوف الذي نعيشه شبه يومي:  رجلٌ_يخرج من بيته صباحًا متوضئًا، عازمًا على كسب رزقه بالحلال. يركب سيارته، وفجأةً يجد نفسه محاصرًا لأن أحدهم أغلق الشارع بمركبته ليشتري كوبًا من القهوة! يواصل طريقه، فيرى طفلًا يكاد يُدهس لأن رصيف المشاة احتله صاحب متجر لعرض بضائعه. يلتفت يمينًا فيرى سائقًا يرمي فضلات طعامه من النافذة، ويسارًا يرى شابًا يسرع بسرعة جنونية ممسكًا بهاتفه، متجاهلًا إشارة المرور والمارة!

 هل_تساءلنا يومًا: أين يقع ديننا من هذه التفاصيل اليومية؟ هل تقتصر العبادة على جدران المساجد ومحاريب الصلاة؟

 إن الشارع ليس مجرد أسفلت نعبره، بل هو مرآة لضمائرنا، ومقياس دقيق لتديننا الحقيقي. لقد جعل الإسلام الطريق محرابًا للعبادة، وسنّ له من الأحكام والآداب ما يضمن أمن المجتمع واستقراره، وحوّل السلوك اليومي البسيط إلى عبادة يُتقرب بها إلى الله.

 المحور_الأول: الطريق في الإسلام.. محراب للعبادة لا للعبور فقط

 أيها_المسلمون، إن أولى خطوات الفهم الصحيح لهذا الدين هي إدراك أن "حق الطريق" ليس مجرد قانون وضعي أو لائحة تنظيمية، بل هو تشريع رباني غايته حفظ الإنسان.

 لقد_أسس_النبي هذا المفهوم في حديث جامع يضع النقاط على الحروف في فقه السلوك العام. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي قال:

​"إيَّاكُمْ والْجُلُوسَ في الطُّرُقاتِ، فقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما لنا مِن مَجالِسِنا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فيها، فقالَ: إذْ أبَيْتُمْ إلَّا المَجْلِسَ، فأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قالوا: وما حَقُّ الطَّرِيقِ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذَى، ورَدُّ السَّلامِ، والأمْرُ بالمَعروفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ" (متفق عليه: رواه البخاري ومسلم).

 تأملوا_معي_بعمق: لماذا بدأ النبي بالنهي الشديد والتحذير بقوله: "إياكم والجلوس في الطرقات"؟

 في فقه الدعوة والتشريع، هناك قاعدة ذهبية تقول: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح". الطريق مرفق عام مشترك، والجلوس فيه بغير حاجة يضيق على المارة، ويفسح المجال للفضول والتطلع على العورات. فلما ذكروا حاجتهم للجلوس، لم يضيق عليهم، بل وضع لهم دستورًا أخلاقيًا صارمًا يحمي حريات الآخرين.

 إن حقوق الطريق التي حددها النبي هي صمام الأمان للمجتمع:

 غض البصر: لحفظ الأعراض وراحة المشاة النفسية.

 كف الأذى: وهو يشمل كل ما يضايق المارّ ماديًا أو معنويًا.

 رد السلام: لبث الطمأنينة والمحبة بين أفراد المجتمع.

 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لحماية الذوق العام وحفظ النظام.

 هذا الترابط الوثيق بين الإيمان وحق الطريق أكده النبي بقوله: "الإيمَانُ بضعٌ وسَبْعُونَ أوْ بضعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ" (  مسلم). فكيف يظن مسلم أن دينه كامل وهو يترك خلفه الأذى في طرقات المسلمين؟

 المحور الثاني: صور الاعتداء على حق الطريق في عصرنا

 ياعباد الله، إن صور الأذى في زماننا تنوعت وتطورت، وأصبح بعضنا يرتكبها يوميًا دون أن يشعر بالذنب، ومن أبرز هذه المظاهر:

 إلقاء القمامة والفضلات: من نوافذ السيارات أو على قارعة الطريق، وهو سلوك يتنافى تمامًا مع إماطة الأذى.

 احتلال_الأرصفة: سواء من أصحاب المحلات التجارية بوضع بضائعهم، أو أصحاب البيوت ببناء حواجز، مما يضطر المشاة، وخاصة الأطفال وكبار السن، للسير في مسار السيارات وتعريض حياتهم للخطر.

 القيادة المتهورة_واستخدام_الهاتف: إن تصفح الهاتف أثناء القيادة ليس مجرد إهمال، بل هو مشروع قتل غير عمد، واستهتار بأرواح وهبها الله لنا لتكون أمانة.

 إزعاج الناس والضوضاء: باستخدام أبواق السيارات (الكلاكسات) بلا داعٍ، أو رفع أصوات الأجهزة الصوتية، خاصة في أوقات الراحة والليل.

 التحرش اللفظي والبصري: ومضايقة النساء والفتيات أثناء عبورهن، وهو من كبائر خوارم المروءة والدين.

 التدخين في الأماكن المزدحمة: وإجبار المارة على استنشاق السموم.

 مخالفة الإشارات وقواعد_المرور: السير عكس الاتجاه أو تجاوز الإشارات الحمراء اعتداء صريح على النظام العام والملكية المشتركة.

 تصوير الناس دون إذنهم: نشر صور المارة أو الحوادث على وسائل التواصل الاجتماعي هو انتهاك لخصوصية الإنسان وحرمته التي هي عند الله أعظم من حرمة الكعبة.

 التنمر والاستقواء في_الطرقات: بالمشاحنات اللفظية أو استعراض القوة بالمركبات.

 إن كل صورة من هذه الصور تمثل هدمًا لمقصد من مقاصد الشريعة الخمسة؛ فالقيادة المتهورة ومخالفة المرور هدمٌ لـ "حفظ النفس"، واحتلال الأرصفة والقمامة هدمٌ لـ "حفظ البيئة والنظام العام"، وتصوير الناس والتحرش هدمٌ لـ "حفظ العرض والكرامة الإنسانية".

 المحور الثالث: البعد النفسي.. الطريق مرآة للداخل

أيها الإخوة، إن الشارع هو "جهاز كشف كذب" لسلوكنا الأخلاقي. عندما تكون خلف عجلة القيادة، أو تسير في الشارع حيث لا يعرفك أحد، تظهر حقيقتك النفسية والتربوية دون رتوش أو تجميل.

​الشخص المتصالح مع نفسه، والمتشبع بقيم الإيمان، يقود سيارته بسكينة، ويفسح الطريق لغيره بابتسامة، ويلتمس الأعذار للمخطئين. أما الشخص القلق، المليء بالعدائية والأنانية، فإنه يحول القيادة إلى معركة شخصية، يغضب لأتفه سبب، ويرى في تجاوز أي سيارة له إهانة لكرامته!

 إن الفوضى في الشوارع هي انعكاس مباشر للفوضى النفسية والروحية بداخلنا. وعندما نهذب سلوكنا في الطريق، فإننا نساهم بشكل مباشر في خفض معدلات التوتر والضغط النفسي في المجتمع ككل.

​أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

​الخطبة الثانية

​الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، وبعد:

 المحور_الرابع: حق الطريق وعلاقته ببناء الإنسان وعمارة الأوطان

​أيها المسلمون، إن الحضارة لا تُقاس بارتفاع الأبراج، ولا بنقاء الرخام في بهو الفنادق، بل تُقاس بسلوك الإنسان في الشارع العام. إن احترام الطريق هو أول مؤشرات الوعي المجتمعي والمسؤولية الوطنية.

​عندما نحترم قوانين المرور ونحافظ على نظافة الشارع، فإننا لا نفعل ذلك خوفًا من كاميرات المراقبة أو الغرامات المالية، بل نفعل ذلك طاعةً لله رب العالمين، واستشعارًا للمسؤولية المجتمعية التي تجعل من الفرد لبنة صالحة في بناء وطنه. إن المحافظة على النظام العام وبناء الأوطان يبدأ من خطوتك الأولى خارج عتبة منزلك. 

 

 · د

google-playkhamsatmostaqltradent