حَقُّ الطَّرِيقِ
الْحَمْدُ لِلهِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ،
الْعَظِيمِ السُّلْطَانِ، الْخَالِقِ الْمَنَّانِ، الَّذِي جَعَلَ الْإِيمَانَ عَقِيدَةً
تَنْبِضُ فِي الْجَنَانِ، وَسُلُوكًا يَظْهَرُ عَلَى الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ.
نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الْعِظَامِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى هِدَايَتِهِ
لِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا
شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ الْخُلُقِ
الْعَظِيمِ، وَالنَّهْجِ الْقَوِيمِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ
الْأَطْهَارِ، مَنَارِ الْهُدَى فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
كَثِيرًا.». عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَهِيَ
مَلَاذُ الْخَائِفِينَ، وَأَمَانُ الْوَجِلِينَ، وَبِهَا طَهَارَةُ النُّفُوسِ وَنَجَاةُ
الْأَرْوَاحِ يَوْمَ الدِّينِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
أَمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ شَرِيعَتَنَا الْإِسْلَامِيَّةَ الْغَرَّاءَ
لَمْ تَدَعْ جَانِبًا مِنْ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ إِلَّا وَنَظَّمَتْهُ، وَلَا سُلُوكًا
فَرْدِيًّا أَوْ جَمَاعِيًّا إِلَّا وَقَوَّمَتْهُ. وَمِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَى
شُمُولِيَّةِ هَذَا الدِّينِ وَرُقِيِّهِ، أَنَّهُ جَعَلَ لِلْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ
حُرْمَةً، وَلِلْمَسَالِكِ الْمُشْتَرَكَةِ هَيْبَةً، وَأَقَرَّ مَا يُسَمَّى فِي مِيزَانِ
الْوَحْيِ بِـ "حَقِّ الطَّرِيقِ". إِنَّ الطَّرِيقَ يَا عِبَادَ اللهِ لَيْسَ
مُجَرَّدَ مَمَرٍّ مِنَ الْأَسْفَلْتِ أَوِ التُّرَابِ؛ بَلْ هُوَ مِرْآةٌ تَنْعَكِسُ
عَلَيْهَا أَخْلَاقُ الْأُمَّةِ، وَمِقْيَاسٌ حَضَارِيٌّ يُقَاسُ بِهِ رُقِيُّ الْمُجْتَمَعِ
وَانْضِبَاطُهُ. إِنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي زَوَايَا الْمَسَاجِدِ وَدُورِ
الْعِبَادَةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ سُلُوكٌ عَمَلِيٌّ يَمْشِي مَعَ صَاحِبِهِ فِي الْأَسْوَاقِ
وَالْأَزِقَّةِ. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ
بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا:
إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» [متفق
عليه].
تَأَمَّلُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- كَيْفَ
قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (الَّتِي
هِيَ أَعْلَى شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَبَيْنَ تَنْظِيفِ الطَّرِيقِ وَإِزَالَةِ الْأَذَى
عَنْهُ (الَّتِي هِيَ أَدْنَاهَا)! إِنَّهُ رَبْطٌ عَقَدِيٌّ سُلُوكِيٌّ بَدِيعٌ، لِيَعْلَمَ
كُلُّ مُسْلِمٍ أَنَّ طَهَارَةَ طَرِيقِ النَّاسِ تَنْبُعُ مِنْ طَهَارَةِ قَلْبِ السَّالِكِ
فِيهِ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
لَقَدْ وَضَعَ لَنَا الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ
وَالنَّبِيُّ الْأَعْظَمُ ﷺ دُسْتُورًا خَالِدًا لِلطَّرِيقِ فِي حَدِيثٍ
جَامِعٍ مَانِعٍ؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ
ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ!»
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا؛ نَتَحَدَّثُ فِيهَا.
فَقَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ!»
قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ
الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ»
[متفق عليه]. مَا أَعْظَمَهَا مِنْ حُقُوقٍ! وَمَا أَجْمَلَهَا مِنْ آدَابٍ لَوْ طُبِّقَتْ
لَأَمِنَ النَّاسُ فِي مَعَاشِهِمْ وَحِلِّهِمْ وَتِرْحَالِهِمْ. دَعُونَا نَقِفُ مَعَ
هَذِهِ الْوَصَايَا النَّبَوِيَّةِ بِعَيْنِ الْفَهْمِ الْمُعَاصِرِ:
الْحَقُّ الْأَوَّلُ: غَضُّ الْبَصَرِ
وَهُوَ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ عَظِيمٌ، وَلَيْسَ
مَحْصُورًا فِي النَّظَرِ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ النِّسَاءِ فَحَسْبُ، بَلْ يَشْمَلُ
أَيْضًا عَدَمَ التَّطَفُّلِ عَلَى خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ. فَلَا يَجُوزُ لِلْمَارِّ
أَوِ الْجَالِسِ أَنْ يَسْتَرِقَ النَّظَرَ إِلَى دَاخِلِ الْبُيُوتِ عَبْرَ النَّوَافِذِ
وَالْأَبْوابِ الْمَفْتُوحَةِ، وَلَا أَنْ يَتَفَحَّصَ وُجُوهَ النَّاسِ وَمَرْكَبَاتِهِمْ
بِتَحْدِيقٍ يُثِيرُ الرِّيبَةَ وَيُسَبِّبُ الْإِحْرَاجَ. يَقُولُ الْمَوْلَى عَزَّ
وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[النور: ٣٠]. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ:
"مَرَّ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقَاتِ الْمَدِينَةِ،
فَنَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ أَنَّهُ
لَمْ يَنْظُرْ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ إِلَّا إِعْجَابًا بِهِ. فَبَيْنَمَا الرَّجُلُ
يَمْشِي إِلَى جَنْبِ حَائِطٍ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، إِذِ اسْتَقْبَلَهُ الْحَائِطُ فَشَقَّ
أَنْفَهُ! فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَغْسِلُ الدَّمَ حَتَّى آتِيَ الرَّسُولَ ﷺ فَأُعْلِمَهُ أَمْرِي. فَأَتَاهُ، فَقَصَّ
عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: «هَذِهِ عُقُوبَةُ ذَنْبِكَ»، وَأَنْزَلَ
اللهُ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾." وَاسْتَمِعْ
إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ
نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، فَهُوَ مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَالْعَيْنُ تَزْنِي
وَزِنَاهَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ
يَزْنِي وَزِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ
تَزْنِي وَزِنَاهَا الْخُطَى إِلَى الْحَرَامِ، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى،
وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ» [متفق عليه]. بَلْ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى حَرَّمَ النَّارَ عَلَى كُلِّ عَيْنٍ تَكُفُّ بَصَرَهَا عَنْ مَحَارِمِ
اللهِ، فَقَالَ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا تَرَى أَعْيُنُهُمُ النَّارَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ حَرَسَتْ فِي سَبِيلِ
اللهِ، وَعَيْنٌ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ» [رواه الطبراني].
الْحَقُّ الثَّانِي: كَفُّ الْأَذَى
وَكَفُّ الْأَذَى هُوَ جِمَاعُ الْأَدَبِ
كُلِّهِ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَمِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْإِحْسَانِ،
وَهُوَ مَنْهَجٌ عَمَلِيٌّ طَبَّقَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ. فَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ
الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، عَلِّمْنِي
شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ. قَالَ: "اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ"»
[رواه مسلم]. وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُرْوَى فِي فَضْلِ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ
خَيْرًا قَطُّ إِلَّا أَنَّهُ نَحَّى شَجَرَةً عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ كَانَتْ تُؤْذِيهِمْ،
فَأَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ
وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ
لَهُ» [متفق عليه]. فَإِذَا كَانَ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ وَدُخُولُ الْجَنَّةِ يَكُونُ
بِإِزَالَةِ غُصْنِ شَوْكٍ عَنِ الطَّرِيقِ، فَمَا بَالُكُمْ بِمَنْ يَضَعُ الْأَشْوَاكَ
فِي طَرِيقِ النَّاسِ؟! مَا بَالُ مَنْ يَقْطَعُ أَرْصِفَةَ الْمُشَاةِ، أَوْ يُلْقِي
النِّفَايَاتِ وَالْأَقْذَارَ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ يُخَرِّبُ الْمَرَافِقَ الْعَامَّةَ
كَالْمَظَلَّاتِ، وَأَعْمِدَةِ الْإِنَارَةِ، وَالْحَدَائِقِ الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ
مِلْكٌ لِلْجَمِيعِ؟! لَقَدْ حَذَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا
اللَّعَّانَيْنِ!» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي
يَتَخَلَّى -أَيْ يَقْضِي حَاجَتَهُ- فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» [رواه
مسلم]. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ سَبَّبَ أَذًى لِلْمَارَّةِ فِي
طَرِيقِهِمْ أَوْ مَكَانِ ارْتِيَادِهِمْ، فَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا الْوَعِيدِ. وَيَدْخُلُ
فِي ذَلِكَ أَيْضًا: قَطْعُ الطَّرِيقِ، وَتَعْطِيلُ مَصَالِحِ النَّاسِ، وَالسُّرْعَةُ
الْجُنُونِيَّةُ الَّتِي تُهَدِّدُ أَرْوَاحَ الْعَابِرِينَ كِبَارًا وَصِغَارًا، وَهِيَ
وَاللهِ بِمَنْزِلَةِ انْتِحَارٍ أَوْ شُرُوعٍ فِي الْقَتْلِ.
وَمِنْ أَبْشَعِ أَنْوَاعِ الْأَذَى: الْخَوْضُ
فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِي حَذَّرَنَا مِنْهُ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى
ﷺ قَائِلًا: «الرِّبَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ
بَابًا؛ أَدْنَاهَا مِثْلُ إِتْيَانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا
اسْتِطَالَةُ الرَّجُلِ فِي عِرْضِ أَخِيهِ» [رواه الطبراني]. وَمَا أَكْثَرَ الْجَالِسِينَ
فِي الطُّرُقَاتِ لِيَقَعُوا فِي عِرْضِ فُلَانٍ، وَيَسْتَطِيلُوا عَلَى فُلَانَةَ!
وَكَأَنَّهُمْ مَا سَمِعُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ
فِيهِ، أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ -أَيْ عُصَارَةَ أَهْلِ النَّارِ- حَتَّى
يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» [رواه أبو داود]. وَأَكَّدَ رَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا
فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وَعَلَى هَذَا أَنْشَدَ
الْقَائِلُ:
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحْيَا سَلِيمًا مِنَ
الْأَذَى ... وَدِينُكَ مَوْفُورٌ وَعِرْضُكَ صِينُ
فَلَا يَنْطِقَنْ مِنْكَ اللِّسَانُ بِسَوْءَةٍ
... فَكُلُّكَ سَوْءَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ
وَعَيْنَاكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَسَاوِئًا
... فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ
وَعَاشِرْ بِمَعْرُوفٍ وَسَامِحْ مَنِ اعْتَدَى
... وَفَارِقْ وَلَكِنْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
الْحَقُّ الثَّالثُ: رَدُّ السَّلَامِ
وَهُوَ بَثٌّ لِأَمَانِ الْمُجْتَعِ؛ فَإِذَا
أَلْقَى الْمَارُّ السَّلَامَ، كَانَ لِزَامًا عَلَى الْجَالِسِ أَنْ يَرُدَّ التَّحِيَّةَ
بِمِثْلِهَا أَوْ أَحْسَنَ مِنْهَا، لِتَزُولَ الشَّحْنَاءُ وَتَحِلَّ الْمَوَدَّةُ.
وَلِلسَّلَامِ فَضْلٌ كَبِيرٌ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَفْعَلَ أَعْظَمَ
وَأَفْضَلَ مَا جَاءَ بِهِ هَذَا الدِّينُ، فَعَلَيْكَ بِإِطْعَامِ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءِ
السَّلَامِ. جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟
قَالَ ﷺ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ
عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» [متفق عليه]. بَلْ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ
ﷺ السَّلَامَ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ،
فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ،
وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ
نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» [رواه الترمذي].
الْحَقُّ الرَّابِعُ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ
وَهُوَ صِمَامُ أَمَانِ الْمُجْتَمَعِ،
خُصُوصًا وَنَحْنُ أُمَّةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ،
كَمَا قَالَ رَبُّنَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. فَعَلَيْنَا أَنْ نُرْشِدَ الضَّالَّ، وَنُغِيثَ
الْمَلْهُوفَ، وَنُسَاعِدَ الضَّعِيفَ، وَنَدْعُوَ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ وَفَضِيلَةٍ.
الْحَقُّ الْخَامِسُ: النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَهُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ لِحِمَايَةِ
الْمُجْتَمَعِ مِنَ الْفَسَادِ وَالِانْحِرَافِ، حَيْثُ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ
بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ،
وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم]. هَذَا هُوَ دِينُنَا، لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا
إِلَّا وَأَمَرَنَا بِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَرًّا إِلَّا وَحَذَّرَنَا مِنْهُ، فَالْحَلَالُ
بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ.
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ الطُّرُقَ الْعَامَّةَ حَقٌّ لِلنَّاسِ
جَمِيعًا، وَالِاعْتِدَاءَ عَلَيْهَا أَوْ الْعَبَثَ بِهَا، أَوْ انْتِهَاكَ حُقُوقِهَا
هُوَ خِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ. وَإِنَّ خُصُومَةَ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا
كَانَتْ مَعَ فَرْدٍ وَاحِدٍ فَهِيَ شَدِيدَةٌ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ خُصُومَتُهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أُمَّةٍ كَامِلَةٍ غَصَبَهَا حَقَّهَا فِي طَرِيقِهَا وَمَرَافِقِهَا؟!
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ
اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
بِعُنْوَانِ: {اغْتِنَامُ الْإِجَازَةِ
الصَّيْفِيَّةِ}
الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
كَثِيرًا». أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا
أَنَّ الْأَيَّامَ تَطْوِي مَرَاحِلَ الْعُمْرِ، وَأَنَّ كُلَّ نَفَسٍ يَمْضِي يُقَرِّبُنَا
مِنَ الْآجَالِ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
نَحْنُ الْآنَ فِي مَوْسِمِ الصَّيْفِ،
حَيْثُ تَبْدَأُ الْإِجَازَةُ الصَّيْفِيَّةُ لِأَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا مِنَ الطُّلَّابِ
وَالطَّالِبَاتِ. وَالْإِجَازَةُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ إِذَا أُحْسِنَ اسْتِغْلَالُهَا،
وَنِقْمَةٌ وَحَسْرَةٌ إِذَا ضَاعَتْ فِي اللَّهْوِ وَالْفَرَاغِ. إِنَّ الْوَقْتَ
هُوَ رَأْسُ مَالِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُؤَالًا
مَخْصُوصًا. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ
مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [رواه البخاري]. وَمِنْ هُنَا، كَانَ لِزَامًا
عَلَى كُلِّ رَبِّ أُسْرَةٍ، وَعَلَى كُلِّ شَابٍّ وَفَتَاةٍ، أَنْ يَضَعُوا خُطَّةً
وَاضِحَةً لِهَذِهِ الْإِجَازَةِ؛ فَالْمُسْلِمُ لَا يَعْرِفُ الْعَبَثِيَّةَ، وَحَيَاتُهُ
مَبْنِيَّةٌ عَلَى النَّظْمِ وَالتَّرْتِيبِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا
اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
اغْتَنِمُوا هَذِهِ الْإِجَازَةَ فِي حِفْظِ
كِتَابِ اللهِ تَعَالَى أَوْ مُرَاجَعَتِهِ فِي الدَّوْرَاتِ الصَّيْفِيَّةِ وَالْمَسَاجِدِ؛
فَمَا عُمِّرَتِ الْأَوْقَاتُ بِمِثْلِ كَلَامِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اغْتَنِمُوهَا
فِي تَعَلُّمِ كُلِّ مَا هُوَ مُفِيدٌ وَنَافِعٌ لِلْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، حَتَّى
تُصْبِحَ الْعُقُولُ أَكْثَرَ نُضْجًا، وَالنُّفُوسُ أَكْثَرَ مَهَارَةً. اغْتَنِمُوهَا
فِي صِلَةُ الْأَرْحَامِ وَتَقْوِيَةِ الرَّوَابِطِ الْأُسْرِيَّةِ وَزِيَارَةِ الْأَقَارِبِ،
وَهُوَ أَمْرٌ مَحْمُودٌ تُجَدَّدُ بِهِ النَّشَاطَاتُ وَتَنْشَرِحُ بِهِ الصُّدُورُ.
وَمَا أَجْمَلَ أَنْ نَرْبِطَ بَيْنَ مَوْضُوعِ خُطْبَتِنَا الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ!
بِأَنْ نُوَجِّهَ الشَّبَابَ فِي الْإِجَازَةِ لِعَمَلِ حَمَلَاتٍ تَطَوُّعِيَّةٍ لِتَنْظِيفِ
الْأَحْيَاءِ، أَوْ غَرْسِ الْأَشْجَارِ عَلَى جَوَانِبِ الطُّرُقَاتِ، أَوْ تَوْزِيعِ
الْمَاءِ عَلَى الْعُمَّالِ فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ. إِنَّ فِي هَذَا تَجْسِيدًا لِأَعْظَمِ
قِيَمِ الْإِسْلَامِ فِي رِعَايَةِ حَقِّ الطَّرِيقِ وَنَفْعِ النَّاسِ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ سِوَى عَدَدٍ
مِنَ الْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ، فَكَيْفَ يَرْضَى عَاقِلٌ أَنْ يَقْتُلَ شُهُورًا
مِنْ عُمْرِهِ فِي نَوْمٍ لَا يَنْتَهِي، فَيَقْضِي لَيْلَهُ سَاهِرًا أَمَامَ الشَّاشَاتِ
وَالْأَفْلَامِ، وَنَهَارَهُ نَائِمًا غَافِلًا عَنِ الطَّاعَاتِ وَالْمَكْرُمَاتِ؟!
وَأَخْتِمُ بِقَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
رَحِمَهُ اللهُ: "يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ مَجْمُوعَةٌ، كُلَّمَا
مَضَى يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ".
فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.