مصر بين نعمة الاصطفاء... ومسؤولية البقاء
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأوطان أمانةً في أعناق أهلها، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، علَّمنا أن الأوطان لا تُبنى بالكلمات، وإنما تُبنى بالإيمان، والعمل، والوحدة، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين .... أما بعد...
يقول الله سبحانه وتعالى:
" ٱلَّذِیۤ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوع وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ "
أيها المسلمون...
أغمضوا أعينكم للحظة وتخيلوا...
خرجت من بيتك لتصلي .. فلم تجد المسجد...هدم!
ذهبت إلى عملك الذي تبكي اليوم من قلة رزقه.. فلم تجد المصنع! احترق!
أردت أن تطمئن على ولدك في مدرسته فوجدت
الطريق قد أُغلق بالدبابات والمدرسة تحولت إلى ركام!
كلما سمعت صوتًا ظننته انفجارًا...
وكلما طرق أحدٌ بابك ليلًا احتضنت زوجتك
وأطفالك...
وكأنها اللحظة الأخيرة في الحياة!
تخيل أن يصبح الخوف رفيقك...والقلق وسادتك...والدموع
لغة أطفالك...
ثم افتح عينيك الآن...
وانظر إلى السقف الذي يظلك...
وانظر إلى المسجد الذي تصلي فيه...
وانظر إلى أولادك وهم يخرجون ويعودون...
وانظر إلى بيتك الذي تنام فيه مطمئنًا...
ستدرك أن هناك نعمةً نعيش فيها كل يوم...وقد
نشكو ضيق المعيشة...وقد نختلف في أمور كثيرة...
لكننا لا نشعر بقيمتها الحقيقية إلا إذا
فقدناها...
إنها نعمة الأمن...
الله أكبر...ما أعجب القرآن!
حين أراد الله أن يذكر أعظم نعم الدنيا
لم يقل: الذي أغناهم...ولم يقل: الذي أكثر أموالهم...ولم يقل: الذي وسَّع تجارتهم...
بل قال:"ٱلَّذِیۤ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوع وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ "
أتدرون لماذا؟
لأن الجائع قد يصبر...أما الخائف فلا يهنأ
بطعام...ولا يذوق للنوم طعمًا... ولا يعرف في الصلاة خشوعًا... ولا يرى للحياة لونًا...
إذا سكن الخوف القلوب...رحلت معها كل النعم.
ولذلك... اسمعوا إلى النبي ﷺ وهو يضع ترتيب النعم ، لا كما نرتبها نحن...
بل كما رتبها الوحي.
قال ﷺ:"مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ،
مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا
بِحَذَافِيرِهَا".
تأملوا... ما أعظم دقة النبي ﷺ في اختيار كلماته...
فقد قدَّم الأمن لأن الإنسان إذا خاف فلن
يلتفت إلى صحته...
وإذا خاف فلن يتذوق طعامًا...وإذا خاف فلن
ينام على فراشه.
فكأن النبي ﷺ يقول لنا:إذا ضاع الأمن ، ضاعت معاني الحياة
كلها...
أتدرون ما العجيب في هذا الحديث؟
أن النبي ﷺ جمع الدنيا كلها في ثلاث كلمات!
آمن... معافى... عنده قوت يومه.
ثم قال: «فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
يا الله..
إذا استيقظت آمنًا...وجسدك سليم... وطعام
يومك موجود... فقد أصبحت تملك الدنيا... وأنت لا تشعر!
وكأن النبي ﷺ يشرح لنا القرآن... فالقرآن نفسه ربط بين
الإيمان والأمن فقال سبحانه:
"ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یَلۡبِسُوۤا۟
إِیمَـٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُو۟لَـٰۤئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ "
لم يقل: لهم الأموال...ولم يقل: لهم السلطان...
بل قال:"أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ".
فإذا استقام العبد مع ربه أورثه الله طمأنينة
القلب وكان الأمن من أعظم عطاياه.
أيها المسلمون...
افتحوا كتاب الله وتأملوا معي...
القرآن ذكر بلادًا كثيرة ، لكن هناك أرضًا
كلما ذُكرت شعرت أن صفحات الوحي تفيض لها تكريمًا...
من هي؟
إنها مصر...
الأرض التي إذا ضاقت الدنيا بالأنبياء فتح
الله لهم أبوابها.
طُورد الخليل إبراهيم...فكانت مصر من محطات
أمنه.
وخرج موسى خائفًا يترقب...ثم عاد إليها
نبيًا كريمًا، يكلم ربه عند طورها المبارك.
وحين اشتد بطش الظالمين حملت مريم طفلها
عيسى...
فكانت مصر ملاذًا وأمانًا.
هل رأيتم هذا الشرف؟
كلما ضاقت الأرض بأهل الإيمان ، جعل الله
لهم في مصر بابًا من أبواب الأمن.
ولذلك لم يقل يوسف عليه السلام لأهله: ادخلوا
مصر أغنياء ولا قال:ادخلوا مصر مكرمين...
بل قال الكلمة التي تختصر كل شيء:
"ٱدۡخُلُوا۟ مِصۡرَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ "
أتدرون ما العجيب في هذه الآية؟
أن يوسف عليه السلام كان يملك خزائن الأرض
ولم يَعِدْ أهله بالخزائن!
وكان عزيز مصر ، ولم يَعِدْهم بالملك!
وكانت الأرض قد امتلأت خيرًا بعد القحط
ولم يَعِدْهم بالرخاء!
بل وعدهم بشيء واحد فقط...
" ٱدۡخُلُوا۟ مِصۡرَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ "
وكأن الأمن... هو النعمة التي إذا حضرت،
حضرت معها كل النعم، وإذا غابت، غابت معها كل النعم.
ولم يكن هذا التكريم في القرآن وحده...بل
جاء التكريم أيضًا على لسان سيد ولد آدم ﷺ.
قفوا معي أمام هذا المشهد...
النبي ﷺ يخبر أصحابه عن بلدٍ لم يفتحوه بعد...
ومع ذلك لا يحدثهم أولًا عن خيراته...ولا
عن كنوزه... ولا عن أرضه...بل يوصي بأهله، فيقول:
«إِنَّكم ستفتحونَ مصر ، وهِيَ أرضٌ يُسَمَّى
فيها القيراطُ ، فإذا فتحتُموها ، فاستَوْصُوا بأَهْلِها خيرًا ، فإِنَّ لهم ذمَّةً
و رَحِمًا».
يا الله...
قبل أن تطأ أقدام المسلمين أرض مصر...وصلت
إليها أخلاق الإسلام.
وقبل أن تُفتح أبوابها...فُتحت لها قلوب
المؤمنين.
إنها رسالة عظيمة...
أن قوة الأمة لا تكون بالسلاح وحده...
بل بالعدل والوفاء وحسن العشرة...
وهكذا علَّمنا رسول الله ﷺ أن نكون أمنًا ورحمةً حيثما حللنا.
عباد الله...
إذا كان الله قد امتنَّ علينا بنعمة الأمن...وإذا
كان القرآن قد عظَّمها...ورسول الله ﷺ أوصى بحفظها...فاسألوا أنفسكم:
كيف تُحفظ الأوطان؟
هل تُحفظ بالصراخ؟
هل تُبنى بالشائعات؟
هل يجتمع الناس إذا أُشعلت بينهم نار الكراهية؟...
كلا...
إن أول معركةٍ يخوضها الشيطان أن ينزع من
قلبك معنى الأخوة...
وإذا تفرقت القلوب...تصدعت الصفوف...
وإذا تصدعت الصفوف...طمع في الأمة كل عدو.
ولهذا جاء التحذير من السماء فقال ربنا:
{ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفۡشَلُوا۟ وَتَذۡهَبَ
رِیحُكُمۡۖ
}.
أي تذهب قوتكم...وتضيع هيبتكم...ويتفرق
جمعكم...
وحينها... لا يحتاج العدو إلى أن يهزمنا...
فقد هزمنا أنفسنا."
ولذلك أمرنا ربنا فقال: { وَٱعۡتَصِمُوا۟
بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ } .
وأمرنا نبينا ﷺ فقال:«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه
بعضًا».
فالوطن .. لا يحميه حجرٌ ولا شجر...
وإنما يحميه بعد توفيق الله رجالٌ صادقون...ونساءٌ
صالحات...وشبابٌ يعرفون قيمة النعمة التي يعيشون فيها.
عباد الله...
قبل أن أجلس اسمحوا لي بسؤال واحد...
لو أن الله نزع الأمن من مصر ، كم واحدًا
منَّا سيستطيع أن يذهب إلى عمله غدًا؟
كم أمٍّ ستنام مطمئنة على أولادها؟
كم مسجدًا سيمتلئ بالمصلين؟
بل...كم واحدًا منَّا سيصل أصلًا إلى هذا
المسجد؟!
يا من تنام الليلة آمنًا:
إذا رأيت نعمة الأمن فلا تقل: هذا أمرٌ
اعتدناه...
بل اسجد لله شكرًا...
فوالله هناك من يدفع اليوم كل ما يملك ليحصل
على ليلةٍ واحدة ينام فيها كما تنام أنت الليلة!
فاحفظوا نعمة الله بالطاعة...وبالوحدة...وبتقوى
الله...
واعلموا أن الأوطان لا تسقط في يومٍ واحد
، ولكنها تبدأ حين ينام الصالحون عن الإصلاح ، ويصمت العقلاء عن النصيحة ، ويظن كل
واحدٍ منا أن المسؤولية على غيره.
اللهم لا تُرِنا في أوطاننا سوءًا، ولا
في أهلنا مكروهًا، ولا في ديننا فتنة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا
عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الأجمعين.
أما بعد...
أيها المسلمون...
في الخطبة الأولى، تحدثنا عن أمن الأوطان
وكيف أن الخوف إذا سكن البيوت رحلت معها كل النعم...
ولكن، قفوا معي هنا:
إن الوطن لا ينهار فجأة! والأمن لا يزول
بين ليلة وضحاها!
بل يبدأ انهيار الأمن العام... يوم أن ينهار
الأمن الإيماني في القلوب!
تبدأ الخصومات في الشوارع، والجرائم في
المجتمعات، يوم أن تنزع هيبة الله جل جلاله من الألسنة!
فكيف نرجو من الله أن يؤمِّن بيوتنا وشوارعنا...
ونحن نهين دينه وشريعته في أسواقنا وملاعبنا؟!
عباد الله...
اسمحوا لي أن أضع بين أيديكم هذا السؤال...
وأريد من كل واحد منكم أن يُجيب عليه في قرارة نفسه:
لو أن رجلًا وقف بين الناس ، وشتم أباك
أو أمك وصاح بها في الطريق... أترضى؟!
أبدًا... والله لا يرضى حرٌّ بذمّ أهله! بل قد
تثور دماء عروقك... وتقاطعه بقية عمرك، وربما وصل الأمر إلى الدماء!
لكن... وا أسفاه على ما آلت إليه القلوب!
كيف ينتفض الإنسان ويثور إذا سُبَّ بشرٌ
من تراب... ولا يغضب إذا سُبَّ دين رب الأرباب؟!
كيف تتحرك الحمية في عروقنا لكرامة المخلوق...
ثم تبرد، وتجف، وتموت... إذا انتُهكت كرامة دين الخالق؟!
ولذلك اسمعوا إلى هذا التحذير الذي يهز القلوب...
يقول الله تعالى:{ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَایَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ
(٦٥) لَا تَعۡتَذِرُوا۟ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِیمَـٰنِكُمۡۚ... (٦٦) }
يا لله...
أصبحت الكلمة التي كانت تهتز لها السموات
والأرض، تُقال اليوم في أسواقنا... وفي مواصلاتنا... وفي ملاعبنا... وربما خرجت بكل
بساطة أمام الأطفال الصغار في بيوتنا... وكأنها كلمة عادية! كأنها تحية الصباح!
كم من طفلٍ لم يكن يعرف هذه الكلمة... فسمعها
من أبيه، فحفظها... ثم نطق بها في المدرسة، وهو لا يدري أنه يردد كلمةً يغضب لها ربُّ
السماء. وهكذا ينتقل الذنب من لسانٍ إلى لسان، ومن بيتٍ إلى بيت، حتى يصبح المنكر مألوفًا،
ويكبر عليه الصغير، ويعتاده الكبير.
أيها المسلمون...
والله ما بدأ الناس بسب الدين لأنهم يكرهون
الإسلام، فكلنا فداء لهذا الدين... ولكنها الغفلة! لأنهم اعتادوا الكلمة، وهانت في
عيونهم العظمة!
والشيطان -لعنه الله- ذكيٌّ خبيث، لا يريد
منك في أول مرة إلا أن تسمع الكلمة وتمر عليها وأنت تضحك... فإذا ضحكت، هانت الكلمة
في قلبك، ثم تجد نفسك تقولها وأنت في لحظة غضب، ثم تصبح ركناً من أركان لسانك، حتى
تموت عليها -والعياذ بالله- وأنت لا تشعر أنك جئت بأعظم الموبقات!
والله سبحانه وتعالى يضع عنوان التقوى في كلمة
واحدة، فيقول في كتابه الكريم:
{ ذَ ٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَـائِرَ ٱللَّهِ
فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ
}
أتدرون ما معنى تعظيم شعائر الله؟
أي إذا ذُكر الله خشع قلبك وهاب...
وإذا ذُكر القرآن سكتَّ واحترمت...
وإذا ذُكر الدين انحنيت له حبًا وإجلالًا
ألا فليخبرني عاقل:
كيف يجتمع في قلب عبدٍ واحد... تعظيمُ الدين...
مع سبِّ الدين؟!
إنها مفارقة تبكي منها عيون الموحدين!
قد يخرج لي من بينكم قائل يقول: "يا شيخ،
نخرج عن شعورنا، وضغوط الحياة شديدة، والغضب يُعمي الأبصار!"
فأقول له:
من قال لك إن الغضب رخصة للكفر؟!
ومن قال لك إن المشاكل والمشاجرات مبرر
لأن تخلع ربقة الإيمان من عنقك في لحظة؟! ألا تعبأ بكلام نبيك؟! اسمع إلى رسولك ﷺ وهو يعيد صياغة مفهوم الرجولة والقوة في
قلبك؛ قال ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا
الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».
فيا عبد الله...
إذا غضبت... فاصمت...
اخرج من المكان كله...
توضأ واغسل غضبك بالماء...
⚠️لكن... إياك... ثم إياك... أن تجعل أول من تهينه في غضبك... هو دين ربك!
اللهم طهر ألسنتنا من سب دينك، ونقِّ قلوبنا
من الغفلة عن تعظيم شعائرك، واجعلنا عوناً على الإصلاح لا عوناً للشيطان.
اللهم احفظ على مصرنا أمنها، وإيمانها،
واستقرارها، واهدِ شبابنا، وأصلح أحوال بيوتنا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا أكرم الأكرمين.
عباد الله...
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ
ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه
يزدكم، وأقم الصلاة.