recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة ادخلوا مصر إن شاء الله آمين

ادخلوا مصر إن شاء الله آمين

 


 

نعمة الأمن في شريعة الإسلام.

مكانة مصر في القرآن الكريم.

مصر بلد الأنبياء والمرسلين.

 مصر بلد العلماء.

 مصر بلد العجائب.

أما بعد.

فيا عباد الله، حين نقرأ قول الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، فإننا لا نقرأ قصة من قصص الماضي فحسب، بل نقرأ رسالة متجددة لكل زمان: أن الأمن نعمة عظيمة، وأن الأوطان الآمنة فضل من الله يستوجب الشكر، وأن مصر كانت وستظل - بإذن الله - أرضا للأمن والإيمان إذا تمسك أهلها بدينهم، ووحدتهم، وأسباب قوتهم.

وفي خطبتنا اليوم نقف مع هذه الآية الكريمة، لنتأمل مكانة مصر في القرآن، ونعرف كيف نحافظ على نعمة الأمن، وما واجب كل واحد منا تجاه وطنه، حتى نستحق وعد الله وفضله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.

 المحور الأول- نعمة الأمن في شريعة الإسلام:

١- نعمة الأمن من أعظم نعم الله على عباده: قال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]، هنا قدَّم الله نعمة الأمن مقرونة بنعمة الرزق، لأن الإنسان لا ينتفع بطعام ولا مال ولا سكن إذا عاش في خوف واضطراب، فالأمن أساس الحياة الكريمة، وبدونه تتعطل مصالح الناس وتضيع حقوقهم.

٢- الأمن دعوة الخليل إبراهيم لأمته: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 126]، وقال تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: 35].

 بدأ سيدنا إبراهيم عليه السلام بالدعاء بالأمن قبل الرزق، لأن الأمن هو البيئة التي تزدهر فيها العبادة، ويستقر فيها الناس، وتنمو فيها الأرزاق، وإذا فقد الأمن تعطلت مصالح الدين والدنيا.

٣- الأمن نعمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها: قال النبي : «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»، بدأ النبي بالأمن قبل الصحة ولطعام، إشارة إلى أن الإنسان لا يهنأ بصحة ولا رزق إذا كان خائفا.

٤- اقتران مصر بالأمن في الوحي القرآني: من اللطائف القرآنية أن هناك موضعين بارزين اقترن فيهما الدخول بالأمن:

- المسجد الحرام: قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ سورة الفتح (27).

- مصر: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ سورة يوسف (99).

 لفظ (آمنين) اقترن في هذين الموضعين بأشرف بقاع الأرض، وهما: المسجد الحرام: أشرف بقاع الدنيا، ومصر: البلد الذي وصفه القرآن عند دخول آل يعقوب إليه بالأمن والطمأنينة.

🔺️المحور الثاني: مكانة مصر في القرآن الكريم:

نوَّع القرآن الكريم في الإشارة إلى مصر، فذكرها باسمها تارة، وبأوصافها ومعالمها تارة أخرى، مما يدل على مكانتها في تاريخ النبوات والرسالات.

 أولا- ذكرت مصر (صراحة) في القرآن الكريم:

١- قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}[يونس: 87].

٢- قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: 21].

٣- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99]، وهذه الآية هي عنوان خطبتنا، وقد وصف يوسف عليه السلام مصر بالأمن، وهو وصفٌ قرآني عظيم يبرز قيمة الأمن، ويدعو إلى المحافظة عليه وشكر الله عليه.

٤- قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51]، تدل الآية على ما عُرفت به مصر من قوة وعمران ووفرة في المياه والحضارة.

 ثانيا- ذكرت مصر بصورة (الكناية) في القرآن الكريم:

لم يقتصر القرآن على ذكر مصر باسمها الصريح، بل أشار إليها في مواضع عديدة من خلال أوصاف ومعالم اشتهرت بها، ومن ذلك:

١- الأرض: قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55] أي: خزائن أرض مصر، حيث تولى يوسف عليه السلام إدارة شؤونها الاقتصادية.

٢- المدينة: قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ...﴾ [يوسف: 30]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى...﴾ [القصص: 20] والمقصود بالمدينة: عاصمة مصر في زمن يوسف وموسى عليهما السلام.

٣- اليم (نهر النيل): قال تعالى:﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾[القصص: 7] والمقصود باليم هنا: نهر النيل، الذي كان سببًا في نجاة موسى عليه السلام.

٤- الجنات والعيون والزروع: قال تعالى:﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: 25-26]

٥- الوادي المقدس طوى: قال تعالى:﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾[طه: 12]، وقال تعالى:«﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: 16]، والوادي المقدس طوى يقع في سيناء، وهي أرض مباركة من أرض مصر.

 المحور الثالث: مصر بلد الأنبياء:

لقد شاء الله تعالى أن تكون (مصر) أرضا مباركة، ارتبطت بتاريخ عدد كبير من الأنبياء والمرسلين.

١- سيدنا إبراهيم عليه السلام: قدم إبراهيم عليه السلام إلى مصر، وأكرمه الله فيها، وتزوج السيدة (هاجر) التي أنجبت إسماعيل عليه السلام، ومن ذريته جاء خاتم الأنبياء سيدنا محمد ، فكان لمصر شرف الارتباط بنسب النبي من جهة أمِّ أبيه إسماعيل.

٢- سيدنا يوسف عليه السلام: عاش يوسف عليه السلام في مصر، ومكَّن الله له فيها، وتولى خزائنها، ونشر العدل والإصلاح بين أهلها، قال تعالى:﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾[يوسف: 55]

٣- سيدنا يعقوب عليه السلام وآل يعقوب: استقبل يوسف أباه يعقوب وإخوته في مصر، وقال لهم:﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99]، فكانت مصر مأوى آمنا لآل يعقوب في زمن الشدة والمجاعة.

٤- سيدنا موسى وهارون عليهما السلام: وُلِد موسى عليه السلام في مصر، ونشأ في قصر فرعون، ثم بعثه الله هو وأخاه هارون رسولين إلى فرعون وقومه، وعلى أرض مصر وقعت الآيات الكبرى، وانتصر الحق على الباطل، قال تعالى:﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه: 43].

٥- سيدنا عيسى وأمه مريم عليهما السلام: لما اشتد أذى الظالمين، كانت مصر ملاذا آمنا للسيدة مريم وابنها عيسى عليه السلام، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: «﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50]، وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الربوة هي أرض مصر.

٦- ماشطة ابنة فرعون: وقد ثبت أصل القصة في الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ذكرها في قصة (الإسراء والمعراج)، فقال إنه شمَّ ريحا طيبة، فأخبره جبريل أنها ريح ماشطة ابنة فرعون وأولادها، لما ثبتت على الإيمان ولم ترجع عنه حتى قُتلت مع أولادها.

٧- السيدة هاجر زوجة إبراهيم: تزوجها سيدنا إبراهيم عليه السلام، فولدت له إسماعيل، وإسماعيل هو أبو العرب المستعربة، ومن ذريته جاء سيدنا محمد، وبهذا يكون للنبي نسبٌ من جهة أمهات أجداده إلى هاجر المصرية.

٨- مارية القبطية: ومن وجوه تكريم الله لمصر أن النبي تزوج مارية القبطية رضي الله عنها، وكانت من أهل مصر، وقد أهداها (المقوقس) ملك مصر، إلى النبي ، فولدت له ابنه إبراهيم، وهو آخر أولاد النبي .

                                 الخطبة الثانية

 المحور الرابع- مصر بلد العلماء:

كما شرَّف الله مصر بمرور الأنبياء على أرضها، شرَّفها كذلك بأن أنبتت علماء حملوا راية الإسلام.

١- الإمام الليث بن سعد (ت ١٧٥هـ): إمام أهل مصر وفقيهها، قال الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به.

٢- القارئ ورش (عثمان بن سعيد المصري): إمام من أئمة القراءات، انتشرت روايته عن الإمام نافع في كثير من بلاد المسلمين، ولا تزال تُقرأ بها إلى اليوم.

٣- الإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ): استقر بمصر، وفيها ألَّف مذهبه الجديد، وتوفي ودُفن بها، فأصبحت مصر حاضنة لعلمه وفقهه.

٤- الإمام الطحاوي (ت ٣٢١هـ): من كبار أئمة العقيدة والحديث والفقه، ومن أشهر كتبه: العقيدة الطحاوية وشرح معاني الآثار.

٥- الإمام ابن هشام الأنصاري: إمام العربية والنحو، ومن أشهر مؤلفاته: مغني اللبيب وقطر الندى.

٦- الإمام ابن كثير (ت ٧٧٤هـ): أقام بمصر فترة من حياته، وانتفع بعلمائها، وكان على صلة قوية بالمدرسة العلمية المصرية، وهو صاحب تفسير القرآن العظيم والبداية والنهاية.

٧- الإمام ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢هـ): من كبار أئمة الحديث والفقه، وولي قضاء مصر، وكان من أعلام الاجتهاد.

٨- الإمام العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠هـ): سلطان العلماء، انتقل إلى مصر، وقاد فيها حركة الإصلاح، واشتهر بالصدع بالحق ومواقفه الشجاعة، وهو من أئمة المذهب الشافعي.

٩- الإمام الشاطبي: استقر بمصر، وألَّف فيها منظومته الخالدة الشاطبية في القراءات، التي حفظها ودرسها ملايين طلاب القرآن.

١٠- الإمام ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ): أمير المؤمنين في الحديث، وصاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري.

١١- الإمام بدر الدين العيني (ت٨٥٥هـ): صاحب عمدة القاري في شرح صحيح البخاري.

١٢- الإمام جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ): الإمام الموسوعي، وصاحب عشرات المؤلفات في التفسير والحديث واللغة.

١٣- الشيخ أحمد الدردير: من كبار فقهاء المالكية، وصاحب الشرح الكبير وأقرب المسالك.

١٤- الأزهر الشريف: ومن أعظم مفاخر مصر، فقد ظل أكثر من ألف عام منارةً للعلم الشرعي، وحصنًا لحفظ القرآن الكريم، ونشر السنة النبوية، وتخريج العلماء والدعاة إلى أنحاء العالم.

 المحور الرابع- مصر بلد العجائب:

مصر جمعت بين الذكر في القرآن، والوصية في السنة، وشرف الأنبياء، وآثار الصحابة، وريادة العلم، ولها نصيب من العجائب.

١- مصر في وصية النبي :  قال رسول الله : «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمَّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمةً ورحمًا». وفي رواية: «استوصوا بأهلها خيرًا»، وهذه وصية نبوية تدل على مكانة مصر وأهلها.

٢- كثرة الصحابة الذين دخلوا مصر:  تشرفت مصر بدخول عدد كبير من أصحاب رسول الله ، وقد ذكر المؤرخون أن من دخلها من الصحابة يزيد على ثلاثمائة صحابي، وكان منهم ولاة، وقضاة، ومحدثون، ومجاهدون، فكانت مصر من أوائل الأمصار التي ازدهر فيها العلم والحديث.

٣- كسوة الكعبة كانت تُصنع في مصر:  اشتهرت مصر عبر قرون طويلة بصناعة كسوة الكعبة المشرفة، وكانت تُنسج في القاهرة في احتفال مهيب، ثم تُحمل مع المحمل المصري إلى مكة، وهو شرف اختصت به مصر زمنا طويلا.

٤- مصر أغاثت المدينة في عام الرمادة: حل عام الرمادة في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب، اشتد الجوع والقحط، فكتب أمير المؤمنين إلى والي مصر عمرو بن العاص يقول: (من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص، سلام عليك، أما بعد: فيا غوثاه، ثم يا غوثاه، ثم يا غوثاه).

فما إن وصل الكتاب إلى عمرو بن العاص حتى أجاب قائلا (لبيك لبيك)، فكانت مصر سلة غذاء للعالم الإسلامي.

٥- نيل مصر من أنهار الجنة: قال النبي : «سيحان وجيحان والفرات والنيل كلٌّ من أنهار الجنة»، رواه مسلم، وهو من فضائل نهر النيل المبارك.

٦- ملتقى البحرين بمصر: قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ  بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ يظهر عند التقاء البحر الأحمر والبحر المتوسط عبر القنوات المائية، مع التنبيه إلى أن الآية عامة وليست خاصة بمصر.

٧- جبل الطور بمصر:  ومن أعظم ما اختصت به مصر جبل الطور الذي أقسم الله به فقال: ﴿وَالطُّورِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾، وعلى أرضه كلَّم الله موسى عليه السلام، وهو من أعظم البقاع المباركة المذكورة في القرآن الكريم.


google-playkhamsatmostaqltradent