recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة جريمة سب الدين. محمد أبوالنصر

 جريمة سب الدين.


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد :

حديثنا عن آفةٍ من أفتك الآفات، وخَطْبٍ من أشنع الخُطُوب التي عصفت بمجتمعات المسلمين، ألا وهي ظاهرة "سبّ الدين". نسأل الله أن يجعلها نافعة كاشفة، توقظ القلوب الغافلة، وتردّ النفوس الزائغة إلى جادة الحق والصواب.

وحديثنا يأتي في العناصر التالية.

 العنصر الأول: تمهيد وتحديد لماهية الظاهرة وخطورتها

 المدخل: ظاهرة تفشت في جسد الأمة

أيها المسلمون، إن لقاءنا اليوم مع ظاهرة هي من أنذر الظواهر وأخطرها، داءٌ عضال استشرى في جسد الأمة، وتسرب إلى ألسنة كثير من أبنائها كالسُّمّ الزُّعاف.

إنها ظاهرة "سبّ الدين"، والعياذ بالله. ظاهرة لم تقتصر على أعداء هذا الدين المعلنين، بل تفشت على ألسنة أناس يدّعون الإسلام، من رجال ونساء، كبار وصغار، في الأسواق والملاعب والمدارس، ولأتفه الأسباب. حتى سمعناها من أطفال لم يبلغوا سن التمييز، يتلفظون بها في مشاجراتهم ولحظات غضبهم، مما ينبئ عن خلل رهيب في منظومة التربية والتنشئة. وأدهى من ذلك أن ترى من يتفاخر بها ويتجرأ على ما لم تتجرأ عليه قلوب ألد أعداء الملة، الذين حاربوا الإسلام بوسائل أخرى كالطعن في ثوابته، لا بسبِّه العلني الجريء.

  تحديد المفاهيم: فقه الكلمة وأبعادها

قبل الخوض في غمار هذه الظاهرة، لا بد من تحرير معنى "السبّ" في اللغة والشرع، لنقف على حقيقة المصيبة. قال العلامة ابن عاشور رحمه الله في تفسيره: "وَالسبّ: كَلامٌ يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيرِ أَحَدٍ أَوْ نِسبّتِهِ إِلَى نَقِيصَةٍ أَوْ مَعَرَّةٍ، بِالْبَاطِلِ أَوْ بِالْحَقِّ، وَهُوَ مُرَادِفُ الشَّتْمِ". فالسب ليس مجرد خطأ عابر، بل هو فعل متعمّد جوهره التحقير والتنقيص والإذلال. فإذا تعلق هذا التحقير بالذات الإلهية المقدسة، أو بدينه الذي ارتضاه، أو برسوله المصطفى، أو بكتابه المعجز، فأي تنقيص أعظم من هذا؟ إنه ليس مجرد ذنب، بل هو جريمة تتقوّض لها أركان الإيمان، وتتصدع لها جدران اليقين.

إن أصل هذا الدين مبني على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسله، كما قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَٰٓائِرَ اَ۬للَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَي اَ۬لْقُلُوبِ﴾ [الحج، رقم: 32]. فالاستهزاء والسب منافٍ لهذا الأصل العظيم مناقضةً تامة، وهو إيذاء لله جل في علاه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اَ۬لذِينَ يُؤْذُونَ اَ۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ اُ۬للَّهُ فِے اِ۬لدُّنْي۪ا وَالَاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباٗ مُّهِيناً﴿ ا۬لَاحْزَابِ، رقم: 57].

  السمات العامة للظاهرة: استهانة قاتلة

من أخطر سمات هذه الظاهرة ذلك التهاون المجتمعي المريب تجاهها، والتساهل في تكرارها بوصفها مجرد "انفجار غضب" أو "تعبير عن الانفعال"، دون إدراك لعواقبها الوخيمة. وهذا التطبيع الاجتماعي هو الأخطر، لأنه يحول الجريمة النكراء إلى جزء من اللغة اليومية المتوارثة بين الأجيال، كما أشارت إلى ذلك حملة "صحح مفاهيمك" بأن هذه الظاهرة "تتطلب معالجة علمية دعوية عميقة وشاملة" لأنها تهدد "البنية الدينية واللغوية والأخلاقية للمجتمع".

  العنصر الثاني: الأبعاد المتعددة لخطورة سب الدين

لكي ندرك فداحة هذا الأمر، لا بد أن ننظر إليه من أبعاده المتعددة، فهو ليس مجرد ذنب فردي، بل هو جريمة متكاملة الأركان تمس الفرد والمجتمع والدين في الصميم.

  البعد الديني والعقدي: نسف لأصل الإيمان

الإيمان ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. وأساس هذا كله هو إجلال الله وتوقيره وتعظيمه. يقول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗاۖ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴿ اَ۬لْقَمَرِ، رقم: 14،13]. قال المفسرون: أي ما لكم لا تخافون عظمة الله تعالى، وتوقنون أنه يراكم في كل أطواركم التي تنقلتم فيها؟ فإذا انقلب هذا الإجلال إلى سباب وتحقيق، فقد هدم الإيمان من أساسه. إن سبّ الدين هو طعن في سلامة ما شرعه الله، وقَدْح في حكمته البالغة، وهو استهانة بأعظم نعمة أنعم الله بها على البشرية، ألا وهي نعمة الإسلام. قال الله تعالى ممتنًا على عباده: ﴿اَ۬لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِے وَرَضِيتُ لَكُمُ اُ۬لِاسْلَٰمَ دِيناً﴾ [المائدة، رقم: 3]. فمن يسب هذا الدين الذي هو محض الفضل والمنة، فكأنما يرد أعظم منحة إلهية بأسوأ مقابلة، وهذا عين الضلال المبين.

  البعد الأخلاقي والتربوي: مؤشر الانحدار وزوال المروءة .

الإسلام هو دين مكارم الأخلاق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ". والسبّ - أي سب - دلالة على خفة العقل وضيق الصدر وسوء التربية. فإذا تعلق بالدين، صار دليلاً قاطعاً على انحدار حاد في مستوى الوعي والاحترام، وفقداناً تاماً للمروءة الإنسانية قبل الإسلامية. والأدهى من ذلك أثره التربوي المُدمّر، فحين يسمع النشء هذه الألفاظ من الكبار الذين يفترض أن يكونوا قدوة لهم، تتشكل لديهم صورة مشوهة عن العلاقة مع الدين، وقد يُفضي ذلك إلى انفصال شعوري كامل عن العقيدة، أو إلى السخرية منها ومحاولة تقليد الكبار في هذا الفعل الشنيع. وهذا يهدد استقرار البناء الإيماني لأجيال كاملة.

  البعد المجتمعي: الفوضى اللفظية وغياب الهيبة

تفشي هذه الظاهرة في مجتمع ما هو إعلان موت للضوابط السلوكية والرقابة الذاتية، وهو إشاعة لمناخ من الفوضى اللفظية التي لا تقدّس القيم، بل تهينها علنًا. المجتمع الذي يفقد احترام ثوابته ومقدساته، يفقد بوصلته الأخلاقية، وتضعف فيه سلطة الحق والخير، وتسوده الأنانية والعدوانية. إن سب الدين ليس مجرد إساءة لفظية، بل هو تفكيك للهوية وهدم للنسيج الاجتماعي من أخطر أبوابه.

  العنصر الثالث: التأصيل الشرعي لحكم سبّ الدين من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة

هذا هو محور البحث وأساسه، والذي تنبني عليه كل ما سبق وما سيأتي. لقد حسمت نصوص الوحيين وأقوال علماء الأمة حكم هذه الجريمة بما لا يدع مجالاً للبس أو التأويل.

  الاتجاه الأول: حكم سابّ الله ورسوله ودينه

الأدلة من القرآن الكريم

وردت آيات بينات تعد أصلاً صريحاً في هذا الباب، لا تحتمل التأويل، وتنص على كفر مرتكب هذا الفعل:

آية الاستهزاء في سورة التوبة: وهي النص الفصل في هذا المقام. قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُۚ قُلَ اَبِاللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ  لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ﴾ [التوبة، رقم: 66،65]. هذه الآية نزلت في نفر من المنافقين قالوا في غزوة تبوك كلمة استهزؤوا فيها بالقراء من الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغهم الخبر جاءوا يعتذرون بأنهم كانوا يخوضون ويلعبون، فجاءهم الرد الإلهي القاطع بأن هذا العذر لا يُقبل، وأن مجرد الاستهزاء كفر مخرج عن الملة. قال الإمام السعدي رحمه الله في تفسيره مبيناً فقه هذه الآية: "فإن الاستهزاء باللّه وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظيم اللّه وتعظيم دينه ورسله والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة". فإذا كان هذا حكم الاستهزاء الذي قد يزعم صاحبه أنه لم يقصد به حقيقة السب، فكيف بمن يتعمد سبّ الدين جهاراً وعلانية؟ لقد قال ابن تيمية رحمه الله محققاً هذه القاعدة: "وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وآياته وبرسوله كفر فالسبّ المقصود بطريق الأولى".

آية كلمة الكفر في التوبة: ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ۟ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ اَ۬لْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ﴾ [التوبة، رقم: 74]. قال الإمام السعدي: "أي: إذا قالوا قولا كقول من قال منهم... والكلام الذي يتكلم به الواحد بعد الواحد، في الاستهزاء بالدين، وبالرسول... فإسلامهم السابق -وإن كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر- فكلامهم الأخير ينقض إسلامهم، ويدخلهم بالكفر". فسبّ الله ودينه هو النطق بكلمة الكفر بعينها، وهو نقض صريح لعقد الإسلام.

آية النهي عن مجالسة المستهزئين: قال الله عز وجل: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِے اِ۬لْكِتَٰبِ أَنِ اِذَا سَمِعْتُمُۥ ءَايَٰتِ اِ۬للَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّيٰ يَخُوضُواْ فِے حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ إِنَّكُمُۥٓ إِذاٗ مِّثْلُهُمُۥٓۗ إِنَّ اَ۬للَّهَ جَامِعُ اُ۬لْمُنَٰفِقِينَ وَالْكَٰفِرِينَ فِے جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴿ [النساء، رقم: 140]. انظر كيف نهى الله عن مجرد القعود مع هؤلاء المستهزئين الخائضين في آيات الله، وجعل مجالسهم إثماً وعدواناً، بل جعلنا مثلهم إن رضينا بباطلهم وسكتنا عن إنكاره. فهل يُتوهم بعد هذا أن سب الدين أمر هيّن؟ كلا والله، إن النهي عن القرب منهم دليل على عظم جرمهم وسوء طويّتهم.

  آية النهي عن سب آلهة المشركين: وهي من أبلغ الأدلة على فظاعة سبّ الله. قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ اُ۬لذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اِ۬للَّهِ فَيَسُبُّواْ اُ۬للَّهَ عَدْواَۢ بِغَيْرِ عِلْمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَيٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام، رقم: 108]. قال ابن كثير: "يقول تعالى ناهيا لرسوله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين عن سبّ آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو". ويؤكد هذا المعنى الإمام ابن تيمية فيقول: "ألا ترى أن قريشاً كانت تقارّه -عليه الصلاة والسلام- على ما كان يقوله من التوحيد وعبادة الله وحده، ولا يقارّونه على عيب آلهتهم... وقد نهى الله المسلمين أن يسبّوا الأوثان؛ لئلا يسب المشركون الله، مع كونهم لم يزالوا على الشرك؛ فعلم أن محذور سبّ الله أغلظ من محذور الكفر به". فهذا نص صريح في أن ذنب سبّ الله أنكى وأعظم عند الله من ذنب مجرد الشرك به، مع أن الشرك هو أعظم الذنوب على الإطلاق! فأي دليل بعد هذا على هول هذه الجريمة وعظمها؟

  الأدلة من السنة النبوية المطهرة

 عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، في سياق قصة غزوة تبوك، قال: "أَنَا رَأَيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْكُبُهُ الْحِجَارَةُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَمَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ". فهذا موقف عملي من النبي صلى الله عليه وسلم يبين أنه لا مجال للتهاون أو قبول الأعذار في هذا المقام.

  عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ». فهذا تحذير عظيم من الكلمة التي يستخف بها صاحبها، فكيف بالكلمة التي هي قذف لرب العالمين وسب لدينه؟!

 الإجماع وأقوال العلماء المعتبرين

لقد أجمع علماء الأمة، سلفاً وخلفاً، على أن سب الله ورسوله ودينه كفر مخرج من الملة، ونقل الإجماع غير واحد من الأئمة الأعلام. وهذا الاتجاه الذي يمثل إجماع الأمة هو الفصل في هذه المسألة:

  قال الإمام إسحاق بن راهويه: "وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ مَنْ سَبَّ الله عز وجل، أو سَبَّ رسولَهُ صلى الله عليه وسلم، أَوْ دَفَعَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًّا بِكُلِّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ". <التمهيد، ابن عبد البر (2/ 150)>.

  قال الإمام أبو محمد ابن حزم: "وَأَمَّا سَبُّ اللَّهِ - تَعَالَى- فَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يُخَالِفُ فِي أَنَّهُ كُفْرٌ مُجَرَّدٌ". <المُحَلَّى بالآثار (12/ 435)>.

  قال القاضي عياض: "لَا خِلَافَ أَنَّ سَابَّ اللَّهِ - تَعَالَى- مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ حَلَّالُ الدَّمِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِتاباتِه". <الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 582)>.

  قال الإمام ابن قدامة المقدسي: "مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَرَ، سَوَاءٌ كَانَ مَازِحًا أَوْ جَادًّا". <المغني (9/ 28)>.

  قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، معددا نواقض الإسلام: "الناقض السادس: من استهزأ بشيء من دين الله, أو ثوابه، أو عقابه".

فهذه أقوال جبال الأمة، صريحة واضحة، تنص على إجماع المسلمين على كفر من سبه أو سب دينه، سواء كان مازحاً أو جاداً، غاضباً أو راضياً. وقد أشار بعض العلماء إلى أن ذنب سب الله أغلظ من الكفر المحض، لأن الكافر الأصلي أو الملحد إما أن يثبت الله فيسبه وهذا أظهر عناداً وتحدياً كما قال بعضهم: "فإنَّ المُلْحِدَ نَفَى وجودَ خالقٍ ورَبٍّ، ولسانُ حالِهِ: أَنِّي لو أَثْبّتُّه لعظَّمْتُهُ! وأمَّا مَنْ زَعَمَ إيمانَه باللهِ؛ فهو يُثْبِتُ رَبَّهُ وَيَسُبُّهُ، وهذا أَظْهَرُ عِنادًا وتحديًا!".

 ️ المآلات الفقهية الخطيرة على مرتكب هذه الكبيرة

بناءً على هذا الإجماع، تترتب على من وقع في هذه الجريمة مآلات فقهية خطيرة ما لم يتب إلى الله توبة نصوحاً:

  الحكم بالردة: يخرج بهذا الفعل من ملة الإسلام.

  سقوط أحكام المسلمين عنه في الدنيا: فلا تجوز مجالسته ولا مآكلته ولا تزويجه حتى يتوب، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّيٰ يَخُوضُواْ فِے حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ﴾.

  عدم جريان أحكام المسلمين عليه بعد الموت: فإن مات ولم يتب، فلا يُغَسَّل، ولا يُكَفَّن، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدعى له بالرحمة، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداٗ وَلَا تَقُمْ عَلَيٰ قَبْرِهِۦٓ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَٰسِقُونَ﴾ [التوبة، رقم: 84].

  خطر على عقد النكاح: إذا كان الفاعل متزوجًا، فإن عقد نكاحه مع زوجته المسلمة يكون في خطر عظيم؛ لأنه لا يجوز للمسلمة أن تكون زوجة لكافر. وقد شدد الفقهاء على ضرورة مراجعة المفتي في مثل هذه الحال لمعرفة حكم الله في الحياة الزوجية القائمة.

  الاتجاه الثاني: مقارنة جريمة السبّ بغيرها من الجرائم لبيان عِظَمِها

لتتصور عظم هذه الجريمة، قارنها بغيرها مما استعظمه الشرع:

  أنها أغلظ من الشرك بالله: وقد مر بنا ذلك في آية الأنعام، حيث نُهي المؤمنون عن سب أوثان المشركين خشية أن يسبوا الله، مما يدل على أن مفسدة سب الله أشد من مفسدة الإشراك به، مع أن الشرك هو أعظم ذنب عصي الله به.

  أنها أعظم من استحلال كبائر الذنوب: يقول بعض أهل العلم: "وسَبُّ الله واشْتِهَارُهُ في بَلَدٍ، أعظمُ من استحلال الزنا وتشريعِهِ فيها، وأعظمُ من فاحشة قوم لوط وتشريعها؛ لأنَّ كُفْرَ استحلالِ الفواحش كُفْرٌ سَبَبُهُ جَحْدُ تشريعٍ مِنْ تشريعاتِ الله واستهانةٌ بأمرٍ مِنْ أَوَامِرِه، وأمَّا السَّبُّ فَكُفْرٌ سَبَبُهُ الكُفْرُ بذاتِ المُشَرِّعِ، والكُفْرُ بذاتِ المشرِّع يَلْزَمُ مِنْهُ كُفْرٌ بجميع تشريعه".

  أن سب الوالدين من الكبائر فكيف بسب الخالق؟ في الصحيحين عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مِنَ الكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ»، قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ». <صحيح البخاري، رقم (5973)؛ صحيح مسلم، رقم (90)>. فإذا كان التسبب في سب الوالدين من الكبائر، فكيف بمن يباشر سب الله وسب دينه بنفسه؟ إنه والله أعظم وأدهى.

ورع الصحابة وتعظيمهم: بل إنك لتجد تعظيم الدين حتى في أخص مواطن الحاجة البشرية؛ فقد نهى الشرع عن استقبال القبلة ببول أو غائط، لما في ذلك من امتهان لشعائر الدين. وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ».

  العنصر الرابع: إشكاليات ومفاهيم مغلوطة حول الظاهرة وتصحيحها

هنا تكمن مشكلة عظيمة، وهي تسرب مجموعة من المفاهيم المغلوطة والأعذار الواهية التي يتشبث بها من يريد التهوين من هذه الجريمة، ولابد من تفنيدها:

  الانفعال والغضب ليس مبررًا

إن من أكثر الحجج سماجةً قول البعض: "لقد كنت غاضباً ولم أشعر بما أقول". نقول له: إن الإيمان الحق هو الذي يضبط سلوك الإنسان عند الغضب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». <صحيح البخاري، رقم (6114)؛ صحيح مسلم، رقم (2609)>. الغضب هو الاختبار الحقيقي الذي يظهر معدن الرجل، فإن كان غضبه يخرجه إلى الكفر والسب، فهذا دليل على وهن إيمانه وضعف يقينه. ولهذا فإن حكم الكفر ثابت على السابّ في حال الغضب والرضا كما نص على ذلك الفقهاء، إلا إذا كان الغضب قد بلغ حداً أفقده عقله بالكلية بحيث لم يعد يدري ما يقول، فهذا حكم آخر نادر الوقوع.

  اعتبارها عادة اجتماعية دارجة لا علاقة لها بالعقيدة

يزعم البعض أن هذه مجرد "ألفاظ" جرى عليها العرف ولا يقصد بها حقيقة السب. وهذه حجة داحضة، فالقول بأنها "عادة اجتماعية" هو من تزيين الشيطان، لأن العبرة في الألفاظ بمعانيها ومقتضياتها الشرعية، وليس بما تعارف عليه السفهاء. إن استقباح العقلاء لهذه الألفاظ هو الدليل على خبثها، فكيف إذا ورد النص القطعي بكفر قائلها؟ إن تسويغها كعادة هو تطبيع للكفر وتجريع للمجتمع له حتى يسوغه ويقبله، وهذا هو عين الخطر.

  حصر السب في الألفاظ المباشرة دون التلميحات

إن سب الدين لا يقتصر على الألفاظ الصريحة المباشرة، بل يمتد ليشمل كل لفظ أو فعل أو إشارة أو تلميح فيه استهزاء أو تحقير للدين أو لشعائره. قال القاضي عياض: "اعلم أن من استخف بالقرآن، أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبّهما، أو جحده، أو حرفاً منه أو آية... أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع". فباب الاستهزاء أوسع من مجرد السباب الصريح.

  ادعاء عدم القصد أو المزاح

هذه هي الذريعة التي تشبث بها المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، فجاءهم الرد القاطع بتكذيبهم والحكم بكفرهم. فالمزاح الذي لا يُقصد به حقيقة الاستهزاء إذا تعلق بالدين فهو حرام وكفر، لأن الرضا به والتفوه به مناقض لتعظيم المقدسات. المزاح يكون في المباحات، لا في أصل الدين وأساس الملة.

  العنصر الخامس: واجبنا العملي لعلاج هذه الظاهرة – نحو منهج متكامل

بعد أن تبين لنا عظم الخطب وجلالته، وجب علينا أن ننتقل إلى مرحلة العلاج، وهو واجب على الأمة أفراداً وجماعات ومؤسسات.

  الواجب القلبي: إصلاح الباطن وتعظيم الله (الأساس الإيماني)

الداء الحقيقي هو في القلب الذي لم يعرف قدر ربه، ومن ثم هان عليه سبُّه. لذا كان أساس العلاج هو إصلاح القلب:

  معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته: قراءة آيات القرآن التي تصف عظمة الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اُ۬للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَالَارْضُ جَمِيعاٗ قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ اَ۬لْقِيَٰمَةِ وَالسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۖ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَيٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر، رقم: 67]. وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه، في تصديق قول الحبر الذي قال: "إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ..."، قال: "فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ". <صحيح البخاري، رقم (4811)>. فهذا من تعظيم الله الذي يجب أن يستقر في القلب.

  التفكر في مخلوقات الله: كما قال تعالى: ﴿وَفِے اِ۬لَارْضِ ءَايَٰتٞ لِّلْمُوقِنِينَ ۝ وَفِےٓ أَنفُسِكُمُۥٓ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات، رقم: 21،20]. التفكر في بديع صنع الله وعظيم خلقه يورث القلب تعظيماً وإجلالاً.

  تذكر الموت وسؤال القبر: إن أول ما يُسأل عنه العبد في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فكيف سيكون حال من كان يسب الدين في الدنيا إذا سئل عن دينه في ذلك المقام المهول؟!

  الواجب اللساني: ضبط اللسان وأخلاق المؤمن (العلاج السلوكي)

  استحضار أن المؤمن ليس بسباب: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الفَاحِشِ، وَلَا البَذِيءِ». <سنن الترمذي، رقم (1977)، وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ"، وصححه الألباني>. فالمؤمن الحق لا يكون سباباً ولا بذيئاً، فكيف يسب ربه ودينه؟!

  الاقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم في النهي عن السب حتى للمخلوقات: فقد نهى عن سب الريح فقال: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ...». <رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح>. ونهى عن سب الديك: «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ». <رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع>. حتى إنه نهى عن سب الشيطان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا الشَّيْطَانَ، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ». <صحيح الجامع>. بل وأرشد من قال عند عثرة دابته: "تَعِسَ الشَّيْطَانُ"، أرشده النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «بِاسْمِ اللَّهِ»، ولا يسبه لما في ذلك من تعاظم الشيطان في نفسه. فإذا كان هذا الأدب النبوي مع الشيطان الرجيم، فهل يُسب الخالق العظيم؟!

  علاج الغضب: وإذا كان كثير من السباب يحدث عند الغضب، فعلينا بالوصية النبوية والاستعاذة بالله. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: لَا تَغْضَبْ». وعن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: «اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ». فالغضب جمرة يلقيها الشيطان، وماؤها الاستعاذة بالله.

  الواجب التربوي والأسري: المسؤولية العظمى (العلاج الوقائي)

لا بد أن نربي أنفسنا ومن نعول على تعظيم الله وتعظيم هذا الدين العظيم. فإذا كنا نجد أطفالاً في سن الخامسة يتلفظون بهذه الألفاظ، فعلينا أن نسأل: من أين جاؤوا بها؟ إنهم تعلموها من البيئة المحيطة بهم، من المنزل أو الشارع أو وسائل الإعلام. فالطفل صفحة بيضاء، والقدوة هي التي تنقش فيها. وللأسف، قد يكون الوالدان أنفسهما هما مصدر هذه الكلمات عندما يغضبان، فيسبان الدين أمام أبنائهما، وهذه مصيبة عظمى. فقل بربك: أيهما أشد خطأً، الأطفال أم الوالدان اللذان علّماهم بلسان الحال والمقال؟ يجب أن يرى الأبناء من الكبار التوقير والإجلال للدين، وأن يُحاطوا ببيئة نظيفة اللسان، طاهرة الوجدان.

  الواجب المجتمعي والعملي: تغيير البيئة والمنكر (العلاج الجماعي)

  مقاطعة أهل هذه المعصية: كم من شخص أقلع عن هذه العادة السيئة لأن من حوله قاطعوه أو رفضوا مجالسته حتى يقلع؟ إن تطبيق قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّيٰ يَخُوضُواْ فِے حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ﴾ هو علاج عملي مؤثر.

 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لا يجوز السكوت على هذه الجريمة بدعوى الخوف أو المجاملة، فالواجب إنكارها بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيان خطورتها.

  دور المؤسسات:

 لا بد من تضافر الجهود. فالمؤسسات الدينية عليها واجب التوعية الرصينة من خلال الدروس والخطب. والإعلام عليه مسؤولية إنتاج مواد مؤثرة تبين فداحة الأمر. والأسرة والمدرسة مسؤولتان عن الغرس التربوي. وحتى الجهات القانونية لها دور في إطار الحفاظ على الأمن الديني والمجتمعي.

  العنصر السادس: توبة من وقع في هَلكة سبّ الدين ورجاء الرحمة

قد يقول قائل: لقد ابتليت بهذا الذنب زمناً، وأنا الآن نادم، فهل لي من توبة؟ الجواب: نعم، باب التوبة مفتوح، ورحمة الله واسعة، وهو يفرح بتوبة عبده أشد الفرح. فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ يَٰعِبَادِيَ اَ۬لذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَيٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اِ۬للَّهِۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ يَغْفِرُ اُ۬لذُّنُوبَ جَمِيعاًۖ إِنَّهُۥ هُوَ اَ۬لْغَفُورُ اُ۬لرَّحِيمُ﴾ [الزمر، رقم: 53].

 شروط التوبة وكيفيتها

توبة من وقع في الردة، ومنها سب الدين، لها شروط خاصة عند بعض الفقهاء زيادة على الشروط العامة (الإقلاع، والندم، والعزم على عدم العودة). وكيفيتها العملية هي:

  النطق بالشهادتين: إعلاناً للدخول في الإسلام من جديد، ونقضاً للكلمة التي قالها.

 الاغتسال: تطهراً من حدث الكفر، عند جمهور الفقهاء.

  الندم الشديد: أن يملأ قلبه أسى وحسرة على ما فرط في جنب الله.

  العزم الأكيد على عدم العودة: أن يقطع على نفسه عهداً مع الله ألا يعود لهذا الذنب أبداً.

  تعظيم الله في نفسه ومجالسه: أن يعمر قلبه ولسانه بتعظيم الله وحمده وشكره عوضاً عن السباب والاستهانة. وأن يبدل مجالس السوء التي كانت سبباً في وقوعه في هذا الذنب بمجالس الخير والذكر.

  الإكثار من الاستغفار والطاعات: لتُكفّر ما مضى، وليثبت على الحق.

  الخاتمة

وفي الختام، عباد الله، إن ظاهرة "سبّ الدين" ليست مجرد لفظ شاذ أو زلة لسان عابرة، بل هي جرح غائر في صميم العقيدة، ومؤشر خطير على خلل في الوعي، ومرض في القلب، واضطراب في منظومة القيم. إنها جريمة شنعاء نهى عنها ربنا، وأنذر فاعلها بالكفر الأكبر المخرج من الملة، وأجمع على ذلك أئمة الهدى.

وإن واجبنا تجاه هذه الظاهرة البغيضة هو واجب شامل متكامل، يبدأ من القلب فيعظّم ربه، وينتقل إلى اللسان فيصونه عن الفحش، ويشمل الأسرة في تعهد تربية أبنائها، ويمتد إلى المجتمع في تناصحه وتعاونه على إنكار هذا المنكر العظيم. فلنحذر كل الحذر من التهاون بهذا الذنب، ولنعظم شعائر الله في قلوبنا، ولنحفظ ألسنتنا، فإن الكلمة التي تستخفون بها قد تكون سبباً في هلاك العبد الأبدي، والعياذ بالله.

 ️ أيها الأحبة الكرام، عبادَ الله الموقنين، لقد طفنا معًا في رحلة إيمانية وإنذارية، استعرضنا فيها أخطر داء يفتك بقلوب العباد وألسنتهم، وأشنع جريمة تمس صميم العقيدة والإيمان، ألا وهي ظاهرة "سبّ الدين". لقد وقفنا على حقيقة هذه الظاهرة وأبعادها المدمرة التي تهدد كيان الفرد والأسرة والمجتمع، وقفنا على نصوص الوحيين الصريحة التي لا تحتمل التأويل في تكفير من أتى بهذا الفعل الشنيع، واستمعنا إلى إجماع علماء الأمة سلفًا وخلفًا على أن هذه الكلمة ليست مجرد زلة لسان، بل هي ردة عن الإسلام، ونقض لعقد الإيمان، وإعلان حرب على رب الأرباب.

لقد تبيّن لنا، بما لا يدع مجالًا للشك، أن سبّ الدين ليس انفعالاً عابرًا يُغتفر، ولا عادةً لفظية تُستهان، بل هو الإمعان في الكفر، وهو أغلظ من الشرك بالله، وأعظم عند الله من استحلال الفواحش، وذلك لأن من أشرك بالله لم ينزل قدره حتى يسبّه، أما من سبّه فقد أقر به واستخف بعظمته وتجرأ على مقامه الأقدس، وهذا أظهر عنادًا وأشد كفرًا.

فيا أيها العبد الضعيف، يا من جعلتَ من لسانك سيفًا مسلطًا على دينك وخالقك، أين أنت من قول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗاۖ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾؟ أين أنت من قوله سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اُ۬للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ﴾؟ كيف تسب من خلقك فسواك فعدلك، ومن أنعم عليك بنعمة الإسلام التي هي أكمل النعم وأعظمها؟ إن هذا والله لهو الخسران المبين، والضلال العظيم.

ولكن اعلموا، عباد الله، أنه مهما عظم الذنب وجلّ الخطب، فإن رحمة الله أوسع من كل شيء، وباب التوبة مفتوح لا يُغلق دون التائبين. فمن منَّ الله عليه بالندم والإنابة، فليُقبل على ربه صادقًا مخلصًا، وليُجدّد إيمانه بالنطق بالشهادتين، وليُعمر قلبه بتعظيم الله وإجلاله، وليحفظ لسانه وليُصلح من شأنه. قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاٗ صَٰلِحاٗ فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ اُ۬للَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ اَ۬للَّهُ غَفُوراٗ رَّحِيماٗ﴾ [الفرقان، رقم: 70].

فلنتق الله في ألسنتنا، ولنعظم شعائر ديننا في قلوبنا، ولنربِّ أنفسنا وأهلينا على إجلال الخالق سبحانه وتعالى، ولنكن دعاة خير وهدى، مُنكرين لهذا المنكر العظيم بكل حكمة وقوة. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وجنبنا وإياكم مضلات الفتن وسيئات الأخلاق والأعمال. هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير الأنام، محمد بن عبد الله، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود. اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 الدعاء 

نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يرزقنا وإياكم قلوباً تعظمه، وألسنةً تذكره وتشكره ولا تجترئ على مقامه، وأن يحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يجنبنا وإياكم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

  اللهم يا عظيم يا كريم، يا من تعاظمتَ عن كل نقص وتقدستَ عن كل عيب، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، أن تملأ قلوبنا من هيبتك وإجلالك، وأن تجعلنا ممن يعظّمونك حق تعظيمك، ويُجلّون دينك وكتابك ونبيك.

اللهم طهّر ألسنتنا من كل سوء وفحشاء، وجنّبنا وإيانا بذيء القول ومنكره، واشغل ألسنتنا بذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

اللهم إنا نعوذ بك أن نقول زورًا، أو نغشى فجورًا، أو أن نكون من المستهزئين بدينك، أو السابّين لذاتك الأقدس، أو المتنقصين لشريعتك الغراء.

اللهم احفظ علينا عقيدتنا وإيماننا، وثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.

اللهم أصلح أحوال المسلمين، واهدِ ضالّهم، وتُب على عُصاتهم، واجبر كسر قلوبهم، وردّهم إليك ردًا جميلًا. اللهم من وقع منا أو من أهلينا في هذه الكبيرة العظيمة، فتُب عليه، إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.  

google-playkhamsatmostaqltradent