حكم دفن الرجال والنساء في قبر واحد
دراسة فقهية تأصيلية بين الضرورة والاختيار .
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم صل على من أُرسل رحمة للعالمين، ، الذي علّمنا كيف نستقبل
الموت، وكيف نودع الأموات، وكيف نكرمهم في حياتهم وبعد مماتهم.
أما بعد: موضوعنا اليوم يتناول مسألة فقهية دقيقة، تمس واقع
الناس وحياتهم، وتجيب عن تساؤلات تتردد كثيرًا في أوقات المصائب والشدائد، ألا وهي:
"أحكام وضوابط دفن المرأة مع الرجال: بين الضرورة والاختيار - دراسة فقهية تأصيلية".
هذا الموضوع يقع في صميم الفقه الإسلامي الذي أحاط الميت من ساعة احتضاره إلى استقراره
في قبره بأحكام غاية في الدقة والرحمة، حفاظًا على حرمة الإنسان حيًا وميتًا. وسنعمد
في هذا البحث إلى النظر إلى المسألة من جوانبها المتعددة ، مستندين إلى النصوص الشرعية
الثابتة، وعارضين أقوال الأئمة المعتبرين،
ومحللين أدلتهم، وصولًا إلى صورة شاملة وافية تجمع شتات المسألة وتوضح معالمها.
وسيكون منهجنا في هذا البحث أن نقسمه إلى
عناصر أساسية، يُفضي بعضها إلى بعض في نسقٍ محكم، جامعين بين الاستدلال القرآني والنبوي،
والتحليل الفقهي والأصولي، والموعظة التربوية. نسأل الله التوفيق والسداد.
ويأتي حديثنا في العناصر التالية.
العنصر الأول: تمهيد في حرمة الميت وحكمة التشريع في الدفن
قبل الغوص في تفاصيل الأحكام، لا بد من
تأصيل قاعدة كلية عظيمة، وهي أن حرمة الإنسان في الإسلام لا تنقطع بموته، بل هي ممتدة
إلى ما بعد وفاته. فالميت له حرمة كحرمة الحي، بل قد تكون حرمته أوكد في بعض الجوانب.
مكانة الميت في الشريعة الإسلامية
لقد كرّم الله تعالى بني آدم تكريمًا مطلقًا،
فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ
وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا
تَفۡضِيلٗا﴾ [الإسراء، ٧٠]. وهذا التكريم شامل للإنسان في كل أطواره، حيًا وميتًا.
وقد تجلى هذا التكريم في أحكام الجنائز من تغسيل الميت وتكفينه، والصلاة عليه، وتشييعه،
ودفنه، والدعاء له بعد دفنه، وكلها أمور تبرز عناية الإسلام بحرمة الجسد الإنساني.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ
حَيًّا»، مما يدل على أن الحرمة قائمة بعد الوفاة.
< أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز، باب في الحفار
يجد العظم هل يتنكب ذلك الموضع، رقم (3207)، وابن ماجه في سننه، كتاب الجنائز، باب
ما جاء في النهي عن كسر عظام الميت، رقم (1617)، وأحمد في مسنده، رقم (24315)، وصححه
الألباني في صحيح أبي داود.
>
الحكمة الإلهية في شرعية الدفن
أمر الله تعالى بدفن الموتى إكرامًا لهم،
وسترًا لما يؤول إليه حال البدن، وصونًا للأحياء من رؤية منظر التحلل أو شم رائحته.
قال الله عز وجل: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا﴾ [المرسلات، ٢٥-٢٦]، أي
جامعة للأحياء على ظهرها، وللأموات في بطنها. ولقد كان أول من علم البشرية كيفية دفن
الموتى هو الغراب الذي أرسله الله ليعلم ابن آدم، كما قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ
غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ
يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ
أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ﴾ [المائدة، ٣١]. فالدفن جعله الله لإكرام بني آدم.
العنصر الثاني: الأصل الشرعي في إفراد كل ميت بقبره
بعد أن تقرر أن الدفن إكرام وستر، ننتقل
إلى بيان الأصل الذي انعقد عليه إجماع الفقهاء وجرت به سنة المسلمين، وهو أن يدفن كل
ميت في قبر مستقل، لا يشاركه فيه غيره. وهذا هو مقتضى الكرامة الإنسانية التي تجعل
لكل فرد حيزه الخاص به.
أدلة استحباب ووجوب الإفراد
الأصل العام المقرر في الشريعة هو تخصيص
كل ميت بقبر منفرد، وقد دلت على ذلك الأدلة الآتية:
السنة القولية والعملية: فقد دأب النبي صلى الله
عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم على دفن كل ميت في قبره الخاص، وهذا هو
الثابت المستفيض في سيرته العطرة وسير الصحابة. ولم يُعهد عنه عليه الصلاة والسلام
الجمع بين الأموات في قبر واحد إلا في حالات استثنائية كالضرورة، مما يؤكد أن الأصل
هو الإفراد.
المقصد الشرعي: إن من مقاصد الشريعة الغراء صيانة
حرمة الميت، وعدم امتهانه، وإفراد قبره أوكد في تكريمه. فالاختلاط في القبور قد يفضي
إلى هتك حرمة الموتى واختلاط عظامهم دون ضرورة، وهو ما تنزه عنه الشريعة السمحة التي
دعت إلى إكرام الميت.
نقولات الفقهاء في تقرير هذا الأصل
لقد نص فقهاء المذاهب على أن الأصل في الدفن
هو الإفراد. ونحن ننقل من أقوالهم ما يثبت هذا الأصل:
قال الإمام النووي رحمه الله: "لا يجوز أن
يدفن رجلان ولا امرأتان في قبر واحد من غير ضرورة، وهكذا صرح السرخسي بأنه لا يجوز،
وعبارة الأكثرين: لا يدفن اثنان في قبر كعبارة المصنف، وصرح جماعة بأنه يستحب أن لا
يدفن اثنان في قبر".
المجموع شرح المهذب، الإمام النووي، دار الفكر،
(5/247). >
وقد أوضح العلماء هذا الأصل بقولهم: "فالأصل
هو أن يدفن كل ميت في قبر مستقل إلا إذا دعت الضرورة لدفن أكثر من ميت في قبر واحد
كما أوضحنا ذلك في الفتوى رقم: 131027".
إسلام ويب، حكم دفن المرأة مع الرجال، تاريخ النشر:
4-1-2011 م.
>
وهذا النص واضح الدلالة على أن المستقر
في الأذهان وفقه الشريعة هو إفراد القبور.
العنصر الثالث: الضرورة وأثرها في جواز دفن أكثر من ميت في قبر واحد
إذا تقرر هذا الأصل، فإن الشريعة الإسلامية
بقواعدها المقررة راعت أحوال الناس الاستثنائية، فلم تقف عند حدود المثالية، بل نزلت
إلى واقع المكلفين وضروراتهم. ومن هنا فقد استثنى الفقهاء حالات الضرورة، فأجازوا فيها
دفن أكثر من ميت في قبر واحد، رفعًا للمشقة، وتيسيرًا على الأحياء، وتكريمًا للأموات
بأن يُوارَوا التراب بدلًا من أن يُتركوا.
تعريف الضرورة وضابطها في هذا الباب
الضرورة في الفقه هي: "الحالة التي
تطرأ على الإنسان من الخطر أو المشقة الشديدة، بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو
بالغير، فيباح عندها فعل المحظور دفعًا للضرر". وفي مسألتنا، تتمثل الضرورة في:
كثرة القتلى: كما في المعارك والحروب، حيث يشق حفر
قبر لكل شهيد، ويخشى على الأجساد من الانكشاف.
كثرة الموتى بسبب وباء أو طاعون: كما في الأوبئة
العامة التي تعجز معها قدرة الأحياء عن دفن كل ميت على حدة.
ضيق المقابر: بأن تكون الأرض المخصصة للدفن محدودة،
أو لا تتسع لحفر قبور منفردة لكل الأموات.
المشقة الشديدة في الحفر: كما لو كانت الأرض صلبة
جدًا، أو كان العدد القائم على الدفن قليلًا لا يستطيع حفر قبور متعددة.
دليل الجواز من السنة النبوية الشريفة
استند الفقهاء القائلون بجواز الجمع للضرورة
إلى دليلين جليلين من هديه صلى الله عليه وآله وسلم في شهداء أُحد:
الدليل الأول: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما،
وفيه بيان فعله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال جابر رضي الله عنه: ( كَانَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ
فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا
أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى
هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا
وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ). < رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب دفن الرجلين والثلاثة
في قبر، رقم (1343).
>
الدليل الثاني: حديث هشام بن عامر رضي الله عنه،
وهو نصٌّ في المسألة بشكل أوضح، ويبين السبب والحكم معًا.
قال هشام بن عامر: ( شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ
اللَّهِ الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا
الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ . قَالُوا : فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا قَالَ فَكَانَ أَبِي ثَالِثَ
ثَلَاثَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ). < رواه النسائي، كتاب الجنائز، باب دفن الجماعة
في القبر، رقم (2010)، والترمذي، أبواب الجنائز، باب ما جاء في دفن الاثنين والثلاثة
في القبر، رقم (1713)، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في القبر يجمع بين الرجلين، رقم
(3215). والحديث صححه الألباني في صحيح النسائي. >
فهذان النصان هما عمدة الباب، وفيهما دلالة
واضحة على أن الجمع جائز للضرورة، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعله اعتباطًا،
بل لوجود المبرر الشرعي وهو المشقة التي عبّر عنها الصحابة بقولهم: "الْحَفْرُ
عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ".
ضوابط الجمع عند الضرورة
لم يطلق الفقهاء جواز الجمع، بل قيدوه بضوابط
دقيقة، من أهمها:
• تقديم الأفضل إلى القبلة: فيُجعل أكثرهم حفظًا للقرآن،
ثم الأعلم، ثم الأسنّ، أو الأتقى، مما يلي القبلة، كما في فعل النبي صلى الله عليه
وآله وسلم حيث قال: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا». قال النووي: "وحينئذ يقدم
في القبر أفضلهم إلى القبلة، فلو اجتمع رجل وصبي وامرأة قدم إلى القبلة الرجل، ثم الصبي،
ثم الخنثى، ثم المرأة. قال أصحابنا: ويقدم الأب على الابن، وإن كان الابن أفضل لحرمة
الأبوة".
المجموع شرح المهذب، الإمام النووي، (5/247). >
الحاجز بين الأموات: يُجعل بين كل ميت وآخر حاجز
من التراب، صيانة لحرمتهم، وهو ما يُسمى عند الفقهاء بـ "المنع من التزاحم".
وفي حالة الجمع بين الرجال والنساء يتأكد هذا الضابط.
أن تكون الضرورة قائمة وموضوعية: بحيث لا يكون الجمع
للتلاعب أو الاستهانة بحرمة الموتى.
العنصر الرابع: حكم دفن المرأة مع الرجال - الاتجاهات الفقهية وأدلتها
هذا هو محور البحث، وبيت القصيد. بعد أن
عرفنا أن الأصل هو الإفراد، وأن الضرورة تبيح الجمع، يأتي السؤال: ما حكم جمع المرأة
مع الرجل في قبر واحد؟ وهل تختلف الأحكام إذا كان الرجل محرمًا لها كالأب أو الزوج؟
للإجابة عن ذلك، نجد أن الفقهاء على ثلاثة اتجاهات رئيسية.
الاتجاه الأول: المنع مطلقًا إلا عند الضرورة القصوى
(وهو مذهب الجمهور)
وهو القول المفتى به عند الشافعية والحنابلة،
وهو ظاهر قول كثير من المحققين. ومفاده أن جنس المرأة مفارق لجنس الرجل في الحياة،
وهذه المفارقة تستتبعها أحكام حتى في الممات، فلا يجوز جمعهما في قبر واحد إلا في حالات
الضرورة التي لا مندوحة عنها. وهذا هو المتبادر من نصوص فقهاء المذاهب.
أدلة هذا الاتجاه:
الدليل الأول: الاستصحاب المعنوي لأحكام الحياة:
إن الشريعة أمرت بالفصل بين الجنسين في كثير من مناحي الحياة، كالصلاة والطواف، ونهت
عن الاختلاط الذي يفضي إلى الفتنة، وحرمة الميت كحرمة الحي، فيُستصحب هذا الحكم بعد
الموت بقدر الإمكان. قال الإمام الشافعي رحمه الله معبرًا عن هذا: "وَلا أُحِبُّ
أَنْ تُدْفَنَ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ عَلَى حَالٍ".
نقله الحافظ ابن حجر في الفتح، وذكره موقع إسلام
ويب، حكم دفن المرأة مع الرجال.
الدليل الثاني: تعليلهم للفصل بأن المقصود هو الحيلولة
دون الاختلاط حتى في القبر، فالتراب الحاجز بينهما هو إجراء احترازي يحفظ معنى الستر
الواجب. ولذلك قال الشيخ أحمد هريدي من دار الإفتاء المصرية: "ويحال بينهما بالتراب،
ولا يكفي الكفن في الحيلولة".
دار الإفتاء المصرية، حكم دفن الرجال والنساء في
مقبرة واحدة للضرورة، 1963م.
الدليل الثالث: الأثر المروي عن الصحابي واثلة بن
الأسقع رضي الله عنه، وهو الذي استند إليه الحافظ ابن حجر لإثبات جواز الجمع عند الضرورة
ولكن مع التفريق. قال الحافظ رحمه الله: "وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ
حَسَنٍ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّهُ كَانَ يَدْفِنُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ
فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ فَيُقَدِّمُ الرَّجُلَ وَيَجْعَلُ الْمَرْأَةَ وَرَاءَهُ
وَكَأَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَائِلًا مِنْ تُرَابٍ وَلَا سِيَّمَا إِنْ
كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ".
الفتح، ابن حجر، ذكره إسلام ويب. >
فقوله: "ولاسيما إن كانا أجنبيين"
يدل على أن التفريق بينهما آكد، وأن المسألة منوطة بالضرورة.
الاتجاه الثاني: الكراهة فقط دون التحريم (وهو رواية
عن أحمد واختيار الامام ابن تيميه
)
ذهب بعض أهل العلم، وهو رواية عن الإمام
أحمد، واختاره ابن تيمية رحمه الله، إلى أن
الجمع ليس محرمًا، بل هو مكروه فقط، والنهي عنه للتنزيه لا للتحريم. وقد عبر عنه الشيخ
ابن عثيمين رحمه الله بقوله: "والراجح عندي - والله أعلم - القول الوسط، وهو الكراهة،
كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية".
الشرح الممتع، ابن عثيمين، (5/369). >
دليل هذا الاتجاه:
قاعدة أن الأصل في النهي عن الجمع هو الإرفاق بالأحياء
وليس حقاً للميت: فحرمة الجمع تعود لمعنى الاختلاط المنهي عنه في الحياة، ولما كان
الميت قد انقطع عن التكليف، فإن النهي يخفف من التحريم إلى الكراهة؛ لأنه يتعلق بحق
الله تعالى لا بحق العبد، وحق الله مبني على المسامحة.
فهم أن إذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجمع
في أُحد كان رخصة لا عزيمة، ولو كان الجمع محرمًا لذاته لما أُبيح للضرورة، فدل على
أن العلة ليست في ذاته بل في أمر خارج عنه، مما يقتضي الكراهة عند عدم الحاجة لا التحريم.
الاتجاه الثالث: جواز الجمع للزوجين وذي المحرمية
دون ضرورة
وهذا قول وجيه عند طائفة من الشافعية، وبه
أفتى كثير من متأخري المذهب، واعتمده البعض في الفتاوى المعاصرة كما في بعض فتاوى دار
الإفتاء المصرية. ومفاد هذا القول أن علة المنع التي هي خوف الاختلاط بين الأجنبيين
تنتفي مع المحرم والزوج، فيعود الحكم إلى أصل الإباحة.
أدلة هذا الاتجاه:
الدليل الأول: استحباب دفن الأقارب في موضع واحد: واستدلوا بما أخرجه أبو داود... عَنْ كَثِيرِ بْنِ
زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا
مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ رضي الله عنه أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ،
فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وآله وَسَلَّمَ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ... ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ
رَأْسِهِ وَقَالَ: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ
مِنْ أَهْلِي»".
رواه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في الميت يدفن
عند رأس الميت، رقم (3206)، والحاكم وصححه. ونقلته دار الإفتاء المصرية، وصية الرجل
بالدفن مع زوجته، 2019م.
>
وهو ما استدل به الأستاذ الدكتور شوقي علام
مفتي مصر السابق بقوله: "نصَّ الفقهاء على استحباب دفن الأقارب في مكان واحد؛
لأن ذلك أسهل لزيارتهم والتَّرَحُّم عليهم.
الدليل الثاني: تصريح فقهاء الشافعية بجواز ذلك:
قال العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله في معرض بيان حالات الجمع الجائز: "أو
كان بينهما محرمية أو زوجية، أو أحدهما صغيرًا لم يبلغ حد الشهوة"، وهذا نص صريح
في جواز الجمع للمحرم والزوج.
< الفتاوى الفقهية الكبرى، ابن حجر الهيتمي، المكتبة
الإسلامية، (2/ 14).
>
الدليل الثالث: القياس على استحباب جمع الأقارب:
وهو الذي أشار إليه الإمام النووي بقوله: "قال الشافعي والأصحابُ رحمهم الله:
يستحب أن يجمع الأقارب في موضع واحد من المقبرَةِ"، فإذا جاز الجمع في المكان،
جاز في القبر بشرط الحاجز وزوال معنى المنكر. وعليه، تنتفي علة المنع بين المحارم،
فيجوز جمعهم في قبر واحد.
< روضة الطالبين، الإمام النووي، المكتب الإسلامي،
(2/ 142). >
العنصر الخامس: صورة المسألة وتطبيقاتها المعاصرة بين الفتاوى
بعد استعراض الاتجاهات الفقهية، ننتقل إلى
ربط هذه الأصول الفقهية بواقع الناس وتساؤلاتهم، ونجيب على بعض الأسئلة .
السؤال الأول: هل الأولى أن تدفن المرأة
مع أبيها أم مع أخواتها؟
"الأصل هو أن يدفن كل ميت في قبر مستقل إلا
إذا دعت الضرورة... فإذا وجدت الضرورة لدفن المرأة مع غيرها، فإن الأولى أن تدفن مع
النساء... وبه تعلم أن الأولى إذا دعت الضرورة لأن تدفن المرأة مع غيرها أن تدفن مع
أخواتها لا مع أبيها". وهذا مبني على أن الجنسين لا يجتمعان إلا للضرورة القصوى،
فإذا وجد مندوحة بدفنها مع النساء فهو المقدم، لأن التفريق بين الجنسين مطلوب قدر الإمكان.<اسلام
ويب>
السؤال الثاني: حكم بناء مقبرة واحدة للرجال والنساء
للضرورة
وهو سؤال فقير لا يستطيع بناء مقبرتين.
فأجاب الشيخ أحمد هريدي من دار الإفتاء بقوله: "فإنَّه يجوز دفن الرجال والنساء
في مقبرة السائل؛ للضرورة التي هي عجزه عن بناء مقبرة أخرى للنساء بالطريقة المشروحة،
بشرط أن يجعلَ بين كلّ ميت حائلًا من التراب". وهذه الفتوى تؤكد على أن العجز
المادي الذي يبلغ حد المشقة الشديدة هو من أنواع الضرورة المبيحة.
السؤال الثالث: حكم دفن الذكر مع الأنثى
بإطلاق
سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
"دفن ذكر مع أنثى؟" فأجاب بإجابته التي جمعت بين الورع وأدب العالم:
"لا، ما يدفن ذكر مع أنثى، ينبغي أن يكون إناث مع إناث، وذكور مع ذكور، هذا هو
الأغلب فيما أعتقد، والله أعلم. وقد يقال: لا يضر لو كان مع محرم، لا يضر، الأمر أمر
موت، ما عاد أمر دنيا، ولا أذكر الآن ما قاله العلماء في هذا، لكن أذكر: أنه لا بأس
بوضع الاثنين، والثلاثة في قبر عند الحاجة. أما إذا كان نساء، ورجال، فلا أذكر في هذا
كلامًا لأهل العلم، ولكن يغلب على ظني أن الأولى، والأفضل -والله أعلم- أن يكون الرجال
وحدهم، والنساء وحدهم".
الموقع الرسمي لسماحة الشيخ ابن باز، حكم دفن المرأة
مع الرجل في قبر واحد.
>
هذه الفتوى تظهر تردد الشيخ رحمه الله وتورعه،
وهو يميل إلى الأصل وهو الفصل، ومع ذلك يفتح الباب للاجتهاد في حالات المحرمية والحاجة
دون أن يجزم.
السؤال الرابع: دفن الزوج مع زوجته .
- المذهب عند الحنابلة والكثير من الشافعية المنع
إلا للضرورة،
الشيخ محمد صالح المنجد >
ولكننا وجدنا أن الإفتاء المصرية كان لها
قول آخر مفصل أجازه عند الوصية بذلك. قال الدكتور شوقي علام: "نصَّ الفقهاء على
استحباب دفن الأقارب في مكان واحد... وأما في الجمع بين رجل وامرأة في مقبرة واحدة،
فالأصل عدم جواز ذلك إلا في حالة الضرورة، أو وجود محرمية أو زوجية بينهما... فإنَّه
إذا أوصى الرجل بأن يُدفن مع زوجته بعد وفاته؛ فإن هذه الوصية وصية ليست واجبة النفاذ،
ولو دفُن معها جاز، ويراعى في ذلك أن يكون بينهما حاجز من الطوب أو ساتر من التراب".
دار الإفتاء المصرية، وصية الرجل بالدفن مع زوجته،
2019م. >
وهذا قول وسط، يحقق مقصد جمع الأسرة الواحدة
في مثواهم الأخير، مع الاحتراز بالحاجز الذي يمنع ما يتوهم من محظور.
نقل الميت وتغيير القبور
وهي مسألة متفرعة، أجاب عنها الدكتور محمود
شلبي بقوله: "القبر بعد أن يُغلق لا يُفتح مرة أخرى ولا يُنقل الميت إلا إذا ظهر
سبب جديد، كأن يموت شخص آخر ونحتاج إلى فتح القبر للدفن، فإذا وُجدت بقايا الميتة حينها
يمكن نقلها إلى مقابر النساء إذا توافرت الإمكانية.
وفتح القبر خصيصًا لنقل الميتة غير مطلوب
شرعًا، وأن الوضع يبقى كما هو حفاظًا على حرمة الأموات".
بوابة الأهرام، د. محمود شلبي، 2025م. >
وهذا من كمال الفقه، حيث تُراعى حرمة الميت
بعدم نبش قبره، وفي الوقت نفسه، لو فتح القبر لسبب آخر، روعي فيه الأحسن.
العنصر السادس: خلاصة الأحكام والضوابط والترجيح
بعد هذا الاستعراض العلمي المفصل، نصل إلى
خلاصة نوجز فيها أحكام المسألة، لتكون قريبة
المنال، سهلة التطبيق.
الخلاصة :
1. الأصل الأول: إفراد كل ميت بقبره، وهذا هو المستحب
والمقدم شرعًا ما لم توجد ضرورة.
2. الاستثناء للضرورة: يجوز الجمع بين اثنين فأكثر
في قبر واحد عند الضرورة (كثرة الموتى، ضيق المقابر، المشقة الشديدة). وهذا ثابت بفعل
النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شهداء أُحد.
3. ضوابط الجمع مطلقًا: عند الجمع لأي سبب، يجب تقديم
الأفضل إلى القبلة، وجعل حاجز من تراب بين الأموات.
4. القاعدة في جمع الرجال والنساء: لا يجوز دفن الرجل
مع المرأة (ولو كان محرمًا) في قبر واحد إلا للضرورة القصوى على مذهب الجمهور، وهو
الأحوط والأبرأ للذمة.
5. حكم الدفن مع المحرم أو الزوج: ذهب جمع من العلماء
المعتبرين إلى جواز جمع المرأة مع زوجها أو محرمها في قبر واحد مع الحاجز الترابي،
بل استحب بعضهم جمع الأقارب في مكان واحد. وهذا القول قوي وله مستنده، خاصة إذا كانت
وصية أو رغبة من الميت، ويُعمل به في حالات الانعدام التام للمكان.
6. ترتيب الأولويات عند وجود خيار: إذا وُجد خيار،
فإن دفن المرأة مع النساء أولى من دفنها مع الرجال، ولو كان أباها، وذلك مراعاة للأصل
وهو الفصل بين الجنسين.
الترجيح المختار:
والذي نراه راجحًا، هو القول بجواز الدفن
بين المحارم والأزواج في قبر واحد بشرط الحاجز، وهو ميسورٌ لا يكلف شيئًا، مع التأكيد
على أن الإفراد هو الأفضل والسنة عند الاختيار، أما عند الاضطرار أو الرغبة الأكيدة
مع وجود محرمية، فالأمر فيه سعة -إن شاء الله-، ولا ينبغي التشديد فيه على الناس، خاصة
مع قول فقهائنا: "الأمر أمر موت، ما عاد أمر دنيا"، فبعد الموت انقطعت التكاليف،
وصارت الحرمة للجسد على وجه الإكرام والستر، وهذا حاصل مع الحاجز. ويبقى القول بالمنع
مطلقًا قولًا وجيهًا له حظه من النظر، وهو الأسلم خروجًا من الخلاف.
الخاتمة
:
- بعد هذه الجولة في رحاب الفقه الإسلامي وأصوله،
نقف وقفة المتأمل المتفكر في حكمة الله البالغة، التي أكرمت الإنسان حيًا وميتًا. إن
هذه الأحكام ليست مجرد طقوس أو تفصيلات شكلية، بل هي دليل ساطع على أن هذا الدين قد
أحاط كل مراحل الحياة ومنها الموت بسياج من الرحمة والإكرام. فجعل للموت سكرات، وللقبر
ظلمات، وجعل أحكام الدفن تذكرة للعيون لتدمع، وللقلوب لتخشع، وللنفوس أن تستعد لذلك
المصرع.
قال تعالى آمرًا بالتزود لذلك اليوم: ﴿وَتَزَوَّدُوْا
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ [البقرة، ١٩٧]. فلنعمل لذلك اليوم الذي سنُوسَّد
فيه التراب، ولنحرص على أن نكون من الذين يستبشرون بلقاء الله، لا من الذين يستعيذون
من هول المطّلع.
️ ايها القارئ الكريم
- هذا ما تيسر جمعه وتحريره في مسألة هي من
فقه النوازل التي تتكرر في حياة الناس، وتلح عليهم في ساعات الابتلاء والضعف الإنساني.
وقد تبين لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن شريعة الإسلام الغراء جاءت لتحفظ كرامة الإنسان
في كل أطواره، حياً وميتاً. فالأصل المقرر هو إفراد كل ميت بقبره، صيانةً لحرمته، وإكراماً
لبدنه. غير أن هذه الشريعة الرحيمة لم تغفل واقع الضرورات والمشقات، فأجازت الجمع بين
أكثر من ميت في قبر واحد، وضبطت ذلك بضوابط من أبرزها الفصل بين الرجال والنساء بحاجز
من تراب، إلا أن تكون ثمة ضرورة ملجئة، أو محرمية وزوجية تبيح الجمع في أضيق الحدود.
وإن في هذا التفصيل الفقهي لدرساً بليغاً
للأحياء؛ وهو أن الذي دبّر أمر الموتى بقوانين الرحمة والإحكام، هو الذي شرّع للأحياء
من الأحكام ما يصلح به حالهم، فجدير بمن أيقن أنه صائر إلى ما صار إليه أولئك الراحلون،
أن يعد العدة، ويحسن العمل، ويجعل من هذه المشاهد تذكرة لنفسه، فيوقن أن تحت الثرى
موعداً لا بد منه، وما بعد القبر إلا جنة أو نار.
الدعاء
اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة، ونعوذ بك
من سوء الخاتمة، ونسألك يا أرحم الراحمين أن ترحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه من قبلنا،
تحت أطباق الثرى، وحيدين فريدين، إلا من عملك الصالح.
اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، وارزقنا
الفقه في الدين، والعمل بما يرضيك إلى يوم الدين.
اللهم يا من وسعت رحمتك كل شيء، ويا من
بيده ملكوت كل شيء، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، أن ترحم موتانا وموتى المسلمين،
اللهم اجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرة من حفر النار. اللهم آنس وحشتهم،
واغفر ذنبهم، ونقّهم من خطاياهم كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم أبدلهم داراً
خيراً من دارهم، وأهلاً خيراً من أهلهم، وأزواجاً خيراً من أزواجهم.
اللهم وارحم غربتهم، واشملهم بعفوك ومغفرتك،
وهب لهم من لدنك رحمة تسع ما ضاقت به قبورهم، ونوراً يملأ ظلمات لحودهم. اللهم اجعل
ما حل بهم من أهوال القبر وفتنته برداً وسلاماً عليهم، واجعل قبورهم فسحة من فسحات
الجنان.
اللهم ألهمنا رشدنا، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه، وفقّهنا في دينك، وعلّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا. اللهم
لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا
وقرارنا.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا
من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة، واجعل آخر كلامنا من هذه
الدنيا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا
لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.