الْمَاءُ. .. رَحْمَةٌ وَحَيَاةٌ، وَنِعْمَةٌ وَبَقَاءٌ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ، وَمَلأَ الْأَنْهَارَ بالْمَاءَ ، وَجَعَلَه سِرَّ الْبَقَاءِ، وَسَبَبَ النَّمَاءِ، وَآيَةً مِنْ آيَاتِهِ الْكُبْرَى، ونِعَمِهً منْ نِعَمِهِ التِي تَتَرَي، الَّتِي تَغْمُرُ الْوَرَى، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَحْيَا بِالْمَاءِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ قُوتَهَا، وَجَعَلَهُ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً، وَلِلْحَيَاةِ أَصْلًا، وَلِلْأَرْضِ زِينَةً وَفَضْلًا، فَسُبْحَانَهُ مَا أَعْظَمَ نِعَمَهُ، وَمَا أَوْسَعَ كَرَمَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا
عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي بَيَّنَ أَنَّ الْمَاءَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ
الَّتِي يَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا، فَقَالَ ﷺ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ،
وَالْكَلَإِ، وَالنَّارِ». (رواه أبو داود) .صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ،
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
اولاً- الْمَاءُ... حِينَ يَتَكَلَّمُ الصَّمْتُ بِلُغَةِ الْحَيَاةِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ...لَوْ أَنَّهُ
يَمْلِكُ لِسَانًا لَتَكَلَّمَ، وَلَوْ أَنَّ لِلصَّمْتِ حُرُوفًا لَنَطَقَ بِاسْمِه؛
فَهُوَ يَمْضِي فِي الْأَنْهَارِ صَامِتًا، وَلَكِنَّهُ يَصْنَعُ الْحَيَاةَ نَاطِقًا.
لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَلَكِنَّهُ يَرْفَعُ الْحَضَارَاتِ، وَلَا يَطْلُبُ شُكْرًا،
وَلَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ.
إِنَّهُ الْمَاءَ... لَيْسَ مُجَرَّدَ سَائِلٍ
نَشْرَبُهُ، بَلْ هُوَ رِسَالَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَآيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَدَرْسٌ
يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ قَطْرَةٍ.قال تعالى:﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ
حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ الأنبياء: 30
تأمَّلُوا... لَمْ يَقُلِ الْقُرْآنُ: بِالْمَاءِ
تَعِيشُ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ، بَلْ قَالَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾؛ فَالْمَاءُ هُوَ
نَبْضُ الْحَيَاةِ، وَعَصَبُ الْوُجُودِ، وَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ الْعُمْرَانُ،
وَآخِرُ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْخَرَابُ.
فَحَيْثُمَا وَجَدْتَ الْمَاءَ... وَجَدْتَ
الْحَيَاةَ، وَحَيْثُمَا غَابَ... ذَبُلَ الزَّرْعُ، وَهَاجَرَ الْإِنْسَانُ، وَخَرِبَ
الْمَكَانُ.قال تعالى:"وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا
بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ"(الأنعام: 99).
وَلَيْسَ الْمَاءُ يَبْنِي الْأَرْضَ فَقَطْ،
بَلْ يَبْنِي الْإِنْسَانَ أَيْضًا.
فَبِهِ نَتَطَهَّرُ لِلصَّلَاةِ، وَبِهِ
نَغْسِلُ أَبْدَانَنَا، وَبِهِ تَحْيَا الْقُلُوبُ مَعَ الْأَبْدَانِ.
قال سبحانه:﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾الأنفال: 11
فَالْمَاءُ يَغْسِلُ الْجَسَدَ، وَالْإِيمَانُ
يَغْسِلُ الْقَلْبَ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ طَهَارَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وُلِدَ
الْإِنْسَانُ الصَّالِحُ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ...إِنَّ الْحَضَارَاتِ
لَمْ تُبْنَ عَلَى الذَّهَبِ، بَلْ بُنِيَتْ عَلَى ضِفَافِ الْأَنْهَارِ. فَالنِّيلُ
صَنَعَ حَضَارَةَ مِصْرَ، وَالْفُرَاتُ وَدِجْلَةُ صَنَعَا حَضَارَةَ الْعِرَاقِ، وَكَانَ
الْمَاءُ هُوَ الْمُعَلِّمَ الْأَوَّلَ لِلْإِنْسَانِ أَنَّ الْعَطَاءَ يَكُونُ بِغَيْرِ
ضَجِيجٍ.
فَالْمَاءُ يُعَلِّمُنَا دُرُوسًا عَظِيمَةً:
يَجْرِي إِلَى الْمُنْخَفَضِ... فَيُعَلِّمُنَا
التَّوَاضُعَ. وَيُرْوِي الْجَمِيعَ... فَيُعَلِّمُنَا
الْعَطَاءَ.
وَيُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيِّتَةَ... فَيُعَلِّمُنَا
الْأَمَلَ.🪨 وَيَشُقُّ الصَّخْرَ بِالصَّبْرِ... فَيُعَلِّمُنَا
الْمُثَابَرَةَ.
ثانياً-عَجَائِبُ تَرْكِيبِ الْمَاءِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ... لَيْسَ الْمَاءُ مُجَرَّدَ سَائِلٍ نَشْرَبُهُ، بَلْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ اللَّهِ فِي الْكَوْنِ. فَكُلَّمَا تَقَدَّمَ الْعِلْمُ، ازْدَادَ إِدْرَاكُ الْإِنْسَانِ لِدِقَّةِ خَلْقِ اللَّهِ وَإِحْكَامِ صُنْعِهِ.
أَوَّلًا: الْمَاءُ مُكَوَّنٌ مِنْ عُنْصُرَيْنِ يُشْعِلَانِ النَّارَ!
يَتَكَوَّنُ الْمَاءُ مِنْ:ذَرَّتَيْ هِيدْرُوجِينِ 🫧 (H)، وَهُوَ غَازٌ شَدِيدُ الاشْتِعَالِ
ذَرَّةِ أُكْسِجِينٍ (O)، وَهُوَ الْغَازُ الَّذِي يُسَاعِدُ عَلَى الاشْتِعَالِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، عِنْدَمَا يَجْمَعُهُمَا اللَّهُ بِتَقْدِيرِهِ، يَنْتُجُ مِنْهُمَا الْمَاءُ الَّذِي يُطْفِئُ النَّارَ!
فَسُبْحَانَ مَنْ أَخْرَجَ مِنَ الْمُتَضَادَّاتِ
أَعْظَمَ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ.
ثَانِيًا: الْمَاءُ يَتَمَدَّدُ عِنْدَ التَّجَمُّدِ
مُعْظَمُ الْمَوَادِّ تَنْكَمِشُ إِذَا
تَجَمَّدَتْ، أَمَّا الْمَاءُ فَيَتَمَدَّدُ، فَيَجْعَلُ الْجَلِيدَ أَخَفَّ مِنَ الْمَاءِ،
فَيَطْفُو عَلَى السَّطْحِ.
وَلَوْ غَاصَ الْجَلِيدُ إِلَى الْقَاعِ،
لَتَجَمَّدَتِ الْبِحَارُ وَالْأَنْهَارُ كُلُّهَا، وَلَهَلَكَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْكَائِنَاتِ
الْحَيَّةِ فَمَا أَعْظَمَ حِكْمَةَ اللَّهِ!
ثَالِثًا: الْمَاءُ لَا لَوْنَ لَهُ، وَلَا
طَعْمَ، وَلَا رَائِحَةَ
لَوْ كَانَ لِلْمَاءِ لَوْنٌ ثَابِتٌ، لَغَيَّرَ
أَلْوَانَ كُلِّ شَيْءٍ. وَلَوْ كَانَتْ لَهُ رَائِحَةٌ، لَضَاقَتْ
بِهِ النُّفُوسُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ طَعْمٌ نَافِذٌ، لَمَا
اسْتَطَاعَ الْإِنْسَانُ شُرْبَهُ بِارْتِيَاحٍ.
قَالَ تَعَالَى:"وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً
فُرَاتًا"(المرسلات: 27)
مِنْ أَيْنَ يَأْتِينَا هَذَا الْعَطَاءُ الرَّبَّانِيُّ؟
عِنْدَمَا يَشْرَبُ الْإِنْسَانُ كَأْسًا مِنَ الْمَاءِ، قَلَّمَا يَتَوَقَّفُ لِيَسْأَلَ نَفْسَهُ: مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هَذِهِ الْقَطْرَةُ؟ وَمَنْ أَوْصَلَهَا إِلَيَّ بِهَذِهِ الدِّقَّةِ وَالْإِحْكَامِ؟
إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ ظَاهِرَةٍ طَبِيعِيَّةٍ، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ رَبَّانِيَّةٌ بَدَأَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَتَسِيرُ بِتَدْبِيرِهِ، وَتَنْتَهِي بِرَحْمَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى:"اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ
الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ"(إبراهيم: ٣٢).
️ أَوَّلًا: مِنَ السَّمَاءِ... يَبْدَأُ الْفَضْلُ
يَرْفَعُ اللَّهُ الْمَاءَ مِنَ الْبِحَارِ
وَالْمُحِيطَاتِ بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُكَوِّنُ السَّحَابَ، ثُمَّ يَسُوقُهُ حَيْثُ
يَشَاءُ، ثُمَّ يُنْزِلُهُ مَطَرًا بِقَدَرٍ؛ لَا زِيَادَةً تُفْسِدُ، وَلَا نُقْصَانًا
يُهْلِكُ.
قَالَ تَعَالَى:"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ
يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ
يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ"(النور: ٤٣). فَكُلُّ قَطْرَةٍ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ
إِنَّمَا تَنْزِلُ بِقَدرِ اللَّهِ
ثَانِيًا: فِي الْأَرْضِ... يُخْزَنُ الْخَيْرُ
لَا يَضِيعُ الْمَطَرُ بَعْدَ نُزُولِهِ،
بَلْ يُدَبِّرُ اللَّهُ أَمْرَهُ؛ فَيَنْفُذُ جُزْءٌ مِنْهُ إِلَى بَاطِنِ الْأَرْضِ
لِيُكَوِّنَ الْمِيَاهَ الْجُوفِيَّةَ، وَيَجْرِي جُزْءٌ آخَرُ فِي الْأَنْهَارِ وَالْوِدْيَانِ،
وَيَمْلَأُ السُّدُودَ وَالْبُحَيْرَاتِ.
قَالَ تَعَالَى:﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾[المؤمنون: ١٨].
فَكَأَنَّ الْأَرْضَ خَزَائِنُ يَحْفَظُ
اللَّهُ فِيهَا الْمَاءَ لِحَاجَةِ عِبَادِهِ.
ثَالِثًا: بِالْمَاءِ تَنْبُضُ الْحَيَاةُ
مَا إِنْ تَسْقُطُ الْقَطْرَاتُ عَلَى الْأَرْضِ
الْجَافَّةِ، حَتَّى تَدِبَّ فِيهَا الْحَيَاةُ، وَتَخْرُجَ الْأَزْهَارُ وَالثِّمَارُ،
وَتَتَحَوَّلَ الصَّحَارِي إِلَى بَسَاطٍ أَخْضَرَ.
قَالَ تَعَالَى:﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾[الحج: ٥].
رَابِعًا: الْمُنْعِمُ هُوَ اللَّهُ
لَقَدْ بَلَغَ الْإِنْسَانُ شَأْوًا عَظِيمًا
فِي الْعِلْمِ، فَغَاصَ فِي أَعْمَاقِ الْبِحَارِ، وَحَلَّقَ فِي أَجْوَاءِ السَّمَاءِ،
وَصَنَعَ الْآلَاتِ وَالْأَجْهِزَةَ، وَاسْتَخْرَجَ الْمَاءَ، وَنَقَّاهُ، وَحَلَّاهُ،
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْلُقَ قَطْرَةَ مَاءٍ مِنَ الْعَدَمِ
يمكن في المختبر تكوين الماء من تفاعل غاز
الهيدروجين مع غاز الأكسجين، وفق المعادلة: 2H₂ + O₂ → 2H₂O
لكن هذا لا يُعد خلقًا للماء من لا شيء،
بل هو جمعٌ لعنصرين خلقهما الله، كما أن هذا التفاعل شديد الخطورة ويطلق حرارة كبيرة.
كما يستطيع الإنسان تحلية مياه البحر، أو
تنقية المياه، أو استخراج الماء من الهواء في بعض الأجهزة، لكنه لا يخلق الماء ابتداءً. قَالَ تَعَالَى:﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ
الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾[الواقعة:
٦٨-٦٩].
ثَالِثًا: نِعْمَةُ الْمَاءِ بَيْنَ الشُّكْرِ وَالْكُفْرَانِ،
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ... مَا مِنْ نِعْمَةٍ نُبَاشِرُهَا فِي كُلِّ
يَوْمٍ مِثْلَ الْمَاءِ، نَشْرَبُهُ عَذْبًا، وَنَتَطَهَّرُ بِهِ، وَنَسْقِي بِهِ زُرُوعَنَا
وَأَنْعَامَنَا؛ وَمَعَ كَثْرَةِ الْاعْتِيَادِ قَدْ يَغِيبُ عَنَّا عِظَمُ هَذِهِ
النِّعْمَةِ، حَتَّى لَا نَشْعُرَ بِقِيمَتِهَا إِلَّا عِنْدَ فَقْدِهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿أَفَرَأَيْتُمُ
الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ
الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة:
68-70]
تَأَمَّلُوا... مَنْ أَنْزَلَ الْغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ؟ مَنْ جَعَلَهُ عَذْبًا فُرَاتًا بَعْدَ
أَنْ كَانَ مِلْحًا فِي الْبِحَارِ؟ مَنْ أَخْرَجَ بِهِ الزَّرْعَ وَالثِّمَارَ؟ إِنَّهُ اللَّهُ وَحْدَهُ، فَلَهُ الْحَمْدُ
وَالشُّكْرُ قَالَ
تَعَالَى:"لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ"(إبراهيم: 7).
وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ شُكْرِ الْمَاءِ:
تَرْشِيدُ اسْتِهْلَاكِهِ عَدَمُ تَلْوِيثِهِ اسْتِخْدَامُهُ فِي مَا يَنْفَعُ.حَمْدُ
اللَّهِ عَلَيْهِ كُلَّمَا شَرِبْنَا مِنْهُ.
⚠️ أَمَّا كُفْرَانُ النِّعْمَةِ... فَهُوَ إِهْمَالُهَا. وَإِسْرَافُهَا. وَتَلْوِيثُهَا.وَالِاعْتِقَادُ أَنَّهَا
حَقٌّ مُكْتَسَبٌ لَا فَضْلَ لِلَّهِ فِيهِ.
الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْمَاءِ عِبَادَةً.
إِخْوَةَ الْإِيمَانِ...الْمَاءُ لَيْسَ
مِلْكًا لِجِيلٍ وَاحِدٍ، بَلْ هُوَ وَدِيعَةٌ نَتَسَلَّمُهَا، وَنُسَلِّمُهَا لِمَنْ
بَعْدَنَا. فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِ فَقَدْ شَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ إِلَى
النَّاسِ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَمَنْ أَضَاعَهُ أَوْ أَسْرَفَ فِيهِ فَقَدْ عَرَّضَ
نَفْسَهُ لِذَمِّ الْإِسْرَافِ وَجَحُودِ النِّعَمِ.
️ رَابِعًا: الْمَاءُ ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ
لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ﷻ الْمَاءَ نِعْمَةً فَقَطْ، بَلْ جَعَلَهُ
أَيْضًا وَسِيلَةً لِلِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ؛ لِيَتَبَيَّنَ مَنْ يَشْكُرُ النِّعْمَةَ
وَيُطِيعُ، وَمَنْ يَكْفُرُ وَيَعْصِي، فَقَدْ يَكُونُ الْمَاءُ رَحْمَةً لِقَوْمٍ،
وَعَذَابًا لِآخَرِينَ، وَامْتِحَانًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
أَوَّلًا: ابْتِلَاءُ طَالُوتَ وَجُنُودِهِ
بِالنَّهَر
مِنْ أَعْظَمِ أَمْثِلَةِ الِابْتِلَاءِ
بِالْمَاءِ مَا حَدَثَ لِجَيْشِ طَالُوتَ، فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِمُ الْعَطَشُ اخْتَبَرَهُمُ
اللَّهُ بِنَهَرٍ، فَكَانَتِ الطَّاعَةُ أَعْظَمَ مِنْ شَهْوَةِ الْمَاءِ.
قَالَ تَعَالَى:﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ
بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ۖ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ
مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾البقرة:
٢٤٩. فَكَانَ النَّهَرُ اخْتِبَارًا لِلْإِرَادَةِ
وَالطَّاعَةِ، لَا لِلْعَطَشِ فَقَطْ.
ثَانِيًا: الْمَاءُ قَدْ يَكُونُ عَذَابًا
لِلْمُكَذِّبِينَ إِذَا كَفَرَ الْعِبَادُ وَتَجَبَّرُوا، قَلَبَ
اللَّهُ النِّعْمَةَ نِقْمَةً.
فَقَدْ أُغْرِقَ قَوْمُ نُوحٍ بِالطُّوفَانِ.قَالَ
تَعَالَى:﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ
عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾القمر: ١١-١٢].
وَأُغْرِقَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فِي
الْبَحْرِ. قَالَ تَعَالَى:﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ
مَعَهُ جَمِيعًا﴾الإسراء: ١٠٣فَنَفْسُ الْمَاءِ الَّذِي يُحْيِي الْأَرْضَ، قَدْ يَكُونُ
بِأَمْرِ اللَّهِ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ.
ثَالِثًا: حَبْسُ الْمَاءِ ابْتِلَاءٌ
قَدْ يَبْتَلِي اللَّهُ الْعِبَادَ بِمَنْعِ
الْمَاءِ وَالْجَدْبِ وَالْقَحْطِ؛ لِيَرْجِعُوا إِلَيْهِ وَيَتُوبُوا.
قَالَ تَعَالَى:"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ
أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾الملك: ٣٠].
أَيْ: إِذَا غَارَ الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ،
فَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى إِرْجَاعِهِ إِلَّا اللَّهُ؟
رَابِعًا: الِاسْتِسْقَاءُ دَلِيلُ أَنَّ
الْمَاءَ بِيَدِ اللَّهِ
عِنْدَمَا يَنْقَطِعُ الْمَطَرُ، يَرْفَعُ
الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى اللَّهِ طَالِبِينَ الْغَيْثَ، لِأَنَّ الْمَاءَ
لَيْسَ بِيَدِ الْبَشَرِ، بَلْ هُوَ بِيَدِ رَبِّ الْبَشَرِ.
قَالَ تَعَالَى"وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ
الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ"(الشورى: ٢٨.
وعن عبد الله بن زيد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى،
وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ،
وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ». متفق عليه.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
خامساً- صُوَرٌ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَاءِ
إِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْمَاءِ عِبَادَةٌ، وَأَمَانَةٌ، وَسُلُوكٌ يَوْمِيٌّ يُتَرْجِمُ شُكْرَ الْعَبْدِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ،
1- تَرْشِيدُ اسْتِهْلَاكِ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ
وَالِاغْتِسَالِ
الإِسْلَامُ عَلَّمَنَا أَلَّا نُسْرِفَ
فِي الْمَاءِ، حَتَّى وَنَحْنُ نَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ«مَا هَذَا
السَّرَفُ؟»قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟قَالَ ﷺ:«نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ». رواه ابن ماجه.
فَلَا نَتْرُكُ الصُّنْبُورَ مَفْتُوحًا دُونَ حَاجَةٍ، وَلَا نُكْثِرُ مِنَ الْمَاءِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ.
٢- إِصْلَاحُ تَسَرُّبَاتِ الْمِيَاهِ
رُبَّمَا تَنْزِلُ قَطْرَةٌ بَعْدَ أُخْرَى
مِنْ صُنْبُورٍ تَالِفٍ، فَتُهْدِرُ مِئَاتِ اللِّتْرَاتِ خِلَالَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ.إِصْلَاحُ
هَذِهِ التَّسَرُّبَاتِ عَمَلٌ يَسِيرٌ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ
وَحُسْنِ الْأَمَانَةِ.
٣- الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْمِيَاهِ فِي الزِّرَاعَةِ
اسْتِخْدَامُ طُرُقِ الرَّيِّ الْحَدِيثَةِ،
كَالرَّيِّ بِالتَّنْقِيطِ وَالرَّشِّ، يُقَلِّلُ الْفَاقِدَ وَيُحَقِّقُ أَفْضَلَ
اسْتِفَادَةٍ مِنَ الْمِيَاهِ. وَهَذَا مِنْ عِمَارَةِ الْأَرْضِ الَّتِي
أَمَرَ اللَّهُ بِهَا.
٤- عَدَمُ تَلْوِيثِ الْأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ وَالتُّرَعِ
إِلْقَاءُ الْقُمَامَةِ وَالْمُخَلَّفَاتِ
وَالصَّرْفِ الصِّحِّيِّ فِي الْمِيَاهِ.
فَتَلَوُّثُ الْمَاءِ يُؤَدِّي إِلَى انْتِشَارِ
الْأَمْرَاضِ، وَهَلَاكِ الْأَسْمَاكِ، وَإِفْسَادِ الْبِيئَةِ.
قَالَ تَعَالَى:﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾الأعراف: ٥٦].
٥- تَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ عَلَى احْتِرَامِ الْمَاءِ
يَنْبَغِي أَنْ نُعَلِّمَ أَبْنَاءَنَا
مُنْذُ الصِّغَرِ أَنَّ الْمَاءَ نِعْمَةٌ غَالِيَةٌ، وَأَنَّ إِهْدَارَهُ لَيْسَ مِنْ
خُلُقِ الْمُسْلِمِ.فَالتَّرْبِيَةُ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَاءِ، هِيَ تَرْبِيَةٌ
عَلَى الشُّكْرِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ
٦- إِغْلَاقُ الصُّنْبُورِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ
لَا تَتْرُكِ الْمَاءَ يَجْرِي أَثْنَاءَ
غَسْلِ الْأَسْنَانِ، أَوِ الْحَلَاقَةِ، أَوْ غَسْلِ الْأَوَانِي.
ثَوَانٍ قَلِيلَةٌ مِنَ الْإِهْمَالِ...
قَدْ تُضَيِّعُ عَشَرَاتِ اللِّتْرَاتِ مِنَ الْمِيَاهِ.
٧- نَشْرُ ثَقَافَةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَاءِ
الْمَسْجِدُ، وَالْمَدْرَسَةُ، وَالْأُسْرَةُ،
وَوَسَائِلُ الْإِعْلَامِ، كُلُّهَا شُرَكَاءُ
فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْمَاءِ لَيْسَتْ
مَسْؤُولِيَّةَ الْحُكُومَاتِ وَحْدَهَا، بَلْ هِيَ مَسْؤُولِيَّةُ كُلِّ فَرْدٍ فِي
الْمُجْتَمَعِ.
٨- زِيَادَةُ الرُّقْعَةِ الْخَضْرَاءِ وَحِمَايَةُ الْبِيئَةِ
زِرَاعَةُ الْأَشْجَارِ، وَالْحِفَاظُ عَلَى
الْغِطَاءِ النَّبَاتِيِّ، يُسَاعِدَانِ عَلَى حِفْظِ التُّرْبَةِ وَتَحْسِينِ دَوْرَةِ
الْمِيَاهِ فِي الطَّبِيعَةِ.
لَفْتَةٌ إِيمَانِيَّةٌ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْمَاءِ لَيْسَتْ سُلُوكًا حَضَارِيًّا فَقَطْ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ، وَشُكْرٌ لِلْمُنْعِمِ، وَرَحْمَةٌ بِالْخَلْقِ. قَطْرَةٌ تُوَفِّرُهَا الْيَوْمَ... قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي رِيِّ ظَمْآنَ غَدًا. وَمَنْ حَافَظَ عَلَى نِعْمَةِ اللَّهِ، حَافَظَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، وَبَارَكَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَعُمْرِهِ.