recent
أخبار عاجلة

حكم السحر والساحر

 حكم السحر والساحر



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 

فالسحر حق، وله حقيقة، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، وهناك أدلة كثيرة علي وجود

 السحر من الكتاب والسنة

يقول الله تعالى:" وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ

 وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا  يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ

 وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا

 يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا

 يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا

 بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"(البقرة:102).

وقد ثبت في القرآن تأثر نبي الله موسى عليه السلام بالسحر، قال الله تعالى:"فَإِذَا حِبَالُهُمْ

 وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى  قُلْنَا لا

 تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى"(طـه:66-68).

وهكذا سحر لبيد بن الأعصم اليهودي نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت :"سَحَرَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَهُودِيّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ. يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَتْ: حَتّىَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يُخَيّلُ إِلَيْهِ أَنّهُ يَفْعَلُ الشّيْءَ، وَمَا يَفْعَلُهُ. حَتّىَ إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ، دَعَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم. ثُمّ دَعَا. ثُمّ دَعَا. ثُمّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنّ اللّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلاَنِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالاَخَرُ عِنْدَ رِجْلَيّ. فَقَالَ الّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلّذِي عِنْدَ رِجْلَيّ، أَوِ الّذِي عِنْدَ رِجْلَيّ لِلّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا وَجَعُ الرّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَيّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ. قَالَ وَجُف طَلْعَةِ ذَكَرٍ. قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ" .

قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. ثُمّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ وَاللّهِ لَكَأَنّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنّاءِ. وَلَكَأَنّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشّيَاطِينِ".

قَالَتْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَفَلاَ أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ: "لاَ. أَمّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللّهُ. وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَىَ النّاسِ شَرّا، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ"(البخاري ومسلم).

وقد بين الإمام النووي رحمه الله تعالى حقيقة السحر الذي أصيب به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قال الإمام المازري رحمه الله: مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافاً لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله تعالى في كتابه، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضاً مصرح بإثباته، وأنه أشياء دفنت وأخرجت، وهذا كله يبطل ما قالوه، فإحالة كونه من الحقائق محال، ولا يستنكر في العقل أن الله سبحانه وتعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر، وإذا شاهد الإنسان بعض الأجسام منها قاتلة كالسموم، ومنها مسقمة كالأدوية الحادة، ومنها مضرة كالأدوية المضادة للمرض لم يستبعد عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوى قتالة، أو كلام مهلك، أو مؤد إلى التفرقة.

قال: وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر، فزعم أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، هذا الذي ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل، لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل.

 فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان مفضلاً من أجلها، وهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له،

 وقد قيل: إنما كان يتخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام، فلا يبعد تخيله في اليقظة، ولا حقيقة له، وقيل: إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله، ولكن لا يعتقد صحة ما يتخيله، فتكون اعتقاداته على السداد.

قال القاضي عياض: وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده، ويكون معنى قوله في الحديث: حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهن، ويروى: يخيل إليه أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن، ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور.

وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه فعل شيء ثم لا يفعله ونحوه، فمحمول على التخيل بالبصر، لا لخللٍ تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبساً على الرسالة، ولا طعناً لأهل الضلالة.  

 من سحر فقد كفر

جاء الإسلام ليحفظ للناس دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم وعقولهم، وجعل هذه الضرورات الخمس قواعد الخلق في رعاية مصالحهم ودفع مضارهم، فحرّم كل اعتداء عليها، فحرم الكفر والردة لإخلالها بأصل الدين، وحرم قتل النفس بغير حق، وحرّم الاعتداء على الأموال والأعراض والأنساب، وحرّم الاعتداء على العقول بكافة أنواع المسكرات الحسية والمعنوية .

قال صلي الله عليه سلم :"من عقدَ عُقدةً ثمَّ نفثَ فيها فقد سحَرَ ومن سحرَ فقد أشرَكَ ومن تعلَّقَ شيئًا وُكلَ إليْهِ" (النسائي والطبراني ).

والسحر لم يأت على قاعدة من هذه القواعد إلا وأفسدها، فالسحر والكفر قلما يفترقان، والسحر سبيل لتبذير المال وتضييعه، وهو مفسد للذرية بتفريق رباط الأسرة، وهو مدخل للزنا والاعتداء على الأعراض؛ وهو كذلك سبيل لاغتيال العقول وطمسها، فلا غرو حينئذ أن يقف الإسلام من السحر وأهله موقفا صارماً فقد حرم تعلمه وتعليمه، وأوجب كف الساحر عن سحره، وإقامة الحد عليه تطهيرا للمجتمع من شره ودجله، وحرم على الناس الذهاب إلى السحرة والاستعانة بهم .

 حكم تعلم السحر وتعليمه :

 بين يديك - أخي القارئ – جملة من أحكام الشريعة الإسلامية، التي تبين لك كيف وقف الإسلام من السحر وأهله، وكيف تعامل مع أعمالهم وإفسادهم .


اتفق العلماء على أن تعلم السحر وتعليمه وممارسته حرام، قال ابن قدامة - رحمه الله - في "المغني" "...فإن تعلُم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم" وقال الإمام النووي رحمه الله في "شرح مسلم": " وأما تعلمه – أي السحر - وتعليمه فحرام ".

ورغم اتفاقهم على حرمة تعلم السحر وتعليمه وممارسته إلا أنهم اختلفوا في تكفير فاعله، فذهب جمهور العلماء ومنهم مالك وأبو حنيفة وأصحاب أحمد وغيرهم إلى تكفيره .

وذهب الشافعي إلى التفصيل، فإن كان في عمل الساحر ما يوجب الكفر، كفر بذلك، وإلا لم يكفر.

واستدل الجمهور القائلون بكفر الساحر بقوله تعالى:"وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر"

 قال الحافظ في "الفتح": " فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر، وكذا قوله في الآية على لسان الملكين:" إنما نحن فتنة فلا تكفر" فإن فيه إشارة إلى أن تعلم السحر كفر فيكون العمل به كفرا وهذا كله واضح ".

 

واستدل الشافعية بما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"اجتنبوا

 السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس

 التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف

 المحصنات المؤمنات الغافلات"(متفق عليه).

 قالوا: دل الحديث على أن السحر ليس من الشرك بإطلاق، ولكن منه ما هو معصية موبقة كقتل النفس وشبهها .

واستدلوا أيضاً بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن مدبَّرة لها سحرتها استعجالاً

 لعتقها فباعتها عائشة ولم تقتلها "(الشافعي والحاكم والبيهقي وصححه الحاكم على شرط الشيخين).

 قال ابن قدامة تعليقا على أثر عائشة : " لو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها " .

قال الشيخ الشنقيطي : " التحقيق في هذه المسألة – يعني تكفير الساحر - هو التفصيل . فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة " البقرة " فانه كفر بلا نزاع .. وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر. هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء ."

عقوبة الساحر

اختلف أهل العلم في عقوبة الساحر فذهب الحنفية إلى أن الساحر يقتل في حالين: الأول: أن يكون سحره كفرا, والثاني: إذا عرفت مزاولته للسحر بما فيه إضرار وإفساد ولو بغير كفر . وذهب المالكية إلى قتل الساحر, لكن قالوا: إنما يقتل إذا حكم بكفره , وثبت عليه بالبينة لدى الإمام , وعند الشافعية: إن كان سحر الساحر ليس من قبيل ما يكفر به, فهو فسق لا يقتل به، إلا إذا قتل أحداً بسحره عمداً فإنه يقتل به قصاصاً .

وذهب الحنابلة إلى أن الساحر يقتل حداً ولو لم يقتل بسحره أحدا, لكن لا يقتل إلا بشرطين: الأول: أن يكون سحره مما يحكم بكونه كفرا مثل فعل لبيد بن الأعصم , أو يعتقد إباحة السحر . الثاني: أن يكون مسلماً, فإن كان ذميا لم يقتل ; لأنه أقرَّ على شركه وهو أعظم من - السحر , ولأن "لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله ".

 

واستدل من رأى قتل الساحر بأنه مرتد، والمرتد كافر وحكمه القتل، لقوله صلى الله

 عليه وسلم :"من بدل دينه فاقتلوه"(البخاري).

 

وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب كتاباً قبل موته بسنة " أن اقتلوا كل ساحر

 وساحرة " قال الراوي:"فقتلنا ثلاث سواحر في يوم "(أحمد وأبو داود).

كما روي قتل السحرة عن عدد من الصحابة منهم عثمان وابن عمر وأبي موسى وقيس بن سعد ، ومن التابعين سبعة منهم عمر بن عبد العزيز .

 

قال الشيخ الشنقيطي : " والأظهر عندي أن الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر ولم يقتل به إنسانا أنه لا يقتل . لدلالة النصوص القطعية ، والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل واضح . وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتجرؤ على دم مسلم من غير دليل صحيح من كتاب أو سنة مرفوعة غير ظاهر عندي. والعلم عند الله تعالى، مع أن القول بقتله مطلقا قوي جدا لفعل الصحابة له من غير نكير " .

 فك السحر بالسحر ( النشرة )

 اتفق الفقهاء على أن حل السحر بالرقى والأوراد الشرعية جائز ومشروع، أما حل السحر بسحر مثله فمحرم؛ لأنه لا يخرج عن كونه سحراً محرماً كغيره من أنواع السحر، قال ابن القيم : حل السحر بسحر مثله من عمل الشيطان, فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل العمل عن المسحور، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن النشرة ؟ فقال :"هي من عمل الشيطان "ذكره أحمد وأبو داود .

هذه بعض أحكام السحر تعلماً وتعليماً وممارسةً وهي أحكام صارمة، القصد منها التنفير عن هذا الفعل الشنيع واجتنابه، وحماية الناس من شره ومفاسده، فكم جلب السحر على الناس من شرور، وأوقع بينهم من عداوات، وأورث بينهم من أحقاد، وكم هدم من أسر، وأدخل من ضرر على العباد، ولا يمارسه إلا من باع دينه وذهب خلقه:"ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " فينبغي للعاقل أن يجتبه أشد الاجتناب فلا يتعلمه مشافهة ولا قراءة من كتاب، ولا يأت ساحراً ولا يسأله فما وراءهم إلا الدمار والهلاك .

google-playkhamsatmostaqltradent