ما حكم بيع شعر الآدمي في الفقه الإسلامي؟
️إن بيع الشعر الآدمي أو الانتفاع به هو
صورة من الصور التي تتجلى فيها قاعدة تكريم الإنسان. وقد نص جماهير الفقهاء من الحنفية
والمالكية والشافعية والحنابلة على حرمة بيع شعر الإنسان. ولهم في ذلك مسلكان رئيسيان:
المسلك الأول: حرمة البيع لكونه منافياً
للتكريم الإلهي (وهو رأي الجمهور)
هذا هو عمدة المذاهب الأربعة، حيث استدلوا
بأن الله كرّم الآدمي، فكل جزء منه يصبح محترماً لا يجوز ابتذاله بالبيع.
رأي الحنفية
قال الإمام المرغيناني الحنفي في
"الهداية": "(ولا يجوز بيع شعور الإنسان...) لأن الآدميَّ مكرمٌ لا
مبتذلٌ فلا يجوز أن يكون شيءٌ مِن أجزائه مُهانًا ومُبتذلًا". <الهداية، المرغيناني،
6/ 425-426، ط. دار الفكر>
ويعلق الإمام بدر الدين العيني الحنفي على
هذا النص في كتابه "البناية شرح الهداية" شارحاً العلة بقوله: "(ولنا:
أن عدم الانتفاع به والبيع لكرامته) ش: أي لأجل كرامته؛ لأن الآدميَّ مكرمٌ بالنص،
والضميرُ في (به) يرجع إلى الشعر، وفي (كرامته) يجوز أن يرجع إلى الشعر أيضًا، ولكونه
مكرمًا بكرامة صاحبه". <البناية شرح الهداية، العيني، 1/ 429، ط. دار الكتب
العلمية>
ويؤكد هذا المعنى الإمام الكمال بن الهمام
في "فتح القدير": "(قوله: ولا يجوز بيع شعر الإنسان) مع قولنا بطهارته
(..لأن الآدمي مكرمٌ غير مبتذلٍ؛ فلا يجوز أن يكون شيءٌ من أجزائه مهانًا ومبتذلًا)
وفي بيعه إهانة". <فتح القدير، ابن الهمام، 6/ 425-426، ط. دار الفكر>
رأي المالكية
وعند المالكية، يُروى عن الإمام مالك أنه
كره بيع الشعر. جاء في حاشية العدوي على شرح الخرشي: "(تنبيه): سُئِلَ مالكٌ عن
بيع الشعر الذي يُحلَقُ من رءوس الناس؟ فكرهه". <حاشية العدوي على شرح الخرشي،
1/ 83، ط. دار الفكر>
والكراهة المنقولة هنا عن الإمام مالكٍ
رضي الله عنه حَمَلَهَا بعضُ المالكية على التنزيه، وظاهر كلام الإمام ابن عبد البر
يفيد حَمْلَهَا على التحريم <انظر: "الكافي" (ص: 328، ط. دار الكتب العلمية،
بيروت)>، وهو ما رجّحه الإمامُ محمد الأمير في حاشيته "ضوء الشموع على شرح
المجموع" (1/ 91-92، ط. المكتبة الأزهرية للتراث)؛ حيث لم يتحقق في الشعر كونه
مالًا معتدًّا به شرعًا ولو كان شعرَ رقيقٍ؛ فقال معلقًا على متن "المجموع"
على قوله: (فكأنه استبعد تَمَوُّلَهُ) بعد أن ذكر عن الإمام مالكٍ كراهةَ بيع الشعر:
"[أتى بالكأنية ولم يجزم بعدم المالية -فإن الآدميَّ الحرَّ لا يُباعُ منه شيءٌ-
ليشمل شعر الأرقاء، وهذا يقتضي أن الكراهة للتحريم؛ حيث لم تتحقق فيه ماليةٌ معتدٌّ
بها]". <ضوء الشموع على شرح المجموع، محمد الأمير، 1/ 91-92، ط. المكتبة الأزهرية
للتراث>
وهذا تعليل متين، فما لا يعد مالاً متقوَّماً
في نظر الشرع لا يصح بيعه.
رأي الشافعية
والشافعية صرحوا بالحرمة أيضاً. يقول الإمام
الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج": "والآدمي يحرم الانتفاع به وبسائر
أجزائه لكرامته". <مغني المحتاج، الخطيب الشربيني، 1/ 406، ط. دار الكتب العلمية>
وفي "المجموع" للإمام النووي
تأكيد لهذا الأصل: "ما لا يجوز بيعه متصلاً لا يجوز بيعه منفصلاً، كشعر الآدمي".
<المجموع شرح المهذب، النووي، 10/342، ط. دار الحديث>
وهذا تنبيه على أن حرمة الجزء لا تزول بانفصاله
عن الجسد.
رأي الحنابلة
أما الحنابلة فقد قال العلامة البهوتي في
"كشاف القناع": "(ولا يجوز استعمال شعر الآدمي) مع الحكم بطهارته (لحرمته)
أي احترامه". <كشاف القناع، البهوتي، 1/ 57، ط. دار الكتب العلمية>
وما حرم استعماله والانتفاع به حرم التعامل
فيه بيعًا وشراءً.
حكم الانتفاع بشعر الآدمي في المذاهب الأربعة
جاء في "الموسوعة الفقهية"
(26/102): "واتَّفق الفقهاء على عدم جواز الانتفاع بشَعْر الآدميّ بيعاً واستعمالاً؛
لأنّ الآدميّ مكرّم، لقوله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ). فلا
يجوز أن يكون شيء من أجزائه مهاناً مبتذلاً". <الموسوعة الفقهية، 26/102>
المسلك الثاني: عدم جواز البيع لانتفاء
الملك التام
إن من أركان البيع وشروطه الأساسية أن يكون
المبيع مملوكاً للبائع عند إجراء العقد. وقد قعّد الفقهاء قاعدة: "لا يجوز للإنسان
أن يتصرف في عين قبل تملكها". وشعر الإنسان حال اتصاله به ليس مالاً مملوكاً له
ملكاً تاماً، وحال انفصاله يصبح جزءاً محترماً لا يجوز ابتذاله. فالإنسان لا يملك نفسه
ولا أجزاءه تلك الملكية المطلقة التي تخوله البيع، بل هي أمانة استخلفه الله عليها.
فإذا باع شعره، كان بيعه من قبيل "بيع ما لا يملك"، وهو بيع باطل أو فاسد
عند الفقهاء. وهذه العلة تنسجم تماماً مع علة التكريم، بل هي وجه من وجوهها.
الخلاف في المسألة: هل من قائل بالجواز؟
لم ينقل عن أحد من فقهاء المذاهب الأربعة
المعتبرين القول بجواز بيع شعر الإنسان. وما قد يظن أنه خلاف، كرواية الكراهة عن الإمام
مالك، محمول عند محققيهم على التحريم كما أسلفنا. يقول ابن عبد البر في "الكافي":
"وقد كره مالك بيع شعر الإنسان". <الكافي، ابن عبد البر، ص: 328، ط. دار
الكتب العلمية، بيروت>
وظاهر كلامه يفيد الحظر. وبذلك يستقر الإجماع
الفقهي على أن التعامل في شعر الآدمي بيعاً وشراءً حرام شرعاً، سواء أكان الشعر مقصوصاً
عن الرأس أم متساقطاً عنه.
اللهم اجعلنا من المعظمين لحرماتك، المتمسكين
بأحكام شرعك، ووفقنا للعمل بما يرضيك.