recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الرفق بناء للإنسان وعمران للأوطان الشيخ أحمد المراكبي

 الرفق بناء للإنسان وعمران للأوطان 


​الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الرِّفْقَ بَيْنَ عِبَادِهِ صِلَةً وَأَمَانًا، وَبَعَثَ نَبِيَّهُ بِالرَّحْمَةِ لِلْعَالَمِينَ إِمَامًا، وَشَيَّدَ بِهِ لِلْأُلْفَةِ صَرْحًا وَمَقَامًا.

​وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وَإِعْظَامًا.

​وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَصْدَقُ الْعَالَمِينَ نُطْقًا وَكَلَامًا، كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفًا رَحِيمًا، وَفِي التَّعَامُلِ سَمْحًا كَرِيمًا.

​اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ نَشَرُوا الْهُدَى وَالْإِيمَانَا، وَسَارُوا عَلَى دَرْبِ الرَّشَادِ قِيَامًا.

​أَمَّا بَعْدُ:

​فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ سِرًّا وَإِعْلَانًا، وَالتَّمَسُّكِ بِهُدَاهُ رَغْبَةً وَإِذْعَانًا؛ فَمَنِ اتَّقَى رَبَّهُ كُسِيَ يَوْمَ الْحِسَابِ بَهَاءً وَإِكْرَامًا، وَنَجَا مِنَ الْعَذَابِ وَنَالَ فِي الْجِنَانِ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا.

​ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

​إِنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ الْعَالِيَةِ، وَمُثُلِهِ وَقِيَمِهِ السَّامِيَةِ؛ الَّتِي تُثْمِرُ الْوُدَّ، وَالْأُلْفَةَ، وَالْمَحَبَّةَ، وَالتَّرَابُطَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ مَا يُعْرَفُ بِالرِّفْقِ، وَهُوَ ضِدُّ الْعُنْفِ، وَيَعْنِي لِينَ الْجَانِبِ بِالْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ، وَالْأَخْذَ بِالْأَسْهَلِ.

​إِنَّ الرِّفْقَ خُلُقٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَعَنْ سَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].

​وَسِمَةٌ مِنْ سِمَاتِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ الْكِرَامِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [إِبْرَاهِيمُ: 36]، وَقَالَ عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الْمَائِدَةُ: 118]، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى). فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟). فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ -وَهُوَ أَعْلَمُ- فَقَالَ اللَّهُ: (يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

​مَنْ نَالَ الرِّفْقَ فَقَدْ نَالَ كُلَّ الْخَيْرِ؛ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ" [رَوَاهُ أَحْمَدُ].. وَمَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ؛ فَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ" [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

​أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

​إِنَّ مَجَالَاتِ الرِّفْقِ كَثِيرَةٌ، مِنْ أَهَمِّهَا:

​الرِّفْقُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ: فَالرِّفْقُ أَسَاسُ نَجَاحِ الدَّعْوَةِ وَالْإِصْلَاحِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلُ: 125]. وَهُوَ وَصِيَّةُ الْمَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِسَيِّدِنَا مُوسَى وَهَارُونَ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، حِينَمَا أَمَرَهُمَا بِالذَّهَابِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَدَعْوَتِهِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي * ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي * ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ﴾ [طه: 41 ـ 44].

​الرِّفْقُ بِمَنْ لَا يَعْلَمُ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّفْهِيمِ: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): مَهْ مَهْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ). فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَال، ثُمَّ إِنَّ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: (إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ). قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

​الرِّفْقُ بِالطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ: إِنَّ الرِّفْقَ بِالطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ عِبَادَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُ، وَنَهَى عَنْ تَعْذِيبِهِ أَوْ إِرْهَاقِهِ أَوِ التَّمْثِيلِ بِهِ، بَلْ أَمَرَ بِإِرَاحَتِهِ حَتَّى عِنْدَ الذَّبْحِ، مَعَ أَنَّ الذَّبْحَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، لِيَظَلَّ الرِّفْقُ هُوَ الْأَصْلَ الَّذِي يَحْكُمُ تَصَرُّفَاتِ الْمُسْلِمِ مَعَ كُلِّ مَخْلُوقٍ. فَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. 

وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابَّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ، فَقَالَ لَهُمْ: «ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَدَعُوهَا سَالِمَةً، وَلَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لِأَحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالْأَسْوَاقِ، فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].

​أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

​إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ ثِمَارِ الرِّفْقِ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْقُلُوبَ بَعْدَ تَفَرُّقِهَا، وَيُؤَلِّفُ النُّفُوسَ بَعْدَ تَنَافُرِهَا، وَيُحَوِّلُ الْعَدَاوَةَ إِلَى مَحَبَّةٍ، وَالنَّفْرَةَ إِلَى مَوَدَّةٍ، وَلِذَلِكَ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ مِنْ لِينِ الْجَانِبِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ اجْتِمَاعِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ وَثَبَاتِهِمْ مَعَهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَبِمَا رَحۡمَة مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 159].

​وَمِنْ أَعْظَمِ الشَّوَاهِدِ الْعَمَلِيَّةِ عَلَى أَثَرِ الرِّفْقِ فِي تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "بَعَثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ»، فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَال، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ. حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ»، قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ. فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ»، فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ. فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا وَاللَّهِ، لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

​أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ.

​[الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ]

​الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ النَّبِيُّ الْمُجْتَبَى، وَالرَّسُولُ الْمُرْتَضَى.

​اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَأَسْفَرَ الضُّحَى.

​أَمَّا بَعْدُ:

​إِنَّ التَّرْبِيَةَ النَّاجِحَةَ لَا تَقُومُ عَلَى الشِّدَّةِ وَالْعُنْفِ، وَإِنَّمَا تُبْنَى عَلَى الرِّفْقِ، وَمُرَاعَاةِ أَحْوَالِ الْمُتَعَلِّمِينَ، وَالتَّدَرُّجِ مَعَهُمْ، وَإِنَّ أَسَاسَ التَّرْبِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ الرَّحْمَةُ، وَرُوحَهَا الرِّفْقُ، وَغَايَتَهَا تَنْشِئَةُ إِنْسَانٍ سَوِيٍّ يَعْرِفُ رَبَّهُ، وَيَطْمَئِنُّ إِلَى نَفْسِهِ، وَيُحْسِنُ التَّعَامُلَ مَعَ النَّاسِ، وَقَدْ قَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْعَالَمِ نَمُوذَجًا تَرْبَوِيًّا فَرِيدًا، لَمْ يَقُمْ عَلَى التَّخْوِيفِ وَالْقَسْوَةِ، وَإِنَّمَا قَامَ عَلَى الْمَحَبَّةِ، وَالِاحْتِوَاءِ، وَالْإِكْرَامِ، وَاحْتِرَامِ الْمَشَاعِرِ، حَتَّى أَصْبَحَتْ سِيرَتُهُ مَدْرَسَةً مُتَكَامِلَةً فِي التَّرْبِيَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

​مِنْ أَبْرَزِ مَعَالِمِ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ الْمَحَبَّةَ الشُّعُورِيَّةَ كَانَتْ تُتْرَجَمُ إِلَى سُلُوكٍ عَمَلِيٍّ وَكَلِمَاتٍ صَرِيحَةٍ يَسْمَعُهَا الطِّفْلُ وَيَرَى آثَارَهَا، وَقَدْ تَجَلَّى ذَلِكَ فِي مَوْقِفِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَ سَيِّدِنَا الْحُسَيْنِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدُعِينَا إِلَى طَعَامٍ فَإِذَا حُسَيْنٌ يَلْعَبُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَامَ الْقَوْمِ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَمُرُّ مَرَّةً هَا هُنَا وَمَرَّةً هَا هُنَا، يُضَاحِكُهُ حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي ذَقْنِهِ وَالْأُخْرَى فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَهُ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، سَبِطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ» [الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ].

​مِنْ أَبْرَزِ مَعَالِمِ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ إِظْهَارُ الرَّحْمَةِ بِالصَّغِيرِ؛ فَقَدْ يَظُنُّ الْبَعْضُ أَنَّ إِظْهَارَ الْحَنَانِ وَالْحُبِّ لِلْأَبْنَاءِ يُورِثُ الدَّلَالَ، أَوْ يُضْعِفُ الشَّخْصِيَّةَ، غَيْرَ أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ جَاءَتْ بِتَصْحِيحِ هَذَا التَّصَوُّرِ، وَأَكَّدَتْ أَنَّ الرَّحْمَةَ الظَّاهِرَةَ مِنْ أَهَمِّ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ، وَأَنَّ جَفَافَ الْعَاطِفَةِ دَلِيلٌ عَلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَخُلُوِّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ.

​فَقَدْ رَوَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: "قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

​وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَائِلًا: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

​عِبَادَ اللَّهِ:

​الْقَسْوَةُ تَهْدِمُ مَا تَبْنِيهِ التَّرْبِيَةُ؛ فَالْقَسْوَةُ قَدْ تُنْتِجُ طَاعَةً ظَاهِرِيَّةً، لَكِنَّهَا تَزْرَعُ خَوْفًا وَاضْطِرَابًا وَانْكِسَارًا فِي النُّفُوسِ، أَمَّا الرِّفْقُ فَيَغْرِسُ الْمَحَبَّةَ، وَيَصْنَعُ الطَّاعَةَ عَنْ اقْتِنَاعٍ، وَيُقِيمُ عَلَاقَةً صِحِّيَّةً بَيْنَ الْمُرَبِّي وَالطِّفْلِ.

​وَلِهَذَا جَاءَتِ الْقَاعِدَةُ النَّبَوِيَّةُ الْجَامِعَةُ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُنْ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، فَهِيَ قَاعِدَةٌ تَمْتَدُّ إِلَى كُلِّ مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا تَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ.

​فَالطِّفْلُ الَّذِي يُرَبَّى عَلَى الْإِهَانَةِ وَالصُّرَاخِ وَالْعُنْفِ قَدْ يُطِيعُ الْيَوْمَ خَوْفًا، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ جِرَاحًا تَبْقَى طَوِيلًا، بَيْنَمَا الطِّفْلُ الَّذِي يُرَبَّى بِالرَّحْمَةِ يَنْشَأُ مُحِبًّا لِلْخَيْرِ، وَاثِقًا بِنَفْسِهِ، قَرِيبًا مِنْ وَالِدَيْهِ، قَادِرًا عَلَى مَنْحِ الرَّحْمَةِ لِلْآخَرِينَ.

​فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَالْزَمُوا خُلُقَ الرِّفْقِ فِي بُيُوتِكُمْ، وَمَعَ أَبْنَائِكُمْ، وَفِي تَعَامُلَاتِكُمْ كُلِّهَا؛ تَنَالُوا مَحَبَّةَ اللَّهِ وَتَوْفِيقَهُ، وَتَفُوزُوا بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

​وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَالرِّفْقِ، كَمَا أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَابُ: 56].

​اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

​اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الرِّفْقِ وَاللِّينِ، وَجَنِّبْنَا الْقَسْوَةَ وَالْغِلْظَةَ وَالْعُنْفَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ.

​اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا ذُرِّيَّاتِنَا، وَاجْعَلْ بُيُوتَنَا مَنَارَاتٍ لِلرَّحْمَةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَأَعِنَّا عَلَى تَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا تَرْبِيَةً صَالِحَةً نَقِيَّةً تَقُومُ عَلَى هَدْيِ نَبِيِّكَ الْكَرِيمِ.

​اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.

​عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلُ: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ. 

google-playkhamsatmostaqltradent