حَقُّ الطَّرِيقِ وَاغْتِنَامُ الْإِجَازَةِ الصَّيْفِيَّةِ
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ، إِنَّ مِنْ عَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ
أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ جَانِبًا مِنْ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ إِلَّا وَوَضَعَ لَهُ مِنَ
الْآدَابِ وَالْأَحْكَامِ مَا يَضْمَنُ سَعَادَةَ الْإِنْسَانِ وَأَمْنَ الْمُجْتَمَعِ
وَاسْتِقْرَارَهُ، فَنَظَّمَ عِلَاقَةَ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ، وَبِنَفْسِهِ، وَبِأُسْرَتِهِ،
وَبِمُجْتَمَعِهِ، حَتَّى عِلَاقَتَهُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ كُلَّ يَوْمٍ
فَالطَّرِيقُ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ مَمَرًّا يُبَاحُ فِيهِ كُلُّ تَصَرُّفٍ، بَلْ
هُوَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ، لَهُ حُرْمَتُهُ وَآدَابُهُ وَحُقُوقُهُ الَّتِي
يَجِبُ أَنْ تُصَانَ
وَلَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى
عِبَادِهِ بِتَيْسِيرِ الطُّرُقِ وَالسُّبُلِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا ﴿طه: ٥٣﴾ فَهَذِهِ الطُّرُقُ
نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ، وَأَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِنَا وَحِفْظُهَا مِنْ شُكْرِ
الْمُنْعِمِ سُبْحَانَهُ وَإِذَا كَانَ مَعْنَى الطَّرِيقِ فِي الْمَاضِي يَنْصَرِفُ
إِلَى الشَّوَارِعِ وَالسُّبُلِ، فَإِنَّهُ فِي عَصْرِنَا يَشْمَلُ كُلَّ مِرْفَقٍ
عَامٍّ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ مِنَ الطُّرُقِ السَّرِيعَةِ، وَالْكُبَارِي، وَالْأَنْفَاقِ،
وَمَمَرَّاتِ الْمُشَاةِ، وَوَسَائِلِ النَّقْلِ، وَالْمَحَطَّاتِ، وَالْحَدَائِقِ،
وَالسَّاحَاتِ الْعَامَّةِ، وَكُلِّ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ، فَالْمُحَافَظَةُ
عَلَيْهِ حِفْظٌ لِحَقِّ الْجَمِيعِ، وَالِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِ اعْتِدَاءٌ عَلَى الْمُجْتَمَعِ
كُلِّهِ
وَلِذَلِكَ لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَقَالَ الصَّحَابَةُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا، لَمْ يَمْنَعْهُمْ، وَلَكِنَّهُ
عَلَّمَهُمْ الْمَسْؤُولِيَّةَ، فَقَالَ فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا
الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ
الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ
فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، احْتِرَامَ الطَّرِيقِ
عِبَادَةً، وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى حُقُوقِ النَّاسِ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى كَمَالِ
الْإِيمَانِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ، إِنَّ
حُقُوقَ الطَّرِيقِ الَّتِي عَلَّمَنَا إِيَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ تُتْلَى، بَلْ هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ يَحْفَظُ الْأَنْفُسَ،
وَيَصُونُ الْأَعْرَاضَ، وَيَحْمِي الْأَمْوَالَ، وَيُحَقِّقُ الْأَمْنَ وَالطُّمَأْنِينَةَ
فِي الْمُجْتَمَعِ
فَأَوَّلُ هَذِهِ الْحُقُوقِ غَضُّ الْبَصَرِ؛
فَالطُّرُقَاتُ مَوْضِعُ اخْتِلَاطِ النَّاسِ يَمُرُّ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ،
وَالْكِبَارُ وَالصِّغَارُ وَغَضُّ الْبَصَرِ يَحْفَظُ الْقُلُوبَ مِنَ الْفِتَنِ،
وَيَصُونُ الْأَعْرَاضَ، وَيُرَسِّخُ خُلُقَ الْحَيَاءِ وَالْعِفَّةِ قَالَ تَعَالَى
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ
أَزْكَى لَهُمْ﴿ النُّورِ: ٣٠﴾ وَقَالَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴿
النُّورِ: ٣1﴾ وَالنَّظْرَةُ الْمُحَرَّمَةُ قَدْ تَجُرُّ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، أَمَّا
غَضُّ الْبَصَرِ فَهُوَ دَلِيلُ تَقْوَى اللَّهِ، وَسَبَبٌ لِطَهَارَةِ الْقَلْبِ وَسَلَامَةِ
الْمُجْتَمَعِ وَثَانِي هَذِهِ الْحُقُوقِ كَفُّ الْأَذَى، وَهُوَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ
تَدْخُلُ فِيهَا كُلُّ صُوَرِ الْإِيذَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ بِالْقَوْلِ، أَوْ بِالْفِعْلِ،
أَوْ بِالتَّصَرُّفِ، أَوْ بِالْإِهْمَالِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤْذِي
النَّاسَ فِي طَرِيقِهِمْ، بِإِلْقَاءِ الْقَاذُورَاتِ، أَوْ وَضْعِ الْمُعَوِّقَاتِ،
أَوْ إِشْغَالِ الطَّرِيقِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ، أَوْ بِالتَّعَدِّي
عَلَى حُقُوقِ الْمَارَّةِ ، فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمُ
مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]
وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ أَنَّهُ جَعَلَ إِزَالَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ
عِبَادَةً يُثَابُ عَلَيْهَا الْعَبْدُ، بَلْ جَعَلَهَا مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ فَقَدْ
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ
شُعْبَةً وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
وَمِنْ أَبْلَغِ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ
ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ،
وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ
لَهُ[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- كَيْفَ يَغْفِرُ اللَّهُ
لِرَجُلٍ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مَا يُؤْذِي النَّاسَ! فَمَا أَحْوَجَنَا الْيَوْمَ إِلَى
هَذَا الْفَهْمِ، وَأَنْ يَسْتَشْعِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى
نَظَافَةِ الطَّرِيقِ، وَرَفْعَ مَا يُؤْذِي الْمَارَّةَ، وَالْحِرْصَ عَلَى سَلَامَةِ
الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ، لَيْسَ أَمْرًا حَضَارِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ قُرْبَةٌ
يَتَقَرَّبُ بِهَا الْمُؤْمِنُ إِلَى رَبِّهِ؟
وَفِي الْمُقَابِلِ، شَدَّدَ الْإِسْلَامُ
فِي التَّحْذِيرِ مِنْ إِيذَاءِ النَّاسِ فِي طُرُقِهِمْ، فَقَالَ اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ
قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي
طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] فَكُلُّ مَا يَجْلِبُ أَذًى
لِلنَّاسِ، أَوْ يُعَطِّلُ مَصَالِحَهُمْ، أَوْ يُنَفِّرُهُمْ مِنَ الطَّرِيقِ، فَهُوَ
مِمَّا يَأْبَاهُ الْإِسْلَامُ، وَيَتَنَافَى مَعَ خُلُقِ الْمُؤْمِنِ
وَلَيْسَ كَفُّ الْأَذَى مَقْصُورًا عَلَى
إِزَالَةِ الْحَجَرِ أَوِ الشَّوْكِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْيَوْمَ الْحِفَاظُ عَلَى
نَظَافَةِ الشَّوَارِعِ، وَعَدَمُ إِلْقَاءِ الْمُخَلَّفَاتِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى
الْأَرْصِفَةِ وَالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ، وَاحْتِرَامُ حَقِّ الْمَارَّةِ، وَالِابْتِعَادُ
عَنْ كُلِّ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْإِضْرَارِ بِالْآخَرِينَ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ
رَحْمَةٍ، وَالْمُؤْمِنُ مَصْدَرُ أَمْنٍ وَسَلَامٍ لِكُلِّ مَنْ حَوْلَهُ، لَا مَصْدَرُ
أَذًى وَإِزْعَاجٍ
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ، وَمِنْ
حُقُوقِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَكَّدَتْهَا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ رَدُّ السَّلَامِ،
وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ فَالطَّرِيقُ لَيْسَ مَمَرًّا
لِلْأَجْسَادِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ مَيْدَانٌ لِلتَّعَارُفِ، وَالتَّرَاحُمِ، وَتَوْثِيقِ
رَوَابِطِ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ. وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ يَبْثُّ
الْمَحَبَّةَ فِي الْقُلُوبِ، وَيُذْهِبُ الْجَفَاءَ وَالْوَحْشَةَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ
أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] جَعَلَ رَدَّ السَّلَامِ مِنْ حُقُوقِ
الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ؛ لِيَظَلَّ الْمُجْتَمَعُ مَبْنِيًّا عَلَى الْمَوَدَّةِ
وَالْإِلْفَةِ، لَا عَلَى الْجَفَاءِ وَالْخُصُومَةِ وَمِنْ حَقِّ الطَّرِيقِ أَيْضًا
أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ فِيهِ دَاعِيًا إِلَى الْخَيْرِ، آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ،
نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، لَا بِالْفَظَاظَةِ
وَالتَّشْهِيرِ، فَإِذَا رَأَى مَنْ يُؤْذِي النَّاسَ نَصَحَهُ، وَإِذَا شَاهَدَ مَنْ
يُعَرِّضُ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ لِلْخَطَرِ أَرْشَدَهُ، وَإِذَا وَجَدَ مَنْ يَحْتَاجُ
إِلَى مُسَاعَدَةٍ أَعَانَهُ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الطَّرِيقُ مَكَانًا يَسُودُهُ التَّعَاوُنُ
وَالتَّكَافُلُ، لَا الْأَنْانِيَّةُ وَالْإِهْمَالُ
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ
رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ آدَابَ الطَّرِيقِ لَيْسَتْ خَمْسًا فَقَطْ، بَلْ تَتَّسِعُ
لِتَشْمَلَ حُسْنَ الْكَلَامِ، وَإِرْشَادَ الضَّالِّ، وَإِغَاثَةَ الْمَلْهُوفِ، وَإِعَانَةَ
الْمَظْلُومِ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ، وَالْمُسَاعَدَةَ عَلَى الْحَمُولَةِ، وَغَيْرَ
ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الْإِحْسَانِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ أَيْنَمَا
كَانَ يَنْشُرُ الْخَيْرَ، وَيَدْفَعُ الشَّرَّ، وَيَجْعَلُ مِنْ وُجُودِهِ سَبَبًا
لِرَاحَةِ النَّاسِ وَسَعَادَتِهِمْ
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ، إِنَّ
الْمَقَاصِدَ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ مِنْ أَجْلِهَا حُقُوقَ الطَّرِيقِ هِيَ مَقَاصِدُ
عَظِيمَةٌ، فَهِيَ تَحْفَظُ النُّفُوسَ مِنَ الْهَلَاكِ، وَتَصُونُ الْأَعْرَاضَ مِنَ
الِانْتِهَاكِ، وَتَحْمِي الْأَمْوَالَ مِنَ الْإِتْلَافِ، وَتُحَقِّقُ الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ،
وَتُعَزِّزُ الْمَحَبَّةَ وَالتَّرَاحُمَ بَيْنَ النَّاسِ فَالطَّرِيقُ إِذَا سَلِمَ
مِنَ الْأَذَى، وَالْتَزَمَ النَّاسُ فِيهِ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، عَاشَ الْمُجْتَمَعُ
فِي طُمَأْنِينَةٍ، وَشَعَرَ كُلُّ فَرْدٍ بِأَنَّ لَهُ حَقًّا مَصُونًا وَكَرَامَةً
مَحْفُوظَةً
وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ كُلُّ
مُسْلِمٍ أَنَّ احْتِرَامَ الطَّرِيقِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِالْتِزَامِ بِقَوَانِينِ
الدَّوْلَةِ، بَلْ هُوَ قَبْلَ ذَلِكَ امْتِثَالٌ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَتَحْقِيقٌ لِمَقْصَدٍ عَظِيمٍ مِنْ مَقَاصِدِ
الشَّرِيعَةِ، وَدَلِيلٌ عَلَى رُقِيِّ الْإِيمَانِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ
عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ
فِي اللَّهِ، فَإِنَّ حَقَّ الطَّرِيقِ لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ الْكَفِّ عَنِ الْأَذَى،
بَلْ يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ إِلَى الْإِسْهَامِ فِي عِمَارَةِ الطَّرِيقِ وَالْمُحَافَظَةِ
عَلَيْهِ، فَالْمُؤْمِنُ إِيجَابِيٌّ حَيْثُمَا كَانَ، يَزْرَعُ الْخَيْرَ، وَيَنْشُرُ
الْأَمْنَ، وَيَكُونُ سَبَبًا فِي رَاحَةِ النَّاسِ، لَا فِي إِيذَائِهِمْ
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَيَادِينِ تَرْبِيَةِ
الْأَبْنَاءِ عَلَى الْمَسْؤُولِيَّةِ: أَنْ نُعَلِّمَهُمْ احْتِرَامَ الطَّرِيقِ،
وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ، وَالِالْتِزَامَ بِالنِّظَامِ، فَلَا
يُلْقُونَ الْمُخَلَّفَاتِ، وَلَا يُتْلِفُونَ الْمُمْتَلَكَاتِ، وَلَا يُعَرِّضُونَ
أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ لِلْخَطَرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ صِدْقِ الْإِيمَانِ
وَحُسْنِ الْإِسْلَامِ
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ، وَنَحْنُ
فِي فَتْرَةِ الْإِجَازَةِ الصَّيْفِيَّةِ، يَكْثُرُ خُرُوجُ الْأَبْنَاءِ إِلَى الطُّرُقِ
وَالْمُتَنَزَّهَاتِ وَأَمَاكِنِ التَّرْفِيهِ، فَتَعْظُمُ الْحَاجَةُ إِلَى تَرْبِيَتِهِمْ
عَلَى حُقُوقِ الطَّرِيقِ، وَتَعْلِيمِهِمْ أَنَّ الْإِجَازَةَ لَيْسَتْ فَرَاغًا يُهْدَرُ،
وَلَا وَقْتًا يُقْضَى فِي اللَّهْوِ وَالْعَبَثِ، بَلْ هِيَ فُرْصَةٌ لِبِنَاءِ الْإِنْسَانِ،
وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ، وَتَنْمِيَةِ الْمَهَارَاتِ
فَلْنَضَعْ لِأَبْنَائِنَا خُطَّةً نَافِعَةً
لِإِجَازَتِهِمْ، يَجْتَمِعُ فِيهَا حِفْظُ الْقُرْآنِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ،
وَقِرَاءَةُ الْكُتُبِ النَّافِعَةِ، وَتَعَلُّمُ الْمَهَارَاتِ الْجَدِيدَةِ، وَمُمَارَسَةُ
الرِّيَاضَةِ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ، مَعَ التَّرْفِيهِ الْمُبَاحِ
الَّذِي يُجَدِّدُ النَّشَاطَ وَلَا يُفْسِدُ الْأَخْلَاقَ
وَلْنُحَذِّرْهُمْ مِنْ مُضَيِّعَاتِ الْأَوْقَاتِ،
وَمِنَ الْإِفْرَاطِ فِي اسْتِخْدَامِ الْهَوَاتِفِ وَالْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ،
وَمِنَ التَّجَمُّعِ فِي الطُّرُقَاتِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ، أَوِ الْعَبَثِ بِالْمَرَافِقِ
الْعَامَّةِ، أَوْ مُخَالَفَةِ أَنْظِمَةِ الْمُرُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُنَافِي
مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِعْطَاءِ الطَّرِيقِ حَقَّهُ
فَلْنَجْعَلْ مِنْ أَنْفُسِنَا قُدْوَةً
صَالِحَةً لِأَبْنَائِنَا، وَلْنُرَبِّهِمْ عَلَى أَنَّ احْتِرَامَ الطَّرِيقِ وَالْمَالِ
الْعَامِّ وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى النِّظَامِ عِبَادَةٌ يُثِيبُ اللَّهُ عَلَيْهَا،
وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ حَيْثُمَا كَانَ يَتْرُكُ أَثَرًا طَيِّبًا، وَيَكُونُ مِفْتَاحًا
لِلْخَيْرِ، مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُؤَدُّونَ الْأَمَانَاتِ، وَيَحْفَظُونَ الْحُقُوقَ، وَيَكُفُّونَ الْأَذَى عَنْ عِبَادِكَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا، وَاحْفَظْ طُرُقَنَا وَمَرَافِقَنَا، وَوَفِّقْ أَبْنَاءَنَا لِحُسْنِ اسْتِغْلَالِ أَوْقَاتِهِمْ، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لِوَالِدِيهِمْ، اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ وَسَائِرَ بِلَادِ الْعَالَمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ،
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ