فزعة
المسلم الغيور لحرمة نبش القبور
نبش القبور مجموعة من كبائر الإثم
تحريم انتهاك حرمة الأدمي
الأمور التي يجوز فيها نبش القبر
قصص لنباشي القبور وعاقبتهم الوخيمة
الحمد لله رب العالمين، أحيا وأمات، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
عباد الله، إن الإسلام كرّم الإنسان حياً وميتاً. يقول الله تعالى:"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ".
ومن مظاهر هذا التكريم العظيم: حفظ حرمة الميت وصيانة جسده وقبره من كل أذية أو إهانة.
فإن الشريعة الإسلامية قد عظّمت حرمة الإنسان، فلم تبح هتك حرمته حيًا ولا ميتًا، بل أمرت بتكريمه ودفنه وصيانة جسده بعد موته، وعدّت الاعتداء على القبور من أعظم الجرائم الشرعية.
وقد دلت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال علماء أهل السنة والجماعة على حرمة نبش القبور وتحريمه تحريمًا قطعيًا، وذلك لما يلي:
أولا: أدلة القرآن الكريم
قال تعالى:"ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ"(عبس: 21).
أي أمر الله بدفن الإنسان تكريمًا له وصيانة لبدنه، مما يدل على حرمة الاعتداء على قبره.
وقال تعالى:"أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا"(المرسلات/25-26).
أي أن الأرض تضم الأموات وتحفظهم، فلا يجوز إخراجهم منها بغير حق.
وقال تعالى:"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"(الإسراء: 70). والتكريم يشمل حياته ومماته.
ثانيا: أدلة السنة النبوية
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر"(مسلم).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كسر عظم الميت ككسره حيًا"(أبو داود وابن ماجه).
العبرة: كسر عظم الميت أو هتكه بالنبش معصية عظيمة ككسر عظام الحي، مما يدل على مساواة حرمة الأموات بالأحياء.
ثالثا: أقوال علماء أهل السنة والجماعة
قال النووي: "يحرم نبش القبر، سواء كان لميت مسلم أو ذمي، لما فيه من هتك حرمة الميت، وهي كحرمته حيًا"(روضة الطالبين 2/140).
وقال ابن قدامة المقدسي: "لا يجوز نبش القبر ولا شقه بعد دفن الميت إلا لضرورة؛ فإن النبش هتك لحرمته، أشبه كشف عورته"(المغني 2/191).
وقال القرطبي: "فيه دلالة على تعظيم حرمة الميت، وإكرامه بدفنه، وصيانة بدنه عن الإهانة والهتك"(تفسير القرطبي عند قوله تعالى: {فأقبره})
وقال السخاوي: "وقد شدد الشارع في حفظ حرمة الميت، حتى جعل أذيته كأذية الحي"
(المقاصد الحسنة ص 416)
رابعا:الحكم الشرعي نبش القبور بغير ضرورة شرعية من الكبائر.
يستوجب الإثم الشديد وقد يلحق فاعله باللعنة إن قصد الإهانة أو الهتك، لأن اللعنة في الشريعة تكون على من انتهك الحرمات الكبرى.
واعلموا -عباد الله- أن الأصل في قبور المسلمين الحرمة التامة، وأنه لا يجوز نبش القبر ولا كشفه ولا هتك ستر صاحبه بلا عذر أو ضرورة شرعية.
لقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في حفظ حقوق الأموات، حتى قال في الحديث الصحيح:"كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيّاً"(أبو داود وابن ماجه).
فإيذاء الميت والاعتداء على مرقده ذنب عظيم وإثم كبير يغضب الرب جل جلاله.
إن حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً فلا يجوز الاعتداء عليه وهو ميت في قبره كما لا يجوزالاعتداء عليه حال حياته لما ورد في الحديث أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال :"إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً "(أبو داود وابن ماجة، وأحمد وغيرهم) . وجاء في رواية أخرىة :"كسر عظم الميت ككسر عظم الحيّ في الإثم "(ابن ماجة).
وإذا كان أكثر أهل العلم يقولون بأن عقوبة النباش الذي يسرق أكفان الميت هي القطع، فما بالك بمن يسرق الميت نفسه، لا شك أن من يفعل ذلك قد خالف الشرع والطبع وأثم إثماً كبيراً.
إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما . أما بذل المال من المستفيد ـ ابتغاء الحصول على االعضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريماً ـ فمحل اجتهاد ونظر.
الأمور التي يجوز فيها نبش القبر
عباد الله :"قد قررالفقهاء أنه لا يجوز نبش قبر الميت
إلا لعذر شرعي وغرض صحيح، فالأصل هو عدم جواز نبش القبور إلا في حالاتٍ خاصة وقد ذكر
كثير من الفقهاء تفصيلاً للحالات التي يجوزفيها نبش القبور.
عباد الله، إن نبش القبور والعبث بها لغير الحاجة المعتبرة هو من العدوان الظالم والكبائر المهلكة.
فللقبر حرمته؛ لا يجوز التعدي عليه، ومن التعدي نبش القبور والجلوس عليها وإهانتها بأي نوع من أنواع الإهانة، ولا شك أن نبش القبر فيه انتهاك لحرمة الميت ،
ونبش القبور بغير ضرورة شرعية هو محرم شرعاً ومن الكبائر التي تنتهك حرمة الميت، وحرمة الميت كحرمته حياً، ولا يجوز التعرض له أو إهانته.
ولا يجوز فتح القبر إلا للضرورات القصوى التي بينها أهل العلم،
كأن يدفن الميت بغير غسل مع إمكانه، أو يدفن في غير اتجاه القبلة، أو يسقط في القبر مال ثمين، أو تدعو ضرورة ملحة لدفن ميت آخر في نفس البقعة بعد أن بلي الأول وصار تراباً لا أثر له.
فاتقوا الله عباد الله، واحفظوا حرمات موتاكم، واعتبروا بمن رحلوا عن هذه الدنيا، فاليوم نحن في دار العمل وغداً في دار الجزاء.
فمنها :
إذا دفن الميت في أرض مغصوبة كمن
دفن في أرضٍ بغير إذن مالكها، وكذلك إذا كان الكفن مغصوباً، أو وقع في القبر مال لغير
الميت.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي – من فقهاء الحنابلة– في كتابه المغني: (وإن وقع في القبر ما له قيمة نبش وأخرج). قال أحمد :[ إذا نسي الحفّار مسحاته في القبر جاز أن ينبش عنها . وقال – أي أحمد – في الشيء يسقط في القبر مثل الفأس والدراهم ينبش قال : إذا كان له قيمة يعني ينبش …).
وقال الشوكاني رداً على صاحب حدائق الأزهار
في قوله:" ولا ينبش لغصب قبر ولا كفن".
وقد علم بالضرورة الدينية عصمة مال المسلم وأنه لايخرج عن ملكه إلا بوجه مسوغ فمن زعم أن الدفن من مسوغات ذلك فعليه الدليل ولا دليل. وقد تقدم أنه يشق بطنه لاستخرج ماله في نفسه لكون ذلك إضاعة مال فكيف لا ينبش للمال الذي اغتصبه وهو الكفن أو الأرض التي دفن فيها مع كونه إتلاف لمال محترم ومعصوم بعصمة الإسلام . وقد صح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال :"من اغتصب شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" فكيف بمن اغتصب قبراً هو عدة أشبار.
و قال الخطيب الشربيني كما في مغني المحتاج :" إذا دفن في أرض أو في ثوب مغصوبين و طالب بهما مالكهما فيجب النبش ، و لو تغير الميت ، و إن كان فيه هتك حرمة الميت ليصل المستحق إلى حقه ".
إذا لم يغسل الميت
وهكذا ينبش إذا ترك بغير غسل لأن الغسل واجب شرعي لا يسقطه الدفن إلا بدليل ولا دليل هذا إذا كان يظن أن جسمه لم يتفسخ وأن غسله ممكن وهكذا التكفين لا يسقطه الدفن إلا بدليل ولا دليل لأنه واجب شرعي لا يسقط إلا بمسقط شرعي.
ومما يستأنس به لجواز نبش القبور لغرض صحيح ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن شريح بن عبيد الحضرمي "أن رجالاً قبروا صاحباً لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفناً ثم لقوا معاذ بن جبل فأخبروه فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره ثم غسل وكفن وحنط ثم صلى عليه.
نبش القبر لغاية محددة لا يجوز التوسع فيها عن مقدار الضرورة ، و يجب إعادة دفن رفاة الميت في نفس الموضع الذي نُبِشَ فور بلوغ الغاية المبرِّرَة لنبشه .
عندوجود مايؤذي الميت
وقال ابن تيمية:"لا ينبش الميت من قبره إلا لحاجة مثل أن يكون المدفن الأول فيه ما يؤذي الميت فينقل إلى غيره كما نقل بعض الصحابة في مثل ذلك"
عند توسيع مسجد أوبناءه
وقد أجاز بعض الفقهاء نبش القبر من أجل توسيع المسجد الجامع أو دفن ميت آخر معه عند الضيق فيجوز نبشه ودفنه في قبر لوحده .
قال الإمام البخاري في صحيحه :[ باب هل يخرج من القبر واللحد ] ثم ذكر بسنده حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما :( لما حضر أحدٌ دعاني أبي من الليل فقال : ما أراني إلا مقتولاً في أو لمن يقتل من أصحاب النبي ﷺ وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غير نفس رسول الله ﷺ إن عليَّ ديناً فاقض واستوص بإخوتك خيراً فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في القبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هينة في أذنه .
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن الإمام البخاري يرى جواز إخراج الميت من قبره لغرض صحيح كما إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق بالميت من زيادة البركة له أو إخراجه لمصلحة تتعلق بالحيِّ لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه وقد بين جابر ذلك بقوله :( فلم تطب نفسي ) . انظر فتح الباري 3/457-458.
ومما يدل على جواز نبش القبور الدارسة لبناء المسجد وتوسيعهما رواه الإمام البخاري في صحيحه في قصة بناء النبي ﷺ مسجده لما هاجر إلى المدينة وفيه : ( وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ بني النجار فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا . قالوا : والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى . فقال انس : فكان فيه ما أقول لكم : قبور المشركين وفيه خرب وفيه نخل فأمرالنبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع … "( البخاري).
وبعد كل هذا أقول: إنه ينبغي التحرز والاحتياط في مسألة نبش القبور؛ لأن الأصل عدم النبش، فينبغي دراسة الحالات التي يسأل فيها عن نبش القبر دراسة متأنية ودقيقة؛ لأن كثيراً من الجهات تتساهل في هذا الأمر تساهلاً كبيراً فلا تراعي حرمة الأموات فتتعدى على المقابر من أجل توسيع الطرقات أو من أجل التنظيم العمراني مع عدم الحاجة الحقيقية إلى ذلك.
فقدان متعلقات مهمة
إذا وقع من أحد الذين دفنوا الميت مال وتأكد من أنه سقط أثناء الدفن؛ فلا بأس من النبش لإخراجه. فإذا سقط في القبر أو نُسي فيه أثناء الدفن مالٌ مقوّم كالنقدين و مسحاة الحفَّار ، أو كان فيه شيئ مغصوب من كفن و نحوه ؛ فإنه يجوز نبشه لإخراج ما فيه من مالٍ ، و يجب على من نبشه أن يواري الميت الثرى ثانية عقب استخراج ما سقط في القبر أو نُسيَ فيه .
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله [ كما في المغني : 2/412 ] : ( و إن وقع في القبر ما له قيمة نُبِشَ و أُخْرِج . قال أحمد : إذا نسي الحفّار مِسحاته في القبر جاز أن ينبش عنها ، و قال في الشيء يسقط في القبر مثل الفأس و الدراهم يُنبَش ؟ قال : إذا كانت له قيمةٌ … ] .ذا كان مع المدفون مالٌ مقوّم غير يسير فينبش قبره ، و يستخرج المال الذي معه ، ثمّ يسوى عليه القبر ثانية .
و قد استدل بعض أهل العلم على جواز نبش القبر لاستخراج مالٍ دُفن مع الميت بما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه و سلم يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إلَى الطّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ : ( هَذَا قَبْرُ أبي رِغَالٍ ، وَ كَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يُدْفَعُ عَنْهُ ، فَلَمّا خَرَجَ أصَابَتْهُ النّقْمَةُ الّتِي أصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا المَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ ، وَ آيَةُ ذَلِكَ أنّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ ، إنْ أنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أصَبْتُمُوهُ مَعَهُ ) . فابتدره الناس ، فاستخرجوا الغصن .
قلت : هذا الحديث ضعيف . و من أوجَهِ أوجُهِ الاستدلال على جواز نبش القبر لاستخراج متاع نفيس أو مالٍ مقوَّمٍ قياسُ الأولى ، حيث يقال : إذا شرع نبش القبر لاستخراج خاتم الحفار و مسحاته و نحوهما ؛ فمن بابٍ أولى أن يكون ذلك مشروعاً لاستخراج مالٍ كثير من النقدين و غيرهما سواء كان مما يرجع ملكه للميت في حياته ، أو لغيره ،
عندكثرة الموتي وتعذر الحفر
إذا كثر الموت ولم يوجد من يقدر على حفر قبور جديدة؛ فيجوز فتح القبر لدفن ميت آخر نظراً لأن النبش أهون، لكن بشرط المحافظة على حرمة الميت السابق؛ فتجمع العظام وتضم إلى بعضها ويجعل بينها وبين الميت الجديد حاجز من تراب وغيره.
ما هي ضوابط نبش القبور؟
1- مرور زمن طويل على القبر بحيث يعرف أن الميت
قد بلي وصارتراباً ويعرف ذلك بالخبرة فإن البلاد والأرض تختلف طبيعتها.
2- إذا كان الميت يتأذى بوجوده في هذا القبر
كما إذا صار موضع القبر رديئاً لوجود مياه أو قذارة تنز عليه أو نحو ذلك.
3-إذا تعلق حق لآدمي بالقبر أو بالميت نفسه.
4- أن تتعلق بالمقبرة مصلحة عامة ضرورية للمسلمين لا يتم تحقيقها إلا بأخذ أرض المقبرة أو جزء منها ونقل ما فيها من رفات .
وذلك أن من القواعد الشرعية العامة أن المصلحة الكلية مقدمة على المصلحة الجزئية وأن الضررالخاص يتحمل لدفع الضرر العام، فإذا كان هذا يطبق على الحي حتى إن الشرع ليجيز نزع ملكية أرضه وداره وإخراجه من مسكنه من أجل حفر نهر أو إنشاء طريق أو إقامة مسجد أوتوسيعه أو نحو ذلك فأولى أن يطبق على الميت الذي لو كان حياً ما رضي أن نؤذي إخوانه لأجله .
وأخيراً لا بد من التذكير أنه إذا أردنا نبش مقبرة أو بعض مقبرة أن يحرص العاملون في الحفر على عدم كسر عظام الأموات وأن يقوموا بجمع تلك العظام ونقلها بكل احترام إلى مكان آخر تدفن فيه بمعرفة أهل الرأي والدين.
انتهاك لحرمة المسلم
عباد الله:" إن الله تعالى
جعل حرمة المسلم من أكبر الحُرمات ، و أوجبها صوناً على المسلمين و المسلمات ، و هذا
ما فهمه السلف قبل الخلف ؛ فقد روى ابن حبان و الترمذي بإسنادٍ حسن أن عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما نظر يوماً إلى الكعبة فقال :" ما أعظمَكِ و أعظمَ حُرمتِكِ ! والمؤمنُ أعظم حُرْمةً مِنْكِ"(الترمذي) .
و حرمة المسلم
غير مقيدة بحياته ، بل هي باقية في الحياة و بعد الممات و يجب صونها و الذب عنها في
كلّ حال ، و على كلّ حال .
روى أن
عبد الله بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما شهد جِنَازَةَ مَيْمُونَةَ أم المؤمنين رضي
الله عنها بِسَرِفَ فَقَالَ :"هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَ سَلَّمَ فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلا تُزَعْزِعُوهَا وَ لا تُزَلْزِلُوهَا
و ارْفُقُوا "(البخاري) .
قال الحافظ ابن
حجر رحمه الله [ كما في فتح الباري ] : يُستفاد من هذا الحديث أنَّ حرمة المؤمن بعد
موته باقية كما كانت في حياته ، و فيه حديث ( كسْرُ عَظْمِ المؤمن ميْتاً كَكَسرِهِ
حياً"(أبو داود و ابن ماجه و صححه ابن حبان ). اهـ .
و لا شك أن في نبش القبور و نقل ما فضل من آثار الموتى في الألحاد ، انتهاك حرمةٍ أوجب الله تعالى حفظها و صيانتها و الدفاع عنها .
و عليه فإن التحريم
هو الأصل في نبش قبور المسلمين ، و لا يُعدَل عن هذا الأصل إلا في حالات بيّنها أهل
العلم و هي على نوعين :
الاضطرار إلى تشريح الجثة لمعرفة صاحبها إن لم يكن معروفاً عند الدفن أو قبله ، أو للتثبت من وقوع جنايةٍ ما و تحديد الجناة الذين تسببوا في قتل النفس المدفون صاحبها بغير وجه حق ، على ما يجري عليه العمل في العصر الحاضر ، و في هذه الحال لا بد من الرجوع إلى رأي طبيب مسلمٍ ثقةٍ في عمليه النبش و و التشريح ، كما ينبغي الرجوع إلى إذن ولاة المتوفى ( المقتول غالباً ) قبل انتهاك حرمته ، و الله أعلم .
قلت : و هذه الصورة على وجه الخصوص جديرة بالدراسة و البحث للوصول إلى أدق الضوابط الشرعية للتصريح بنبش القبر بقصد تشريح الجثة ، كي لا تكون حرمات المسلمين محل عبث العابثين و تساهل المتساهلين ،
النوع الثاني
: نبش القبر بقصد نقل ما فيه من جثمان أو رفاة إلى موضعٍ آخر مغاير لمدفنه الأصلي ،
لمصلحة شرعية تتعلّق بالميت نفسه ، أو بغيره من الأحياء ، و يتضح هذا القسم في ثلاث
صور ذكرها أهل العلم ، و هي :
أوّلاً : إذا كان
نقل الرفاة من قبرٍ إلى قبرٍ آخر لمصلحة الميت نفسه ، كأن يكون في أرضٍ سبخةٍ أو ذات
مفاوِزَ و أغوار ، أو مجرى لنجاسة و نحوها ، أو عرضة لنبش السباع الضارية ، أو للتوسعة
على الميت في لحده أو قبره .
قال ابن تيمية رحمه الله [ كما في مجموع الفتاوى 24: /303 ] : [ لا ينبش الميت من قبره
إلا لحاجة ؛ مثل أن يكون المدفن الأول فيه ما يؤذي الميت فينقل إلى غيره كما نقل بعض
الصحابة في مثل ذلك ] .
و لعل شيخ الإسلام
رحمه الله يحيل في كلامه هذا إلى ما رواه البخاري في :[ باب هل يُخرَج من القبر و اللحد
لعلّةٍ ، من جامعه الصحيح بسنده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، أنه قال :
( لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ : مَا أُرَانِي إِلاّ
مَقْتُولاً فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَ سَلَّمَ وَ إِنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ ، وَ
اسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا ، فَأَصْبَحْنَا ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ ، وَ دُفِنَ
مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ
؛ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ؛ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً
غَيْرَ أُذُنِهِ ) .
قال ابن حجر رحمه
الله : قوله : ( باب هل يخرج الميت من القبر و اللحد لعلة ) أي لسبب ، و أشار بذلك
إلى الرد على من منع إخراج الميت من قبره مطلقاً ، أو لسبب دون سبب ، كمن خص الجواز
بما لو دفن بغير غسل أو بغير صلاة ، فإن في حديث جابر الأوّل دلالة على الجواز إذا
كان في نبشه مصلحة تتعلق به من زيادة البركة له ... وفي حديث جابر الثاني دلالة على
جواز الإخراج لأمر يتعلق بالحي لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه، وقد بين
ذلك جابر بقوله " فلم تطب نفسي " .اهـ.
قلت : و يدخل تحت
ما تقدم نقل الميت المسلم من مقابر الكفار إلى مقابر المسلمين ، و العكس .
ثانياً : أن تكون
الأرض التي دُفن فيها الميت مغصوبة ، فيجب إزالة القبر منها بنقله إلى مكان آخر ، و
تمكين صاحبها الأصلي منها إلاّ أن يصّدَّق ( يتنازل ) عن طيب نفس .
ثالثاً : إذا كانت
القبور عاديةً ( دارسةً ) و كان في نقلها مصلحة راجحة لعامّة المسلمين ، كتوسعة مسجدٍ
أو شق طريق لا بديل عنه ، أو بناء سدٍ في وجه سيل عارمٍ أو ريحٍ عاتية ، أو نحو ذلك
من الضروريات المتحتمات .
و يدل على مشروعية
هذا الأمر في حدود ما تُلجِئُ إليه الضرورة ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن
مالك رضي الله عنه في قصة بناء مسجد النبي صلى الله عليه و سلَّم في المدينة ، و فيه
أنه صلى الله عليه و سلّم ( أمر ببناء المسجد ؛ فأرسل إلى ملأ بني النجار فقال : يا
بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا . قالوا : و الله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى
. فقال أنس : فكان فيه ما أقول لكم : قبور المشركين ، و فيه خِرَب ، و فيه نخلٌ ؛ فأمر
النبي e بقبور المشركين
فنُبِشَت ، ثُم بالخِرَب فسُوِّيَتْ ، و بالنخل فقطع ، فصفوا النخل قبلة المسجد ، و
جعلوا عَضادَتَيْهِ الحجارة ... ) الحديث .
قال الحافظ ابن
حجر [ كما في الفتح ] : ( في الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة و البيع
، و جواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة ، و جواز الصلاة في مقابر المشركين
بعد نبشها و إخراج ما فيها ، و جواز بناء المساجد في أماكنها ) .
قلتُ : و ممّا
ابتلي به المسلمون في بعض البلدان اليوم أن سلطات تنظيم المُدُن و تخطيط الأحياء كثيراً
ما تعمد إلى إزالة مقابر دارسةٍ لغير ضرورة تذكر ، و ربَّما كانت القبور المراد نبشها
غير دارسة أصلاً ، فتنقل أو يعطى ذوو المدفونين فيها فسحة قصيرةً من الزمن لنقل رفاة
موتاهم ، و إلا سُوِّيَت المقبرة ، و نقل ما في جوفها من رفاة بطريقة عشوائية ، لإقامة
حدائق – و ربَّما كنُفٍ و مراحيضَ - عامة ، أو محطات حافلات ، أو شق طريق في مكانها
مع عدم الإضطرار إلى ذلك ، و أشنع من هذا و ذاك ما بلغني أنه في بعض البلاد تمت إزالة
مقبرة كاملة لإقامة نُصب تذكارية لبعض الحكام أو الرموز الوطنية أو القومية ( كما تحلو
للبعض تسميتهم ) ، مع ما في ذلك من اعتداء سافر على حُرُمات الأموات التي أمر الله
تعالى بحفظها و صونها و الدفاع عنها .
و هذا الفعل شنيع
عقلاً و عرفاً ، علاوة على كونه منكرٌ شرعاً ، بل هو من الكبائر الموبقة الموجبة لعذاب
الله تعالى .
لذلك وجب إنكار
هذا العمل بقدر المستطاع ، و حرُمت المساهمة فيه بالرأي أو المشورة أو الحِرفة ، و
حتى السكوت عليه .
بل و يحرم – لغير
الضرورة - الانتفاع بالمرافق المبنية على أنقاض مقابر المسلمين التي نبشت جزافاً بدون
مبرر شرعي ، لأن حكمها حكم الأرض المغتصبة التي لا يقرُّ مغتصبها بوضع يده عليها .
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي كرم بني آدم، وصان حرماتهم أحياء وأمواتا والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
قصص لنباشي القبور وعاقبتهم الوخيمة
عباد الله، إن نبش القبور والعبث بها لغير الحاجة
المعتبرة هو من العدوان الظالم والكبائر المهلكة.
ولا يجوز فتح القبر إلا للضرورات القصوى التي بينها أهل العلم، كأن يدفن الميت بغير غسل مع إمكانه، أو يدفن في غير اتجاه القبلة، أو يسقط في القبر مال ثمين، أو تدعو ضرورة ملحة لدفن ميت آخر في نفس البقعة بعد أن بلي الأول وصار تراباً لا أثر له.
إن نبش القبور أو الاعتداء عليها محرم قطعًا، ومن العدوان السافر على شرائع الله، ولا يقره دين ولا مروءة ولا عقل.
ومن أقدم على ذلك فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، ويجب إنكار فعله والتحذير منه.
ومما ثبت عن جمهور علماء أهل السنة والجماعة:
"نبش القبور اعتداء على أمر الله في خلقه، ومفارقة
لأدب الدين، ومفسدة عظيمة تســــــتوجـــب الإثـــــم واللــعـــنـــة"
ابن عباس و الشاب الذي كان يَنْبُشُ القبور !
عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ ، قَالَ : إِنَّ شَابّاً مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ ، وَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُكْرِمُهُ وَ يُدْنِيهِ .
فَقِيلَ لَهُ : إِنَّكَ تُكْرِمُ هَذَا الشَّابَّ وَ تُدْنِيهِ ! وَ هُوَ شَابُّ سَوْءٍ يَأْتِي الْقُبُورَ فَيَنْبُشُهَا بِاللَّيَالِي !
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَعْلِمُونِي .
قَالَ : فَخَرَجَ الشَّابُّ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي يَتَخَلَّلُ الْقُبُورَ ، فَأُعْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بِذَلِكَ .
فَخَرَجَ لِيَنْظُرَ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ ، وَ وَقَفَ نَاحِيَةً يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ الشَّابُّ .
قَالَ : فَدَخَلَ قَبْراً قَدْ حَفَرَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فِي اللَّحْدِ ، وَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : يَا وَيْحِي إِذَا دَخَلْتُ لَحْدِي وَحْدِي ، وَ نَطَقَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِي ، فَقَالَتْ : لَا مَرْحَباً بِكَ وَ لَا أَهْلًا ، قَدْ كُنْتُ أُبْغِضُكَ وَ أَنْتَ عَلَى ظَهْرِي ، فَكَيْفَ وَ قَدْ صِرْتَ فِي بَطْنِي ، بَلْ وَيْحِي إِذَا نَظَرْتُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وُقُوفاً ، وَ الْمَلَائِكَةِ صُفُوفاً ، فَمِنْ عَدْلِكَ غَداً مَنْ يُخَلِّصُنِي ، وَ مِنَ الْمَظْلُومِينَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي ، وَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ مَنْ يُجِيرُنِي ، عَصَيْتُ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُعْصَى ، عَاهَدْتُ رَبِّي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدِي صِدْقاً وَ لَا وَفَاءً .
وَ جَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ وَ يَبْكِي .
فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْقَبْرِ الْتَزَمَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ عَانَقَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : نِعْمَ النَّبَّاشُ ، نِعْمَ النَّبَّاشُ ، مَا أَنْبَشَكَ لِلذُّنُوبِ وَ الْخَطَايَا ، ثُمَّ تَفَرَّقَا .
أنبأنا عبد الرحمن بن علي الإمام قال: أنا إبراهيم بن دينار الفقيه أنا إسماعيل بن محمد بن ملة أنا عبد العزيز بن أحمد أنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسين ثنا أبو موسى الطرسوسي ثنا هارون بن زياد المصيصي ثنا أبو إسحاق الفزاري قال:
كان رجل يكثر الجلوس إلينا ونصف وجهه مغطى فقلت له: إنك تكثر الجلوس إلينا ونصف وجهك مغطى أطلعني على هذا؟ فقال: تعطيني الأمان؟ قلت نعم.
قال: كنت نباشا فدفنت امرأة فأتيت قبرها فنبشت حتى وصلت إلى اللبن ثم رفعت اللبن فضربت بيدي إلى الرداء ثم ضربت بيدي إلى اللفافة فمددتها فجعلت تمدها هي فقلت: أتراها تغلبني فجثيت على ركبتي فمددت فرفعت يدها فلطمتني وكشف وجهه فإذا أثر خمس أصابع في وجهه.
فقلت له: ثم مه؟ قال: ثم رددت عليها لفافتها وإزارها ثم رددت التراب وجعلت على نفسي أن لا أنبش ما عشت.
قال: فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي الأوزاعي ويحك! سله عمن مات من أهل التوحيد ووجهه إلى القبلة أحول وجهه أم ترك وجهه إلى القبلة؟.
قال: فجاءني الكتاب فقلت له: أخبرني عمن مات من أهل الإسلام أترك وجهه على ما كان أم ماذا؟ فقال: أكثر ذلك حول وجهه عن القبلة.
فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - ثلاث مرات - أما من حول وجهه عن القبلة فإنه مات على غير السنة.
كتاب التوابين لابن قدامة
عاشوا معظم سنوات حياتهم في ضلال بعيدا عن الإيمان وتمادوا في ارتكاب المعاصي واحتراف سرقة الناس وأكل حقوقهم ، وحينما أنار الله بصيرتهم وهداهم للإيمان استجابوا وتابوا وانقطعوا عن السرقة وزهدوا في الدنيا ومتاعها حتى نالوا درجة الولاية والاصطفاء والمحبة من الله عز وجل."
ذكر الإمام أبو الليث السمرقندي في كتابه «تنبيه الغافلين» روى الزهري بسنده «دخل عمر بن الخطاب (رضي) على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر ؟ فقال: يا رسول الله بالباب شاب قد أحرق فؤادي، وهو يبكي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك أيها شاب؟، قال: يا رسول الله أبكتني ذنوب كثيرة وخفت من جبارٍ غضبان علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشركت بالله شيئًا يا شاب؟، قال: لا، قال: أقتلت نفسًا بغير حقٍ؟، قال: لا، قال: فإن الله يغفر ذنبك ولو كان مثل السموات السبع والأرضين السبع والجبال الرواسي، قال: يا رسول الله ذنبي أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، والجبال الرواسي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذنبك أعظم أم الكرسي؟، قال: ذنبي أعظم، قال: ذنبك أعظم أم العرش؟ قال: ذنبي أعظم، قال: ذنبك أعظم أم إلهك؟، قال: بل الله أعظم وأجل، قال: فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الله العظيم،
قال: أخبرني عن ذنبك، قال: فإني أستحي منك يا رسول الله. قال: أخبرني عن ذنبك، قال: يا رسول الله إني كنت رجلا نباشًا، أنبش القبور منذ سبع سنين، حتى ماتت جارية من بنات الأنصار، فنبشت قبرها فأخرجتها من كفنها فمضيت غير بعيدٍ إذ غلب الشيطان على نفسي فرجعت فجامعتها".
وتابع: "فمضيت غير بعيدٍ، إذ قامت الجارية وقالت: ويلك يا شاب أما تستحي من ديان يوم الدين، يضع كرسيه للقضاء ويأخذ المظلوم من الظالم تركتني عريانةً في عسكر الموتى وأوقفتني جنبًا بين يدي الله عز وجل، فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدفع في قفاه، وهو يقول:"يا فاسق ما أحوجك إلى النار اخرج عني"، فخرج الشاب تائبًا إلى الله تعالى أربعين ليلةً فلما تم له أربعون ليلةً، رفع رأسه إلى السماء، فقال: يا إله محمدٍ وآدم وحواء إن كنت غفرت لي فأعلم محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإلا فأرسل نارًا من السماء فأحرقني بها ونجني من عذاب الآخرة"،
قال: فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا محمد ربك يقرئك السلام فقال: "هو السلام ومنه السلام، وإليه يرجع السلام»، قال: يقول الله تعالى: أنت خلقت الخلق؟ قال: بل هو الذي خلقني وخلقهم.
قال: يقول أنت ترزقهم؟ قال: بل الله يتوب علي وعليهم، قال يقول الله تعالى: تب على عبدي فإني تبت عليه "، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الشاب وبشره بأن الله تعالى تاب عليه.
وجاء في رواية أخرى في (تفسير القمي) عن عبد الرحمن بن غنم الدوسي أن الذي دخل على الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابي معاذ بن جبل رضي الله عنه وأن الشاب قال للنبي صلى الله عليه وسلم أني كنت أنبش القبور سبع سنين أخرج الأموات، وانزع الأكفان، فماتت جارية من بعض بنات الأنصار، فلما حملت إلى قبرها ودفنت، وانصرف عنها أهلها، وجن عليهم الليل، أتيت قبرها فنبشته ثم استخرجتها ونزعت ما كان عليها من أكفانها وتركتها مجردة على شفير قبرها ومضيت منصرفا".
وتابع: "فأتاني الشيطان، فأقبل يزينها لي..
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تنح عني يا فاسق إني أخاف أن أحترق بنارك، فما أقربك من النار، فذهب فأتى المدينة فتزود منها ثم أتى بعض جبالها فتعبد فيها وظل يناجي ربه ولم يزل طوال أربعين يوما وليلة، تبكي له السباع والوحوش، فأنزل الله تعالى على نبيه (والذين إذا فعلوا فاحشة) يعني الزنا (أو ظلموا أنفسهم) يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا وهو نبش القبور وأخذ الأكفان (ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) يقول خافوا الله فعجلوا التوبة (ومن يغفر الذنوب إلا الله) ثم جاءه النبي بعد أن تاب الله عليه فقال:»ابشر فأنك عتيق الله من النار ثم تلا عليه ما أنزل الله عز وجل فيه وبشره بالجنة».
بسم الله الرحمن الر حيم .. عن عبد الملك بن مروان أن شابا جاء إليه باكياً حزيناً فقال : يا أمير المؤمنين إني ارتكبت ذنباً عظيماً .. فهل لي من توبة؟ قال: وما ذنبك؟ قال: ذنبي عظيم ..
قال: وما هو ؟ تب الى الله - تعالى - فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات قال: ياأمير المؤمنين كنت أنبش القبور، وكنت أرى فيها أمورا عجيبة .. قال: وما رأيت؟ قال: ياأمير المؤمنين نبشت ليلة قبراً فرأيت صاحبه قد حول وجهه عن القبلة فخفت منه وأردت الخروج واذا بقائل يقول في القبر: ألا تسأل عن الميت لماذا حول وجهه عن القبلة؟ فقلت لماذا حول؟ قال: لأنه كان مستخفا بالصلاة ، هذا جزاء مثله..
ثم نبشت قبراً آخر فرأيت صاحبه قد حول خنزيراً وقد شد بالسلاسل والأغلال في عنقه ، فخفت منه وأردت الخروج واذا بقائل يقول لي :ألا تسأل عن عمله لماذا يعذب؟ قلت : لماذا قال : كان يشرب الخمر في الدنيا ومات على غير توبة..
والثالث ياأمير المؤمنين نبشت قبراً فوجدت صاحبه قد شد بأوتار من نار وأخرج لسانه من قفاه، فخفت ورجعت وأردت الخروج فنوديت : ألا تسأل عن حاله لماذا ابتلي؟ فقلت : لماذا؟ فقال كان لا يتحرز من البول ، وكان ينقل الحديث بين الناس ، فهذا جزاء مثله..
والرابع ياأمير المؤمنين نبشت قبرا فوجدت صاحبه قد اشتعل ناراً فقال : كان تاركا للصلاة..
والخامس ياأمير المؤمنين نبشت قبراً فرأيته قد وسع على الميت مد البصر وفيه نور ساطع والميت نائم على سرير وقد أشرق وجهه وعليه ثياب حسنه فأخذني منه هيبة ، وأردت الخروج فقيل لي : هلا تسأل عن حاله لماذا أكرم بهذه الكرامة؟ فقلت : لماذا أكرم؟ فقيل لي : لأنه كان شابا طائعا نشأ في طاعة الله-عز وجل- وعبادته..
فقال عبد الملك عند ذلك : إن في هذه لعبرة للعاصين وبشارة للطائعين.. فالواجب على المبتلى بهذه المعايب المبادرة الى التوبة والطاعة ، جعلنا الله وإياكم من الطائعيين وجنبنا أعمال الفاسقين إنه جواد كريم ...
فاتقوا الله عباد
الله، واحفظوا حرمات موتاكم، واعتبروا بمن رحلوا عن هذه الدنيا، فاليوم نحن في دار
العمل وغداً في دار الجزاء.إذا كنت ترغب في التوسع، هل أضيف لك أدلة أخرى من السنة
النبوية أو تفاصيل أكثر عن الحالات المستثناة للضرورة؟