recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا الشيخ ثروت سويف

 أعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا

 


من حقوق الطريق

  وجوب اغتنام الأوقات في الإجازة الصيفية

 

الحمد لله الحي الباقي، الذي أضاء نوره الآفاق...

ورزق المؤمنين حسن الأخلاق، وتجلت رحمته بهم إذا بلغت أرواحهم التَّرَاق...

نحمده تبارك وتعالى، ونستعينه على الصعاب والمشاق...

ونعوذ بنور وجهه الكريم من ظلمات الشكِّ والشرك والشقاق...

ونسأله السلامة من النفاق وسوء الأخلاق...

وأشهد أن لا إله إلا الله القوي الرزاق، الحكم العدل يوم التلاق...

خلق الخلق فهم في ملكه أسرى مشدودو الوَثاق...

أنذر الكافرين بصيحة واحدة ما لها من فَواق...

وبشَّر الطائعين بسلام الملائكة عليهم إذا التفَّت الساقُ بالساق...

أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ ليعلم الناس أن إليه يومئذ المساق...

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المتمم لمكارم الأخلاق...

لم يكن لعانًا ولا سبابًا ولا صخابًا في الأسواق...

أمرنا بحق الطريق في كل الآفاق

خير من صلى وصام ولبَّى وركب البراق...

وأول الساجدين تحت العرش يوم يُكشَف عن ساق...

جاهد في سبيل الله منصورًا معصومًا من الإخفاق...

وترك فينا ما إن تمسَّكنا به علمنا أن ما عندنا ينفَد وما عند الله باق...

صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ ما تعقب العشي الإشراق...

وما دام القمر متنقلًا في منازله من التمام إلى المحاق.

أما بعد:

فإن الإسلام دين كامل وشرع شامل، فهو دين يبني أمةً ذات رسالة لتبقى قائدةً رائدة، وإن ديناً هذا شأنه لا يدع مجالاً في السلوك العام أو السلوك الخاص إلا وجاء فيه بأمر السداد من ذلك آداب الطريق

أولاً : أعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا

لقد بين الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حقوق الطريق في الحديث المتفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ علَى الطُّرُقَاتِ)، فَقالوا: ما لَنَا بُدٌّ، إنَّما هي مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قالَ: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا)، قالوا: وَما حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قالَ: (غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بالمَعروفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ) (متفق عليه).

وَمَعْنَى الجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ هُوَ اللُّبْثُ فِيهَا سَوَاءٌ اتَّخَذَ مَجْلِسًا فِي نَاصِيَتِهَا، أَوْ دِكَّةً عِنْدَ بَيْتِهِ، أَوْ كُرْسِيًّا خَارِجَ دُكَّانِهِ، أَوْ كَانَ فِي مَقْهًى أَوْ مَطْعَمٍ، يَجْلِسُ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَكُلُّ ذَلِكَ جُلوُسٌ فِي الطَّرِيقِ، وَلَيْسَ المَعْنَى ذَاتَ الجُلُوسِ، وَإِنَّمَا اللُّبْثُ فِي الطَّرِيقِ، فَلَوْ جَلَسَ فِي سَيَّارَتِهِ، أَوْ وَقَفَ يَتَحَدَّثُ مَعَ صَدِيقِهِ، أَوْ يَنْتَظِرُ أَحَدًا، فَكُلُّ أُولَئِكَ يَتَنَاوَلُهُمْ حَقُّ الطَّرِيقِ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الحَدِيثِ.

وخلاصة الكلام: أنه لا يجوز الجلوس في الطريق إلا بشرطين:

الأول: قضاء المصالح (كالباعة، والحراس، والمنتظر غيره، ونحوهم)

والثاني: أن يؤدي حق الطريق

اسمَع نبيَّك حيثُ يقول في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة  أن رسول الله قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ( متفق عليه

وكان أحد السلف إذا رفع أذى من الطريق يقول لا اله إلا الله، فسُئل عن ذلك فقال:" أجمع بين أعلى شعبة وأدنى شعبة من شعب الإيمان

وهناك أحاديث أخرى ضمت آدابا أخري كما ذكر ابن حجر أن مجموع ما في الأحاديث من آداب الطريق أربعة عشر أدبا، وهي: إفشاء السلام ورده، والإحسان في الكلام، وتشميت العاطس، ورد الإحسان، والمعاونة في الحمل، وإعانة المظلوم، وإغاثة اللهفان، ودلالة ابن السبيل والحيران، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكف الأذى، وغض البصر، وكثرة الذكر

ولله در القائل الذي جمعها

جَمَعْت آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ عَلَى الطَّ ... رِيقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إنْسَانَا

أَفْشِ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَامِ وَشَ ... مِّتْ عَاطِسًا وَسَلَامًا زَادَ إحْسَانَا

فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ ... وَأَغِثْ لَهْفَانَ وَارْشِدْ سَبِيلًا وَاهْدِ حَيْرَانَا

بِالْعُرْفِ مُرْ، وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ ... أَذًى وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا

ثانياً : من حقوق الطريق

إن هذه الحقوق الخمسة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري تمثل دستوراً متكاملاً للآداب العامة

الحق الأول: غض البصر:

إن النَّظَر مَنْفَذ عَظِيمٌ إِلَى الْفُؤَادِ، وَطَرِيقٌ مُوصِلٌ إِلَيْهِ؛ فَصِيَانَتُهُ صِيَانَةٌ لِلْقَلْبِ، وَطَهَارَةٌ لِلنَّفْسِ، وَصَلَاحٌ لِلْجَوَارِحِ، وَالنَّظَرُ الْمُحَرَّمُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ، فِيهِ هَلَاكٌ لِلْقَلْبِ، وَتَدْنِيسٌ لِلنَّفْسِ، وَفَسَادٌ لِلْجَوَارِحِ ؛ فَمَا حُفِظَتِ النُّفُوسُ وَاسْتَكَانَتِ الْقُلُوبُ بِمِثْلِ غَضِّ الْبَصَرِ؛ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» ( رَوَاهُ أَحْمَدُ)

يقول ربنا جل وعلا ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) غافر

قال الخطابي : معنى {خائنة الأعين}: أن يضمر بقلبه غير ما يظهره للناس، فإذا كف بلسانه، وأومأ بعينه إلى خلاف ذلك وكان ظهور تلك الخيانة من قبل عينه؛ لذا سميت خائنة الأعين

أخي الكريم: إن خائنة الأعين من الأمور التي يجب أن يترفع عنها كل من ينتمي إلى هذا الدين؛ لذا فإن نبينا وقدوتنا محمد عليه الصلاة والسلام نزه نفسه من هذه الخصلة اوفبل هو الغمز واللمز ولذا قال المصطفي: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين).

وخائنة الأعين كما قال ابن عباس: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غَضّ، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه وَدّ أن لو اطلع على فرجها. رواه ابن أبي حاتم

عباد الله : ولأن الطريق تسلكها النساء لحاجتهن، وقد تفتح أبواب البيوت والنوافذ والشرفات، فيقع النظر على حريم الناس وعوراتهم: قال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (النور: 30)، وقال: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نظر الفجأة: (اصرِفْ بصرَكَ) (رواه مسلم وأبو داود واللفظ له)

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَكَ الأولى، وليسَت لَكَ الآخرَةُ) (رواه أبو داود والترمذي )

قال ابن القيم -رحمه الله-: "إنَّ الشيطان يقول لأوليائه وجنده: دونكم ثغر العين؛ فإنَّه منه تنالون بغيتكم، فإنَّي ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر، فإنّي أبذر به في القلب بذر الشهوة، ثم أسقيه بماء الأمنية، ثم لا أزال أعده وأمنيه؛ حتى أثوى عزيمته وأقوده بزمام الشهوة إلى الانخلاع من العصمة، فلا تهملوا هذا الثغر"

يقول الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ [النور: 30، 31].

قال ابن كثير رحمه الله: "هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ عَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَنْظُرُوا إِلَّا إِلَى مَا أَبَاحَ لَهُمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَنِ الْمَحَارِمِ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ وَقَعَ الْبَصَرُ عَلَى مُحرَّم مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَلْيَصْرِفْ بَصَرَهُ عَنْهُ سَرِيعًا"

قال الحافظ رحمه الله: "عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتَنِ بِخُطُورِ النِّسَاءِ الشَّوَابِّ وَخَوْفِ مَا يَلْحَقُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِنَّ مِنْ ذَلِكَ؛ إِذْ لَمْ يُمْنَعِ النِّسَاءُ مِنَ الْمُرُورِ فِي الشَّوَارِعِ لِحَوَائِجِهِنَّ".

والأعجب من ذلك كله أن النظرة تجرح القلب جرحًا، فيتبعها صاحبها جرحًا على جرح، حتى يموت القلب، وما أعظم قول الشاعر:

كل الحوادث مبدأها من النظـــر        ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة بلغت في قلب صاحبهــا        كمبلغ السهم بين القوس والوتر

والعبد ما دام ذا طرف يقلبــــه        في أعين الغيد موقوف على الخطر

يسر مقلته مـــــا ضر مهجته         لا مرحبــاً بسرور عاد بالضرر

ولأن الطريق يمر بها عموم الناس، ومنهم مَن تظهر عليه النعم، أو يحمل مِن متع الدنيا، أو يركب من وسائل السير الفارهة وغيرها، فيقع النظر بما يؤذيهم بالحسد والتطلع لما عندهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وازهَدْ فيما عندَ النَّاسِ يحبُّكَ النَّاسُ) (رواه ابن ماجه )

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((العينان تزنيان وزناهما النظر))؛ متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه

قال الإمام الشافعي:

 إذا شئت أن تحيا سليمًا من الأذى * وحظك موفور وعرضك صيِّن

 لسانك لا تذكر به عورة امـــرئٍ * فكلك عورات وللناس ألســن

وعينك إن أبـدت إليك مساوئـًا * فصنها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى * وفــارق ولكن بالتي هي أحسـن

أيها المسلم: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل إطلاق النظر من زنا العينين، يقول: "كتب الله الزنا على ابن آدم، فهو مدرك ذلك لا محالة، فزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا العينين النظر، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه".

الحقُّ الثاني: كفُّ الأذى:

لَقَدْ حَثَّنَا دِينُ الْإِسْلَامِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالْمُعَامَلَةِ الْحَسَنَةِ، وَلِينِ الْجَانِبِ، وَبَذْلِ النَّدَى، وَكَفِّ الْأَذَى، لِعُمُومِ النَّاسِ، وَإِذَا عَجَزَ الْمَرْءُ عَنْ عَمَلِ الْخَيْرِ كَانَ إِمْسَاكُهُ عَنْ أَذِيَّةِ الْغَيْرِ مِنَ الْخَيْرِ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جُمْلَةً مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ يَحُثُّ أَبَا ذَرٍّ رضي الله عنه عَلَى الْعَمَلِ بِهَا، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: "فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ، قَالَ: «كُفَّ أَذَاكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِكَ»؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَأَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ كَفَّ الْأَذَى مِنْ أَفْضَلِ خِصَالِ الْإِسْلَامِ، فَعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

أحباب الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ قال الحافظ رحمه الله: "وَأَمَّا كَفُّ الْأَذَى فَالْمُرَادُ بِهِ: كَفُّ الْأَذَى عَنِ الْمَارَّةِ بِألَّا يَجْلِسَ حَيْثُ يَضِيقُ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقُ أَوْ عَلَى بَابِ مَنْزِلِ مَنْ يَتَأَذَّى بِجُلُوسِهِ عَلَيْهِ، أَوْ حَيْثُ يَكْشِفُ عِيَالَهُ، أَوْ مَا يُرِيدُ التَّسَتُّرَ بِهِ مِنْ حَالِهِ، قَالَهُ عِيَاضٌ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَفَّ أَذَى النَّاسِ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ

وعدم إيذاء الناس في أبدانهم أو أعراضهم، فالمسلم الحقٌّ يكفُّ الأذى في الطريق فلا يؤذِي الناسَ بلسانه، لا كلامًا سيئًا، ولا همزًا ولمزًا وعيبًا، ولا سخرية ولا احتقارًا، هو كافٌّ الأذى عن الناسِ، لا يؤذيهم لا بالأقوالِ كما لا يؤذيهم بالأفعال؛ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: "إِنْ ضَعُفْتَ عَنْ ثَلَاثَةٍ، فَعَلَيْكَ بِثَلَاثٍ: إِنْ ضَعُفْتَ عَنِ الْخَيْرِ، فَأمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْفَعَ النَّاسَ، فَأمْسِكْ عَنْهُمْ ضُرَّكَ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ، فَلَا تَأْكُلْ لُحُومَ النَّاسِ".

قصة: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَمَرَّ رَجُلٌ فَنِلْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: اسْكُتْ، ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: هَلْ غَزَوْتَ الرُّومَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هَلْ غَزَوْتَ التُّرْكَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: سَلِمَ مِنْكَ الرُّومُ، وَسَلِمَ مِنْكَ التُّرْكُ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْكَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ، قَالَ: فَمَا عُدْتُ إِلَى ذَلِكَ بَعْدُ.

وكذلك السب والشتم والقذف وهذا مما لا يخفى على أحد؛ فعَنْ عَبْداللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ))؛ [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].

من اذي الناس إلقاء القمامة والقاذورات في الطريق: عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ))؛ [رواه الطبراني].

يَأْبَى فُؤَادِي أَنْ يَمِيلَ إِلَى الْأَذَى

حُبُّ الْأَذِيَّةِ مِنْ طِبَاعِ الْعَقْرَبِ

عباد الله : إِنَّ إِلْحَاقَ الْأَذَى بِالْمُسْلِمِينَ لَيَفْقِدُ الْعَبْدَ ثَوَابَ أَعْمَالِهِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَغَيْرِهَا، بَلْ إِنَّ أَذِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ النَّارِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ تُكْثِرُ مِنْ صَلَاتِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصِيَامِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا. قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ

الحقُّ الثالث: ردُّ السلام:

عباد الله : مَن جلس بالطريق، فإنه يمر به المارة فيسلمون عليه، فيجب عليه رد السلام، والسنة الزيادة إكرامًا لمَن سلم: قال تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء: 86).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ) متفق عليه

إخوة الإسلام ومن حقوق الطريق إفشاء رد السلام، وهذا من الحقوق التي ربما يفرط فيها كثير المسلمين

فعن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ))؛ [رواه مسلم].

وللأسف نرى كثيرًا من الناس لا يلقي السلام إلا على من يعرف، أما من لا يعرفه، فلا يلقي عليه السلام، بل ربما لا يرد عليه السلام؛ فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضى الله عنهما أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))؛ [رواه البخاري].

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ، لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا لِلْمَعْرِفَةِ))؛ [رواه أحمد].

الحقُّ الرابع: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

عباد الله وما دام الإنسان يجلس في الطريق؛ فقد تحمَّل مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكلِّ ما يشاهده: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ) (رواه مسلم)، وفي رواية: (وليسَ وراءَ ذلكَ مِنَ الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) (رواه مسلم).

ومن الواجبات – أيضًا – على أهل الطريق: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن الطرق يقع فيها ما يقع من التقصير، ومن ظهور بعض المنكرات، فالواجب على المؤمن إذا رأى شيئًا في الطريق ألَّا يسكت، بل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]

وقال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71].

روي الإمام أحمد في مسنده عن أبي سَعِيدٍ الخدري رضى الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)).

والتهاون في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الطامات التي تسبب غضب رب الأرض والسماوات؛ قال تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78، 79].

روي أبو نعيم في الحلية وصححه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإن أهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة)).

فأصبحت المنكرات والمحرمات يراها المسلم هنا وهناك، ولا ينطق بكلمة واحدة، وهذا خطره عظيم على الفرد والمجتمع؛ فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّهُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا عَمِلَ الْعَامِلُ مِنْهُمْ بِالْخَطِيئَةِ نَهَاهُ النَّاهِي تَعْذِيرًا، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَالَسَهُ، وَآكَلَهُ، وَشَارَبَهُ، كَأَنْ لَمْ يَرَهُ عَلَى الْخَطِيئَةِ بِالْأَمْسِ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَعْنَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنَكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ)).

وفي الصحيحين من حديث حذيفة -رضي الله عنه- مرفوعاً: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".

ومنها: عدم إجابة الدعاء، وقد وردت أحاديث في ذلك منها ما رواه أحمد من حديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعاً: "مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم

ومن جملة حقوق الطريق

التواضع في المشي وعدم التكبر على الناس:

وذلك بأن يمشي الإنسان على الأرض هونًا؛ أي: مشيًا لينًا رفيقًا؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴾ [الإسراء: 37].

عن ابن عمر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: ((بينما رجلٌ يَجُرُّ إزارَهُ مِن الخُيَلاءِ خُسِفَ بهِ، فهو يَتَجَلْجَلُ في الأرضِ إلى يومَ القيامَةِ))؛ [رواه البخاري].

وعدم التعدي على الطرق بالبناء:

ومن حقوق الطريق عدم التعدي على الطرقات بالبناء وتضييقها على المسلمين، وهذا الأمر ليس بالسهل ولا باليسير، وإنما عقابه عند الله تعالى عظيم وعسير؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من ظلم قِيدَ شبر من أرض – أي: قدره - طوقه من سبع أرضين))[

قيل: أراد طوق التكليف لا طوق التقليد، وهو أن يطوق حملها يوم القيامة.

والأصح - كما قاله البغوي - أنه يخسف به الأرض فتصير البقعة في عنقه كالطوق.

وعن سالم عن أبيه رضى الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين ) أخرجه أحمد في مسنده

وعن يعلى بن مرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله عز وجل أن يحفر له حتى يبلغ به سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس))) أخرجه أحمد في مسنده

 فيجب على المسلم أن يحرص كل الحرص على تجنب الإذاية بكل أشكالها وأنواعها جاء في الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وفي يده نبل فلا يخدش به مسلما”(رواه مسلم)، ففي إذاية الناس جلب للآثام والذنوب وتضييع للأجر والثواب وإسهام في نشر الأخلاق السيئة حتى قال صلى الله عليه وسلم: “إن من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له”(رواه أبو داود)، فالأصل في المسلم أن يميط الأذى عن الطريق لا أن يضع الأذى فيه فإن رأى حجرا أو نفاية أو أي شيء مما يتأذى منه الناس فعليه إماطته وإزالته وله الأجر العظيم عند الله، بل قد يكفر عنه سيئاته ويغفر له بسبب فعل شيء من ذلك

قَالَ أَبُو طَالِبٍ المَكِّيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "وَكَانَ الوَرِعُونَ لاَ يَشْتَرُونَ شَيْئًا مِمَّنْ قَعَدَ يَبِيعُهُ عَلَى طَرِيقٍ، وَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ الرَّوَاشِنِ مِنَ البُيُوتِ وَتَقْدِيمُ العَضَايِدِ بَيْنَ يَدِي الحَوَانِيتِ إِلَى الطَّرِيقِ مَكْرُوهٌ"... وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي بَكْرِ المَرْوَزِيِّ أَنَّ شَيْخًا كَانَ يُجَالِسُ الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- ذَا هَيْبَةٍ، فَكَانَ أَحْمَدُ يُقْبِلُ عَلَيْهِ وَيُكْرِمُهُ، فَبَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّه طَيَّنَ حَائِطَ دَارِهِ مِنْ خَارِجٍ، قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ فِي المَجْلِسِ، فَاسْتَنْكَرَ الشَّيْخُ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ: هَلْ بَلَغَكَ عَنِّي حَدَثٌ أَحْدَثْتُهُ؟! قَالَ: نَعَمْ، طَيَّنْتَ حَائِطَكَ مِنْ خَارِجٍ، قَالَ: وَلاَ يَجُوزُ؟! قَالَ: لاَ؛ لِأَنَّكَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْ طَرِيقِ المُسْلِمِينَ أُنْمُلُةً، قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟! قَالَ: إِمَّا أَنْ تَكْشُطَ مَا طَيَّنْتَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَهْدِمَ الحَائِطَ وَتُؤَخِّرَهُ إِلَى وَرَاء، مِقْدَارَ أُصْبُعٍ ثُمَّ تُطَيِّنُهُ مِنْ خَارِجٍ، قَالَ: فَهَدَمَ الرَّجُلُ الحَائِطَ وَأَخَّرَهُ أُصْبُعًا ثُمَّ طَيَّنَهُ مِنْ خَارِجٍ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللهِ كَمَا كَانَ

عن أبي ثابت قال: سمعت يعلى بن مرة الثقفي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أخذ أرضًا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر) أخرجه أحمد في مسنده

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له

واشهد أن محمداً عبده ورسوله

أما بعد

فإننا في الإجازة الصيفية وهذا يدعونا الي معرفة قيمة الوقت

يقول أحمد شوقي رحمه الله:

دَقَّـاتُ قلبِ المـرءِ قَائِلَةٌ لهُ إنَّ الحَيـَاةَ دَقَائقٌ وثَوَان

فارفعْ لِنَفْسِكَ بعدَ موتِكَ ذِكْرَهَا فالذِّكْرُ للإنسانِ 

ثالثاً: وجوب اغتنام الوقت في الإجازة الصيفية

ابن آدم اغْتَنِمْ رَحِمَكَ اللهُ حَيَاتَكَ النَّفِسْيَةَ واحْتَفِظْ بأَوْقَاتِكَ العَزِيْزَةِ واعْلَمْ أنَّ مُدَّةَ حَيَاتِكَ مَحْدُوْدَةٌ وأَنْفَاسَكَ مَعْدُوْدَةٌ فكُلُ نَفَسٍ يَنْقُصُ بِهِ جُزْءُ مِنْكَ والعُمْرُ كُلُّهُ قَصِيْرٌ والبَاقِي مِنْهُ هُوَ اليَسِيْرُ وَكُلُ جُزْءٌ مِنْهُ جَوَهَرَةٌ نَفِسْيَةٌ لَا عِدْلَ لَهَا والبَاقِي مِنْهُ هُوَ اليَسِيْرُ وَكُلُ جُزْءٌ مِنْهُ جَوَهَرَةٌ نَفِسْيَةٌ لا عِدْلَ لَهَا ولَا خَلفَ مِنْهَا فإِنَّ بِهَذِهِ الحَيَاةِ اليَسِيْرَةِ خُلُودُ الأَبَدِ فِي النَّعِيْمِ أَوْ الْعَذَابِ الأَلِيْمِ

وضرورة اغتنام الوقت في أعمال الخير قبل فواته واجب ، روى الحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: " ‌اغْتَنِمْ ‌خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ

فاغتنمْ وقتَك قبلَ انقضاءِ أجلِك، وانتهاءِ عملِك، وفواتِ أملِك، وأفولِ شمسِك، فيحقَّ ندمُك، ويتوالى همُّك، ويدوم حزنُك، فتقدمُ يومَ المعادِ، وما لك مِنْ زادٍ.

ويقول ابن عمر كما عند البخاري في صحيحه : «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ».

روى مسلم عن حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فساعة للذكر وساعة للعمل وساعة للولد والزوجة وليس في ذلك اضاعة للوقت

كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون على الجلوس للذكر ويسمونه إيماناً ، قال معاذ رضي الله عنه لرجل : ( اجلس بنا نؤمن ساعة ) إسناده صحيح

ان شعائرُ ديننِا تؤكدُ علي أهميَّةِ الوقت: فالصلواتُ الخمسُ لها أوقاتٌ معينةٌ لا تصحُّ قبلَها، وتحرمُ بعدَها إلا لعذرٍ شرعيٍ، { {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} } [النساء:103].وللحج اوقات (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ )

ألا وصلُّوا - عباد الله - على رسول الهدَى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللّهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولك محمّد، وارضَ اللّهمّ عن الخلفاءِ الأربعة الرّاشدين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وتولَّ أمرنا.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

اللهم اجعلنا نشكرك ونذكرك حتى ترضى.

اللهم إنا نعوذ بك من جحد النعمة. اللهم إنا نسألك شكرها.

اللهم استعملنا في طاعتك وجنبنا مساخطك.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: 90، 91]، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

google-playkhamsatmostaqltradent