recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعةالرشوة وأثرها فى إفساد المجتمع أيمن حمدى الحداد

 الرشوة وأثرها فى إفساد المجتمع



الحمد لله رب العالمين القائل في محكم التنزيل (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)، وأشهد إلا إله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدالله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين أما بعد؛ فيا أيها المسلمون: إن الرشوة داء عضال وآفة خطيرة تهدد كيان المجتمعات وهي ما يُعطى لإبطال حق أو إحقاق باطل وتؤدي إلى إهدار الحقوق، وضياع الأمانة، وتفشي الظلم، ومحق البركة، وتقديم أهل الفساد على أهل الكفاءة مما يقوض بنيان المجتمع واستقراره!!

لقد حرم الإسلام الرشوة تحريماً قاطعاً، وبين أنها من الكبائر المهلكة التي تفسد المجتمعات وتضيع الحقوق؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: ١٨٨)، وقال تعالى فى وصف طائفة من أهل الكتاب: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: ٤٢)،

قال الحسن: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه فيريها إياه ويتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب ويأكل الرشوة.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ» رواه أحمد.

واللعن دليل قاطع على أن الرشوة من الكبائر. 

ولقد بعث سيدنا رسول الله عبد الله بن رواحة إلى خيبر ليخرص بينه وبين يهود خيبر، فجمعوا له حلياً من حلي نسائهم، فقالوا: خذ هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسمة، فقال عبد الله بن رواحة: «يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم!!

أما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض» رواه مالك.

عباد الله: إن للرشوة آثاراً خطيرة وعواقب وخيمة على الفرد والمجتمع من ذلك؛

إسناد الأمر لغير أهله، وضياع حقوق الضعفاء؛ إن الإنسان حين يدفع رشوة للحصول على وظيفة معينة لا تتوافر فيه مقوماتها وشروطها، وهو ليس أهلاً لهذه الوظيفة، مما يترتب عليه التقصير في العمل والإنتاج وإهدار الموارد؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله : «إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتَظِرِ السَّاعةَ، قال: كيفَ إضاعَتُها يا رَسولَ اللهِ؟ قال: إذا أُسنِدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتَظِرِ السَّاعةَ» رواه البخارى.

وعن أبى أمامة الباهلي رضي الله عنه قال رسول الله : «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيهَا فقَبِلَهَا، فقَد أَتَى بَابا عَظِيمًا مِنْ أَبوَابِ الرِّبا» رواه أبو داود.

تدمير المبادئ والأخلاق الكريمة؛ إن انتشار الرشوة في أى مجتمع من المجتمعات يعني تدمير أخلاق أبناء هذا المجتمع وفقدان الثقة بين أبنائه، وانتشار الأخلاقيات السيئة كالتسيب واللامبالاة، وفقدان الشعور بالولاء والانتماء، وسيطرة روح الإحباط، ولقد حرم الإسلام ذلك؛ قال تعالى: ﴿وقال تعالى: ﴿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(المائدة: ٦٢)، وقال رسول الله : «مَن وُلِّيَ عَلَى عَشَرَةٍ يَحكُمَ بَينَهُم بِمَا أَحَبُّوا أَو كَرِهُوا جِيءَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ مَغلُولَةً يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَإِن حَكَمَ بِمَا أَنزَلَ اللهُ، وَلَم يَرتَشِ فِي حُكمِهِ، وَلَم يَحِفْ، فَكَّ اللهُ عَنهُ يَومَ القِيَامَةِ يَومَ لا غُلَّ إِلَّا غُلُّهُ، وَإِن حَكَمَ بِغَيرِ مَا أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى، وَارتَشَى فِي حُكمِهِ وَحَابَى، شُدَّت يَسَارُهُ إِلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ رُمِيَ بِهِ فِي جَهَنَّمَ» رواه الحاكم.

إهدار الأموال وتعريض الأنفس للخطر؛ إن الرشوة من الإفساد فى الأرض بعد إصلاحها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾(الأعراف: ٥٦)، ولك أن تتخيل لو أن الرشوة وصلت إلى قطاع الصحة وإنتاج الدواء، فكيف ستكون أحوال الناس الصحية حين يستعملون أدوية رديئة أُجيز استعمالها عن طريق الرشوة؟!

ثم تخيل أنك تسير على جسر من الجسور التي بها عيوب جسيمة تجعل منها خطراً على أرواح الناس وممتلكاتهم، وقد حصل المقاول على شهادات إتمام العمل والبناء عن طريق الرشوة، كم سيترتب على انهيار هذا الجسر من خسائر في الأرواح والأموال؟!

ومن أضرار الرشوة تبدل الأمن إلى خوف؛ إن الرشوة سبب لنُزول العقوبات العامة، وذهاب الأمن، وانتشار الخوفِ بين النَّاس؛ لأنَّ المجتمعَ الذي تُباع فيه الأحكام وتُشترى فيه الحقوق لا يمكن أن ينعم بالاستقرار؛ فعَن عَمرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «مَا مِن قَومٍ يَظهَرُ فِيهِمُ الرِّبَا، إِلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ، وَمَا مِن قَومٍ يَظهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا، إِلَّا أُخِذُوا بِالرُّعبِ» رواه أحمد.

أي: يُسلِّط الله عليهم الخوف والقلق، وتفشو بينهم الفتن، وتضطرب أحوالهم، لأن الظلم إذا انتشر ارتفعت البركة، وحلَّت العقوبات.

الرشوة من الحرام الذى يُحرم صاحبه من إجابة الدعاء؛ فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: تُلِيَتْ هذهِ الآيةُ عِندَ رسولِ اللهِ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾(البقرة: ١٦٨)، فقام سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ادعُ اللهَ أنْ يجعَلَني مُستَجابَ الدَّعوةِ؟ فقال النبيُّ : «يا سعدُ، أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُستَجابَ الدَّعوةِ، والَّذي نفْسُ مُحمَّدٍ بيدِهِ, إنَّ العبدَ لَيَقذِفُ اللُّقمةَ الحرامَ في جَوفِهِ ما يُتقبَّلُ منه عملٌ أربعينَ يومًا وأيُّما عبدٍ نَبَتَ لحمُهُ مِن سُحْتٍ فالنَّارُ أَوْلى به» جامع العلوم والحكم. وراه الطبراني في المعجم الأوسط باختلاف يسير.

الرشوة سبب للعذاب فى النار أعاذنا الله وإياكم؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال: «الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي النَّارِ» أخرجه الطبراني.

إن تغيير الاسم لا يبدل الحكم؛ لقد عمد البعض إلى تسمية الرشوة بغير اسمها فيقولون:( إكرامية- هدية- بقشيش- حلاوة.....)، وهذه التسميات المستحدثة لا تخرج الفعل عن كونها رشوة محرم؛ الرشوة؛ فإن العبرة بالمضامين والحقائق لا بالأسماء والعناوين، فتسمية هؤلاء للرشوة بالحلاوة لا يغير من حقيقتها وهي أنها رشوة محرمة؛ فعن أبى  حميد الساعدي رضي الله عنه قال: «استَعمَلَ رَسولُ اللهِ رَجُلًا مِنَ الأَسْدِ، يُقالُ له: ابنُ اللُّتْبيَّةِ -قال عَمرٌو وابنُ أبي عُمَرَ: على الصَّدَقةِ- فلَمَّا قدِمَ قال: هذا لَكُم، وهذا لي، أُهديَ لي، قال: فقامَ رَسولُ اللهِ على المِنبَرِ، فحَمِدَ اللَّهَ، وأثنى عليه، وقال: ما بالُ عامِلٍ أبعَثُه فيَقولُ: هذا لَكُم، وهذا أُهديَ لي، أفلا قَعَدَ في بَيتِ أبيه، أو في بَيتِ أُمِّه، حتَّى يَنظُرَ أيُهدى إليه أم لا؟! والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، لا يَنالُ أحَدٌ مِنكُم منها شيئًا إلَّا جاءَ به يَومَ القيامةِ يَحمِلُه على عُنُقِه بَعيرٌ له رُغاءٌ، أو بَقَرةٌ لَها خوارٌ، أو شاةٌ تَيعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيه حتَّى رَأينا عُفرَتَي إبْطَيه، ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ هل بَلَّغتُ؟ مَرَّتَينِ» رواه مسلم.

فاتقوا الله عباد الله: وراقبوا ربكم فى السر والعلن تفوزوا برضوانه.

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لى ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى أما بعد؛ فيا أيها المسلمون: لقد حرم الإسلام أكل الحرام بجميع أنواعه وشدد النكير على فاعله؛ قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٦٠- ١٦١)،

ولقد كان الصالحون يبالغون في التحري والورع حتى تركوا الكثير من الحلال المخالط للشبهات خوفاً من الوقوع في الحرام؛ فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال رسول الله : «الحَلالُ بَيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ، وبينَهما مُشَبَّهاتٌ لا يَعلَمُها كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فمَنِ اتَّقى المُشَبَّهاتِ استَبرَأ لدينِه وعِرضِه، ومَن وقَعَ في الشُّبُهاتِ كَراعٍ يَرعى حَولَ الحِمى، يوشِكُ أن يواقِعَه، ألا وإنَّ لكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا إنَّ حِمى اللهِ في أرضِه مَحارِمُه، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغةً إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذا فسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألا وهي القَلبُ» رواه البخارى.

عباد الله: لقد ضرب أسلافنا الكرام رضي الله عنهم أروع الأمثلة فى التورع عن الحرام أو ما كان فيه شبهة؛

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام».

وقال عبد الله بن المبارك: «لأن أرد درهماً من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف».

ولقد كنس أبو موسى الأشعري بيت المال فوجد درهماً فمر إبن لعمر بن الخطاب فأعطاه أبو موسى الدرهم فرأى عمر الدرهم في يد ولده فسأله؟ فقال: أعطانيه ابو موسى فقال عمر لأبى موسى: يا أبا موسى ما كان في أهل المدينة بيت أهون عليك من آل عمر أردت ألا يبقى من أمة محمد أحد إلا طلبنا بمظلمة؟ ورد الدرهم إلى بيت المال!

وهذا على بن أبى طالب رضى الله عنه تستعير ابنته عقد لؤلؤ من بيت المال لتتزين به في يوم العيد فرآها على رضى الله عنه وهى تتزين بالعقد فسألها من أين لك هذا؟ فأخبرته أنها استأذنت خازن بيت المال فأعارها العقد على أن ترده بعد العيد، فأرسل إلى خازن بيت المال فلما جاء قال له: أتخون المسلمين يا ابن رافع؟ اندهش الخازن وقال: معاذ الله أن أخون الأمانة يا أمير المؤمنين!! قال على رضى الله عنه كيف أعرت بنت أمير المؤمنين العقد؟ قال ابن رافع: إنها ابنتك وطلبت أن أعيرها العقد تتزين به في العيد وترده بعد ثلاث قال على رضى الله عنه للخازن رد العقد إلى بيت مال المسلمين وإياك أن تعود إلى مثل هذا العمل وإلا أوقعت بك العقوبة وقال له: كيف أعرتها العقد بغير إذني وبغير رضا المسلمين؟ ثم قال: ويل ابنتي لو كانت أخذت العقد على غير عارية مضمونة؟ فجاءت إليه فقالت: أنا ابنتك وبضعة منك فمن أحق أن يلبسه منى؟ فقال على لابنته أكل نساء المسلمين يتزين في العيد بمثل هذا؟ لا تذهبي بنفسك عن الحق ورديه إلى بيت المال.

فلله درك يا على إلى هذا الحد تتورع فكيف بأولئك الذين لا يراعون ربهم جل فيما جعلهم الله أمناء عليه من أموال وأعراض وضيعات أفلا يتقون الله ويقوموا بحق تلك الأمانات!! 

وعامر بن عبدالله التميمي تابعى كبير، لما انتصر المسلمون على الفرس في معركة القادسية بقيادة البطل المغوار سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه وكان سعد قد أمر بجمع الغنائم وتقويمها وبينما الناس كذلك إذ برجل يأتي وهو يحمل صندوق قد ملئ بالأشياء النفيسة غالية الثمن ووضعه عند من يقومون على جمع الغنائم وولى منصرفاً فقالوا له:

يا هذا أين وجدت هذا الكنز العظيم؟ فرد قائلاً: غنمته في المعركة في مكان كذا قالوا: هل أخذت منه شيئاً؟!

قال: معاذ الله إن كنوز كسرى وما ملكه الفرس لا يساوى عندي قلامة ظفر ولولا أنى مؤتمن ومسؤول أمام الله ما أتيتكم بهذا الكنز فسألوه من أنت يرحمك الله؟ فرفض أن يخبرهم باسمه حتى لا يكافؤه أو يحمدوه على أمانته وأيضاً رفض أن يخبرهم باسمه حتى يحافظ على إخلاصه فتبعه رجل منهم فعلم أنه عامر بن عبدالله التميمي.

فاتقوا الله عباد الله: واعلموا أنكم إليه راجعون.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

google-playkhamsatmostaqltradent