recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعةالرشوة وأثرها فى إفساد المجتمع الشيخ: ياسر عبدالبديع

الرشوة وأثرها فى إفساد المجتمع



خطورة الرشوة

  عاقبة أكل الحرام

 ثمرة الكسب الحلال

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمَلْءَ مَابَيْنَهُمَا وَمُلْءَ مَاشِئْتَ يَارِبُ مِنْ شَئٍّ بَعْدَ أَهْلِ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَاقَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لَامُعْطَى لِمَا مَنَعْتَ وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ

سَبْحَانُكَ اللَّهُمَّ خَيْرَ مُعَلِّمٍ عَلَّمْتَ بِالْقَلَمِ الْقُرُونَ الْأُولَى أَخْرَجْتَ هَذَا الْعَقْلَ مِنْ ظُلُمَاتِهِ وَهَدَيَتَهُ النُّورَ الْمُبِينَ سَبِيلًا وَأَرْسَلْتَ بِالتَّوْرَاةِ مُوسَى مُرْشِدًا وَابْنَ الْبَتُولِ فَعَلَّمَ الْإِنْجِيلَا وَفَجَرَتْ يَنْبُوعَ الْبَيَانِ مُحَمَّدًا فَسَقَى الْحَدِيثَ وَنَاوَلَ التَّنْزِيلَا

وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا وَمُصْطَفَانَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا أُوصِيكُمْ وَنَفْسَى بِتَقْوَى اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحُ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا أُحَدِّثُكُمْ الْيَوْمَ عَنْ مَوْضُوعٍ تَحْتَ عُنْوَانِ

الرشوة وأثرها فى إفساد المجتمع

العنصر الأول: خطورة الرشوة

أيها الناس  : اتقوا الله تعالى وراقبوه ، فهو مطلع على أعمالكم ، وسيجزيكم بها ، فلا تقدموا الحاضر بالغائب ، ولا تغرنكم شهوة ساعة ، فهذه الدنيا دار امتحان ، وغدا يوفى الناجحون أجورهم ويندم الخاسرون يوم لا ينفع الندم .

عباد الله : الدنيا حلوة خضرة ، وقد زينت بأنواع الشهوات والملذات ، كما قال سبحانه ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا )

أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلّي اللهُ عليه وسلَّم، قال: «إنَّ الدُّنيا حُلوةٌ خَضِرةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتخلِفَكم فيها فَيَنْظر كيف تَعمَلون، فاتَّقوا الدُّنيا واتَّقوا النِّساءَ، فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسْرائيلَ كانتْ في النِّساءِ».

فالدُّنيا حُلوة في مذاقِها، خضِرة في مرْآها، فيغْترُّ الإنسانُ بها وينهمك فيها ويجعلها أكبرَ همِّهِ، ولكن النبي صلي الله عليه وسلم بيَّن أنَّ اللهَ  تعالى  مستخلفنا فيها فينظر كيف نعمل، هل نقوم بطاعتِه، وننهى النَّفسَ عن الهوى، ونقوم بما أوْجب الله علينا ، ولا نغترُّ بالدنيا، أو أنَّ الأمر بالعكسِ؟ ولهذا قال: «فاتَّقوا الدُّنيا»؛ أي: قوموا بما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه، ولا تغُرَّنَّكم حلاوة الدنيا ونضرتُها. كما قال تعالى: ﴿ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: من الآية 33].

أيها المؤمنون : لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من معصية تدمر المجتمعات ، وتقضي على الصدق في المعاملات ، وتنشر الغش والمخالفات ، وتضر المسلمين ، وتوسد الأمر إلى غير أهله ، وتهوي بالاقتصاد ، وتوقع العداوات بين المسلمين ، وربما وصل الأمر إلى القتال ، إن هذه المعصية من شناعتها عدت من كبائر الذنوب ، ولعن صاحبها في الدنيا والآخرة ، فهل تصورتم خطرها ، إنها الرشوة ، أخرج الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ ابنِ عَمرٍو رضي اللهُ عنهما قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم الرَّاشِيَ وَالمُرتَشِيَ 

واللعن هو الطرد عن رحمة الله تعالى .

قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ ﴾ [الأنفال: 27].

قال جمع من المفسرين: الأمانة كل ما ائتمن عليه المُؤَمَّنُ، ومن الأمانة أن يولى الأجدر والأحق بالوظيفة.

والرشوة تكون في تنفيذ المشاريع فحينما يأتي مشروع، وتعمل مناقصة فيدفع أحدهم رشوة فيحصل على هذا المشروع مع أن غيره أتقن منه عملًا وأقل سعرًا، والرشوة تكون في التحقيقات الجنائية، أو الحوادث، أو غيرها فيتساهل المحققون في التحقيق من أجل الرشوة  أو يُعين مسئول في موقع ما فيأخذ هدية مقابل أن يسهل على صاحبها بعض الأمور، أو يقدمه على غيره، أو يعفيه من بعض الالتزامات، أو غير ذلك، وهذا غلول ورشوة.

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي اللهُ عنه قال: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسْدٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْلُّتْبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ؛ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا"

 فكل رشوة يأخذها العبد سيأتي بها يوم القيامة على رقبته

 وتأمل هذا الحديث الذي تفزع لهوله القلوب، وتشيب منه الرؤوس، وترتعد منه الفرائص، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنتِ العِرْبَاضِ عَن أَبِيهَا رضي اللهُ عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَأْخُذُ الْوَبَرَةَ مِنْ فَيْءِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فَيَقُولُ: "مَا لِي مِنْ هَذَا إِلَّا مِثْلُ مَا لِأَحَدِكُمْ إِلَّا الْخُمُسَ، وَهُوَ مَرْدُودٌ فِيكُمْ، فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ فَمَا فَوْقَهُمَا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُولَ، فَإِنَّهُ عَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

والواجب أن لا يُعطى المرتشي شيئًا فهو يأخذ أجره من بيت المال وهو أمين على عمله، وقد وضع لخدمة الناس، وإعطائه الرشوة من التعاون على الإثم والعدوان، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2]. ومن صورها: أن تكون على شكل هدية في الظاهر وهي رشوة كموظف يُهدي لرئيسه من أجل ترقيته، أو محاباته على حساب العمل، أو طالب يهدي لمعلمه من أجل إنجاحه، وأهل البلد يهدون لقاضيهم من أجل الحكم لهم

فهو وباءٌ خطير وداءٌ فتَّاك إذا وُجد في مجتمع من المجتمعات وتفشى فيه كان سبباً لهلاكه وحلول العقوبات به ، لأنه يترتب عليه : ذهاب المروءات ، وضياع الحقوق ، وكثرة الظلم ، وتعدُّد الأذى ، إلى غير ذلكم من أنواع المضار التي تترتب على وجوده ؛ ألا وهو عباد الله- : « الرشوة » وما أدراك ما الرشوة؟ وهي : مالٌ أو مصلحةٌ تقدَّم لرئيسٍ أو حاكمٍ أو موظفٍ ليُتوصَّل بدفعها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق ، وهي أكلٌ لأموال الناس بالباطل وسُحتٌ وحرام ، وكلٌ من المعطي لها والقابض معرَّضٌ لمقت الله تبارك وتعالى وسخطه وعقوبته ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:188] ؛ والإدلاء بها إلى الحكام : أي تقديمها لهم بحيث يقدِّم بعض ماله ليتوصَّل من خلال ذلك إلى أكل فريقٍ من أموال الناس بالباطل ، وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ : أي أن ذلك لا يحل لكم وأنَّ الله تبارك وتعالى حرَّمه على الناس

 عباد الله : والرشوة من خصال اليهود ومن صفاتهم التي عُرفوا بها ، قال الله تبارك وتعالى : ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ [المائدة:42] ، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة:62] ، والسحت في الآيتين في قول غير واحدٍ من المفسرين : الرشوة ؛ فكانت صفة لليهود يحرصون عليها ، بل إنهم اشتُهروا بها وعُرفوا بها  ولهذا فإنَّ تعاطي الرشوة عباد الله هو اتصافٌ بخصلةٍ من خصال اليهود وصفةٍ من صفاتهم الشنيعة

 وإذا حلَّت الرشوة في مجتمع نُصِر فيه الباطل وأُبطل فيه الحق وتغيَّرت الموازين ؛ ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله : « إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكوَّة » أي من النافذة

نعم عباد الله ؛ كم من المضار الجسيمة والتعديات العظيمة التي تترتب على وجود الرشوة أخذاً لها وإعطاءً  روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي)) ، ورواه أيضاً من حديث أبي هريرة وحديث ثوبان رضي الله عنهما ، واللعن أيها المؤمنون : طردٌ وإبعادٌ من رحمة الله ، ولا يكون إلا في عظائم الذنوب وكبائر الآثام .

عباد الله : روى البخاري في كتابه الصحيح موعظةً نافعة وكلمةً مؤثرة للصحابي الجليل جندب بن عبد الله رضي الله عنه ؛ قال : « إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ» وما أعظمها من موعظة وما أجلَّها من وصية

ثم أيها المؤمنون : ليتذكر كل واحدٍ منَّا أنه يوم القيامة سيُسأل سؤالان كلاهما عن المال : من أين اكتسبه ؟ وفيم أنفقه؟ ويدخل في ذلك ما تقدَّم ألا وهو : إعطاء الرشوة أو قبضها  روى الطبراني في معجمه عن معاذٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((لا تَزُولُ قَدِمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ : عَنْ عُمُرُهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عَلِمهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟)) والعاقل يعِدُّ للسؤال جوابا ويجدُّ ويجتهد بأن يكون الجواب صوابا .

العنصر الثانى:  عاقبة أكل الحرام

فإن من أهم الأمور التي على الإنسان أن يعتنى بها: مأكله ومشربه؛ قال وُهَيْب بْن الْوَرْدِ رحمه الله: «وَاللهِ لَوْ قُمْتَ مَقَامَ هَذِهِ السَّارِيَةِ مَا نَفَعَكَ حَتَّى تَعْلَمَ مَا يَدْخُلُ بَطْنَكَ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ» فلو قام العبد في المسجد كقيام هذا العمود مصليًّا راكعًا ساجدًا فلن يُقبل منه حتى ينظر ما يدخل في فمه أحلال هو أم حرام؟ لذلك كانت خطورة الأكل من الحرام خطورة عظيمة؛ فيجب على الإنسان أن يتحرَّى مأكله ومشربه؛ ولهذا كان الحديث عن هذا الموضوع من الأهمية بمكان؛ لتساهل كثير من الناس في هذا الزمان في أكل الحرام، ولقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن هذا فقال: ((يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام؟)) فكثير من الناس يظن أن كل ما حل في يده من المال فهو حلال، ولا يتحرَّى مأكله ومشربه.

ومما يبين خطورة هذا الموضوع كذلك أن الإنسان مجبول على حب المال؛ فقد يحمله حبه للمال على أن يجمعه، ولو من الحرام ولا يبالي، قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ ‌حُبًّا ‌جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]، ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر فيقول: ((لو كان لابن آدم واديان من ذهب؛ لأحَبَّ أن يكون له ثالث، ولا يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب))

ولما كان المال فتنة عظيمة قد يُفتن به الإنسان، فيبيع دينه من أجل الحصول على المال؛ أصبح من أوجب الواجبات على الإنسان الحذر من فتنته، فلقد سمعنا عن بعض من كان يظهر عليهم الصلاح قد فُتنوا بالمال حتى طمعوا فيه، ونصبوا على الناس، ونهبوا أموالهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال))

فقد يكون الإنسان موظفًا بسيطًا، فتُعرض عليه رشوة كبيرة وهذه الفتنة بعينها فإن لم يكن عنده ورع وخوف من الله قبلها، فعلى العبد أن يستعيذ بالله من فتنة المال، أعاذنا الله وإياكم منها.

وأموال المسلمين حرمتها عظيمة، فلا يحل التعدي عليها بأي وجه من وجوه التعدي، ولعظيم حرمتها بيَّن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع في البلد الحرام، في الشهر الحرام، في يوم حرام؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: ((يا أيها الناس، أي يوم هذا؟))، قالوا: يوم حرام، قال: ((فأي بلد هذا؟))، قالوا: بلد حرام، قال: ((فأي شهر هذا؟))، قالوا: شهر حرام، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا))، فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: ((اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت))، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فو الذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب"

خطورة أكل الحرام:

عدم قبول عمل آكل المال الحرام

فآكل الحرام لا يقبل منه فرض ولا نفل، فكيف يتصدَّق الإنسان من حرام ويرجو القبول؟!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلُولٍ))، فمن حج أو اعتمر بمال حرام لا يقبل منه، ومن تصَدَّق بحرام لا يقبل منه؛ بل هو مأزور غير مأجور، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من جمع مالًا حرامًا، ثم تصَدَّق به، لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه))

الأكل من الحرام كبيرة، ومنه ما لا يغفر:

فأكل المال الحرام بجميع أنواعه كبيرة من الكبائر؛ فليحذر العبد منها؛ فعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إياك والذنوب التي لا تغفر؛ الغلول، فمن غل شيئًّا أتى به يوم القيامة، وأكل الربا، فمن أكل الربا بُعِث يوم القيامة مجنونًا يتخبط، ثم قرأ: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ ‌مِنَ ‌الْمَسِّ ﴾ [البقرة: 275]

لا يستجاب دعاء آكل الحرام:

فالبعض يقول: دعوت، ودعوت ولم يُستجب لي، فيقال لهذا فتش عن مأكلك ومشربك، وراجع حساباتك، فقد تكونُ أغلقت على نفسك أبواب الإجابة بيديك وأنت لا تدري.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ ‌كُلُوا ‌مِنَ ‌الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ‌مَا ‌رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟

فالله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، سواء من العبادات أو المعاملات أو الدعوات.

آكل الحرام مطرود من رحمة الله

فآكل الحرام ملعون ومطرود من رحمة الله أعاذنا الله وإياكم من غضبه وسخطه فلقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الأخبار المشتملة على أن آكل الحرام ملعون، فمن تلك الأخبار

قوله صلى الله عليه وسلم: (( لعن الله من غير منار الأرض))

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده))

عن جابر قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه"، وقال: "هم سواء"

قوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الخمر، ولعن شاربها، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها))

فكل من تلطخ بالحرام، وعاون فيه؛ فهو ملعون بلعنة الله، واللعن كما ذكرت هو الطرد من رحمة الله، فمن يقدر على ذلك أو يصبر عليه؟! عافنا الله وإياكم.

آكل الحرام متوعَّد بالنار:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق؛ فلهم النار يوم القيامة)) والخوض هو التخليط في المال، وتحصيله من غير وجهه كيفما أمكن.

وقال صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: ((يا كعب بن عجرة، إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به)) فالمال العام حق لجميع المسلمين، فمن يعمل في الوظائف العامة عليه أمانة عظيمة، وحمل ثقيل، فمن خان عمله، وقصر فيه، وضيعه؛ فقد تعرض للوعيد الشديد أعاذنا الله وإياكم

آكل الحرام متوعَّد بغضب من الله:

فمن الناس من يتهاون بالحلف بالله كاذبًا، فإذا رأى أنه لا بينة مع خصمه، ولا شهود عليه، حلف كذبًا ليبرئ نفسه، وهو يظن أنه بذلك قد نجا

يا مسكين على من تكذب؟! إن الذي رآك وأنت تسرق، ورآك وأنت تحلف به كاذبًا هو الذي سيحاسبك، فأعِدَّ للسؤال جوابًا

عن عبدالله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين وهو فيها فاجر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم؛ لقي الله وهو عليه غضبان))، قال: فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألك بينة))، قال: قلت: لا، قال: فقال لليهودي: ((احلف))، قال: قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف ويذهب بمالي، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ‌بِعَهْدِ ‌اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [آل عمران: 77] إلى آخر الآية[16].

أكل الحرام سبب للخراب والدمار:

فيا من تأكل الحرام أبشر بالخراب والدمار الذي سيحل بك، جمعتَ المال من الحرام لتسعد به؛ فكان سبب تعاستك وانتكاستك وشقائك.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع))

والْيَمِينُ الفَاجِرَة هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، يَقْتَطِعُ الرَّجُلُ بِهَا مَالَ غَيْرِهِ، سُمِّيَتْ غَمُوسًا؛ لأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الإِثْمِ، ثُمَّ فِي النَّارِ.

فمعنى الحديث: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُفَرِّقُ شَمْلَ الْحَالِفِ، وَيُغَيِّرُ عَلَيْهِ مَا أَوْلاهُ مِنْ نِعَمِهِ، وَقِيلَ: يَفْتَقِرُ، وَيَذْهَبُ مَا فِي بَيْتِهِ مِنَ الْمَالِ

المال الحرام سبب لمحق البركة:

فالغش في البيع والشراء سبب لذهاب بركة المبيع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الْبَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِما))

ومن أنواع الغش المشهور في البيع: غش اللبن بالماء، وبيع ما انتهت صلاحية استخدامه، وتغيير بيانات المبيع كتغيير بلد الصُّنع مثلًا، ومن ذلك التطفيف في الميزان؛ كبيع الشيء الذي يبلغ وزنه 900 جرام على أنه كيلو جرام مثلًا.

وقد توعد الله المطففين في الكيل والميزان، وأنزل فيهم سورة سماها بـ"المطففين" تتلى إلى يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿ وَيْلٌ ‌لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 1-4].

أكل الحرام سبب من أسباب عذاب القبر:

فأكل الحرام سبب من أسباب عذاب القبر، فلا تستهن بأكل المال الحرام، واسمع هذه الواقعة التي تبين لك خطورة الأمر؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: افتتحنا خيبر، ولم نغنم ذهبًا ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل، والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى، ومعه عبد له يقال له: مِدْعَم، أهداه له أحد بني الضِّباب، فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر، حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئًا له الشهادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بل، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا))، فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو بشراكين، فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((شراك أو شراكان من نار))

أكل الحرام سبب للإفلاس يوم القيامة:

فمن أخذ حقوق الناس، وظلمهم وغشَّهم، واحتال على أخذ أموالهم لن يفلت يوم القيامة؛ ستؤخذ منه حقوق الناس، ويقضيها من حسناته، فإن عجزت حسناته عن قضاء الحقوق حمل من سيئات من ظلمهم.

فعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أتدرون من المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المفلس من أُمَّتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيقعد، فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم، فطرح عليه، ثم طرح في النار))

لذلك على العبد أن يقضي ما عليه في الدنيا قبل فوات الأوان، اذهب إلى من ظلمتهم، وأعطهم حقوقهم، أو اطلب منهم العفو والصفح، فالأمر هنا سهل ميسور.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل ألَّا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه))

أرأيتم أيها الإخوة كيف هي خطورة أكل الحرام؟! خطورة شديدة على آكله في الدنيا، وفي القبر، وفي يوم القيامة.

أسأل الله أن يطيب مطاعمنا ومشاربنا، وأن يقينا وإياكم شر الحرام، وأسأله سبحانه أن يرزقنا الحلال، وأن يبارك لنا فيه.

العنصر الثالث:  ثمرة الكسب الحلال

هلا سألت نفسك: ما هي الفوائد التي تعود علي وعلى من حولي من عملي وكسبي؟

سأحاول في هذا اللقاء أن أضع بين أيديكم ثمار العمل والكسب الحلال فأعيروني القلوب والأسماع

أولًا: امتثالا لأمر الله تعالى:

اعلموا عباد: أن أول ثمار العمل والكسب الحلال أن يمتثل العامل أمر الله تعالى؛ حيث أمرنا ربنا بالعمل وحثنا على ذلك؛ فقال سبحانه وتعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].

يقول ابن كثير رحمه الله: (أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئًا إلا أن ييسره الله لكم؛ ولهذا قال تعالى:﴿ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾فالسعي في السبب لا ينافي التوكل كما قال الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصًا وتروح بطانا

وأباح سبحانه السعي في الأرض طلبًا للحلال فقال سبحانه: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة: 10].

ثانيًا: أن تنال أجر المجاهد في سبيل الله:

معاشر الموحدين: ومن ثمار العمل والكسب أن ينال العامل الجاد أجر الجهاد في سبيل الله، وذلك من فضل الله تعالى؛ يقـول سبحــانه: ﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [المزمل: 20].

يقول القرطبي رحمه الله: سوَّى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله الإحسان والإفضال، فكان هذا دليلًا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد، لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله

وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيما رجل جلب شيئًا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ: ﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾.

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم السعي على النفس أو الأبناء أو الآباء يعدل الجهاد في سبيل الله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع شاب من الثنية فلما رأينا رميناه بأبصارنا فقلنا: لو أن هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « وما سبيل الله إلا من قتل؟! من سعى على والديه ففي سبيل الله، ومن سعى على عياله ففي سبيل الله، ومن سعي مكاثرًا ففي سبيل الطاغوت »

وفي رواية: « سبيل الشيطان ».

وقال ابن عمر  رضي الله عنهما  (ما خلق الله موته أمواتها بعد الموت في سبيل الله أحب إلى من الموت بين شعبتي رحلي ابتغي من فضل الله ضاربا في الأرض).

وقال طاووس: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله).

ثالثًا: أن تتشبه بالأنبياء:

ولقد أمرنا الله تعالى في كتابه بالاقتداء والتشبه بهم فقال جل جلاله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 90].

فالعمل أيها الأحباب شرف واقتداء بصفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين؛ وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس  رضي الله عنهما بسندٍ واه كان داود زرَّادًا، وكان آدم حرثًا، وكان نوح نجارًا، وكان إدريس خياطًا، وكان موسى راعيًا.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن داود كان زرادًا يصنع الزرد والدروع وكان آدم حراثًا، وكان نوح نجارًا، وكان إدريس خياطًا

وها هو نبي الله موسى عليه السلام يعمل بالأجرة عند العبد الصالح شعيب يقول سبحانه وتعالى: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [القصص: 26 - 28].

وها هو يوسف عليه السلام يعمل على خزائن مصر يقول سبحانه تعالى: ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 55، 56].

وهذا سيد الأنبياء وإمام الأتقياء وخاتم المرسلين يعمل ويكد لأن العمل من سنن هذه الحياة، وهو مع ذلك يقتدى بغيرة من الأنبياء عليهم السلام.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من نبي إلا وقد رعى الغنم؛ قالوا: وأنت يا رسول الله؛ قال: نعم، كنت أرعها على قراريط لأهل مكة "

رابعًا: أن يعف نفسه عن مسالة الناس:

معاشر الموحدين ومن ثمار العمل والكسب أن يعف العامل نفسه عن مسألة الناس والوقوف على أبوابهم، فالمسألة مذلة للسائل تريق ماء وجهه عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ»

وصح عن الإمام أحمد مع ما اشتهر من زهده وورعه أنه قال لمن سأله عن ذلك: ( الزم السوق ).

وقال لآخر: (استغن عن الناس، فلم أر مثل الغنى عنهم)

 لقي رجل الحسن بن يحيى بأرض الحبشة معه تجارة فقال له: ما الذي بلغ بك هاهنا؛ فعزله الرجل فقال: أكل هذا طلب الدنيا وحرصا عليها؟

فقال الحسن: يا هذا إن الذي حملني على هذا كراهة الحاجة إلى مثلك

إذا المرءُ لم يطلب معاشًا

ولم ينحاش من طول الجلوس

جفاه الأقربون وصار كلًّا

على الإخوان كالثوب اللبيس

وما الأرزاق عن جلدٍ ولكن

بما قدر المقتدر للنفوس

خامسًا: أن تنال أجر الصدقة:

إخوة الإسلام: ومن ثمار العمل أن يعمل فيأكل هو وأهله ويتصدق فيكون ذلك كله في موازين حسناته صدقات حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: على كل مسلم صدقة، قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قال: أرأيت إن لم يستطع، قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر، فإنها صدقة

عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، وَهُوَ بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدَ ابْنَ عَفْرَاءَ» وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: «لَا» قَالَ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: «لَا» قَالَ: فَالثُّلُثُ؟، قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ فِي أَيْدِيَهُمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا تُنْفِقْ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةَ الَّتِي تَرْفَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ أُنَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ»

سادسًا: أن يأخذ بأسباب:

واعلموا أن من ثمار العمل والكسب أن يأخذ بالأسباب التي شرعها الله تعالى وحثنا على الأخذ بها، فيتوكل على الله ولا يتواكل ولا يترك العمل عن عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصًا وتروح بطانا "

سابعًا: أن يكون مطعمه حلالًا فيقبل الله عمله:

واعلموا عباد الله؛ أن من شروط قبول الأعمال: المطعم الحلال؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسة حرام وغذي بالحرام فأني يستجاب لذلك

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعيد بن أبى وقاص: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة

عن مالك بن دينار رحمه الله قال: أصابَ بني إسرائيل بلاءٌ وقحطٌ، فخرجوا يُضِجُّون، فأوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائهم أن أخبرِهم: تخرجون إلى الصعيدِ بأبدانٍ نجِسَةٍ، وأيدٍ قد سفكتُم بها الدماءَ، وملأتم بطونَكم من الحرامِ؟ الآن حين اشتدَّ غضبي عليكم، ولن تزدادُوا مني إلا بُعدًا.

وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي.

وعن وهب ابن منبه رحمه الله قال: من سره أن يستجيب الله دعوته فليطيب طعمته.

ثامنًا: أن تنال مغفرة الله تعالى:

وحثت الشريعة الإسلامية على العمل والإنتاج، والكسب الحلال ورتبت على ذلك الأجر والثواب من الكريم الوهاب جلال جلاله فجاء في الحديث وإن كان فيه ضعف أن من بات آكلًا من عمل يده غفر الله تعالى له.

عن أنس رضى الله عنه قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «منْ باتَ كالًّا منْ طلبِ الحلالِ باتَ مغفورًا لهُ»،

الدُّعَاءِ

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَحَبِّبْنَا فَى بَعْضِنَا وَانْزِعْ الشَّحْنَاءَ وَالْبَغْضَاءَ مِنْ قُلُوبِنَا وَانْشُرْ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ فَى بِلَادِنَا وَسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَارْفَعْ الْبَلَاءَ وَالْغَلَاءَ عَنَّا اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِوَالِدَيْنَا كَمَا رَبَّيَانَا صِغَارًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمَا وَارْحَمْهُمَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ مَشَايِخَنَا وَعُلَمَائِنَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْنَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ

وَأَقُمْ الصَّلَاةُ 

google-playkhamsatmostaqltradent