recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أثر إستقرار الأسرة فى بناء الإنسانلفضيلة الشيخ: ياسر عبدالبديع

أثر إستقرار الأسرة فى بناء الإنسان




  حقوق الآباء على الأبناء

  حقوق الأبناء على الآباء

 محاور إستقرار الأسرة

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمَلْءَ مَابَيْنَهُمَا وَمُلْءَ مَاشِئْتَ يَارِبُ مِنْ شَئٍّ بَعْدَ أَهْلِ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَاقَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لَامُعْطَى لِمَا مَنَعْتَ وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ

سَبْحَانُكَ اللَّهُمَّ خَيْرَ مُعَلِّمٍ عَلَّمْتَ بِالْقَلَمِ الْقُرُونَ الْأُولَى أَخْرَجْتَ هَذَا الْعَقْلَ مِنْ ظُلُمَاتِهِ وَهَدَيَتَهُ النُّورَ الْمُبِينَ سَبِيلًا وَأَرْسَلْتَ بِالتَّوْرَاةِ مُوسَى مُرْشِدًا وَابْنَ الْبَتُولِ فَعَلَّمَ الْإِنْجِيلَا وَفَجَرَتْ يَنْبُوعَ الْبَيَانِ مُحَمَّدًا فَسَقَى الْحَدِيثَ وَنَاوَلَ التَّنْزِيلَا

وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا وَمُصْطَفَانَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا أُوصِيكُمْ وَنَفْسَى بِتَقْوَى اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحُ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا أُحَدِّثُكُمْ الْيَوْمَ عَنْ مَوْضُوعٍ تَحْتَ عُنْوَانِ

أثر إستقرار الأسرة فى بناء الإنسان

العنصر الأول:  حقوق الآباء على الأبناء

إخوة الإيمان، أتباعَ النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، ونحن بصدد الحديث عن إستقرار الأسرة لا بد وأن نتحدث مع حضراتكم فى هذا العنصر عن حقوق الآباء على الأبناء في الشريعة الغراء في زمان قلَّ فيه الوفاء للآباء والأمهات، وظهرت في بلاد الإسلام دُور المسنين والعجزة؛ حيث يتخلص الأبناء من آبائهم وأمهاتهم بإيداعهم في تلك الدور، وتمر الأيام والشهور والعوام، ولا يتفقد الأبناء آبائهم وأمهاتهم، لذا كان لزامًا أن نتكلم عن تلك الحقوق التي يجهلها كثير من المسلمين، و"غير خاف على عاقل لزوم حق المنعم، ولا منعم بعد الحق سبحانه على العبد كالوالدين، فقد حملت الأم بحمله أثقالًا كثيرة، ولقيت وقت وضعه مزعجات مثيرة، وبالغت في تربيته وسهرت في مداراته، وأعرضت عن جميع شهواتها لمرادته، وقدمته على نفسها في كل حال، وقد ضم الوالد إلى تسببه في إيجاده ومحبته بعد وجوده وشفقته في تربيته الكسب له والإنفاق عليه، والعاقل يعرف حق المحسن ويجتهد في مكافأته

أولًا: بر الوالدين:

أيها الأحباب أول هذه الحقوق حق البر والبر كما عرفه الحسن البصري رحمه الله، فقال: (أن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما ما لم يكن معصية)، ففي الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، فبر الوالدين من أعظم القربات وأجل الطاعات، وببرهما تتنزل الرحمات وتأملوا كيف أمر الله تعالى بالبر والإحسان وإن كانا على الكفر ﴿ وَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: 14، 15].

وعن أسماء بنت رضي الله عنهما قالت: قدمت أُمي وهي مشركة في عهد قريش مدتهم، إذا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: بعد صلح الحديبية مع أبيها، فاستفتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة؛ أي: طامعة فيما عندي، تسألني الإحسان إليها، فهل أصلُها؟ قال: نعم، صلي أمَّك، قال ابن عيينة: فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [الممتحنة: 8]

فأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما لم يمنعها بقاء أمها على الكفر من برِّها، علمًا أن أبا بكر كان قد طلَّقها قبل الهجرة، لقد رغبت في الإحسان إليها، ولكنها خشيت أن يكون ذلك مدعاة إلى اقتراف ذنب بموالاتها لكافرة، فاستشارت النبي صلى الله عليه وسلم، فأشار عليها بإيفائها حقَّها عليها في الحمل والرضاعة والتربية، فقال: نعم، ثم عزَّز هذا القول بقوله: "صلي أمَّك؛ لئلا يخطر ببال أسماء أنه أراد في الأولى مسايرتها، وأيده الله تعالى بالآية السابقة؛ لأن حكم الله في دينه إظهار الحق والاعتراف به، وأداؤه والحفاظ عليه، سواء أكان في ذلك حقه أم حق عباده، ولا يحول كفرهم بالله عز وجل دون إحسانه إليهم بالنعم في الدنيا، فعباده أولى بتأدية حقوقهم إليهم

وعن أبي غسان الضبي أنه خرج يمشي بظهر الحرة وأبوه يمشي خلفه، فلحقه أبو هريرة، فقال: من هذا الذي يمشي خلفك؟ قلت: أبي قال: (أخطأت الحق ولم توافق السنة، لا تمش بين يدي أبيك، ولكن أمشي خلفه أو عن يمينه، ولا تدع أحدًا يقطع بينك وبينه، ولا تأخذ عرقًا؛ (أي: لحمًا مختلطًا بعظم) نظر إليه أبوك، فلعله قد اشتهاه، ولا تحد النظر إلى أبيك، ولا تقعد حتى يقعد، ولا تنم حتى ينام).

ثانيًا: الإحسان إليهما:

من حقوق الآباء والأمهات الإحسان إليها، والإحسان كلمة شاملة لجميع معاني البر والرأفة والرحمة؛ قال تعالى: ﴿ وَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: 14، 15].

يروى محمد بن سيرين رحمه الله، فيقول: كانت النخلة تبلغ بالمدينة ألفًا، فعمَد أُسامة بن زيد إلى نخلة فقطعها من أجل جمارها فقيل له في ذلك، فقال: إن أمي اشتهته علي وليس شيء من الدنيا تطلبه أمي أقدر عليه إلا فعلتُه

ثالثًا: طاعة الوالدين: ومما أمر الله به الأبناء طاعة الوالدين في كل ما أمرَا به ودعيَا إليه ما لم يكن في ذلك معصية لله عز وجل، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه، وفي ذلك قال تعالى: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾، فطاعة الوالدين من أوجب الواجبات ولو كانا كافرين أو فاسقين عاصيين، وإنما الطاعة بالمعروف؛ أخرج أبو داود والترمذي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كانت تحتي امرأة وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلِّقها، فأبيت، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم طلِّقها

فما كان منه رضي الله عنه إلا طلَّقها طاعة لأبيه.

وفي أخبار أبي حنيفة ذكر المؤلف أن أُم أبي حنيفة حلفت يمينًا فحنثت، فاستفتت أبا حنيفة، فأفتاها فلم ترضَ، قالت: لا أرضى إلا بما يقول زرعة القاص، فجاء بها أبو حنيفة إلى زرعة، فقال: أفتيك ومعك فقيه الكوفة! فقال أبو حنيفة: أفتها بكذا وكذا، فأفتاها فرضيت، وعن سعيد بن عامر، قال: قال ابن المنكدر: بات أخي عمر يصلي وبت أغمز قدمي أُمي، وما أحب أن ليلتي بليله

رابعًا: الإنفاق عليهما بالمعروف:

واعلموا بارك الله فيكم أن النفقة واجبة على الأبناء لآبائهم وأمهاتهم متى كانوا فقراءَ محتاجين، أن يَسُدُّوا حاجاتِهم من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ودواء؛ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا، وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ مَالِي؟ قَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ، إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ»

فإياك أن تبخل بمالك على والديك، أو تمنَّ عليهما بما تعطيه، فإنفاقك عليهما واجب، وليس تطوَّعًا، وهما أحق الناس بعطائك وإحسانك.

فخامسًا: من حقوق الوالدين على الأبناء: الاستئذان منهما، والاستنارة برأيهما؛ سواء في الذهاب مع الأصحاب  أو للخروج من المنزل، ونحو ذلك؛ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: «فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا وَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا»

كانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إذَا أَتَى عليه أَمْدَادُ أَهْلِ اليَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ؟ حتَّى أَتَى علَى أُوَيْسٍ فَقالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: مِن مُرَادٍ ثُمَّ مِن قَرَنٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَكانَ بكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ منه إلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: لكَ وَالِدَةٌ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: يَأْتي علَيْكُم أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ مع أَمْدَادِ أَهْلِ اليَمَنِ، مِن مُرَادٍ، ثُمَّ مِن قَرَنٍ، كانَ به بَرَصٌ فَبَرَأَ منه إلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، له وَالِدَةٌ هو بهَا بَرٌّ، لو أَقْسَمَ علَى اللهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لكَ فَافْعَلْ فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ له وعن أصبغ بن زيد قال: إنما منع أويسًا أن يقدم على النبي صلى الله عليه وسلم برُّه بأمه

سادسًا: الدعاء لهما في حياتهما وبعد وفاتهما:

ومن برِّ الوالدين بعد وفاتهما: الدعاءُ لهما؛ فذلك من أفضل ما يقدِّمه الأبناء لآبائهم بعد وفاتهما، أنْ تدعوَ لهما بالرحمة والمغفرة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، فذلك مما أمر الله تعالى به، فقال سبحانه: ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24].

الدعاء للوالدين من هدي الأنبياء والرسل؛ فقد قال تعالى عن دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 41]، وقال عن دعاء نوح عليه السلام: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ﴾ [نوح: 28].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنى لي هذه، فيقول باستغفار ولدلك لك)

العنصر الثانى:  حقوق الأبناء على الآباء

وحتى تستقيم الأسرة ويستقيم إستقرارها بعد أن تحدثنا عن حقوق الآباء نتحدث مع حضراتكم عن حقوق الأبناء

فالذرية هبة إلهية، ونعمة ربانية؛ امتن الله بها على عباده في غير ما آية من القران الكريم، فقال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾. وقال عز وجل: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾.

فمن أهم ما يطمح إليه الإنسان في دنياه، ومن أعز الأمنيات على قلبه، وأجمل الرغبات في نفسه: أن يرزقه الله ذرية طيبة صالحة، تقر بها عينه، ويأنس بها فؤاده. وكذلك كانت أمنية الأنبياء وقرة عيون الأولياء، كما أخبرنا الله تعالى بذلك في كتابه؛ فقال سبحانه عن نبيه إبراهيم عليه السلام: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. وقال عن نبيه زكريا عليه السلام: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾. وقال عن عباده الصالحين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.

فنعمة الذرية نعمة جليلة، قد لا يعرف قدرها إلا من حُرِمَها؛ فهم في الدنيا قرة العين، ومنبع السرور، وزينة الحياة، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. نعمة تملأ حياة الآباء بهجة وسرورا، وتزيدها أنسا وحبورا، وتمنحهم راحة واستقرارا.. فهم زهرة اليوم وثمرة الغد وأمل المستقبل، بصلاحهم ينال الأبوان برَّهم، وطاعتهم، ونفعهم.

وهم بعد موت الأبوين عملٌ صالح يستمر، وأجر لا ينقطع، إذا كانوا صالحين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه مسلم.

لذا أوجب الإسلام على الآباء رعاية أبنائهم، وأداءَ حقوقهم، وحث على الاعتناء بهم أثناء نشأتهم، وقبل ولادتهم.. فهم أمانة في أعناقهم، إن حافظوا عليها بالتعهد والرعاية وحسن التربية فازوا وسعدوا في دنياهم وفي أخراهم، وإن أهملوها وضيعوها خابوا وخسروا في دنياهم وفي أخراهم. ففي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

فمن حقوق الأبناء قبل الولادة: أن تقوم العلاقة الزوجية بين الزوجين على أساس متين؛ قائمة على الإيمان والصلاح... فقد قال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.

ففي حضن الأسرة الصالحة تنشأ الذرية الصالحة، ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكرُونَ﴾.

فعلى المسلم أن يختار لأبنائه الأم الصالحة التي تعرف حق ربها، وحق زوجها، وحق أبنائها، وتعرف رسالتها ووظيفتها في هذه الحياة. ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك».

وعلى المسلمة أن تختار لأبنائها الزوج المناسب، ليكون أباً يشعر بمسئوليته وأمانته، ويقوم بواجبه تجاه زوجته وأولاده. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض». أخرجه الترمذي في سننه.

ومن حقوق الأبناء بعد الولادة: ذبح العقيقة لهم وتسميتهم بأحسن الأسماء؛ فقد حث على ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: «كل غلام رهين بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق رأسه ويسمى». أخرجه الإمام أحمد هذا حديث حسن صحيح.

فعلى الأبوين أن يختارا لطفلهما اسما جميلا حسنا ينادى به ويُعْرَف به ويعتز به، فلا يكون موضع تهكم وسخرية واحتقار، بل يكون اسماً ذا معنى محمود، أو صفة طيبة يرتاح لها القلب وتطمئن لها النفس، أو اسماً يبعث على الأمل والفأل الحسن، أو اسما يدل على الشجاعة والنشاط والهمة

ومن حقوق الأبناء بعد الولادة: الرضاعة الطبيعية؛ حق للطفل على والديه أن يُرْضعاه رضاعة طبيعيّة، فهي الأنسب لتركيب جسمه خلال المرحلة الأولى من عمره، وذلك بإجماع الأطباء والبحوث العلمية. وقد أمر بذلك رب العالمين، فقال سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. ولا يُفطمُ الطفلُ عن الرضاعة إلا بالتشاور والرضا بين الزوج وزوجته، مراعاة لحق الطفل في الرضاعة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.

ومن حقوق الأبناء: النفقة؛ فحق على الآباء أن ينفقوا على أبنائهم، وأن يوفروا لهم ما يحتاجونه من مطعم ومشرب وملبس ومسكن ورعاية صحية وغير ذلك من حاجياتهم، ﴿لِيُنْفِقْ ذو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قدِرَ عَلَيْهِ رِزْقهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ﴾.

وحري بالمسلم أن يترك لأولاده ما يستغنون به عن سؤال الناس والطمع فيما في أيديهم، فعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، زَمَنَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقُلْتُ: بَلَغَ بِي مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لاَ» قُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ قَالَ: «لاَ» قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ».

ومن حقوق الأبناء معاملتهم بالرحمة والرفق واللين؛ فعلى الآباء أن يرحموا أبناءهم، ويعطفوا عليهم، ويَحِنوا عليهم، ببسمة حانية، وقبلة ومحبة، وكلمات رقيقة، وتشجيع وتنويه...

ولنا في رسول الله إسوة حسنة في رفقه ورحمته بأبنائه، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ».

وروى البخاري ومسلم عن عُمَرَ بن أبي سلمة ‏ ‏يقول : كُنْتُ غُلاَمًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.

ومن حقوق الأبناء على الآباء العدل بينهم؛ فالعدل بين الأبناءِ مَطلبٌ ضروريٌّ يتحقَّقُ به الصلاح والبرّ، فهو أساس المحبة والألفة، أما الظلم والتمييز بينهم فأساس البغض والحسد والحقد...

ولذلك حصل بين يوسف وإخوته ما حصل لِمَا رأوا من اهتمام يعقوب بيوسف وميله إليه: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فكانت النتيجة: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. لكن يعقوب عليه السلام معذور في فعله وحبه ليوسف، فهو يعلم أنه سيكون نبيا مرسلا، والنبي أفضل من غيره بلا شك ولا ريب، أما غيره ممن يفضل بين أبنائه فغير معذور بذلك، بل فعله ذلك جور وظلم، نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منه، واشتد قوله صلى الله عليه وسلم في التحذير من التمييز بين الأبناء والتفضيل بينهم في الرزق والعطايا والمُعاملة، ففي الصحيحين عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلاَمًا، فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ»، قَالَ: لاَ، قَالَ «فَارْجِعْهُ». وفي رواية لمسلم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» قال: لا، قال: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». فرجع أبي، فرد تلك الصدقة. وفي رواية أخرى: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بشير ألك ولد سوى هذا؟» فقال: نعم، قال: «أكلهم وهبت له مثل هذا؟» قال: لا، قال: «فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جور». وفي رواية قال: «أيسرك أن يكونوا إليك فى البر سواء؟». قال بلى. قال: «فلا إذا». فكما أنَّ الوالدين يريدان من الأولاد أن يبروا بهما، فلا بدَّ من العدل بينهم؛ حتى يكون البر من الجميع.

ومن حقوق الأبناء على الآباء الدعاءُ لهم بالصَّلاح والهداية والخير؛ اقتداء وتأسيا بأنبياء الله ورسله في دعائهم، فهذا الخليل إبراهيم عليه السلام يدعو فيقول: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، ويقول أيضًا: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾. ويقول أيضًا: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. وهذا زكريا عليه السلام لا يطلب الذرية فقط؛ بل يطلبها ويسأل أن تكون ذرية طيِّبة صالحة: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.

فدعاء الوالدين مستجاب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده». رواه الإمام أحمد  وفي لفظ للبخاري في الأدب المفرد: «...ودعوة الوالدين على ولدهما».

لذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء على الأولاد مهما فعلوا، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكُم، ولا تدعوا على أموالكُم، لا تُوافقُوا من اللهِ تعالى ساعة نيْلٍ فيها عطاء فيستجيب لكم». رواه أبو داود بإسناد صحيح. بمعنى: لا تَدعوا عليهم إنْ أساؤوا إليكم، أو قَصَّروا في حقكم، أو رأيتم منهم ما لا يسرُّكم؛ فإنَّ ذلك ليس من الحِكمة في شيء، فقد يستجاب دعاؤكم فتصبحوا من النادمين.

ومن حقوق الأبناء على الآباء تربيتهم وتأديبهم؛ فالوالدان مسئولان عن تنشئة أبنائهِم وتربيتهم تربيةً حَسَنة إسلاميَّة، تُعرّفهم الحلال والحرامَ، تحفظ عليهم دينَهم وفطرتهم، فيسلكوا مسالك الصَّالحينَ، ويُقبلوا على اللهِ تعالى إقبال المخلصين المتقين.

والتَّربيةُ الحسنة تكون بتنشئة الأبناءِ على الفضائل، وتنبيههم من الوقوع في الرَّذائل، وتحصينِهم من الإفراطِ الذي فيه انحِرافُ العقيدة والسُّلوك والفكر، ومن التفريط الذي فيه ضياعُ النَّفسِ وابتعادها عن الدين القويم.

فالمولود يولد على الفِطرة التي فطر الله الناس عليها، ومن واجب الآباء أن يحافظوا على هذه الفطرة، ويصونوها من الدنس والانحراف.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ». واقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾.

"فالصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما ينقش فيه، ومائل إلى كل ما يُمال به إليه، فإن عُوِّدَ الخيرَ وعُلّمَه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكلّ معلمٍ له ومؤدبٍ، وإنْ عُوّد الشرّ وأهمِل إهمالَ البهائم شقِي وهلك وكان الوزرُ في رقبة مربيه والقيّم عليه". كما قال الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين.

والتربية الحسنة تفتقر إلى قدوة حسنة؛ فالولد يَفتح عينيه على أبويه، ومنهما يأخذ طريقتَه في الحياة، وأسلوبه في العيش، وعلى خطاهما يَسير، وكم من انحراف حصل في الأمم السَّابقة بسبب فَساد القدوة عند الآباء. كما قال ربنا سبحانه: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾.

يقول ابن القيم رحمه الله: "وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانتِه له على شهواته، ويزعم أنه يكرِمه وقد أهانه، وأنَّه يرحمه وقد ظلمه وحرَمَه، ففاته انتفاعُه بولده، وفوَّت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرْتَ الفساد في الأولاد، رأيتَ عامَّته من قِبَل الآباء".

وينشأ ناشئ الفتيان منا * على ما كان عَوّدَه أبوهُ

ومن حق الأبناء على الآباء أن يعلموهم العلم النافع؛ الذي ينتفعون به في حياتهم وبعد مماتهم، يعلمونهم الفرائض ليمتثلوها، والمحرمات ليجتنبوها، كما أمر بذلك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مُرُوا أوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أبْنَاءُ سَبْعِ سِنينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في المضَاجِعِ». ويعلمونهم ما يُفيدُهم من العلوم والأعمال والمهارات التي بها تقومُ حياتهم، ويُبنى عليها قوَّة الفردِ وصلاحُ المجتمع ونصرة الدين.

وإذا كان الأب يَخشى على أولاده من برد الشتاء وحرِّ الصيف، فلا بدَّ أن يَخشى عليهم من نار جهنَّم، فيحيطهم بالرِّعاية والتربية والتعليم. استجابة لأمر الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

ومن واجب الآباء أن يحرصوا على حماية أبنائهم من الانحراف والزيغ والضلال، ويُرشِدوهم إلى ما به تستقيم أفهامهم وتسلم أفكارهم.. فنحن في زمن تقاربت أقطاره مع تطور تقنيات البحث والمواصلات، فتعددت معه مشارب المعلومات، وموارد الأفكار، فاختلط الغث بالسمين، والضار بالنافع، وأصبحت الشبهات تنتشر في كل مكان، والأفكار المتطرفة تغزو الأسر والمجتمعات.

كما يجب على الآباء أيضا أن يحصنوا أبناءهم من قبائح الرذائل والمنكرات، وويلات المسكرات والمخدرات، فالفواحش معلنة، والمخدرات تغزو المؤسسات التعليمية، تخرب العقول، وتميت الحياء، وتقضي على القيم...

العنصر الثالث:  محاور إستقرار الأسرة

فالأسرة المستقرة تُبنى على: إيمانٍ حي، وعدلٍ في التعامل، وحوارٍ راقٍ، وقدوةٍ صادقة، ومسؤوليةٍ مشتركة. فإذا صلحت التربية الأسرية، وقُيت الأسرة من كثير من الأزمات قبل وقوعها.

وإنَّ تعزيز مهارات التربية الإسلامية الأسرية لمن أعظم وسائل بناء أسرة مستقرة متماسكة؛ محفوظة بأمر الله من المشكلات والأزمات التي تعصف عادة بكيانها؛ لأن الأسرة في الإسلام ليست مجرد إطار اجتماعي، بل هي مؤسسة إيمانية وتربوية. ويمكن بيان ذلك من خلال المحاور الآتية:

أولاً: ترسيخ الأساس الإيماني للأسرة:

وجعل الإيمان المشترك هو الرابط الأعلى بين أفراد الأسرة، لا المصالح ولا العادات فقط، وإحياء العبادات داخل البيت بالصلاة، والذكر، وقراءة القرآن؛ لأنها: تزكي النفوس، وتهذب السلوك، وتخفف حدّة الخلافات، قال الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132].

ثانيًا: فهم الأدوار والحقوق والواجبات شرعًا:

فكثير من المشكلات الأسرية سببها: الجهل بالحقوق، أو تضخيم الحقوق، وإهمال الواجبات، قال الله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 228].

والتربية الإسلامية تعلّم أنَّ القوامة رحمة ومسؤولية وليست تسلطًا، وأنَّ الطاعة تعاون واحترام وليست إلغاءً للشخصية، وأنَّ البر والرعاية لا يعارضان الاستقلال.

ثالثًا: تنمية مهارات الحوار الأسري:

تعليم أفراد الأسرة: حسن الاستماع، وضبط الانفعال، واختيار الوقت المناسب للنقاش، واعتماد الحوار بدل الصراخ، والتفاهم بدل الاتهام، وتربية الأبناء على التعبير المنضبط عن مشاعرهم، قال الله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ [آل عمران: 159].

رابعًا: التربية بالقدوة الحسنة وليس بالأوامر فقط:

فالأبوان هما المدرسة الأولى في الأخلاق، وفي الانضباط، وفي التعامل مع الخلاف.

والاستقامة العملية داخل البيت أقوى من ألف موعظة خارجه، قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21].

خامسًا: الوقاية من أسباب النزاع الأسري:

وتكون عبر: جعل العدل أساسًا لتعامل الزوجين فيما بينهما، وتعاملهما مع الأبناء، وضبط الغضب، وتجنب المقارنات، وعدم إدخال الخلافات الزوجية في تربية الأبناء، وإدارة المال والوقت بحكمة، قال الله تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء: 53].

سادسًا: التربية على المسؤولية والانتماء:

وإشراك الأبناء في: تحمل المسؤولية، واتخاذ القرار المناسب لأعمارهم، وإشعار كل فرد بقيمته داخل الأسرة. وهذا يقلل التمرد، ويعزز الانتماء.

سابعًا: اللجوء المبكر للعلاج الشرعي للمشكلات:

فعند ظهور الخلاف ينبغي المبادرة بالإصلاح، والاستعانة بالحكماء، وعدم السماح بتراكم المشكلات، فالإسلام شرع الإصلاح قبل الانفصال، قال الله تعالى: إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء: 35].

الدُّعَاءِ

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَحَبِّبْنَا فَى بَعْضِنَا وَانْزِعْ الشَّحْنَاءَ وَالْبَغْضَاءَ مِنْ قُلُوبِنَا وَانْشُرْ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ فَى بِلَادِنَا وَسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَارْفَعْ الْبَلَاءَ وَالْغَلَاءَ عَنَّا اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِوَالِدَيْنَا كَمَا رَبَّيَانَا صِغَارًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمَا وَارْحَمْهُمَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ مَشَايِخَنَا وَعُلَمَائِنَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْنَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ

google-playkhamsatmostaqltradent