أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ
اللَّهَ اللَّهَ فِي الحِرْصِ عَلَى اسْتِقْرَارِ الأُسَرِ المُسْلِمَةِ.
أَبْرَزُ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ اسْتِقْرَارَ الأُسَرِ المُسْلِمَةِ.
التَّوَاصُلَ التَّوَاصُلَ بَيْنَ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ، عِبَادَ اللَّهِ.
الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى،
وَقَدَّرَ فَهَدَى، وَخَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا
تُمْنَى، الحَمْدُ للهِ القَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ
مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (الأعراف:
189)، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، القَائِلُ
كَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي
الدُّنْيَا إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ العِينِ: لَا تُؤْذِيهِ، قَاتَلَكِ
اللَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا)) (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ المُخْتَارِ، وَعَلَى
آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الأَطْهَارِ الأَخْيَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى
يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ... فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي
أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى العَزِيزِ الغَفَّارِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ
فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
(البقرة: 281).
صَلُّوا عَلَى الْمَبْعُوثِ فِينَا رَحْمَةً
*** تُكْتَبْ لَكُمْ عَشْرًا لَدَى الرَّحْمَنِ
صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ يَا خَيْرَ الْوَرَى
*** مَا ضَجَّتِ الْآفَاقُ بِالْأَذَانِ
أَيُّهَا السَّادَةُ: (أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ) عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً مَا أَحْوَجَنَا
فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ أَثَرِ
اسْتِقْرَارِ الأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ، وَخَاصَّةً وَاسْتِقْرَارُ الأُسْرَةِ
سَبَبٌ رَئِيسٌ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ بُنْيَانُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ،
وَهُوَ لَبِنَةُ المُجْتَمَعِ وَأَسَاسُ نَهْضَتِهِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا
تَفَتَّتَ فِيهِ الكَثِيرُ مِنَ الأُسَرِ بِسَبَبِ عَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا، وَخَاصَّةً
وَتَعِيشُ الكَثِيرُ مِنَ الأُسَرِ بِسَبَبِ عَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ فِي تَعَاسَةٍ
وَشَقَاءٍ، وَبِسَبَبِ بُعْدِهَا عَنْ مَنْهَجِ رَبِّهَا وَسُنَّةِ نَبِيِّهَا صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَاصَّةً وَلَقَدِ انْتَشَرَ الطَّلَاقُ بِصُورَةٍ مُفْزِعَةٍ،
وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَخَاصَّةً مَا نَرَاهُ وَنَسْمَعُهُ
وَنُشَاهِدُهُ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ مِنَ العُنْفِ الأُسَرِيِّ
وَالإِيذَاءِ النَّفْسِيِّ وَالبَدَنِيِّ وَالتَّفَتُّتِ فِي كِيَانِ الأُسَرِ، فَنَسْمَعُ
هَذَا يَقْتُلُ زَوْجَتَهُ، وَأُخْرَى تَقْتُلُ زَوْجَهَا، وَأَخٌ يَقْتُلُ أُخْتَهُ
مِنْ أَجْلِ المِيرَاثِ، وَآخَرُ يُحْرِقُ أُخْتَهُ وَيُعَرِّضُهَا لِلِاغْتِصَابِ،
وَهَذِهِ تَطْلُبُ الطَّلَاقَ، وَهَذِهِ تَخْرُجُ عَلَى الفَيْسِ بِمَقَاطِعَ تَنَالُ
مِنْ زَوْجِهَا، انْحِرَافٌ وَانْحِطَاطٌ مَا بَعْدَهُ انْحِرَافٌ وَانْحِطَاطٌ فِي
كِيَانِ الأُسْرَةِ المُسْلِمَةِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَلِلَّهِ
دَرُّ القَائِلِ:
مَتَى يَبْلُغُ البُنْيَانُ يَوْمًا تَمَامَهُ
****** إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيْرُكَ يَهْدِمُ
أَوَّلًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي الحِرْصِ
عَلَى اسْتِقْرَارِ الأُسَرِ المُسْلِمَةِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدِ امْتَنَّ اللهُ
جَلَّ وَعَلَا عَلَى عِبَادِهِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى، قَالَ رَبُّنَا: ﴿وَإِنْ
تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 18]، وَمِنْ أَجَلِّ
هَذِهِ النِّعَمِ: نِعْمَةُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ جَلَّ شَأْنُهُ
يَعْلَمُ أَنَّ حَيَاةَ الْمُجْتَمَعِ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْأُسَرِ، فَشَرَعَ لَنَا
الزَّوَاجَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [سُورَةُ
الرُّومِ: 21]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ
سَكَنًا﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 80]،هَذَا هُوَ السَّكَنُ النَّفْسِيُّ وَالسَّكَنُ الرُّوحِيُّ،
وَحَثَّنَا النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ ﷺ عَلَى الزَّوَاجِ؛ لِبِنَاءِ الْأُسْرَةِ
وَتَحْقِيقِ الِاسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِيِّ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ
مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ،
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) وَقَالَ ﷺ: «النِّكَاحُ سُنَّتِي، فَمَنْ رَغِبَ
عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ). وَالِاسْتِقْرَارُ الْأُسَرِيُّ
سَبَبٌ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ، وَسَبَبٌ فِي نَهْضَةِ الْأُمَمِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ،
وَكَيْفَ لَا؟! وَالْأُسْرَةُ هِيَ اللَّبِنَةُ الْأُولَى فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ،
فَإِذَا صَلَحَتِ الْأُسْرَةُ صَلَحَ الْمُجْتَمَعُ، وَإِذَا اضْطَرَبَتْ وَتَفَكَّكَتْ
اضْطَرَبَ الْمُجْتَمَعُ وَتَفَكَّكَ. وَفِي ظِلِّ الْأُسْرَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ يَنْشَأُ
الْأَبْنَاءُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْقِيَمِ الْفَاضِلَةِ، وَيَتَعَلَّمُونَ
مَعَانِيَ الْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّعَاوُنِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ، فَتَخْرُجُ
لِلْمُجْتَمَعِ أَجْيَالٌ صَالِحَةٌ نَافِعَةٌ لِدِينِهَا وَأَوْطَانِهَا. وَلِهَذَا
حَرَصَ الْإِسْلَامُ عَلَى تَقْوِيَةِ رَوَابِطِ الْأُسْرَةِ، وَأَمَرَ كُلَّ فَرْدٍ
مِنْ أَفْرَادِهَا بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقٍ وَوَاجِبَاتٍ، فَأَمَرَ الزَّوْجَ
بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاءِ:
19]، فَحَثَّ الإِسْلَامُ عَلَى المُعَاشَرَةِ الحَسَنَةِ، وَأَنْ يَتَحَمَّلَ الرَّجُلُ
اِعْوِجَاجَ الْمَرْأَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: “الْمَرْأَةُ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ
أَعْوَجَ، وَإِنَّكَ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا تَعِشْ بِهَا
وَفِيهَا عِوَجٌ“رَوَاهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. وَأَمَرَ الزَّوْجَةَ بِطَاعَةِ زَوْجِهَا
فِي الْمَعْرُوفِ وَالْحِفَاظِ عَلَى بَيْتِهَا وَأَوْلَادِهَا ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ عَوْفٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” إِذَا
صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ
زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ“(رواه
أحمد) ، وَأَمَرَ الْأَبْنَاءَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا،
فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: 23]. وَكَيْفَ لَا؟! وَالزَّوَاجُ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَاقَةٍ
بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، بَلْ هُوَ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ، وَبِنَاءٌ مُبَارَكٌ يُرَادُ
مِنْهُ إِنْشَاءُ أُسْرَةٍ مُسْلِمَةٍ صَالِحَةٍ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَتُوَحِّدُهُ،
وَتُسْهِمُ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحِ الْمُجْتَمَعِ. وَلِذَلِكَ جَعَلَ
الْإِسْلَامُ حُسْنَ اخْتِيَارِ الزَّوْجَيْنِ أَسَاسًا لِنَجَاحِ الْحَيَاةِ الْأُسْرِيَّةِ،
فعن أبي هريرةَ أنّ رسولَ اللهِ صلى اللهِ عليه وسلم قال: تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ:
لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ
يَدَاكَ “( متفق عليه) (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَقَالَ ﷺ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ
وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). وَكَيْفَ لَا؟! وَمِنَ الضَّوَابِطِ
الَّتِي وَضَعَهَا الْإِسْلَامُ لِاسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ: أَنَّ الْقِوَامَةَ
لِلرَّجُلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ
اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النِّسَاءِ:
34]. وَالْقِوَامَةُ فِي الْإِسْلَامِ تَكْلِيفٌ وَلَيْسَتْ تَشْرِيفًا، وَمَسْؤُولِيَّةٌ
وَلَيْسَتْ سُلْطَةً مُطْلَقَةً، فَهِيَ إِشْرَافٌ وَرِعَايَةٌ وَخِدْمَةٌ وَحِرْصٌ
وَجُهْدٌ وَسَعْيٌ فِي تَحْقِيقِ مَصَالِحِ الْأُسْرَةِ وَحِفْظِهَا، وَلَيْسَتِ اسْتِعْلَاءً
وَلَا غَطْرَسَةً، وَلَا تَحَكُّمًا وَلَا تَعَسُّفًا، وَلَا اسْتِبْدَادًا وَإِهَانَةً.وَلِذَلِكَ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرَ الْقَائِمِينَ عَلَى أَهْلِهِ،
وَأَحْسَنَهُمْ عِشْرَةً لِزَوْجَاتِهِ، فَقَالَ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا
خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). وَكَانَ ﷺ يَخْدِمُ أَهْلَهُ فِي بَيْتِهِ، وَيُعَامِلُهُمْ
بِالرِّفْقِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَوَدَّةِ. فَالزَّوْجُ الْقَوَّامُ هُوَ الَّذِي يَتَحَمَّلُ
الْمَسْؤُولِيَّةَ، وَيُوَفِّرُ النَّفَقَةَ، وَيُحْسِنُ التَّوْجِيهَ، وَيَصْبِرُ
عَلَى مَا يَرَى مِنْ نَقْصٍ أَوْ خَطَإٍ، وَيُقِيمُ بَيْتَهُ عَلَى الْعَدْلِ وَالْمَحَبَّةِ
وَالتَّفَاهُمِ، لَا عَلَى الْقَهْرِ وَالتَّسَلُّطِ. وَإِذَا فَهِمَ الرَّجُلُ الْقِوَامَةَ
عَلَى وَجْهِهَا الشَّرْعِيِّ، وَفَهِمَتِ الْمَرْأَةُ حَقَّ زَوْجِهَا وَوَاجِبَهَا
نَحْوَهُ، سَادَ الْوِفَاقُ وَالْوِئَامُ، وَحَلَّتِ الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ، وَاسْتَقَرَّتِ
الْأُسْرَةُ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ.
وَكَيْفَ لَا؟! وَمِنَ الضَّوَابِطِ الْمُهِمَّةِ
الَّتِي تُسَاعِدُ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ وَدَوَامِ الْمَوَدَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا:
التَّغَافُلُ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَالتَّغَافُرُ عِنْدَ الْخَطَأِ، فَلَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ
أَنْ يُحَاسِبَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ عَلَى كُلِّ هَفْوَةٍ، وَلَا أَنْ تُحَاسِبَ الزَّوْجَةُ
زَوْجَهَا عَلَى كُلِّ تَقْصِيرٍ، فَالْكَمَالُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَكُلُّ بَنِي آدَمَ
خَطَّاءٌ.وَقَدْ أَدْرَكَ السَّلَفُ الصَّالِحُ قِيمَةَ التَّغَافُلِ فِي حِفْظِ الْعَلَاقَاتِ
وَاسْتِدَامَةِ الْمَحَبَّةِ، فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ
قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ زَائِدَةَ يَقُولُ: «الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ،
تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ»، قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ
بْنَ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: «الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّهَا فِي التَّغَافُلِ»
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ].وَالتَّغَافُلُ لَيْسَ ضَعْفًا، وَلَا عَجْزًا، وَلَكِنَّهُ
خُلُقُ الْعُقَلَاءِ وَسِمَةُ الْكُرَمَاءِ، يَتَجَاوَزُ الْإِنْسَانُ بِهِ عَنْ صَغَائِرِ
الْأُمُورِ، وَيُعْرِضُ عَمَّا لَا يَنْفَعُ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ، حِفَاظًا عَلَى الْمَحَبَّةِ
وَالْوِئَامِ. وَإِذَا كَانَ التَّغَافُلُ عَنْ الزَّلَّاتِ مَطْلُوبًا، فَإِنَّ التَّغَافُرَ
عِنْدَ الْخَطَإِ أَشَدُّ طَلَبًا؛ فَكَمْ مِنْ بُيُوتٍ هَدَمَهَا الْإِصْرَارُ عَلَى
الْعِتَابِ، وَكَثْرَةُ التَّذْكِيرِ بِالْأَخْطَاءِ، وَكَمْ مِنْ بُيُوتٍ بَقِيَتْ
مُتَمَاسِكَةً بِسَبَبِ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالتَّجَاوُزِ.لذا كَانَ السَّلَفُ
الصَّالِحُ يَحْرِصُونَ عَلَى حِمَايَةِ بُيُوتِهِمْ مِنْ أَسْبَابِ التَّنَازُعِ وَالِانْشِغَالِ،
فَهَذَا عمر بن عبد العزيز كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ تَرَكَ هُمُومَ الْحُكْمِ وَأَعْبَاءَهُ
خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَهْلِهِ بِوَجْهٍ طَلْقٍ وَكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ؛
إِدْرَاكًا مِنْهُ أَنَّ صَلَاحَ الْبَيْتِ أَسَاسٌ لِصَلَاحِ الْمُجْتَمَعِ. فَاحْرِصُوا
-عِبَادَ اللَّهِ- عَلَى التَّغَافُلِ عَمَّا لَا يَضُرُّ، وَالتَّغَافُرِ عِنْدَ الزَّلَلِ،
وَتَبَادُلِ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالِابْتِسَامَةِ الصَّادِقَةِ، فَإِنَّ الْبُيُوتَ
لَا تَقُومُ عَلَى تَتَبُّعِ الْعُيُوبِ، وَلَكِنَّهَا تَقُومُ عَلَى الْحِلْمِ وَالصَّبْرِ
وَالْعَفْوِ وَالْمَحَبَّةِ، وَبِذَلِكَ تَدُومُ الْأُلْفَةُ، وَتَسْتَقِرُّ الْأُسَرُ،
وَيَسْعَدُ الْمُجْتَمَعُ بِأَسْرِهِ وَأَفْرَادِهِ.
وَكَيْفَ لَا؟! وَمِنَ الضَّوَابِطِ الَّتِي
وَضَعَهَا الْإِسْلَامُ لِاسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ: تَرْبِيَةُ النَّشْءِ
تَرْبِيَةً صَحِيحَةً، مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ، وَمِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ
وَلَا تَشَدُّدٍ، عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَالْأَوْلَادُ أَمَانَةٌ، وَتَرْبِيَتُهُمْ
أَمَانَةٌ، وَسَتُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ حَافَظْتَ عَلَيْهِمْ
فَقَدْ صُنْتَ الْأَمَانَةَ، وَإِنْ أَهْمَلْتَهُمْ فَقَدْ خُنْتَ الْأَمَانَةَ. وَقَدْ
أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ
مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ
مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ
مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ
اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ
اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». فَيَا مَنْ شَغَلَتْهُ الدُّنْيَا عَنْ أَوْلَادِهِ،
وَيَا مَنْ تَرَكَ تَرْبِيَتَهُمْ لِلشَّاشَاتِ وَالْهَوَاتِفِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ،
اتَّقِ اللَّهَ فِي أَبْنَائِكَ وَبَنَاتِكَ، فَإِنَّهُمْ وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ، وَسَتُسْأَلُ
عَنْهُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. عَلِّمْهُمُ الصَّلَاةَ، وَرَبِّهِمْ
عَلَى الْقُرْآنِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَازْرَعْ فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ ﷺ، وَارْبِطْهُمْ بِالْمَسَاجِدِ وَالْعُلَمَاءِ
وَالصَّالِحِينَ. فَكَمْ مِنْ أَبٍ حَيٍّ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَلَكِنَّهُ غَائِبٌ عَنْهُمْ
بِفِكْرِهِ وَوَقْتِهِ وَاهْتِمَامِهِ، وَكَمْ مِنْ أُمٍّ أَضَاعَتْ أَبْنَاءَهَا بِالْغَفْلَةِ
وَالتَّقْصِيرِ، فَنَشَأَ الْأَبْنَاءُ بِلَا تَوْجِيهٍ وَلَا رِعَايَةٍ، وَكَانَتِ
النَّتِيجَةُ انْحِرَافًا فِي الْأَخْلَاقِ وَالسُّلُوكِ وَالْعَقِيدَةِ. فَحِفْظُ
الْأَبْنَاءِ وَتَرْبِيَتُهُمْ عَلَى الدِّينِ وَالْفَضِيلَةِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ
اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ، وَمِنْ أَجَلِّ الْقُرُبَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا
الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التَّحْرِيمِ: 6]. فَاللَّهُمَّ
أَصْلِحْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لَنَا فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ.
أَبْرَزُ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي
تُوَاجِهُ اسْتِقْرَارَ الأُسَرِ المُسْلِمَةِ.
أَيُّهَا السَّادَة: تُوَاجِهُ الْأُسْرَةُ
المُسْلِمَةُ فِي عَصْرِنَا تَحَدِّيَاتٍ مُتَزَايِدَةً تَضْغَطُ عَلَى تَمَاسُكِهَا
وَاسْتِقْرَارِهَا، وَتُلْقِي بِظِلَالِهَا عَلَى الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا،
حَتَّى غَدَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْبُيُوتِ مُهَدَّدَةً بِفَقْدِ السَّكِينَةِ الَّتِي
أَرَادَهَا اللَّهُ لَهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[الرُّوم: 21]. وَمِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ ضَعْفُ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ
وَالِابْتِعَادُ عَنْ مَنْهَجِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي
تَقُومُ عَلَيْهِ الْأُسْرَةُ الْمُسْلِمَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ
وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طٰهٰ: 132]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: 6]. فَمَتَى ضَعُفَتِ
الصِّلَةُ بِاللَّهِ ضَعُفَتِ الرَّوَابِطُ الْأُسَرِيَّةُ وَكَثُرَتِ الْمُشْكِلَاتُ.
وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا خَرِبَتِ الْأُسَرُ، وَلَا تَفَكَّكَتِ
الْبُيُوتُ، وَلَا ضَاعَ الْأَبْنَاءُ وَالْبَنَاتُ، إِلَّا لَمَّا أَعْرَضَ كَثِيرٌ
مِنَ النَّاسِ عَنْ مَنْهَجِ اللَّهِ، وَابْتَعَدُوا عَنْ هَدْيِ نَبِيِّهِمْ ﷺ، وَاسْتَبْدَلُوا الَّذِي هُوَ أَدْنَى
بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَحَلَّتِ الْمُشْكِلَاتُ، وَكَثُرَتِ الْخِلَافَاتُ، وَضَعُفَتِ
الرَّوَابِطُ، وَفُقِدَتِ السَّكِينَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ. وَصَدَقَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ
إِذْ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ
بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾
[طٰهٰ: 124-126].وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[طٰهٰ: 123]، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ سَعِدَ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَمَنْ
أَعْرَضَ عَنْهُمَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ شَقِيَ فِي دُنْيَاهُ وَهَلَكَ فِي أُخْرَاهُ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ
فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: 63]. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ
مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الْأَعْرَافِ: 96]. فَإِذَا أَرَدْنَا بُيُوتًا مُسْتَقِرَّةً،
وَأُسَرًا مُتَمَاسِكَةً، وَأَبْنَاءً صَالِحِينَ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُعِيدَ الْقُرْآنَ
إِلَى بُيُوتِنَا، وَأَنْ نُحْيِيَ سُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ فِي أُسَرِنَا، وَأَنْ نُرَبِّيَ أَبْنَاءَنَا
عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَأَنْ نَجْعَلَ طَاعَةَ اللَّهِ أَسَاسَ حَيَاتِنَا؛
فَعِنْدَئِذٍ تَنْزِلُ السَّكِينَةُ، وَتَحُلُّ الْبَرَكَةُ، وَتَعُمُّ السَّعَادَةُ.
أَلَا فَلْنَتَّقِ اللَّهَ فِي أَنْفُسِنَا وَأَهْلِينَا، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ سَعَادَةَ
الْأُسْرَةِ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَلَا بِرَفَاهِيَةِ الْعَيْشِ، وَلَكِنَّهَا
فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ ﷺ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[النَّحْلِ: 97].
وَمِنَ التَّحَدِّيَاتِ: الِانْشِغَالُ
الْمُفْرِطُ بِوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ وَالتِّقْنِيَةِ الْحَدِيثَةِ عَلَى حِسَابِ
الْجُلُوسِ مَعَ الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَضْيِيعِ مَنْ تَحْتَ يَدِ الْإِنْسَانِ،
فَقَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ). فَكَمْ مِنْ وَالِدٍ حَاضِرٍ بِجَسَدِهِ غَائِبٍ بِقَلْبِهِ وَعَقْلِهِ عَنْ
أَبْنَائِهِ! فَمِنَ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ
فِي عَصْرِنَا: الْإِعْلَامُ الْفَاسِدُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ إِعْلَامٍ، فَمِنَ
الْإِعْلَامِ مَا هُوَ نَافِعٌ وَهَادِفٌ وَبَنَّاءٌ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ الْإِعْلَامُ
الْفَاضِحُ الْمُضَلِّلُ الَّذِي يَنْشُرُ الرَّذِيلَةَ، وَيُهَوِّنُ مِنْ شَأْنِ الْمَعْصِيَةِ،
وَيُزَيِّنُ الْفَاحِشَةَ، وَيُضَيِّعُ قِيَمَ الْأُسْرَةِ وَمَبَادِئَهَا. وَقَدْ
حَذَّرَنَا رَبُّنَا مِنْ نَشْرِ الْفَوَاحِشِ وَإِشَاعَتِهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النُّور: 19]. فَبِسَبَبِ هَذِهِ الْبَرَامِجِ
الْهَدَّامَةِ وَالْمَوَاقِعِ الْمُخَرِّبَةِ كَثُرَتِ الْخِيَانَاتُ الزَّوْجِيَّةُ،
وَضَعُفَ الْحَيَاءُ، وَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْمَعَاصِي، وَظَهَرَتْ صُوَرٌ مِنَ
الْعُنْفِ وَالْجَرِيمَةِ وَالِانْحِلَالِ الْأَخْلَاقِيِّ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ
إِلَّا بِاللَّهِ. فَكَمْ هَدَمَتْ هَذِهِ الْوَسَائِلُ مِنْ أُسَرٍ! وَكَمْ حَطَّمَتْ
مِنْ بُيُوتٍ! وَكَمْ سَلَخَتْ مِنْ خُلُقٍ! وَكَمْ وَارَتْ مِنْ عِفَّةٍ وَحَيَاءٍ!
وَمِنَ التَّحَدِّيَاتِ :التَّسَاهُلُ فِي حِفْظِ أَسْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ
مِنَ التَّحَدِّيَاتِ الْخَطِيرَةِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ فِي
عَصْرِنَا؛ حَيْثُ أَصْبَحَ بَعْضُ النَّاسِ يُخْرِجُونَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى
مَسْتُورًا إِلَى دَائِرَةِ النَّشْرِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّدَاوُلِ، فَتَضِيعُ الْخُصُوصِيَّةُ
الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا رَابِطَةُ الزَّوْجِيَّةِ، وَتَتَزَعْزَعُ الثِّقَةُ بَيْنَ
الزَّوْجَيْنِ، وَمَتَى مَا فُقِدَتِ الثِّقَةُ وَانْهَارَ سِتْرُ الْأُسْرَةِ تَصَدَّعَ
بُنْيَانُهَا، وَاهْتَزَّتْ أَرْكَانُ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ. وَقَدْ شَدَّدَ
الْإِسْلَامُ فِي حِفْظِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ، وَجَعَلَ الْأَسْرَارَ الزَّوْجِيَّةَ
مَحَلَّ سِتْرٍ وَصِيَانَةٍ، لَا مَجَالَ لِإِفْشَائِهَا أَوْ تَدَاوُلِهَا، فَإِفْشَاؤُهَا
خِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ، وَإِسَاءَةٌ لِلْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ. لذا جَاءَ التَّحْذِيرُ
الشَّدِيدُ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي
الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ
اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي
إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:
«إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلُ
يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ). فَالْأَسْرَارُ الزَّوْجِيَّةُ لَيْسَتْ أَحَادِيثَ عَابِرَةً وَلَا
مَوَادَّ لِلْمُزَاحِ أَوِ النَّشْرِ، بَلْ هِيَ أَمَانَاتٌ عَظِيمَةٌ يُسْأَلُ الْعَبْدُ
عَنْهَا أَمَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَدَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ الْمَوَدَّةِ وَكَمَالِ
الْوَفَاءِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.وَمَا أَحْوَجَ الْبُيُوتَ الْيَوْمَ إِلَى اسْتِحْضَارِ
هَذِهِ الْمَعَانِي الْإِيمَانِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ، لِتَبْقَى مُسْتَقِرَّةً،
آمِنَةً، مَحْفُوفَةً بِالثِّقَةِ وَالِاحْتِرَامِ، قَادِرَةً عَلَى مُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتِ
الْعَصْرِ بِرُوحِ الْحِكْمَةِ وَالتَّعَاوُنِ، فَتَظَلَّ كَمَا أَرَادَهَا اللَّهُ
تَعَالَى: سَكَنًا وَمَوَدَّةً وَرَحْمَةً، وَحِصْنًا يَحْفَظُ الْمُجْتَمَعَ مِنَ
الِاضْطِرَابِ وَالتَّفَكُّكِ.
وَمِنَ التَّحَدِّيَاتِ : ضَعْفُ الْحِوَارِ
وَكَثْرَةُ الْخِلَافَاتِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ
فَقَالَ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاءِ: 19]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ
كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَهُوَ تَوْجِيهٌ
نَبَوِيٌّ عَظِيمٌ إِلَى التَّغَافُلِ عَنِ الْهَفَوَاتِ وَالنَّظَرِ إِلَى الْمَحَاسِنِ.
وَمِنْ أَخْطَرِ التَّحَدِّيَاتِ تَدَخُّلُ
الْغَيْرِ فِي شُؤُونِ الْأُسَرِ وَنَقْلُ الْكَلَامِ وَإِشَاعَةُ الْخِلَافَاتِ، وَقَدْ
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾
[الْحُجُرَاتِ: 10]، وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِفْسَادِ الْعَلَاقَاتِ أَوْ تَأْجِيجِ النِّزَاعَاتِ،
وَقَالَ ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ»
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
وَمِنْ أَخْطَرِ التَّحَدِّيَاتِ: التَّأَثُّرُ
بِالثَّقَافَاتِ الْوَافِدَةِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى التَّفَلُّتِ مِنَ الْقِيَمِ وَإِضْعَافِ
الرَّوَابِطِ الْأُسَرِيَّةِ، مَعَ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَقَامَ الْأُسْرَةَ عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّكَافُلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ
مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 24]، وَقَالَ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا
وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
وَمِنَ التَّحَدِّيَاتِ: الْمَظَاهِرُ الْكَاذِبَةُ
وَالْوُجُوهُ الْمُتَعَدِّدَةُ؛ فَتَجِدُ بَعْضَ النَّاسِ يُعَامِلُ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ
بِالْقَسْوَةِ وَالْغِلْظَةِ وَسُوءِ الْخُلُقِ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى النَّاسِ أَظْهَرَ
اللِّينَ وَالْبَشَاشَةَ وَحُسْنَ الْمَنْطِقِ، وَرُبَّمَا تَجَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى
إِفْسَادِ امْرَأَةٍ عَلَى زَوْجِهَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي ذَلِكَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله
عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً
عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). وَمَا أَكْثَرَ
هَؤُلَاءِ الْيَوْمَ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ ذِئَابٌ بَشَرِيَّةٌ
تَتَسَتَّرُ وَرَاءَ الْكَلِمَاتِ الْمُعَسَّلَةِ وَالصُّوَرِ الْخَادِعَةِ وَالْمَظَاهِرِ
الْمُزَيَّفَةِ، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْأَشْكَالُ الْحَسَنَةُ، وَلَا الْأَجْسَادُ
الْقَوِيَّةُ، وَلَا الْعِبَارَاتُ الْمُنَمَّقَةُ؛ فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالتَّقْوَى
وَصَلَاحِ الْقُلُوبِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالرَّجُلِ
السَّمِينِ، فَلَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلَا
نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الْكَهْفِ: 105].
وَنَسِيَ هَذَا الْمِسْكِينُ أَنَّ الدَّيَّانَ
لَا يَمُوتُ، وَأَنَّ الْحِسَابَ آتٍ لَا مَحَالَةَ، وَأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ
الْعَمَلِ، فَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَمَنْ زَرَعَ الْخَيْرَ حَصَدَ الْخَيْرَ، وَمَنْ
زَرَعَ الشَّرَّ حَصَدَ النَّدَامَةَ وَالْحَسْرَةَ.وَصَدَقَ الْقَائِلُ:
مَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَفْنَى ***
وَيُبْقِي الدَّهْرُ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
فَلَا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ
*** يَسُرُّكَ فِي الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ
فَعَلَيْنَا أَنْ نُوَاجِهَ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ
بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَبِتَقْوَى اللَّهِ فِي الْبُيُوتِ،
وَبِإِحْيَاءِ مَعَانِي الْحِوَارِ وَالْمَوَدَّةِ وَالتَّغَافُلِ وَالتَّرَاحُمِ،
فَإِنَّ الْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ الْمُتَمَاسِكَةَ هِيَ أَسَاسُ الْمُجْتَمَعِ الصَّالِحِ،
وَهِيَ السَّبِيلُ إِلَى أَمْنِ الْأُمَّةِ وَاسْتِقْرَارِهَا. فَاتَّقُوا اللَّهَ
عِبَادَ اللَّهِ، وَاحْرِصُوا عَلَى حِفْظِ أُسَرِكُمْ، وَغَرْسِ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ
فِي بُيُوتِكُمْ، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ عَامِرَةً بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ
الْقُرْآنِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ تَحُلُّ
فِيهِ الْبَرَكَةُ وَالسَّكِينَةُ، وَيَسُودُهُ الْأَمْنُ وَالِاسْتِقْرَارُ، وَذَلِكَ
مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ. فَاللهَ اللهَ فِي إِصْلَاحِ الْأُسَرِ،
وَاللهَ اللهَ فِي الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَاللهَ اللهَ فِي السَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ
وَالرَّحْمَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَاللهَ اللهَ فِي الِامْتِثَالِ لِأَوَامِرِ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَاللهَ اللهَ فِي تَنْشِئَةِ النَّشْءِ
عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَاللهَ اللهَ فِي التَّرْبِيَةِ الصَّحِيحَةِ.
فَالْأُسْرَةُ هِيَ السَّكَنُ وَالْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ وَالْأُلْفَةُ وَالْمَحَبَّةُ
وَالتَّعَاوُنُ وَالِاحْتِرَامُ، وَبِصَلَاحِ الْأُسْرَةِ يَصْلُحُ الْمُجْتَمَعُ،
وَبِفَسَادِهَا يَفْسُدُ الْمُجْتَمَعُ، وَمَا الْمُجْتَمَعُ إِلَّا أُسَرٌ مُجْتَمِعَةٌ،
فَإِذَا صَلَحَتْ لَبِنَاتُهُ قَوِيَ بُنْيَانُهُ، وَإِذَا تَصَدَّعَتْ ضَعُفَ كِيَانُهُ
وَتَفَكَّكَ بُنْيَانُهُ.
لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ****مِنَ
الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلًا
إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَرَى لَهُ*****أُمًّا
تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُولًا
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا
حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِاسْمِ اللَّهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
كَثِيرًا.
التَّوَاصُلَ التَّوَاصُلَ بَيْنَ
الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ، عِبَادَ اللَّهِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: التَّوَاصُلُ بَيْنَ
الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ تَمَاسُكِ الْأُسْرَةِ، وَرُكْنٌ
أَسَاسِيٌّ فِي تَرْبِيَةِ النَّشْءِ وَحِفْظِ الْبُيُوتِ مِنَ الِانْحِرَافِ وَالْفُرْقَةِ.
فَمَتَى مَا قَوِيَ جِسْرُ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، قَوِيَتِ
الثِّقَةُ، وَنَمَتِ الْمَوَدَّةُ، وَسَهُلَ التَّوْجِيهُ وَالْإِرْشَادُ، وَانْحَسَرَتْ
مَظَاهِرُ الْعُقُوقِ وَالِانْحِرَافِ ،وَإِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا ابْتُلِيَتْ بِهِ
بَعْضُ الْأُسَرِ فِي عَصْرِنَا أَنْ اجْتَمَعَتِ الْأَجْسَادُ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ،
وَتَفَرَّقَتِ الْقُلُوبُ فِي عَوَالِمَ شَتَّى؛ فَالْأَبُ مَشْغُولٌ، وَالْأُمُّ مُنْهَمِكَةٌ،
وَالْأَبْنَاءُ أَسْرَى الشَّاشَاتِ وَالْأَجْهِزَةِ، حَتَّى أَصْبَحَ الصَّمْتُ لُغَةً
سَائِدَةً فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُيُوتِ، وَغَابَ الْحِوَارُ الَّذِي هُوَ نَبْضُ الْأُسْرَةِ
وَرُوحُهَا، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِحِفْظِ الْأَهْلِ وَرِعَايَتِهِمْ، فَقَالَ
سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
[التَّحْرِيمِ: 6]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ
عَلَيْهَا﴾ [طٰهٰ: 132].
وَإِنَّ الْأُسْرَةَ الَّتِي يَنْقَطِعُ
فِيهَا التَّوَاصُلُ تُشْبِهُ شَجَرَةً حُرِمَتْ مِنَ الْمَاءِ؛ قَدْ تَبْقَى وَاقِفَةً
زَمَنًا، وَلَكِنَّهَا تَذْبُلُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى تَسْقُطَ، وَقَدْ أَكَّدَ
النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَعْنَى الْقُرْبِ وَالْعِنَايَةِ
بِالرَّعِيَّةِ، فَقَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَبُ وَالْأُمُّ فِي بَيْتِهِمَا،
فَهُمْ مَسْؤُولُونَ عَنْ الْحِفَاظِ عَلَى التَّوَاصُلِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالْحِوَارِ.
لِذا أَمَرَنا اللَّهُ تَعَالَى بِحُسْنِ
الرِّعَايَةِ وَالتَّوْجِيهِ فِي الْأُسْرَةِ، و َهَذَا يَتَحَقَّقُ بِالْقُرْبِ مِنَ
الْأَبْنَاءِ، وَالِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِمْ، وَمُعَايَشَةِ هُمُومِهِمْ وَمُشْكِلَاتِهِمْ،
قَبْلَ أَنْ يَلْجَأُوا إِلَى مَصَادِرَ خَارِجِيَّةٍ قَدْ تُضِلُّهُمْ أَوْ تُفْسِدُ
عَلَيْهِمْ فِكْرَهُمْ وَسُلُوكَهُمْ. وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مُؤَكِّدَةً
عَلَى مَعَانِي الرِّفْقِ وَالْمُصَاحَبَةِ فِي التَّعَامُلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا
زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَالْرِّفْقُ
فِي الْأُسْرَةِ يَبْدَأُ مِنَ الْحِوَارِ الْهَادِئِ، وَالِاسْتِمَاعِ الْجَيِّدِ،
وَالْقُرْبِ الْوُدِّيِّ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَبْنَاءِ.
فَكَمْ مِنْ مَشْكِلَةٍ فِي الْأُسَرِ كَانَ
سَبَبُهَا غِيَابَ الْحِوَارِ! وَكَمْ مِنْ أَزْمَةٍ بَدَأَتْ صَغِيرَةً ثُمَّ تَضَخَّمَتْ
لِأَنَّهَا لَمْ تُعَالَجْ فِي وَقْتِهَا! وَإِنَّ الْأَبْنَاءَ إِذَا لَمْ يَجِدُوا
صَدْرًا حَنُونًا وَقَلْبًا مُسْتَمِعًا فِي الْبَيْتِ، بَحَثُوا عَنْ ذَلِكَ خَارِجَهُ،
فَتَتَشَكَّلُ عِنْدَئِذٍ الْمَخَاطِرُ وَالِانْحِرَافَاتُ.
وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِأَرْوَعِ صُوَرِ
التَّوَاصُلِ التَّرْبَوِيِّ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، فَذَكَرَ حِوَارَ لُقْمَانَ
مَعَ ابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لُقْمَان: 13]، وَ﴿يَا بُنَيَّ
أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [لُقْمَان: 17]، وَذَكَرَ حِوَارَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
مَعَ ابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ
مَاذَا تَرَى﴾ [الصَّافَّات: 102]، فَهِيَ مَدْرَسَةُ الْحِوَارِ وَالِاحْتِرَامِ وَالْقُرْبِ
الْأُسَرِيِّ، وَكَانَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ ﷺ يَحْرِصُ كُلَّ الْحِرْصِ، بَلْ وَيُرَبِّي
أُمَّتَهُ عَلَى التَّوَاصُلِ الأُسَرِيِّ وَالْحِوَارِ الدَّائِمِ الْبَنَّاءِ، وَيُجَسِّدُ
ذَلِكَ فِي سِيرَتِهِ الْعَطِرَةِ وَتَعَامُلِهِ الْعَمَلِيِّ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ
وَأَصْحَابِهِ.فَقَدْ كَانَ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا مَعَ أَهْلِهِ،
يَتَلَطَّفُ مَعَهُمْ، وَيُصَاحِبُهُمْ، وَيُدَاعِبُهُمْ، وَيُشَارِكُهُمْ شُؤُونَ
حَيَاتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ
لِأَهْلِي» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). وَكَانَ ﷺ يَفْتَحُ بَابَ الْحِوَارِ وَالْمُصَارَحَةِ،
وَيَسْتَمِعُ لِصَغِيرِ الْقَوْمِ قَبْلَ كَبِيرِهِمْ، وَيُرَبِّي عَلَى أَدَبِ الْحَدِيثِ
وَحُسْنِ الْإِنْصَاتِ، وَقَدْ قَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي وَصْفِ رَحْمَتِهِ: ﴿فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا
مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عِمْرَان: 159].فَكَانَتْ سُنَّتُهُ ﷺ قَائِمَةً عَلَى الْقُرْبِ مِنَ الْأَهْلِ،
وَإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى الْمَسْؤُولِيَّةِ
وَالْأَدَبِ وَالْإِيمَانِ، حَتَّى صَارَ الْبَيْتُ فِي مَدْرَسَتِهِ ﷺ مَدْرَسَةَ رَحْمَةٍ وَتَوَاصُلٍ وَتَرَابُطٍ.
فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «يَا
غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ
تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ
بِاللَّهِ…» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
لذا أَمَرَنَا الإِسْلَامُ بِالتَّوَاصُلِ
بَيْنَ الأُسَرِ وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْوَالِدَانِ عَلَى غَيْرِ
دِينِ الإِسْلَامِ، فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِبِرِّهِمَا وَحُسْنِ صُحْبَتِهِمَا،
حَتَّى إِنْ كَانَا عَلَى الشِّرْكِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ
أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي
الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لُقْمَان: 15]. وَقَدْ رَوَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ
رضي الله عنهما قَالَتْ: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَاسْتَفْتَيْتُ
النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ
رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وَعَنْ
بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهم قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ،
ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). فَهَذَا الْمَنْهَجُ النَّبَوِيُّ
الْعَظِيمُ يُرَبِّي فِي الْأُمَّةِ خُلُقَ الْوَفَاءِ، وَحُسْنَ الصِّلَةِ، وَدَوَامَ
التَّوَاصُلِ، وَإِعْطَاءَ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، بَعِيدًا عَنِ الْجَفَاءِ وَالْقَطِيعَةِ
وَالإِهْمَالِ.فَلْيَكُنِ الْبَيْتُ يَا عِبَادَ اللَّهِ مَجَالًا لِلْحِوَارِ الْبَنَّاءِ،
وَلْيَكُنِ الْوَالِدُ قَرِيبًا مِنْ أَبْنَائِهِ، وَالْوَالِدَةُ قَرِيبَةً مِنْ بَنَاتِهَا،
يُشَارِكُونَهُمْ أَفْرَاحَهُمْ وَأَحْزَانَهُمْ، وَيُوَجِّهُونَهُمْ بِالْكَلِمَةِ
الطَّيِّبَةِ وَالنَّصِيحَةِ الصَّادِقَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ
اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ وَصَلَاحِ الْمُجْتَمَعِ. وَلْنَعْلَمْ أَنَّ صَمْتَ الْبُيُوتِ
وَقَطِيعَةَ الْحِوَارِ لَيْسَتْ أَمْنًا، بَلْ هِيَ خَطَرٌ يَتَسَلَّلُ إِلَى الْأُسَرِ
بِدُونِ أَنْ يُشْعَرَ بِهِ، وَأَنَّ عِلَاجَ ذَلِكَ يَكُونُ بِالْقُرْبِ، وَالِاسْتِمَاعِ،
وَالْمُصَاحَبَةِ، وَتَحْمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
ﷺ.
حِوارُ الأُسْرَةِ نُورٌ في زوايَاها******يَحْيَا
بِهِ القَلْبُ إِنْ أَصْغَى لِمَعْنَاهَا
إِذَا تَكَلَّمَ أَبٌ يَرْعَى أَبُوَّتَهُ*****أَوْ
أُمُّنَا نَثَرَتْ حُبًّا بِأَفْوَاهَا
أَوْ بَحَّ صَوْتُ صَغِيرٍ فِي مُنَادَاتِهِ*****فَالحُبُّ
يَسْمَعُهُ وَالدَّارُ تَرْعَاهَا
فَالبَيْتُ يَحْيَا بِحُسْنِ النُّطْقِ
وَالثِّقَةِ****لَا بِالصَّمْتِ الَّذِي يَغْلُو بِمَعْنَاهَا
وَالرِّفْقُ يَبْنِي بُيُوتًا فِي مَحَبَّتِهَا******وَالكَلْمَةُ
الطَّيِّبَةُ الدُّنْيَا وَمَعْنَاهَا
فَاسْمَعْ لِأَهْلِكَ إِنَّ السَّمْعَ مَكْرُمَةٌ*****وَاجْعَلْ
حَدِيثَكَ زَهْرًا فِي مَدَاهَا
إِنَّ الحِوَارَ إِذَا مَا صَارَ بَيْنَهُمُ*****أَحْيَا
القُلُوبَ وَأَزْهَى كُلَّ مَا فِيهَا
وَالدَّارُ بِالحُبِّ لَا بِالمَالِ تَسْتَقِرُّ*****فَالحُبُّ
أَبْقَى وَأَبْقَى مِنْ مُتَاهَا
حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ،
وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ
المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِين