recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أثر استقرار الاسرة فى بناء الانسان الشيخ علاء الشال

أثر استقرارالأسرة فى بناء الانسان 

 


الحمد لله الذي جعل من البيوت سكناً، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي كان قدوتنا في بيته وأسرته.

أيها المسلمون، اتقوا الله في أنفسكم وأهليكم، واعلموا أن صلاح المجتمع يبدأ من صلاح الأسرة، وأن استقرار الأسرة هو اللبنة الأولى لبناء إنسان صالح يصلح في الأرض.

أيها المؤمنون، إني قارئٌ عليكم اليوم قصة من قصص الصحابة تبين بجلاء أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان.

يروى أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثاني الخلفاء الراشدين، كان شديد الحرص على أسرته ومراقبتهم في التزامهم بدينهم، وكان يحرص على محاسبتهم ومحاسبة نفسه قبلهم. ولعل من أعظم مواقفه في ذلك قوله لأهله: "إِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ، كَمَا يَنْظُرُ الطَّيْرُ إِلَى اللَّحْمِ؛ فَإِنْ وَقَعْتُمْ وَقَعُوا، وَإِنْ هِبْتُمْ هَابُوا، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ وَقَعَ فِيمَا نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْهُ إِلَّا أَضْعَفْتُ لَهُ الْعَذَابَ، لِمَكَانِهِ مِنِّي". ولهذا كان أهله من أعظم الناس التزاماً واستقامة، فكانوا مثالاً للأسر المسلمة المستقرة التي تنشئ أجيالاً من القادة والعلماء

أيها المسلمون، إن استقرار الأسرة له أثر عظيم في بناء الإنسان، وذلك من خلال عدة عناصر رئيسية:

   العنصر الأول: السكن والمودة والرحمة، أسس العلاقة الزوجية المستقرة.

  العنصر الثاني: القدوة الحسنة، ودورها في غرس القيم والأخلاق في نفوس الأبناء.

  العنصر الثالث: التربية الإيمانية، وأهمية بناء الأسرة على تعاليم الإسلام.

  العنصر الرابع: الصبر والتسامح، آليات حل الخلافات الأسرية.

  العنصر الخامس: التوازن بين الحقوق والواجبات، وأثره في استمرارية الأسرة.

 تفصيل العناصر:

 أولاً: السكن والمودة والرحمة أسس العلاقة الزوجية المستقرة

 قال الله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

 وهذه الاية العظيمة هى أساس استقرار أي أسرة، حيث قال بعض المفسرين: "إن السكن والمودة والرحمة هي التي تجعل الحياة الزوجية مستقرة، وتمنع التفكك الأسري".

 وقال تعالى أيضاً: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا".

وهذا الأمر من الله للزوج أن يحسن معاشرة زوجته، لأن المعاشرة بالمعروف هي مفتاح السكن والاستقرار.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».

 وهذا الحديث النبوي يحثنا على الإحسان إلى الأهل، وهو من أعظم أسباب استقرار الأسرة. وقال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ».

 ثانياً: القدوة الحسنة ودورها في غرس القيم والأخلاق في نفوس الأبناء

إن الأسرة المستقرة هي التي يكون فيها الأبوان قدوة حسنة لأبنائهم، فيرون في أفعالهم وأقوالهم نموذجاً يحتذون به.

فقد قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ". وهذا يعني أن التربية الإيمانية والأخلاقية للأبناء واجب على الوالدين، ولا يكون ذلك إلا بأن يكون الأبوان قدوة في عمل الخير وتجنب المعاصي.

وما أجمل ما كان عليه الصحابة في تربية أبنائهم، فقد كانوا يصطحبونهم في مجالس العلم والجهاد، ويتفقدون أحوالهم، كما رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا رَأَى عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَلَسَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَآهُ الْغِلْمَانُ هَرَبُوا إِلَّا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَا هَرَبْتَ كَمَا هَرَبَ أَصْحَابُكَ؟! فَقَالَ الْغُلَامُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمْ أُذْنِبْ فَأَهْرُبَ مِنْكَ، وَلَمْ تَكُنِ الطَّرِيقُ ضَيِّقَةً فَأُوَسِّعَ لَكَ.

فَتَعَجَّبَ عُمَرُ مِنْ فَطَانَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ. وهذه القصة تبين أن الصحابة كانوا يربون أبناءهم على الشجاعة والصدق والثقة بالنفس.

 ثالثاً: التربية الإيمانية وأهمية بناء الأسرة على تعاليم الإسلام

إن بناء الأسرة على تعاليم الإسلام يعني أن تكون الأسرة مركزاً لعبادة الله وطاعته، وتطبيق شرعه في كل شؤون الحياة

. فالأسرة المسلمة هي التي يصلى فيها وتُتلى فيها آيات القرآن، وتكون مكاناً لذكر الله وطاعته.

قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا".

وهذا ما كان عليه بيت النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يوقظ أهله لصلاة الليل، ويذكرهم بالله في كل وقت.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ الحسن والحسين ويضعهما على فخذه، وكان يُقعد أسامة بن زيد معه، يقول: «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا». وهذا يدل على أن التربية الإيمانية تحتاج إلى حنان ورحمة، وليست مجرد قسوة وعنف.

 رابعاً: الصبر والتسامح آليات حل الخلافات الأسرية

لا تخلو أي أسرة من خلافات، ولكن استقرار الأسرة يكون بالصبر والتسامح، والعفو عند الزلل.

. وقد ضرب لنا الصحابة أروع الأمثلة في ذلك، ومنها قصة أم سليم مع أبي طلحة رضي الله عنهما: عندما مات ابنهم الصغير، صبرت أم سليم واحتسبته عند الله، وأخفَتْ خَبَرَ مَوْتِهِ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ حَتَّى بَاتَا مَعًا، ثُمَّ أَخْبَرَتْهُ بِالْخَبَرِ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ، ودَعَا لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ. وهذا الموقف يبين كيف أن الصبر والتسامح يمكن أن يكونا سبباً في استقرار الأسرة حتى في أشد المواقف حزناً.

 خامساً: التوازن بين الحقوق والواجبات وأثره في استمرارية الأسرة

إن الأسرة المستقرة هي التي يحقق فيها الزوجان التوازن بين الحقوق والواجبات، فيعرف كل منهما ما له وما عليه. وعندما يحصل خلل في هذا التوازن، تحدث المشاكل والخلافات.

قال الله تعالى: "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ".

 وهذا يعني أن هناك تكاملاً في الحقوق والواجبات بين الزوجين. ومن أروع ما يُروى عن الصالحين في هذا الباب قصة سهل بن عبد الله التستري مع خاله عندما كان صغيراً، حيث رباه خاله على ذكر الله ومراقبته، فقال له خاله يوماً: «مَنْ كَانَ اللهُ مَعَهُ وَنَاظِرًا إِلَيْهِ وَشَاهِدَهُ أَيَعْصِيهِ؟ إِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ».

وهذا يدل على أن تربية الأبناء على التوازن بين حقوق الله وحقوق الناس، وحقوق الأهل، هي من أعظم أسباب استقرار الأسرة.

توجيهات عملية

أيها الإخوة المؤمنون:

 اجعلوا بيوتكم عامرة بذكر الله وتلاوة القرآن، وواجعلوا أوقاتاً للجلوس مع أهلكم وأولادكم والحديث معهم.

  تذكروا أن الحوار الهادئ والمشورة بين الزوجين هي أساس حل الخلافات، وقدوتكم في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يشاور أهله في الأمور.

  اغرسوا في نفوس أبنائكم منذ الصغر حب الله ورسوله، والتمسك بالقيم والأخلاق الإسلامية.

 لا تنسوا الدعاء لأهلكم وأولادكم بالهداية والصلاح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو للحسن والحسين.

خاتمة ودعاء

اللهم اجعل بيوتنا عامرة بذكرك، واجعل بين أزواجنا مودة ورحمة، وبارك لنا في أزواجنا وذرياتنا، واجعلهم قرة أعين لنا. اللهم أصلح لنا أسرنا، واجعلها أسراً مستقرة تسهم في بناء مجتمع صالح. اللهم أخرج من أصلابنا ذرية صالحة تحمل لواء الإسلام وتخدم دينك. اللهم اجعلنا هداة مهتدين، واجعلنا قدوة حسنة لأهلينا وأبنائنا. اللهم اهدِ أبناءنا وبناتنا إلى ما تحب وترضى، ووفقهم لطاعتك وطاعة رسولك. اللهم احفظ أسر المسلمين في كل مكان، واجمع شملهم على الخير والتقوى. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. عرض أقل

google-playkhamsatmostaqltradent